دوافع الانتفاضة الاحوازية
الأربعاء 6 أبريل 2011
رحمان حطاوي
 
كل من امعن النظر في تاريخ الاحواز الحديث، بداية من زمن الاحتلال الايراني ولليوم، يري مؤشرات و سياسات الظلم والاضطهاد بحق هذا الشعب الاعزل بكافة اشكالها وعناوينها مستمرة، ولذلك تشتعل نيران الانتفاضة وتستمر لاجل رفع كل هذه السياسات والمشاريع العنصرية الفارسية ضد ابناء الشعب الاحوازي، ويمكننا أن نقسم هذه المظالم كما يلى:
1 – احتلال دولة الاحواز: تم احتلال الاحواز وانهاء الحكم العربي برئاسة الامير خزعل عام 1925 على يد رضا خان البهلوي. حيث احتلت ايران الاحواز بتواطؤ من بريطانيا بالقوة العسكرية ودون ارادة الشعب وبارهاب المواطن الاحوازي وخلافا لكل القوانين الدولية.
2 - معاملة عناصر الحكومة الفارسية للمواطن العربي بعنصرية واعتباره مواطن من الدرجة الثانية.
3 - حرماننا من ابسط حقوقنا الانسانية المعترف بها من قبل المنظمات الحقوقية والدولية، مثل الدراسة بلغتنا الام وهي اللغة العربية، التي تشكل اهم مكون من مكونات هويتنا العربية وعدم اجبارنا علي التعليم باللغة الفارسية، أو حرماننا من اختيار اسماء عربية لاطفالنا، أو منعنا من ارتداء الملابس العربية في الاماكن الحكومية.
4 - سلب حريتنا في اتخاذ قراراتنا وتطلعاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث تحتكر حكومة الاحتلال الايراني وعناصرها كافة المشاريع الاقتصادية والتجارية الهامة وتمنع و تعرقل العربي من انشاء المشاريع التجارية التي تخدم وتساعد في تقليل البطالة ورفع مستوي المعيشة وايضا تمنع من اقامة المناسبات والاعياد واحياء تراثنا واعلامنا التاريخية العربية.
5 - نهب ثرواتنا النفطية وصرفها على انشاء الامكانيات المعيشية والرفاهية للمواطن الفارسي في المدن الفارسية. الانسان الاحوازي يعيش على بحر من النفط والغاز، لكن ليس له اي حق فيه !!
والنظام الفارسي يصرف المليارات من عائدات نفطنا وغازنا لدعم قواته الخاصة والجيش في الاحواز حيث يسلحها ويقويها بالسلاح و الامكانيات العسكرية الاخري لتحطيم وقمع وقتل الشباب العربي الذي يطالب بحقوقه الانسانية والمساواة والحياة الكريمة وحق تقرير المصير.
6 - اعطاء الاولوية في فرص العمل للمستوطن الفارسي في المجالات السياسية الحساسة والاقتصادية كشركات النفط والغاز والبتروكيميات، وحرمان المواطن العربي من الحصول على فرص العمل في الاحواز. و ذلك جزء من سياسة الإفقار والبطالة، حيث حسب الاحصاييات الرسمية الايرانية تصل نسبة البطالة في مدينة الاحواز الي 46%، و في مدينة دزفول التي يسكنها أكثرية غير عربية تصل نسبة البطالة فيها 7% فقط، في نموذج من عدالة المحتل في التعامل مع العربي وغير العربي في الاحواز في مجال العمل.
ويهدف من وراء ذلك للضغط علي الشباب العربي العاطل عن العمل على الهجرة للمدن الايرانية الفارسية وترك الاحواز.
7 - سلب ومصادرة الاراضي الزراعية من المواطن العربي وهدم المئات من القري باسم مشاريع عمرانية تقوم بها المؤسسات الاستعمارية الفارسية التابعة للنظام كالحرس الثوري (سباه باسداران). مثل مشروع قصب السكر الذي باء بالفشل، ومن اهم نتائجه السلبية هي تلويث مياه الانهر التي يستخدمها الناس للشرب والحاجات الاخري، ومصادرة الاف الهكتارات من الاراضي الزراعية من الفلاحين العرب مما ادي الي زيادة البطالة والفقر والمسكنة في اقليم الاحواز، وتوسع دائرة الادمان للمخدرات.
وايضا صادر النظام عشرات الآلاف من الكيلومترات من أرض الاحواز وضمها الي محافظات شيراز واصفهان وخرم آباد الايرانية.
8 - تغيير اسماء المدن والقري العربية الي الاسماء الفارسية الدخيلة وتزوير التاريخ الاحوازي على ايادي رضا البهلوي وحكومة الملالي.
9 - تخطيط الحكومة الفارسية علي تهجير النخبة والطبقة المتعلمة من العرب الي المدن الفارسية وبناء مستوطنات للفرس واسكانهم في الاحواز لاجل تغيير النسبة الديموغرافية ومحو الوجود والهوية العربية بشكل تدريجي ومبرمج. هناك الكثير من المستوطنات تم انشائها على ارض الاحواز ومنها "يزد نو" في الحويزة، شيرين شهر، اهواز نو وغيرها من مشاريع اسكان عشائر اللر الرحالة في الاحواز .
 10 - تخطيط النظام لتدمير مستقبل الجيل الشاب من خلال تسهيل دخول المخدرات وتوزيعها في المدن الاحوازية بهدف تذليل هذا الشعب والقضاء علي مقاومتة وصرف تفكير وعي الشباب عن ما يدور حوله من عنصرية وحرمان واضطهاد وفقر.
11 - سرقة مياه الانهر الاحوازية كنهر الكارون والجراحي والكرخه والدز ونقلها الي عمق المدن الايرانية كرفسنجان وكرمان وقم وباقي المدن الفارسية. هذا العمل الاجرامي والغير حقوقي تسبب في قلة المياه وجفاف الاهوار وموت النخيل وتدمير البنية الزراعية والمعيشية للفلاح العربي وادي الي حالة من الفقر الشديد والهجرة من القري.
12 - سياسة التطهير العرقي ونقض حقوق الانسان في الاحواز. اجري نظام البهلوي المقبور ونظام الملالي الحاكم في طهران سياسة البطش والقمع والتنكيل ضد ابناء الاحواز واعتقال عشرات الالاف وقتل المئات منهم في الطريق العام وفي السجون المظلمة دون ذنب خلال 86 عام من الاحتلال، و هذا بهدف ايجاد الرعب وزرع الخوف في نفوس المواطنين المطالبين بحقوقهم المشروعة.
 ونعاهد اسرانا وشهدائنا الابرار الذين ضحوا بالغالي والنفيس من اجل جلب الحرية للوطن والمواطن الاحوازي، اننا على طريق المقاومة والانتفاضة باقون وسنستمر بحول الله في مسيرتنا حتي تحقيق مطالبنا العادلة .
 
 
 
قوافل الحرية تهزم تنظيم القاعدة
السبت 17 يوليو 2010

 

جمال سلطان – المصريون 21/6/2010
 
لعل أذهانا كثيرة من التي تعلقت بالموقف النبيل لقوافل الحرية التي قصدت سواحل غزة تضامنا مع أهلها المستضعفين المحاصرين وتحديا للغطرسة الإسرائيلية، لعل تلك الأذهان ذهبت إلى المعنى القريب لذلك التحدي الإنساني الجسور وهو هزيمة الحصار الإسرائيلي للمدنيين في غزة وتعرية الدولة العبرية أمام العالم كله، وهو كلام صحيح بكل تأكيد ، لكن هناك انتصارا كبيرا آخر حققته تلك القوافل ولم ينتبه له كثيرون أيضا ، وهو ذلك الانتصار الذي حققته قوافل الحرية على مشروع تنظيم القاعدة ورسالته التي يروجها بين أنصاره على امتداد العالم، والتي تذهب إلى ترويج خطاب منسوب إلى الإسلام يبرر استهداف المدنيين الأبرياء بدعوى تضامنهم مع سياسات حكوماتهم التي تنتصر للظلم الإسرائيلي وتدير ظهرها للحقوق الفلسطينية، وكذلك يتواطئون على انتهاك واستباحة الحقوق الإسلامية في أماكن كثيرة وهو ما يبرر من وجهة نظر خطاب القاعدة استهداف أولئك المدنيين، أو اتخاذهم رهينة، قوافل الحرية التي توجهت إلى غزة وخاضت غمار رحلة الموت بالقرب من سواحلها أنهت هذه الرؤية وبعثرة مشروعية ذلك الخطاب، لأن هؤلاء النبلاء الذين أتوا من كل فج عميق ومن ديانات مختلفة ليتضامنوا مع أهل غزة ويموتوا أيضا من أجلها ، كانوا من كل أقطار الدنيا ، بما في ذلك من أمريكا وانجلترا، أبرز الحكومات المتحالفة مع المشروع الإسرائيلي، أتى هؤلاء الأبطال من فرنسا ومن ألمانيا ومن إسبانيا ومن إيطاليا ومن دول أوربية عديدة، بالإضافة إلى دول عربية وإسلامية، واشتبكت الأيادي والأرواح معا دعما للحقوق الفلسطينية وانتصارا للمستضعفين وتحديا للاستكبار الإسرائيلي، وسالت دماء بدون جنس أو دين فوق السفن وفي مياه البحر من أجل فلسطين وشعبها المحاصر، هذه الروح الجميلة التي أعادت الأمل في حياة الضمير الإنساني لم تقهر فقط الخطاب الصهيوني، وإنما قهرت أيضا ـ بدون قصد ـ خطاب القاعدة المتشدد، هؤلاء الأبطال لم يهزموا فقط العناد الإسرائيلي وآلة الإرهاب التي لوحت بها الدولة العبرية أمام السفن وإنما هزموا أيضا مشروع القاعدة وفرغوه من مضمونه وأبطلوا منطقه، من غير أن يخوضوا في جدل عقائدي أو فكري، هذه أول هزيمة للقاعدة في العقد الأخير، وربما أول هزيمة للقاعدة منذ نشأتها، القاعدة تحدت الولايات المتحدة وأسلحتها وأجهزتها وآلة الخوف الأخطبوطية لديها ، وانتصرت عليها في أكثر من مكان، وفشلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في أن يكسروا شوكة القاعدة أو أن يلحقوا بها هزيمة كبيرة، بقوة السلاح أو التخويف أو القمع أو الاختطاف، ولكن سفن الحرية والرسالة الإنسانية التي حملتها، بدون مدفع ولا بندقية ولا سلاح، أثمرت في كسر شوكة تنظيم القاعدة وتفكيك خطابه بتلقائية مدهشة، ومن يرصد ردود فعل القاعدة على قوافل الحرية ومحاولة الهرب من التعليق عليها أو الارتباك أمام دلالاتها يدرك على الفور الأثر الخطير الذي خلفته تلك القوافل النبيلة في تفكيك خطاب القاعدة وإضعافه، والأمر المؤكد أنه كلما تعززت تلك الروح النبيلة في العالم وكلما انتشرت، خاصة في التضامن مع المستضعفين في العالم الإسلامي، كلما حوصر مشروع القاعدة وتهمش وتفكك، مشروع القاعدة وخطابه يقوم على فكرة أن "العالم ضدنا"، وقوافل الحرية تقول "العالم معكم"، فقط اجعلوا نضالكم في موقعه الصحيح، ومساره الصحيح، واجعلوا قضيتكم أو قضاياكم تصل إلى الضمير العالمي بشكل صحيح، في القضايا ذات الطابع الإنساني أو الحقوقي يمكن أن تلحظ الانتهازية في المواقف الرسمية، وتصريحات المسؤولين الغربيين، ولكنها لا تكون كذلك في مواقف القوى الإنسانية والأهلية، هؤلاء يحركهم نبل إنساني حقيقي، ويتحتم الفصل بين الانتهازيين والنبلاء، سفن الحرية غزت قلوب الملايين من المسلمين عبر أنحاء العالم، ودماؤهم التي سالت وصلابتهم أمام الجيش العبري هزت مشاعر ملايين المسلمين أيضا، سفن الحرية أول غزوة إنسانية حقيقية في السنوات الأخيرة ضد قوى التشدد تضرب أكثر من عصفور بحجر واحد.
 
 
 
 
 
أكذوبة الإلزامية في اتفاقيات المرأة الأممية
الجمعة 16 أبريل 2010

الهيثم زعفان – المصريون 9/4/2010

هناك ظروف تاريخية صاحبت نشأة الأفكار التحررية المرتبطة بالمرأة الغربية، وهي ذات الظروف التي نتج عنها بروز اصطلاح العلمانية، ورغبة المتمردين على الكنيسة في إبعاد كل ما هو ديني عن تنظيم الحياة في المجتمع الغربي. ومن هنا ظهر اصطلاح تحرير المرأة والذي يعني في أبسط صوره رسم مجرى حياة المرأة وفق تطلعاتها، مع تحريرها من كل ما يعرقل تلك التطلعات، خاصة الضوابط والتنظيمات الدينية، معتبرة إياها قيوداً رجعية تعرقل طموحات المرأة، ومن ثم تم تحديد الهدف في محاربة تلك القيود وإضعاف شوكتها.
 
فالاصطلاح إذن غربي النشأة، وله موقف من الدين المسيحي المحرف، ومعركته معه هناك أتت في سياق معركة العلمانية مع الكنيسة.
 
أما في العالم الإسلامي فمصطلح تحرير المرأة له موجتان: الأولى صُدّر فيها المصطلح من الغرب إلى الشرق في نهاية القرن التاسع عشر وذلك ضمن منظومة الأفكار التغريبية، ثم بعد ذلك أعاد الغرب صياغة المصطلح ليدخل حقيبة المصطلحات العولمية مشتملاً على مضامين أكثر تحررية من نسخة القرن التاسع عشر، ولتكون الموجة الثانية التي يتقاطع فيها العالم الإسلامي مع الاصطلاح من خلال مقررات علمانية صادرة عن مؤتمرات دولية ترعاها الأمم المتحدة، و يصور زيفاً أنها تمثل إلزاماً، دون أن تضع في الحسبان تباين الثقافات أو خصوصيات كل ثقافة، وعلى إثرها تُطالب الدول بتعديل تشريعاتها وصياغة سياساتها وفق معطياتها، وعدم التذرع بخصوصيات الهويات، لأن الأصل عندهم هو هيمنة الرؤية العولمية بمنطلقاتها الغربية العلمانية على ما سواها من رؤى، الأمر الذي بات يؤثر على الهوية الإسلامية.
 
وصاحبات الفكر التحرري الجديد نجحن في السيطرة على لجنة مركز المرأة بالأمم المتحدة، وصرن هن المتحكمات في صياغة الاتفاقيات ومقررات المؤتمرات العالمية المتعلقة بالمرأة، والتي أحدثت جدلاً عالمياً واسعاً بأفكارها التحررية، وأبرز تلك المؤتمرات؛ المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة والذي عقدته الأمم المتحدة في العاصمة الصينية بكين في الفترة 4 – 15 سبتمبر 1995، والذي يعد المرجعية الرئيسية الآن في معظم ما يتعلق بتحرير المرأة، وتعقد له مؤتمرات تقيمية كل خمس سنوات.
 
وعن لجنة المرأة بالأمم المتحدة والتي تقوم بصياغة الاتفاقيات ومقررات مؤتمرات المرأة تقول البروفسيرة «كاثرين بالم فورث»: «إن لجنة المرأة في الأمم المتحدة شكلتها امرأة اسكندنافية كانت تؤمن بالزواج المفتوح، ورفض الأسرة، وكانت تعتبر الزواج قيداً وأن الحرية الشخصية لا بد أن تكون مطلقة، وأن المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تخص المرأة والأسرة والسكان تصاغ الآن في وكالات ولجان تسيطر عليها فئات ثلاث (الأنثوية المتطرفة)، و(أعداء الإنجاب والسكان)، و(الشاذين والشاذات جنسياً)».
 
ويتفاوت تعاطي نساء العالم الإسلامي مع الدعوات التحررية لمقررات مؤتمرات المرأة الأممية وذلك بحسب قربهن أو بعدهن عن الفهم الصحيح للدين الإسلامي، فهناك الرؤى التي ترفض النظرة الغربية لتحرير المرأة جملة وتفصيلاً وترى أن الإسلام كرّم المرأة بصورة أرقى من نظرة الغرب لتحرير المرأة، وبالتالي فالالتزام بتعاليم الإسلام يغنيها عن أية إيجابيات في الطرح الغربي، وهناك فريق ثاني يستحسن معطيات الإسلام ويستحسن أيضاً الرؤية الغربية لتحرير المرأة وإن كان الأصل عنده هو الرؤية الغربية ورؤية الإسلام تابعة لها.
 
أما الفريق الثالث فهو أشد تطرفاً فهو يرفض الإسلام ويحاربه، ويرى أن الخلاص في تنحيته واستبداله بالرؤية الغربية لتحرير المرأة.
 
الإشكالية تكمن في أنه يتم ترويج أكذوبة أن حكومات الدول المؤيدة لتلك الاتفاقيات والمؤتمرات مطالبة بتطبيق مقرراتها في بلدانها؛ وأن كافة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمرأة والتي تمت صياغتها في لجنة مركز المرأة بالأمم المتحدة -التي أوضحت المفكرة الغربية أنها مسيطر عليها من قبل الشاذين والشاذات جنسياً- يصور إلينا زيفاً أنها إلزامية، وأن على الدول الإسلامية إذا ما وقعت عليها أن تعدل دساتيرها وتشريعاتها وسياساتها وفق تلك الاتفاقيات، دون التذرع بالخصوصيات، لأن الاتفاقيات إذا ما اصطدمت مع الخصوصيات قدمت الأولى على حساب الثانية، وإن اتفقت فالخصوصيات في هذه الحالة تكون تابعة، وإن لم تفعل الدول ذلك فستكون عرضة للعقوبات المذيلة للاتفاقيات ..
 
الإلزامية المزيفة هذه لا تخرج عن كونها "أكذوبة كبرى" اكتسبت مساحة بين بعض شعوبنا بكثرة الطرق عليه، وهذا الإلزام المزيف مردود، وذلك لأن واقع الاتفاقيات غير إلزامي بدليل عدم التزام أمريكا والكيان الصهيوني بها، بل وبقرارات مجلس الأمن التي هي أعلى من اتفاقيات الأمم المتحدة.
 
إن الواقع يشير إلى أن العالم العربي هو الأكثر تأثراً بالأفكار التحررية الغربية، لأن دوله هي أكثر الدول التي سارعت للتوقيع على معظم الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمرأة، وهم أكثر حرصاً من الغرب نفسه على تطبيق الاتفاقيات بحذافيرها، تحت زعم الإلزام والخوف من العقوبات.
 
لذا فإن الدول الإسلامية عند تعاملها مع الاتفاقيات الدولية الراعية للأفكار التحررية المضادة للدين الإسلامي والتي يصور زيفاً أنها إلزامية ينبغي عليها أن تتحرر من أية موازنات سياسية عند التعاطي مع الانحلال الأممي، مع نزع هاجس الإلزام والعقوبات من النفس، فما الذي سيحدث إن سحبت البلدان العربية توقيعها من على الاتفاقيات الأممية الانحلالية؟، وما الذي سيصيب الدول العربية إن لم تعدل دساتيرها وتشريعاتها وسياساتها وفق رؤى "شاذات" الأمم المتحدة؟، وما الذي سيحدث إن قاطعت الحكومات العربية المؤتمرات والاتفاقيات الانحلالية المصطدمة مع خصوصياتنا وهويتنا الإسلامية؟.
 
أسأل المتخوفين من قول "لا" لانحلال الأمم المتحدة هل حدث شئ لرجال الكنيسة الرافضين للانحلال الأممي؟ وهل حدث شئ لأمريكا حينما اعترضت على تلك الاتفاقيات؟ أو أصاب الكيان الصهيوني سوء حينما تذرع بهويته اليهودية؟.
 
إن الأمر لا يحتاج من المسلمين أكثر من وقفة "رجولة شرعية" أمام اتفاقيات المرأة الأممية الانحلالية، فلهم دينهم ولنا دين. 
 
 
 
 
هل تصبح إفريقيا مستعمرة صينية؟!
الخميس 19 نوفمبر 2009

الوطن العربي 30/9/2009

شهدت الفترة الأخيرة إقبالاً صينياً مكثفاً على الاستثمار داخل دول القارة السمراء لدرجة وصفها الخبراء والمحللون بأنها رغبة صينية مؤكدة في السيطرة الاقتصادية على القارة تماماً، كما كانت الإمبراطورية البريطانية تهيمن عليها إبان الحقبة الاستعمارية، وهي نفس الفكرة المسيطرة على فكر حكام وقادة الصين الذين يرغبون في جعل إفريقيا ككل بمثابة دولة تابعة لبكين.
ويطرح هذا التمدد الصيني الكثيف في إفريقيا عدة تساؤلات نحاول في هذا التقرير الإجابة عنها، وهي: ما أسباب وأهداف الاهتمام الصيني بإفريقيا؟، وأي استراتيجيات تتبعها الصين لتحقيق أهدافها بالقارة؟، وما أهم مناطق الانتشار الصيني في إفريقيا؟
 
انتشار واسع

 

وتشير التقارير إلى أن الحكومة الصينية عملت خلال الآونة الأخيرة على تكثيف حجم تبادلها التجاري مع إفريقيا ليرتفع من 11 مليار دولار العام 2000 إلى 73 بليون دولار العام 2007، ومع ارتفاع أسعار المواد الأولية قبل الأزمة المالية العالمية الأخيرة في نوفمبر "تشرين الثاني" 2008، أصبحت الصين أكبر مستثمر في إفريقيا وثالث شريك تجاري لها بعد الولايات المتحدة وفرنسا، ففي مطلع العام 2008، كانت هناك 800 شركة حكومية صينية تستثمر في القارة، وأنفقت هذه الشركات 6 بلايين دولار في 900 مشروع خاصة في قطاع المواد الأولية.
ويشير المحللون إلى أن هذا التمدد الصيني المتسارع في إفريقيا يبدو واضحاً لمن يتجول في دول القارة الـ 53، حيث يمكنه مشاهدة العلم الصيني الأحمر في أنحاء كثيرة من القارة، فضلاً عن السفارات المنتشرة هنا وهناك "49 دولة"، كما صارت هناك نخبة صينية جديدة موجودة في عدة دول بالقارة تعتز بعاداتها وتقاليدها سواء من حيث المأكل أو الملبس، بل يكاد يكون هناك بعض المدن قاطنوها من الصينيين فحسب.
ويضيف المحللون: ففي أنجولا على سبيل المثال، والتي تعد أكبر شريك تجاري للصين في القارة، هناك مدينة صينية كبيرة تعرف باسم المدينة الصينية، China town ، وأمثال هذه المدينة منتشرة في العديد من دول القارة، بل وتكاد تكون بعضها مقصورة على الصينيين حيث توجد بوابات خاصة، فضلا عن تقديم الأطعمة الصينية في المطاعم الموجودة بها، وغير مسموح لغير الصينيين الدخول إليها، كما يلاحظ أن الطرق الإفريقية تعج بالسيارات والحافلات الصينية رخيصة السعر، والتي تنقل المواطنين إلى المتاجر الصينية ذات الأسعار الزهيدة، كما أن خطوط السكك الحديدية التي تم إنشاؤها من قبل حكومة بكين تقطع مسافات كبيرة في مختلف أنحاء القارة، فضلاً عن اتصالها بالموانئ على البحار لكي تحمل المواد الأولية إلى بكين، مقابل السلع المحملة من الصين إلى إفريقيا مثل لعب الأطفال.
 

  أسباب عديدة

 

ويوضح الخبراء أن الاهتمام الصيني بإفريقيا لا يعد وليد السنوات الأخيرة، وإنما يرجع لحقبة الخمسينيات من القرن الماضي، وتحديداً مع بداية تدشين كتلة عدم الانحياز منذ مؤتمر باندونج العام 1956، وكان الاهتمام الصيني بإفريقيا في ذلك الوقت يرجع لاعتبار أساسي "سياسي" يتعلق بتأمين حصول بكين على تأييد الدول الإفريقية للاعتراف بها في مواجهة حكومة فرموزا "تايوان" واعتبار حكومة الصين الممثل الشرعي الوحيد للشعب.
ومنذ هذا الوقت تبلورت عدة اعتبارات حاكمة للتوجه الصيني صوب إفريقيا بعضها اقتصادي، والآخر سياسي، فضلا عن الاعتبارات السكانية والثقافية. وفيما يخص الاعتبارات الاقتصادية، فهي عديدة ويلخصها الخبراء فيما يلي:
 أولاً: الرغبة الصينية في الحصول على البترول والموارد الطبيعية الأخرى من إفريقيا خاصة الخشب والأقطان التي تستخدم في صناعة المنسوجات، لاسيما وأن الثورة الصناعية الكبيرة التي شهدتها الصين جعلتها ـ رغم إنتاجها للبترول ـ دولة مستوردة له منذ العام 1993، وبحلول العام 2004 أصبحت الصين ثاني أكبر مستهلك للبترول بعد الولايات المتحدة، ويتوقع أن يزداد هذا الاستهلاك سنوياً بمقدار 10%. ومعنى هذا أن بكين إذا كانت تستورد ثلث احتياجاتها من البترول والغاز الآن، فإن هذه النسبة ستصل إلى 60% بحلول العام 2010.
ونظراً لأن البترول الآسيوي لا يفي باحتياجاتها، كما أن بترول الشرق الأوسط تستحوذ عليه الولايات المتحدة والدول الأوربية؛ فإن الصين تبحث عن مصادر أخرى، ووجدت ضالتها المنشودة في البترول الإفريقي، فهي تحصل الآن على 25% من احتياجاتها النفطية من القارة، وهناك سبع دول إفريقية تمد بكين بهذه النسبة، وهي الجزائر، والسودان، وتشاد، والجابون، وغينيا الاستوائية، وأنجولا، ونيجيريا، كما أنها تستورد 70% من احتياجاتها الخشبية من الغابات الإفريقية، فضلا عن استيرادها كميات كبيرة من الحديد والبلوتينيوم من زيمبابوي وجنوب أفريقيا.
ثانياً: كبر حجم السوق الإفريقية لتسويق المنتجات الصينية، إذ يبلغ حجم هذه السوق 900 مليون نسمة، ومن ثم صارت الصين الشريك التجاري الثالث لإفريقيا بعد الولايات المتحدة وفرنسا بالرغم من أن حجم التجارة الصينية مع إفريقيا لا يزال محدوداً، إذ لا يشكل سوى 1% من إجمالي حجم التجارة الخارجية للصين. لكن يرى الخبراء أن هذا التبادل يشهد تحسناً من عام لآخر، فوفقا لبيانات وزارة التجارة الصينية، ارتفع حجم التجارة من 40 مليار دولار في العام 2005 إلى 106.8 مليار دولار في العام 2008، بزيادة بلغت أكثر من 250%، في حين كان المعدل مليار دولار فقط في العام 1999. وبعبارة أخرى، فقد زاد حجم التبادل التجاري الصيني مع إفريقيا بأكثر من 50 ضعفاً خلال تسع سنوات فقط "1999 ـ 2008".
 

استراتيجية هادفة

 

ويوضح المحللون أنه لكي تعمل الصين على تحقيق أهدافها الاقتصادية في إفريقيا، عملت من خلال استراتيجية شاملة تتضمن مجموعة من الآليات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، أبرزها ما يلي:
أولاً: توطيد العلاقات مع كل من النظم الحاكمة بغض النظر عن موقفها من الديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك الشعوب الإفريقية في آن واحد، وهي بهذا تتباين عن الولايات المتحدة التي تهتم بالأساس بتقديم المعونة للنظم الديمقراطية فحسب، بل إن بكين تلعب على ورقة الخلافات الإفريقية مع الغرب من أجل الفوز بمزيد من الصفقات التجارية خاصة في مجال النفط والموارد الطبيعية.
والأمثلة على ذلك عديدة؛ فمع انسحاب الشركات الأميركية من السودان بسبب العقوبات الأميركية على نظام الإنقاذ الإسلامي العام 1997، استغلت الصين هذا الفراغ، وقامت بالدخول بقوة إلى السوق السوداني الذي يمدها الآن بـ 7% من احتياجاتها النفطية. وتم ذلك عبر مجموعة من الآليات منها: تحسين البنية التحتية السودانية وإنشاء خط أنابيب بترول في البلاد العام 1999 بتكلفة قدرت بـ 3 مليارات دولار، وكانت النتيجة امتلاك شركة البترول الصينية الوطنية "تابعة للحكومة" 40% من أسهم شركة النيل الكبرى السودانية التي تسيطر على حقول البلاد النفطية.
ومقابل شراء الصين نصف النفط السوداني، قامت ببيع السلاح للخرطوم بسبب الحظر الدولي المفروض عليها، وزودت بكين الحكومة السودانية بالعربات المدرعة والطائرات وملايين الرصاصات والقنابل اليدوية. وقد بلغ حجم هذه المبيعات مليار دولار، كما قامت الشركات الصينية بمساعدة نظيرتها السودانية في بناء ثلاثة مصانع للأسلحة بالقرب من الخرطوم.
وفي أنجولا، التي تعد أكبر شريك للصين، استغلت بكين رفض صندوق النقد الدولي تقديم قرض لحكومة لواندا بسبب اتهامها بالفساد؛ فقامت بكين في العام 2004 بتقديم قرض مقداره بليوني دولار مقابل الحصول على 10 آلاف برميل بترول يومياً.
ووفقا للاتفاقية الموقعة بين البلدين، فإن القرض سيتم استخدامه في أعمال البنية التحتية، و70 % من قيمته سيذهب للشركات الصينية العاملة في هذا المجال مقابل 30% للشركات الوطنية. وفي نيجيريا، التي تعد أحد أكبر منتجي البترول في القارة، قامت شركة بترول الصين بتوقيع اتفاق بقيمة 800 مليون دولار مع شركة البترول النيجيرية الوطنية مقابل الحصول على 300 ألف برميل يومياً لمدة عام.
وفي العام 2006، وعندما فشلت شركة الصين الوطنية للتنقيب عن البترول في المناطق البرية في الحصول على حصة شركة أميركية، قامت بشراء حصة مقدارها 45% من شركة نيجيريا للاستثمارات البترولية البرية بمقدار 2.7 مليار دولار، كما وعدت بزيادة الاستثمارات الإضافية بمقدار 2.25 بليون دولار.
وبالنسبة للجابون، فإن تراجع صناعة النفط في البلاد قوبل باستثمارات ضخمة من قبل شركة البتروكيماويات الصينية التي تخطط لاستثمارات ضخمة برية وبحرية في البلاد.
 ثانياً، تنويع المشاريع الاقتصادية في كافة المجالات وعدم اقتصارها على النفط فقط، وخاصة تلك المجالات التي تعني المواطن الإفريقي بشكل مباشر مثل البنية التحتية، طرق وكباري وأنابيب مياه وجسور ومصانع، في حين أن الولايات المتحدة على سبيل المثال تحصر اهتمامها في المجال النفطي.
ولذا فإن هناك بعض المحللين الذين يطالبون واشنطن بضرورة الاهتمام بمجال الزراعة جنبا إلى جنب مع المجال النفطي، لأن هذا المجال سيكون أكثر فائدة للأفارقة، فضلا عن الاستثمار طويل الأجل في مجال البنية التحتية.
ثالثاً: الجودة العالية والتكلفة الأقل بالنسبة للمشروعات التي تنفذها الشركات الصينية وخاصة الشركات العاملة في مجال البنية التحتية في إفريقيا، حيث تقوم بتنفيذ المشروعات المنوطة بها بجودة عالية وبتكلفة تقل كثيراً عن مثيلتها الأوروبية.
رابعاً: تقديم تسهيلات تجارية للدول الإفريقية في عملية التبادل التجاري، خاصة فيما يتعلق بصادرات هذه الدول إلى بكين، حيث رفعت عدد السلع المعفاة من الجمارك خلال الفترة من 2006 ـ 2009 من 190 سلعة إلى 440 سلعة دون شروط، في حين أن الولايات المتحدة تضع شروطاً للتبادل التجاري مع إفريقيا غالباً ما ترتبط بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وكذلك بعض الشروط الاقتصادية الأخرى مثل تنفيذ تعليمات صندوق النقد الدولي والقيام بعملية الخصخصة الاقتصادية.
خامساً: الاهتمام بالمشروعات ذات التأثير المباشر في الشعوب الإفريقية بحيث لا يكون التواصل على مستوى القيادات السياسية فحسب، وحتى لا ينظر إلى الصين أو الشركات الصينية في هذه الدول على أنها شركات استعمارية، ولذا لا غرابة في أن تقوم الصين ببناء بعض المستشفيات وتقديم الأمصال لبعض الأوبئة المنتشرة في القارة مثل الملاريا، وإرسال الأطباء الأكفاء إلى هذه الدول، وبناء بعض ملاعب كرة القدم بالمجان.
 سادساً: المنتدى الصيني، الإفريقي في العام 2000، والذي يعد منبراً للساسة ورجال الأعمال من الجانبين لبحث العديد من القضايا السياسية والاقتصادية محل الاهتمام المشترك، وتعقد اجتماعات المنتدى على المستوى الوزاري كل عامين، وعلى مستوى القمة كل ثلاث سنوات بالتناوب بين الصين وإحدى الدول الإفريقية. وقد استضافت بكين الاجتماع الأول العام 2000 والثالث العام 2006، في حين استضافت إثيوبيا الاجتماع الثاني، ويتوقع أن تستضيف مصر الاجتماع الرابع في نوفمبر "تشرين الثاني" 2009.
 

  مناطق الانتشار

 

ويؤكد الخبراء أن الصين تمكنت من التمدد والتواجد في مربع مهم ممتد في القارة الإفريقية؛ مشيرين إلى أنها تحكم سيطرتها الآن على منطقة مربعة واسعة تمتد من نيجيريا شمالا، إلى غينيا الاستوائية والجابون وأنجولا غرباً ثم السودان وتشاد شرقاً، فزامبيا ثم زيمبابوي وموزمبيق جنوباً؛ وهو ما دفع القيادة الرسمية في الصين إلى التخطيط لكي تكون بكين أقوى قوة في هذه المنطقة لمدة طويلة.
ويلاحظ أن هذه المنطقة المربعة تضم الدول الغنية بالموارد الطبيعية من ناحية "نيجيريا، غينيا، وأنجولا، والسودان وزيمبابوي"، كما تضم الدول الغنية بالموارد الطبيعية الأخرى التي تحتاج إليها الصين مثل البلوتونيوم "جنوب إفريقيا"، علاوة على أنها تضم بعض الدول التي تعاني من اضطهاد غربي أميركي مثل زيمبابوي والسودان.
ولذلك فلا غرابة في أن نجد الدول التي تقع في نطاق هذا المربع تحتل الصدارة الأولى في حجم التبادل التجاري مع بكين، حيث تأتي أنجولا في المرتبة الأولى كأكبر شريك تجاري بمقدار 1.334.682 مليار دولار، تليها جنوب إفريقيا 863.664 مليون دولار، فالسودان 438.543 مليون دولار، فنيجيريا 316 مليون دولار.
 
 
 
 
استئناف مقالة الإسلاميين في أزمة "الحداثة الغربية"!
الجمعة 25 سبتمبر 2009

قراءة في كتاب "خواء الذات والعقول المستعمرة" لمراد هوفمان

د. محمد أبو رمان – الغد الأردنية 25/9/2009
 
ثمة فكر إسلامي مستنير، يمثل مساهمة فكرية وحضارية ومعرفية، عبر مفكرين معاصرين (بالإضافة إلى محمد إقبال وأبو الحسن الندوي والمودودي المعروفين في الأوساط الإسلامية العربية). لكنه لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه في الإعلام والثقافة العربية.
من تلك الأسماء المعتبرة، المفكر النمساوي المسلم، محمد أسد (1900-1992)، وروائعه (الطريق إلى مكة، الإسلام على مفترق طرق..)، مروراً بعلي عزت بيخوفتش (توفي 2007) (وروائعه: الإسلام بين الشرق والغرب، هروبي إلى الحرية..)، وصولاً إلى مراد هوفمان، ومهاتير محمد، ومحمد خاتمي، وغيرهم من مفكرين يمتلكون قدراً كبيراً من المعرفة والفلسفة والقدرة على صوغ خطاب إنساني حضاري إسلامي.
وتتميز المساهمات الإسلامية- غير العربية بمنح أبعاد جديدة وغنية للمقاربة الفكرية والحضارية الإسلامية، ذلك أنّها لا تنبع من البيئة العربية حصرياً، وربما تتوافر على خبرة حضارية وثقافية أخرى يشكل امتزاجها بالفكرة الإسلامية تخصيباً للخطاب وتطويراً له وتوسيعاً لآفاقه وقدراته.
في هذا السياق يمكن قراءة كتاب هوفمان بعنوان "خواء الذات: العقول المستعمرة" (دار الشروق الدولية، القاهرة، 2002)، فهو يحمل مهمة تقديم الخطاب الحضاري الإسلامي في سياق نقدي للتجربة الغربية الحديثة، التي امتلكت سطوة كبيرة على الثقافة العالمية وعلى العقل العربي المسلم تحديداً، من دون القدرة على تفكيك ثغرات هذه التجربة من زاوية، وتمايزها البنيوي عن التجربة الإسلامية من زاوية ثانية، وبناء الخطاب الإنساني الإسلامي المعاصر، من زاوية ثالثة.
ويأخذ هوفمان جزءًا من العنوان من عبارة للدكتورة نادية مصطفى – أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة – إذ تقول: "عملية الاختراق المسماة بالعولمة، لا تتعلق باختراق حدود جغرافية، ولكن بالسيطرة على العقول".
ما يريد هوفمان قوله في هذا الكتاب: أن الحداثة الغربية مليئة بالثغرات والتناقضات، وقد وصلت إلى أزمة حقيقية اليوم أنتجت ما يسمى بمدرسة "ما بعد الحداثة".
"أجوبة الحداثة" الوجودية المضلّلة
يتتبع هوفمان المادية العلمية التي صبغت البحث العلمي في شتى حقول المعرفة الإنسانية في مدرسة الحداثة؛ ليصل إلى نتيجة أن العلم لم يصل إلى إرواء غليل الإنسان في القضايا الكبرى التي تشكل دومًا مصدر اهتمامه ومحور تفكيره: الوجود والعدم، الله والكون، غائية الحياة..، بل صار العلم اليوم أكثر استعدادًا لتقبل فكرة صياغة أسئلة لا يستطيع الإنسان الإجابة عنها؛ لأنها تقع خارج قدرة المعارف الإنسانية.
وساهمت أزمة الحداثة الغربية في ظهور مدرسة "ما بعد الحداثة"، التي تعبر عن ذروة التخبط في العلم الحديث، وتعيد نبش المطلقات الفلسفية والمعرفية التي انطلقت منها الخبرة العلمية المعاصرة، التي بنيت على فرضية التناقض مع الدين، وفرضية أن العقل البشري قادر على الوصول إلى المعرفة المطلقة بمفرده دون أية وصاية خارجية.
هناك تطور دائم في العلوم، والنظريات العلمية تنقد بعضها، وما يثبته العلم اليوم ينفيه غدًا، كما أن هناك فرضيات أساسية شكلت نموذجًا سائدًا في حقول علمية شتى ثبت اليوم عدم صحتها، الأمر الذي يصل ببول فييرانبد إلى القول - في كتابه ترجمتي -:"لقد وصلت إلى الاقتناع أن الأمر كله ليس إلاّ فوضى مجنونة"، وأصبح علماء الأنسنة أقرب إلى الشعراء منهم إلى العلماء إذ يقولون:"لماذا نتباحث اليوم فيما سوف يتغير غدًا على أي الأحوال؟!".
 هذا القلق والاضطراب في عدم القدرة على الوصول إلى الحقيقة، من خلال مناهج البحث الحداثية، أنتج محاولات عديدة للخروج من هذا النفق، وبات عدد كبير من العلماء يشعر بالحاجة إلى الحكمة الشرقية وفلسفة الروح لإنقاذ العلم من متاهته المعاصرة، الأمر الذي حدث فعلاً مع فريتوف كابرا – أحد أفراد مدرسة ما بعد الحداثة – الذي قام في كتابه بالدمج بين الفيزياء والتصوف الشرقي، وكما في التصوف يتوقع كابرا أن ترفع فيزياء العصر الحديث – ما بعد الحداثة - كل المتناقضات، وتصل إلى نقطة يندمج فيها الملاحِظ والملاحَظ في وحدة واحدة: وحدة صوفية تتجاوز الفيزياء الحديثة.
في أمراض "إنسان الحداثة".. اجتماعياً وأخلاقياً
يناقش هوفمان أخطار وآفات الحداثة على الخبرة الغربية الحديثة والمعاصرة في شتى مجالات الحياة..
1- العلم والأخلاق: حاول العديد من المفكرين والعلماء وضع أساس جديد للأخلاق بدلاً؛ إلاّ أنهم فشلوا في ذلك فشلاً ذريعًا، وأدى العلم إلى مشكلة أخلاقية حقيقية في الغرب؛ إذ لم يتظاهر العلم فقط بوجود برنامج دون مبرمج، لكنه تصرف وكأن العلم وحده هو المعول عليه. وأصبح الغرب وفقا لفاسلاف هافيل أول حضارة ملحدة في التاريخ، أي تنكر دور الدين ابتداءً.
 2- العلم والحضارة: الميراث من العلم، والعلم الزائف في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بدأ يثمر مجتمعًا لا إداريًا، نفعيًا، استهلاكيًا، موغلاً في الفردية، وليبراليًا، بما يعني حضارة تنشد المتعة حتى النخاع.
3- اللذة كأسلوب للحياة: كان جينو – المفكر الفرنسي المسلم – ذا إدراك عظيم عندما حدد أن المفهوم الجوهري للحركة الإنسانية الذي صيغ خلال فترة النهضة الأوروبية، يلخص مقدمًا البرنامج الذي ستأتي به الحضارة المعاصرة، كل شيء سوف يختزل إلى المستوى البشري، وإلى المقاييس البشرية، لذلك كان من الممكن التنبؤ أن الحضارة المعاصرة سوف تصل في النهاية إلى الغوص مرحلة تلو الأخرى، إلى مستوى أدنى الرغبات البشرية.
4- دين ما بعد الحداثة: أقام الغرب بنيانه الاجتماعي المعاصر بعيدًا عن الدين، وعلى الرغم من حضور الدين في المناسبات العامة، فهو لا يعدو أن يكون فلكلورًا أو تقليدًا عاريًا عن القوة.
لكن المشكلة هي أن الدين الذي خرج من الباب الأمامي في المجتمعات الغربية عاد من الباب الخلفي من خلال الإقبال الشديد للشباب ولفئات من المجتمع على أديان جديدة وغريبة؛ كجماعات العهد الجديد التي تتعبد داخل الأهرامات، والانبعاثيين الذين يعيدون عبادة إخناتون للشمس، وبالتساوي في مكان الصدارة إلى الآن أديان عبادة القمر، العلموية والتنجيم، والملائكة، والشيطان.
هذه الموجة الجديدة من التدين تستمد قوتها من الحنين إلى التوحد العضوي، والبحث عن المعنى، الغائبين بشدة في الحياة المعاصرة.
5- ثورة القيم: اعتبر الغربيون أن الخروج على الدين وعلى قيم العصور الوسطى التقليدية ثورة في القيم، واستبدلوها بالقيم الرأسمالية العملية. لكن طبقًا لتحليل عالم الاجتماع دانييل بيل في كتابه "التناقضات الثقافية للرأسمالية"؛ فإن المشكلة في العالم الغربي تكمن في أن نجاحه الاقتصادي يدفع إلى تدمير القيم الجوهرية التي قام عليها.
وداخل المسار الجديد للعلم والقيم العملية النفعية أصبح الناس غير معتادين على حقائق الحياة كالحوادث والمصائب الشخصية والمرض والكهولة والموت، إلى حد أنهم أصبحوا غير قادرين على التواؤم مع هذه الحوادث من غير مساعدة مستشاري الأحزان.
6- السلام الخيالي: لم يقدم عونًا لإحلال مدرسة ما بعد الحداثة محل الحداثة مثلما فعلت لا عقلانية الحروب المتواصلة داخل ما يفترض أنه العالم المستنير، وقد تنبأ بذلك تولستوي في رواية الحرب والسلام أن الحياة مستحيلة في اللحظة التي يظن فيها الإنسان أنه يستطيع أن يقودها ويمارسها وفقا لتوجيهات العقل الخالص.
ولم يعد المجتمع الغربي ينعم بالسلام حتى على المستوى الداخلي، فقد وصل مستوى العنف في المدارس الأميركية الثانوية حدًا مرعبًا، وهذا لا يمثل سوى قمة جبل الجليد الغاطس؛ إذ يتغذى العنف كل يوم من كمية العنف غير المعقولة التي تشاهد يوميًا في التلفاز، وقد وصلت إلى ألعاب الكمبيوتر بشكل كبير.
7- حافز الربح: أعادت الفلسفة الرأسمالية السائدة في الغرب إنتاج جملة المفاهيم الحاكمة في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في الغرب، وتعدلت كثيرًا من المفاهيم لتلائم هذه الفلسفة، فالخير هو النافع والفعال في الحصول على أقصى درجات السعادة عن طريق إنتاج أقصى كمية من البضائع لأكبر عدد من الناس.
في الواقع، النفعية هي التي قادت إلى الغلو الذي أنجب الماركسية، وأدت كذلك إلى تفاوت كبير في دخول الأفراد والدول.
ويصل ريتشارد فولك إلى القول: لم يعد الغرب حيزًا جغرافيًا، بل ظاهرة كونية، تدار العولمة بمؤسسات لا تحصى، بالغة الضخامة، ومتعددة الجنسيات، ووصل الأمر إلى الحد الذي تدار به السياسة برأس المال، الأمر الذي يهدد الديمقراطية الاجتماعية بصورتها المعروفة في ألمانيا والدول الاسكندنافية.
8- الإعلام والتسلية (المعلومات تسلية): الإنسان الغربي يعاني اليوم من الكم الهائل من المخترعات والأجهزة التي تحرمه من الهدوء والاسترخاء والتأمل أو التفكير بعمق، أو الصلاة بخشوع. في الواقع يجب على الدوام إثارة غرائز الإنسان المعاصر، حتى عطلاته ينبغي تحويلها إلى مغامرات يشرف عليها محترفون بالتسلية.
وعلى الرغم من وجود برامج تلفازية ذات مستوى رفيع، وأيضًا مجلات إلاّ أن العملة الرديئة تطرد الجيدة من السوق، والمنتجات الإعلامية الهابطة تستحوذ على النصيب الأوفر من المشاهدين، وكل هذا يعمل بشكل كبير على إفقار روحي للمجتمع وتنمية النرجسية والبعد عن العلاقات الاجتماعية.
في نفس الوقت تجاوزت وسائل الإعلام المعاصر كل الحواجز الموضوعة لحماية الدول ذات الأيدلوجية المغلقة من تأثيرات الأنباء والثقافات الأخرى، وهنا ينبغي على الدول الإسلامية أيضًا تغيير استراتيجيتها لحماية تراثها الإسلامي من خلال تحصين الناس بالعلم النافع لمواجهة الأفكار الضارة، وليس من خلال عزلهم المادي عن التعرض لها.
9- التعليم كأيدلوجيا: تلعب العلمانية دورًا حاسمًا في المعالم العامة للتعليم الغربي، من خلال إبعاد الدين عن المناهج الدراسية وعن صياغة أخلاق الطلاب، ويدرّس الإلحاد بشكل سافر في المدارس من خلال نظريات الحداثة أسستها الحركة اللادينية.
10- الثورة الجنسية: ضمن كثير من الثورات التي مرت بالإنسان الغربي في العقدين الماضيين؛ فإن أكثرها ثراءً وأطولها بقاءً هي على الأرجح الثورة الجنسية، وبدا الجنس للوهلة الأولى كأنه البديل الأقوى للدين مكتملاً بأنبيائه الذين يبشرون بالحرية الجنسية.
الآن فإن العادة السرية، والجنس ما قبل الزواج، تبادل الزوجات، الجنس في الشرج، والجنس المثلي، ومشاهدة العري، والدعارة؛ أصبحت كلها مقبولة، وتتكرر كموضوعات رئيسة من خلال تبادل الحديث، كما تجتذب الإعلام، الجنس مع الأطفال هو الوحيد الذي ما يزال محرمًا. ووصل الأمر إلى السماح لمحترفات البغاء بتكوين نقابات ببعض الدول على أنهن"عاملات جنس"، وفي ألمانيا منذ عام 2001؛ فإن الأزواج الشواذ يحصلون على التسجيل المدني.
11- انحطاط الأسرة: الضحية المباشرة للثورة الجنسية، والتي هي الأكثر استحقاقًا للأسى هي الأسرة، انهيار الأسرة الناتج عن الثورة الجنسية هو عنوان الشؤم على قرب انهيار الحضارة الغربية. 
ويعرض التلفاز كل ليلة كم هي عالية درجة الجمال في الرجال الآخرين والنساء الأخريات، ويحض الزوجات داخل بيوتهم على الدخول في منافسة مع جميلات التلفاز، وهي منافسة صعبة جدًا، ولا يمكنهم ببساطة الفوز بها، فعندما يصبح الجنس بضاعة تعرض في السوق، فسوف تتحلل الأسرة، وذلك ما يحدث بمعدلات مخيفة، وأرقام الطلاق تتصاعد في كل مكان، والأسوأ من ذلك المزيد والمزيد من الشباب يقررون عدم الزواج مطلقًا منذ البداية.
12- العدوان على الحياة والإدمان البنيوي: ومن آفات الحداثة إباحة الإجهاض وقتل الجنين غير المرغوب فيه، ومن آثارها الإدمان والكحول والمخدرات، والإدمان ليس مرتبطًا بالمخدرات والخمر، وإنما يصل إلى الإدمان على التكنولوجيا والاستهلاك وشراء الحديث، بما يذكرنا بكتاب هربرت ماركوز المتميز"الإنسان ذو البعد الواحد".
يقول هوفمان: "يطغى ضجيج الإدمان على صوت الضمير الذي قد يذكر الإنسان المعاصر بمصيره الحق، وهو معرفة الله، والدخول تحت عباءة الخضوع له. تعطي أنواع الإدمان معنى زائفًا للحياة، وتبدو على هيئة حلول، بينما هي في الحقيقة تمثل المشكلة الجوهرية.. إنها تحرم الإنسان من الصمت الوجودي والتركيز الذي يحتاج إليه من أجل إقامة الروابط السامية".
 
 
 
 
عندما يمثّل يهودي دولة اسلامية
الأربعاء 1 يوليو 2009

عندما يمثّل يهودي دولة اسلامية

محمد السمّاك – المستقبل اللبنانية 26/6/2009
 
في المؤتمر الدولي حول "حوار الحضارات والتنوع الثقافي" الذي عُقد في مدينة القيروان بتونس بدعوة من المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة (أسيسكو) وبمشاركة منظمة الفرنكوفونية ووزارة الثقافة التونسية، استوقفني ممثل المملكة المغربية الى هذا المؤتمر .
فالمغرب كما هو معروف دولة عربية افريقية اسلامية كما ينص على ذلك دستورها. الملك هو أمير المؤمنين. اما ممثله الى المؤتمر فكان يهودياً، وهو مستشاره اندريه أزولاي.
ما كانت يهودية أزولاي لتثير أي احتجاج او حتى اي استغراب، فالرجل مواطن مغربي وله ما لأي مغربي آخر من حقوق وامتيازات. فأثناء حروب الفرنجة ـ الحروب الصليبية ـ كان يشغل منصب وزير المال لدى صلاح الدين الأيوبي يهودي عربي. لذلك ما كان التوقف أمام يهوديته يعني شيئاً استثنائياً لولا كلمته التي ألقاها في جلسة الافتتاح. ويمكن تسجيل النقاط الآتية أساساً لحالة "الشفاه المقلوبة" التي بدت بعد انتهاء كلمته.
فالرجل تحدث عن المحرقة التي تعرّض لها اليهود. وهنا أيضاً ليست مشكلة. فالمحرقة وقعت وارتكبها مجرمون نازيون. ولقد انتقد أزولاي بشدة مرتكبيها وهذا من حقه أيضاً. إلا انه كان يجلس الى طاولة المؤتمر الى جانب أزولاي الرئيس الايراني السابق محمد خاتمي. فبدا وكأن أزولاي ينتقد بوجوده رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية محمود أحمدي نجاد الذي عُرف بتصريحاته السلبية عن المحرقة. وكان في ذلك إحراج للرئيس خاتمي الذي ينتقد علناً وصراحة سياسة نجاد ويكافح من اجل ان لا يفوز بولاية رئاسية ثانية.
صحيح ان هناك من يعارض ومن يؤيّد وجهة نظر الرئيس نجاد بالنسبة للمحرقة اليهودية، ولكن هل كان يجوز ليهودي أن يعتلي منبراً اسلامياً وفي دولة اسلامية لينتقد موقف رئيس دولة اسلامية اخرى؟ هذا في الشكل. اما في الجوهر فان القضية هي أهم من ذلك. فقد تحدث أزولاي عن المحرقة اليهودية متجاهلاً المحرقة الفلسطينية التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية في قطاع غزة والتي أكدتها تقارير الأمم المتحدة ووصفتها بأنها جرائم حرب.
كان من مستلزمات الحد الأدنى من الموضوعية العلمية، أو حتى من اللياقة الدبلوماسية ان لا يتغافل أزولاي عما تعرّض له الفلسطينيون منذ أشهر فقط في غزة على أيدي أبناء جلدته الاسرائيليين، وهو يتحدث باستفاضة عما تعرّض له اليهود منذ عقود عديدة على أيدي النازيين (وليس الفلسطينيين ولا العرب ولا المسلمين).
لقد كان الرئيس الاميركي باراك أوباما في خطابه الذي ألقاه من جامعة القاهرة اكثر موضوعية وتوازناً، اذ تحدث عن معاناة اليهود من دون أن يغفل معاناة الفلسطينيين. وهو ما لم يفعله أزولاي مع الأسف الشديد. لا شك في ان أزولاي يعرف بالتأكيد العواطف التضامنية الجياشة التي أبداها الملك محمد السادس نفسه، والشعب المغربي جميعه مع الفلسطينيين قبل مأساة غزة وبعدها. ولذلك كان حرياً به أن يكون أميناً على نقل هذه المشاعر الصادقة والتعبير عنها بإدانة الارتكابات الاسرائيلية. لقد كان محقاً في التنديد بالمحرقة اليهودية، ولكنه كان ظالماً بتجاهله المحرقة الفلسطينية.
وخلال الجلسات التي تواصلت على مدى يومين، تناول المؤتمر موضوع احترام التعدد الثقافي والديني والحضاري، وذلك في الوقت الذي كانت اسرائيل تسنّ قوانين عنصرية جديدة تفرض على الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين داخل ما يعرف بالخط الأخضر (اي داخل اسرائيل 1948) الاعتراف بيهودية الدولة وبالولاء لها. أما كيف يكون الولاء ليهودية دولة تدّعي انها علمانية (؟) وأما كيف يمكن لفلسطيني مسلم أو مسيحي يرزح تحت الاحتلال الصهيوني ان يقسم يمين الولاء للدولة المحتلة، وليهوديتها ، فذلك كان آخر ما يهم أزولاي، وآخر ما يهتم به. فهو لم يتناول هذا الموضوع لا من قريب ولا من بعيد!!
فقد تحدث بإسهاب عن وثيقة قال ان الكونغرس الاميركي بمجلسيه الشيوخ والنواب رفعها الى الرئيس باراك أوباما عشية توجهه الى الشرق الأوسط. فوصف أزولاي الوثيقة بالمهمة جداً لانها تحثّ الرئيس الاميركي على العمل على إقرار حلّ سياسي للصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني. ولكن بالعودة الى هذه الوثيقة يتبين انها تنطلق من امر آخر. وهو تحذير الرئيس أوباما من ممارسة الضغط على اسرائيل حتى لا يتعرض أمنها للخطر. فالوثيقة تحذر ولا تؤيد وتدافع عن اسرائيل ولا تنتقدها.
وأشار أزولاي الى أمر اذا صحّ فانه يشكل فعلاً علامة ايجابية وبناءة. فقد قال ان مجموعة يهودية أميركية من المثقفين والكتّاب تنشط في اتجاه معاكس للوبي اليهودي التقليدي المتمثل في منظمة إيباك. ونسب الى هذه المجموعة انها وجّهت نداء الى الرئيس أوباما تحثّه فيه على تحقيق السلام على أساس الدولتين (اسرائيل وفلسطين) .
والواقع ان وجود مثل هذه الشخصيات اليهودية ليس جديداً وليس مفاجئاً. ان مثل هذه الشخصيات موجود داخل اسرائيل بالذات. وقد ارتفعت أصوات يهودية في العديد من المجتمعات تندّد بالجرائم التي ارتبكتها اسرائيل في غزة، ووصل بعض أصحاب هذه الضمائر الحيّة حتى الى الإعراب عن خجلهم كيهود من الممارسات الاسرائيلية المتوحشة.
وكان الرئيس التونسي زين العابدين بن علي قد دعا في كلمته التي افتتح بها المؤتمر الى وجوب ان يكون القانون الدولي المرجع الأساس الذي تحتكم اليه المجموعات الدولية وتعتمد عليه في تأمين مقومات السلم والتعايش في العالم، وأن يكون احترامه من الجميع شرطاً لازماً لنجاح أي حوار جادّ بين الحضارات والثقافات. وقال الرئيس التونسي أيضاً "ان الحرص على المنظومة القانونية الدولية مما تتعرض له من تجاوزات وانتهاكات، والتعامل معها بصدق ونزاهة من شأنه ان يجنّب ازدواجية المعايير في تأويلها وتطبيقها ويحدّ من مشاعر الإحباط والإحساس بالظلم ويرسخ الثقة بالشرعية الدولية وبالمؤسسات الأممية".
في ضوء ذلك، كان من المتوقع، بل من المفترض ان يعزف أزولاي وهو يتحدث باسم دولة مغاربية اخرى على هذا الوتر القانوني الدولي، وهو ما لم يفعله. بل انه ركز بدلاً من ذلك على دور الاتحاد الأوروبي المتوسطي الذي انتخبه (؟) رئيساً له. واعتبر ان في الشراكة الأوروبية المتوسطية (دول شمال وجنوب المتوسط) مدخلاً أساسياً وناجحاً لمعالجة قضايا الشرق الأوسط. وفي الواقع فان هذا التنظيم السياسي المتعثر الولادة يهدف الى تحقيق امر اساسي لا علاقة له بالتسوية الشاملة والعادلة وهو الالتفاف على الرفض العربي لاسرائيل ومحاولة تمرير الاعتراف بها والتعامل معها من البوابة الأوروبية.
وهذا الأمر هو ما حمل عدداً من الدول العربية على رفض الانضمام الى هذا التنظيم الجديد ومعارضته.
من المؤسف ان مشاركين أوروبيين في المؤتمر (من فرنسا وسويسرا) أبدوا تفهماً أسلم وتعاطفاً أصدق وأكثر حرارة مع قضايا العالم الاسلامي. فاذا كان اندريه أزولاي في ذلك يعبّر عن رأيه الشخصي فهو حرّ في ذلك، ونحن نحترم رأيه وإن كنا نعارضه، ولكن أن يوحي بأن آراءه تلك كانت تعبيراً عن موقف ورأي ومشاعر المملكة المغربية ملكاً وشعباً، فذلك أمر نعرف جيداً انه مخالف للحقيقة والواقع.
 
 
 
حقيقة الإمبراطور محمد جلال الدين أكبر ، بطل فيلم “جودا أكبر”
الأحد 3 مايو 2009
حقيقة الإمبراطور محمد جلال الدين أكبر ، بطل فيلم “جودا أكبر
أسامة شحادة - الغد الأردنية 24/4/2009
 
أحدث فيلم "جودا أكبر" ضجة كبيرة قبل عرضه في الهند فقد قامت مجموعات هندوسية بمهاجمة ملصقات الفيلم مما حدا بالسلطات بمنع عرضه في بعض المدن الهندية، أما في البلاد العربية فقد لقي ترحيباً حاراً، مما حدا ببعض القنوات لدبلجته بالعربية ليكون أول فيلم هندي مدبلج!! وتقدر بعض التقارير أن هناك  6000رابط باللغة العربية في شبكة الإنترنت تتحدث عن الفيلم ونجاحاته.
ورغم أن وكالة رويترز نقلت "عن العاملين في فيلم (جودا-أكبر) إنهم يريدون أن يظهروا كيف نجح الحبيبان في تحطيم الحواجز الثقافية والدينية".!! إلا أن غالب الآراء المدونة في الإنترنت تمدح الفيلم على اعتبار أنه يعطي صورة جميلة للإمبراطور المسلم من خلال احترام زوجته الهندوسية، وقد غاب عن هؤلاء أن هذا الإمبراطور لم يحترم دينه أصلاً بزواجه من غير مسلمة أو كتابية!! وهذا من مظاهر ضعف التفكير والتحليل التي يعاني منها مسلمو العصر بفضل التعليم والتربية العلمانية التي تصب عليهم صباح مساء.
لقد تم التركيز على الجانب العاطفي فقط المتمثل بقصة الحب والغرام بين مسلم وهندوسية، لتمرير عدد من الأفكار تحت دعوى التسامح والانفتاح والعدل، الذي يطول فقط الهندوس، بينما المسلمون في الفيلم هم الذين يقدمون التنازلات الدينية تجاه الهندوس كما أن كل النقائص والخيانات لا تصدر إلا من المسلمين، بل حتى حالة الخيانة الهندوسية الوحيدة يتم التوبة منها وإفشاء سرها كما أن العم الهندوسي المغتصب للحكم يعتذر من ابن أخيه على فراش الموت!!
ولما كانت قصة الفيلم مختارة بعناية ودقة ودهاء لتمرير مفاهيم وأفكار محددة، وتم التغاضي كلياً عن حقيقة موقف وتاريخ بطل الفيلم محمد جلال أكبر رغبت بتقديم الجانب الغائب من شخصية "أكبر" في الفيلم.
لقد عرفت الهند على يد أكبر هذا عقيدة منحرفة قدمت من إيران تسمى " العقيدة الألفية"  تقوم على أن صلاحية الإسلام تستمر لمدة ألف عام فقط من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعدها تظهر شريعة جديدة للبشر، ومخترع هذه العقيدة الباطلة هو محمود بسيخواني (توفي سنة 832هـ) مؤسس الفرقة النقطوية في منطقة كيلان الإيرانية، والذي نقل هذه العقيدة النقطوية المنحرفة للهند: عبد القادر بن ملوك شاه البدايونى، واقتنع بها أبو الفضل بن المبارك الناكورى أحد علماء السوء والضلالة وأحد المقربين من الإمبراطور جلال الدين أكبر، والذي زين لأكبر إظهار دين جديد يكون أكبر هو مؤسسه وصاحبه!!
وبعد اقتناع أكبر بانتهاء صلاحية الإسلام أصدر له شيخ السوء مبارك الناكورى والد أبي الفضل وثيقة عصمة من الزلل والخطأ وانه قد بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق فليس بحاجة لرأي العلماء وأنه مستغنٍ عنهم!!
وبعد ذلك تبلور الدين الجديد باسم "الدين الإلهي أو الأكبري" والذي يقوم على الأسس التالية:
-   عقيدة وحدة الوجود التي لا تميز بين خالق ومخلوق، وأن الوجود هو حقيقة واحدة فقط، فالإنسان والحيوان والجماد والنبات والله شيء واحد _تعالى الله عز وجل عن ذلك _، وهي عقيدة منتشرة بين متصوفة الهند مسلمين وغير مسلمين واشتهر بها ابن عربي.
-   وحدة الأديان، - وهي نتيجة لازمة لعقيدة وحدة الوجود- فكل الأديان عند جلال الدين أكبر هي دين واحد، ولا يخفى على العاقل بطلان هذه الفكرة فكيف يمكن جعل الشيء ونقيضه صواباً!!
-   لما قام هذا الدين على جمع أديان الهند التي تعترف بإله، جعل شعار دينه "لا إله إلا الله أكبر خليفة الله" فحذف الاعتراف برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لأن الخلاف بين الأديان متعلق بالرسالة بنظره، وهو في كل هذا يسعى لجمع أهل الهند سياسياً تحت حكمه، ودينياً تحت دينه الجديد!!
أما على صعيد الشعائر والعبادات، فقد أمر الجميع بالسجود له كلما دخلوا عليه، وأمر بعبادة الشمس والنار أربع مرات في اليوم، لأنه كان يعتقد أن الشمس هي المتصرفة في الكون، وواضح تأثره هنا بالزرادشتية.
وقام أكبر بإسقاط فرائض الإسلام كلها، ومنع أداء الصلوات الخمس في قصره، وهدم بعض المساجد وحولها لمعابد هندوسية، ومنع صيام شهر رمضان. وأصدر مرسوماً بإلغاء الزكاة، ومنع الناس من الذهاب للحج!! وبَدّل تحية الإسلام (السلام عليكم) إلى "الله أكبر" وجعل الرد: "جل جلاله" في تلميح لألوهية جلال أكبر.
وأكرم أكبر الخنزير وبنى بيتا للخنازير في قصره ليراها كل صباح!! كما قدس البقرة ومنع من ذبحها بتأثير زوجته جودا ومستشاريه الهندوس، وقد لبس زنارهم ووضع "القشقة" وهي النقطة الملونة على جبينه، وحين ماتت أمه أقام مأتمها على طريقة الهندوس!!
كما منع تدريس العربية وأغلق الكثير من المدارس والجامعات الإسلامية.
وبسبب هذا الدين الجديد عاش المسلمون في محنة شديدة، لم تزل لليوم آثارها ظاهرة من انتشار كثير من العقائد الفاسدة بينهم وضياع هيبتهم ومجدهم، واندثار كثير من مدارسهم وجامعاتهم.
وقد كان دينه الجديد القائم على مزج الأديان معاً سبباً لظهور النفوذ البريطاني في الهند وسيطرة شركة الهند الشرقية التي تأسست زمنه على مقدرات الهند وممالكها الإسلامية، حتى تم تغيير عاصمة الهند من دهلي التي ينتسب لها كثير من علماء المسلمين باسم الدهلوى إلى دلهي.
هذه نبذة في غاية الاختصار عن الحقيقة المغيبة لبطل فيلم "جودا أكبر" ، فهل نعي حقيقة ما يراد لنا أن نشاهده، ولمصلحة أي أجندة تصرف 10 ملايين دولار هي قيمة إنتاج الفيلم؟؟
 
 
 
 
استقلال كوسوفو يقسم المسلمين في صربيا أيضا
الأحد 9 مارس 2008
استقلال كوسوفو يقسم المسلمين في صربيا أيضا
محمد م. الأرناؤوط - أستاذ التاريخ الحديث في جامعة آل البيت
الغد-  29/2/2008
 
يبدو أن المسلمين في صربيا لم يكن ينقصهم إلا مشكلة كوسوفو حتى يدفعوا ثمناً جديداً لوجودهم هناك وسط التجاذبات المحلية والإقليمية والدولية بشأن استقلال كوسوفو. والمسلمون في صربيا لهم تاريخ طويل نتيجة للحكم العثماني الطويل (حوالي أربعة قرون) وتوسع صربيا الحديثة بعد استقلالها في 1878 حيث شملت مناطق يسكنها الألبان والبشناق غير المرغوب بهم. ونتيجة لهذا الوضع فقد غدت بلغراد تحتضن الجامع الوحيد الذي بقي من العهد العثماني (بعد أن كان فيها عشرات الجوامع) بينما أصبح الثقل الكبير للمسلمين في الأطراف: في السنجق (البشناق) وفي وادي بريشيفو (الألبان) حيث يتواصلون أكثر مع المسلمين المجاورين لهم في البوسنة والجبل الأسود وكوسوفو.
ومع انهيار يوغسلافيا خلال 1991-1992م وإعلان استقلال كوسوفو من جانب واحد استقلت "المشيخة الإسلامية" في كوسوفو بدورها عن باقي يوغسلافيا.
 ونتيجة لذلك برز في بلغراد الشيخ حمدي يوسف سباهتيش إمام "جامع البيرق"، الذي أصبحت صربيا ميلوشيفيتش تعتبره "مفتي صربيا"، ولكن سلطة هذا "المفتي" لم تكن تتعدى كثيراً حدود بلغراد لأن المسلمين في السنجق (البشناق) كانوا يعتبرون مفتي البوسنة مرجعاً لهم، كما أن المسلمين في وادي بريشيفو (الألبان) يعتبرون مفتي كوسوفو مرجعاً لهم.
 ومع استقلال الجبل الأسود عن صربيا في آيار / مايو 2006م انقسم إقليم السنجق وسكانه المسلمون بين الدولتين، حيث ارتفعت نسبة المسلمين في الدولة الجديدة (الجبل الأسود) إلى حوالي 22% بينما انخفضت نسبة المسلمين في صربيا إلى حوالي 8% (حوالي 500 ألف من أصل 7 ملايين نسمة).
ونتيجة لهذا الانفصال بين صربيا والجبل الأسود أخذت تصدر في صربيا قوانين جديدة كان منها "قانون الكنائس والجماعات الدينية" الذي صدر في صيف 2006م. وقد نصّ هذا القانون على وجود هيئة أو جماعة دينية واحدة تمثل المسلمين أمام الدولة، كما هو الأمر مع الكنيسة الأرثوذكسية الصربية.
 ولكن المشكلة كانت في كيفية جمع وتمثيل المسلمين في هيئة هرمية واحدة ضمن الأوضاع الموجودة. فقد أدرك الشيخ حمدي يوسف سباهتيش أن المبادرة لانتخاب هيئة تمثيلية للمسلمين لن توصله إلى المنصب الذي هو فيه (مفتي صربيا)، لأن غالبية المسلمين يأخذون عليه تعاونه مع نظام ميلوشيفيتش وسكوته عما كان يجري في كوسوفو خلال 1998-1999.
ولذلك دعا بعض المسلمين المؤيدين له في بلغراد وجوارها إلى "مجلس" عقد في شباط / فبراير 2007م وأدى إلى إعلان تشكيل هيئة تمثيلية باسم "الجماعة الإسلامية لصربيا" واختيار ابنه محمد يوسف سباهتيش مفتياً لصربيا.
ولكن الغالبية المعارضة له (من البشناق والألبان) ردوا على ذلك بالدعوة إلى مجلس موسع في نوفي بازار عاصمة السنجق خلال آذار 2007م وحضره ممثلون عن المشيخات الإسلامية في الدولة المجاورة وانتهى إلى تشكيل هيئة جديدة باسم "الجماعة الإسلامية في صربيا" واختيار الشيخ معمر زوكورليتش مفتياً لصربيا.
وقد كان من الواضح أن مشاركة ممثلي المشيخات الإسلامية في البوسنة والجبل الأسود وكوسوفو ومكدونيا يعني اعترافاً مسبقاً بهذه الهيئة/ المشيخة الجديدة التي تمثل المسلمين في صربيا. ولكن المشكلة كانت في أن الدولة حسب القانون لا تعترف إلا بهيئة واحدة للمسلمين ورئيس واحد لها يحمل لقب "مفتي صربيا"، ولذلك فقد أجلت الاعتراف مع أن الشيخ زوكورليتش كان يمثل الغالبية وأصبح يحظى بقبول رسمي كممثل للمسلمين في صربيا من قبل الهيئات المماثلة في البلقان.
 ولكن هذا التأجيل لم يخف حقيقة أن الحكومة الصربية كانت تفضل "المفتي الصربي" يوسف سباهتيش الموالي لها على عكس "مفتي صربيا" معمر زوكورليتش الذي كانت تعتبره موالياً لسراييفو.
وقد جاءت الآن التطورات السريعة عقب إعلان الاستقلال في كوسوفو لتبرز أكثر هذا "الصراع على الإسلام" حسب تعبير د. رضوان السيد. فقد كان مفتي البوسنة د. مصطفى تسريتش يشارك في مؤتمر الدوحة عن "العالم الإسلامي والولايات المتحدة" حيث ظهر في قناة "الجزيرة" (18/2/2008) وعبّر عن دعمه لاستقلال كوسوفو، وهو ما ينسحب بطبيعة الحال على موقف "الجماعة الإسلامية في صربيا" التي يرأسها الشيخ معمر زوكورليتش "مفتي صربيا".
 ولكن بلغراد التي أطلقت حملة شاملة لعرقلة استقلال كوسوفو دفعت "مفتي صربيا" الآخر الشيخ محمد يوسف سباهتيش إلى موقف معاكس تماماً. وهكذا فقد صرّح الشيخ يوسف سباهتيش في اليوم التالي (19/2/2008) أن "الجماعة الإسلامية لصربيا" التي يرأسها "تندد بإعلان استقلال كوسوفو باعتباره من أعمال العنف السياسي الذي يمكن أن يعمق الخلافات بين شعوب العالم".
ولم يكتف الشيخ يوسف سباهتيش بذلك بل أوضح للصحافة الصربية أنه قد أرسل رسائل إلى كل الدول الإسلامية يناشدها عدم الاعتراف بكوسوفو. ومع هذا الموقف لا يملك المرء إلا أن يأسف لهذا التسييس لشؤون المسلمين.
 فقد كان من الواضح منذ البداية أن الحكومة الصربية تفضل أن يكون الشيخ يوسف سباهتيش "مفتي صربيا"، على الرغم من معارضة غالبية المسلمين في صربيا، لكي يكون في صفها في مثل هذه الحالة. ولا شك في أن هذا الموقف المتسرع للشيخ يوسف سباهتيش يكشف من ناحية عن الجهة التي تدعمه منذ البداية، ويؤشر إلى شرخ عميق في تمثيل المسلمين بصربيا.
فمع هذا الموقف تعمق الانفصال بين الجهتين/ الهيئتين اللتين تدعيان تمثيل المسلمين في صربيا مع أن المطلعين على الأوضاع هناك يعرفون ماذا تمثل كل جهة أو هيئة.
ومن هنا فقد كان من الملفت للنظر أن يقوم مراسل "الجزيرة" في بلغراد نور الدين بوزيان بلقاء الشيخ يوسف سباهتيش باعتباره "مفتي صربيا"، الذي تحدث بما شاء (22/2/2008) دون أن يشير إلى وجود مرجع آخر (الشيخ معمر زوكورليتش) يمثل غالبية المسلمين في صربيا، وقد يكون لديه ما يستحق الاستماع إليه.
 في مثل هذه الحالة وجود جهتين/هيئتين تدعيان تمثيل المسلمين في صربيا تعتبر الحكومة الصربية (وزارة الاديان) نفسها في حل من أمرها للاعتراف بوجود رسمي للمسلمين حسب القانون الجديد . وبعبارة أخرى فان المسلمين في صربيا، الذي عانوا بما فيه الكفاية في عهد ميلوشيفيتش، لاينقصهم الان أن ينقسموا وأن يختلفوا على من يمثلهم أمام الدولة لان الايام القادمة ( بما تحمل من تحديات) تحتم عليهم أن يكونوا جهة واحدة "أمام الدولة" وليس في "مواجهة الدولة".
 
 
 
 
زندقة في برنامج إضاءات !
السبت 12 يناير 2008
زندقة في برنامج إضاءات !
د. خالد بن عبد الله المزيني
تفاجأت بإعلان المذيع السعودي : تركي الدخيل، بأنه سوف يسستضيف هذا الأسبوع في برنامجه "إضاءات"، الدكتور الجزائري المتفرنس "محمد أركون" ([1]) ، ومبعث الاستغراب أن هذا الرجل لا يملك أي مقوم من مقومات الفكر الصحيح، بل ولا المحايد، وجميع إنتاجه الفكري يكاد يدور حول الدعوة إلى إسقاط قدسية القرآن الكريم !!
فهو أحد الجفاة الكبار المنادين بنبذ القرآن الكريم، كما نبذت أوروبا كتابها ظهرياً !!
وقد قمتُ منذ سنوات بدراسة حول إنتاج "أركون" فوجدتُ أنه لا يعدو أن يكون زنديقاً كبيراً، إلا أن الفرق بينه وبين غيره أنه يصرح بزندقته، في حين يلمح إليها أصحابه !! وأنوِّه إلى الدراسة المركَّزة التي أجراها أخونا الدكتور محمد بريش حول فكر أركون، وقام بتفنيد آرائه، وفضح عمالته، وقد نشرت قديماً في مجلة الهدى المغربية، حتى إن أركون قام بمراسلة المجلة ليوقف نشرها للدراسة، إلا أنه انهزم حين دعي إلى محاورة علمية مع الدكتور بريش، والوثائق حاضرة شاهدة، وأقترح على الدخيل أن يستضيف الدكتور بريش ليجلي حقيقة المسألة.
وهذا ملخص لدعوة أركون إلى أَنْسَنَة القرآن الكريم، مع مناقشتها باختصار لا يخل بالمقصود.
أ. دعوى"أَنْسَنَة" القرآن الكريم أ ـ تقرير الدعوى :
يَقْصِد أركون وغيره بـ"الأَنْسَنَة"؛ ذلك الموقف الذي يقدِّس الإنسانَ لذاته، ويعتبره مركزَ الكون،ومحورَ القيم([2])، ويفرِّقون بذلك بين "المركزيَّة الإنسانية"؛ و "المركزيَّة الإلهية"، ويرون أنَّ مشكلةَ المسلمين اليوم؛ هي في إيمانهم بأن الإله هو مركز الكون، ومصدر التشريع ([3]) !!
وهؤلاء يدعون إلى اعتبار " القرآن الكريم" كتاباً إنسانياً، لا ربانياً، بمعنى أنْ تُنزعَ منه القداسة والإحكام([4])، وأن يكونَ لكلِّ فردٍ حقُّ فهمِه وتفسيرِه؛ بحسب حاجاته الإنسانية، ومقتضيات أحواله،ومن ثم فلا يصح عند هؤلاء الاستناد إلى كتاب الله الكريم في تقرير الفتاوي لعموم الأمة وخصوص الأفراد.
يقول محمد أركون : " إن القرآن ليس إلا نصاً من جملة نصوصٍ أخرى، تحتوي على نفس مستوى التعقيد، والمعاني الفوّارة الغزيرة : كالتوراة والإنجيل،والنصوص المؤسِّسَة للبوذية أو الهندوسية، وكلُّ نصٍّ تأسيسي من هذه النصوص الكبرى؛حَظِيَ بتوسعاتٍ تاريخيةٍ معينة، وقد يحظى بتوسعاتٍ أخرى في المستقبل"([5])"،هذا مبلغ علمه في القرآن الكريم، أنه يستوي والكتب المحرفة، أو تلك التي اكتتبها بشرٌ من البشر!!
ب ـ القائم بهذه الدعوى :
لقد تورَّطَ في شَرَك هذه البدعةِ، أعني بدعة "الأنْسَنَة"؛ بعضُ المنتسبين إلى العروبة والإسلام، وكان الذي تولَّى كِبْرَها محمد أركون([6])،فقد تبنى هذا الرجل الدعوة إلى "أَنْسَنَة القرآن الكريم"، وكتَبَ فيها عدة كتب، وأجهَدَ نفسَه في تقريرها والمنافحَةِ عنها،إلا أنها بقِيَت قضية فلسفية غامضة، لم يستطع هو ولا رهْطُه من المتفلسفة الإنسانيين العرب([7]) أن يقنعوا جمهور القراء بما يدَّعون، مثَلُهم في ذلك مَثَل ُالمتفلسفة الوجوديين([8]) من العرب.
ج ـ استمداد هذه الدعوى :
يستمدُّ هؤلاء أفكارهم من الفلسفات المادية القديمة والحديثة، خاصة على مستوى المناهج،وطرائق البحث والتحليل([9])، تلك المناهج التي تعلي من شأن الإنسان والمادة، مقابلَ سلطة الدين والوحي، و "الفلسفة الإنسانية" تشبه في أفكارها وغموضها "الفلسفة الوجودية"، فكلاهما معادٍ للدين، منكرٌ للإله وللكتب والرسل في الجملة([10])، يقول أحد الوجوديين العرب : "الينبوع الدافق الثرّ للوجود الحيّ هو دائماً الإنسان،والإنسان فحسب، وإن نسيَ هو أو تناسى هذا الأصل فانشقَّ على نفسه، وفرض عنصراً من عناصره الوجودية على الآخر؛ حتى يجعل الصلة بينهما: صلة الخالق والمخلوق،والعابد والمعبود"([11])"، وهذه دهرية محضة. ويستمدُّ أركون خاصَّةً في دعوته هذه من فلاسفةٍ أوروبيين شتى، خصوصاً أولئك الذين نصروا المذهب الإنساني؛ودعوا إليه، مثل "رينيه ديكارت" (1596ـ 1650)، و "سبينوزا" (1632ـ1677م)، و"كانت" (172ـ1804م) .
ومعلومٌ أنّ هؤلاء كانت كتاباتهم ثورةً على دين محرَّف،وكنيسةٍ منحرفةٍ مستبدة، فجاء أركون ليجعل من فكره امتداداً لهذا الاتجاه، ولكن المتفلسف هذه المرة؛ يثور على دينٍ صحيح؛ لا كنيسةَ فيه، وكتابٍ محفوظ؛ لاريبَ فيه. كما أنه يستمدُّ أيضاً في دعواه هذه من كتابات بعض المستشرقين المعاصرين،الذين يضاهئون  بقولتهم؛ قول الذين كفروا من قبل([12]).
ويستلهم أركون ـ دائما ـ في دعوته إلى نزع القداسة عن القرآن الكريم، وخلعِها على الإنسان؛ تلك الصرخة الإلحادية التي جاهر بها الفيلسوف الألماني "نيتشه" حين رفَعَ عقيرته قائلاً : "لقد مات الإله" ! ، وذلك إبَّانَ الثورة الصناعية في أوربا([13]) .
ولا يعنينا هنا ما الذي كان يقصده "نيتشه" من أُغلوطته هذه؛ وإنما المهم أن "أركون" أراد أن يقول لأهل الإسلام : يجب أن تتخلوا عن إيمانكم بالله وبكتابه لكي تتقدموا،كما أن الغرب استقل ركب الحضارة لما أن تخلى عن إيمانه وأناجيله([14])، وهذا قياسٌ لا يصحُّ؛ إلا إذا صحَّ قياس اللبن على الخمر، وهيهات.
إذَن فمادة هذا الرجل خليطٌ من فلسفاتٍ مادية تُعلي من شأن المخلوق والمادة، وتغضُّ من شأن الخالق - جل في علاه - والوحي المنزل.
د ـ مسوغات هذه الدعوى :
أما المسوِّغات التي يستند إليها هؤلاء في دعوتهم, فهي الضعف الحضاري الذي يعاني منه العرب والمسلمون, وهم يعزون ذلك إلى تمسك المسلمين "بتراثهم"، وتقديسهم للقرآن الكريم, ويقترحون عليهم إعادة النظر في هذه المسلَّمة, ويطرح أركون السؤال الآتي : "من الذي لا يشعر اليوم بالحاجة الملحَّة لإعادة التفكير جذرياً بمسألة النزعة الإنسانية في الوسط الإسلامي ؟" ([15]) ", والجواب : أنْ لا أحد, سوى أركون نفسه, وشرذمة قليلون ممن وافقه على هذه النحلة.
ويرى "أركون" أن من أعظم أسباب تخلف المسلمين اليوم, عودتُهم إلى دينهم خلال أربعين سنةً مضت, ولا يُخفي خيبة أمله في هذا الصدد, فقد كان يأمل أن يبتعد المسلمون عن دينهم, الذي هو في نظره لم يتعرض بعد للنقد المحايد،!! ويقول : إن "الدراسات القرآنية؛ تعاني من تأخرٍ كبيرٍ بالقياس إلى الدراسات التوراتية والإنجيلية, التي ينبغي أن نقارنها بها باستمرار"([16])" !!.
وبعد هذه الفرضية المتهافتة, الدالَّة على جهل "أركون" بدينه وكتابه, يبني عليها دعوى أوسع منها, فيقول : " وهذا التأخر يعكس التفاوت التاريخي، بين المجتمعات الإسلامية, والمجتمعات الأوربية أو الغربية. فالقرآن لا يزال يلعب دور المرجعية العليا المطلقة، في المجتمعات العربية والإسلامية.
ولم تحلَّ محلّه أيّة مرجعيّة أخرى حتى الآن "، ثم يقول : " إنه المرجعية المطلقة، التي تحدد للناس ما هو الصَّح،وما هو الخطأ, ما هو الحق, وما هو الشرعي, وما هو القانوني, وما هي القيمة, الخ..."([17])" !!.
وهنا تبرز بعض مظاهر الزندقة، في هذا الغلو العلماني والغلواء المادية, التي يَتَبَطَّنُها هذا الرجل, فهو لا يكتفي بالمطالبة بتنحية القرآن الكريم فحسب, بل يدعو إلى نزع القداسة منه, وإزالة الهيبة من نصه بالكامل, بل يتجرّأ على القول بأنّه : " ينبغي أن ننظر إلى القرآن من خلال مقارنته مع الكتب المشابهة له في الثقافات الأخرى - أي التوراة والإنجيل - , فالمقارنة هي أساس النظر والفهم "([18])" !!.
هـ ـ نقض الدعوى :
بعد هذا العرض المجمل لموقف "أركون" من القرآن الكريم، يحسن أن أُقَرِّرَ الحقائق الآتية، نقضاً لهذه الدعوى :
1 ـ إنَّ تقديسَ المسلمين للقرآن الكريم من أصول دينهم، والفرق –عندهم-بينه وبين سائر الكلام؛ كالفرق بين الخالق والمخلوق، إذ هم موقنون بصحة نسبته إلى علاّم الغيوب عليه السلام، تلقَّوه صحيحاً، خلفاً عن سلف، ونُقِلَ إليهم بالتواتر التام،قرناً بعد قرنٍ، لا ينفرد بذلك جيلٌ عن جيل، وهم يرونه رسالة الله إلى الثقلين الإنس والجن، من صدر البعثة النبوية، إلى آخر الزمان.
وقد ذمَّ الله سبحانه من لا يقدر هذا القرآن قدره حين يتلى عليه، فقال تعالى: " فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ " ([19])، وامتدح عبادَه المؤمنين بقوله تعالى: " وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمَّاً وَعُمْيَاناً " ([20]).
وهذا فيصلُ تفرقةٍ بين الإسلام والزندقة، وقد حَكَى الإجماعَ على كفر من استخفَّ بالقرآنِ؛ غيرُ واحدٍ من أهل العلم، سواءٌ أعتقدَ الإهانةَ في قلبه أم لا([21]).
وتشبيه "أركون" للقرآن بالتوراة والإنجيل المعاصرَين؛دعوىً فَجَّة، ومغالطة غير مقبولة, فأي مقارنة بين كتاب سماوي محفوظ, وكتب محرفة بشهادة النقد العلمي الرصين, لقد أزرى "أركون" بهذه المقولة بالمنصفين من المستشرقين, الذين اعترفوا بسلامة القرآن من التحريف, وأشهَرَ بعضهم إسلامه, بعد ما تبين له الهدى، فقد شابه بهذا من قال الله تعالى عنهم : " فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ " ([22]).
2 ـ إن هذا الموقف تجاه القرآن الكريم، نابعٌ من تعظيمهم للمتكلم به أولاً، وهو الله عليه السلام، وبرهانٌ على محبتهم له، واستجابة لأمره السامي، الوارد في قوله سبحانه : " ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ " ([23]) .
ومما لا شكَّ فيه أنَّ " كلَّ من أبغضَ شيئاً من نصوص الوحي؛ ففيه من عداوة الله ورسوله بحسب ذلك، ومن أحبَّ نصوص الوحي ففيه من وَلاية الله ورسوله بحسَب ذلك، وأصلُ العداوة البغض، كما أن أصلَ الولاية الحب "([24])، قال عبد الله بن مسعود : لا يَسألْ أحدُكم عن نفسه غيرَ القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله " ([25]) ، وتأمَّلَ قوله تعالى : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ " ([26]).
3 ـ إنَّ إنكار أركون وأضرابه للقرآن الكريم، والاستكبار عن الإذعان لحكمه، وجحد مكانته وحُرمته؛ لهو من عظائم الذنوب، بل إنه - لعمرُ الله - معلومٌ كفر من قال بهذا القول بالضرورة من دين الإسلام، إذ جحد هذا الأصل العظيم من أصول الإيمان، قال تعالى : " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ " ([27]) ، وقال تعالى : " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِه ِوَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَوَ اسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ " ([28]).
وإذا كان أئمة السلف قد أكفروا غلاةَ الجهمية، وهم لم يَبلُغوا هذا المبلغ، وإنما حوَّمُوا حوله، وزعموا أنهم مقرّون به، بيدَ أنه عندهم مجرَّدُ أدلّةٍ لفظية، وظواهِر نقلية؛ لا تفيد علماً([29])، وأن العلمَ إنما يستفادُ من مقدماتهم الفلسفية حسبُ، وقد نقل ابن القيم عن بعض رؤساء الجهمية([30]) : " ليس شيءٌ أبغض لقولنا من القرآن، فأَقِرُّوا به؛ ثم أَوِّلوه"([31]) ، كما نقل عن بشرٌ المريسي قوله : " إذا احتجوا عليكم بالقرآن؛ فغالطوهم بالتأويل، وإذا احتجوا بالأخبار؛ فادفعوها بالتكذيب" ([32]) .
4 ـ ثَمّة مشكله نفسية يعاني منها هؤلاء، بما فيهم "أركون" نفسه، أثَّرت على تفكيرهم ومناهجهم، تلك هي مشكلة الهزيمة الداخلية أمام التفوق المادي الغربي، و "أركون" ذلك العربي المهاجر، الذي قَبِلَ الفرنسيون به أستاذاً في كبرى جامعات فرنسا، وهي جامعة "السوربون"؛ يحاول أن يثبت للقوم أنه أكثر تحرراً منهم أنفسهم([33]) ، وربما شجعوه على ذلك فزاد تمرُّداً، وحين كتبَ طرفاً من سيرته الذاتية، أَوردَ ما يكشف بعضَ جوانب المشكلة ، فقال : "يقولون ـ أي الغربيين ـ لي مستغربين أو مدهوشين : كيف يمكن لشخص مسلم مثلك أن يتحدث بهذه الطريقة ؟ ، ياله من شيءٍ رائعٍ وباعث للأمل؛ أن نسمع مسلماً ليبراليّاً أو متحرراً مثلك !! ، ولكن لا يمكن أن تحظى بصفة تمثيلية في بلادك، أو بين أبناء دينك، فخطابك يمشي على عكس التيار، أو عكس الإسلام " ([34]) .
وأحسب أن هذا القدر كافٍ في بيان حقيقة الرجل، الذي ما يزال أعداء دينه يمدونه " فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ " ([35]) .
وكيف يقدِّم شيئاً مذكوراً في حقل الإسلاميات، وهو يتحدث عنها كالأجنبي المغلوب، بحيث يغدو أسيراً لأفكار الغالب،وهذه أولى مثارات الغلط لديه ([36]).
5 ـ إنَّ من الجور في النظر أن يقارَن بين القرآن الكريم - كتاب الله المحفوظ -؛ وبين باقي الكتب السابقة، التي داخَلَها التحريفُ والزيادة والنقصان، ولا يستقيم هذا مع تمام العلم والعدل، فأما مع الظلم والجهل فمتصوَّرٌ، بل هو واقعٌ، كما رأينا في طريقة " أركون "، بل إنَّه ليمتنع مع تمام العلم والعدل أن يقف المرء من القرآن الكريم هذا الموقف الجافي المعانِد.
6 ـ ليس من ذنبٍ للإسلام في أن يكون أركون أحد الذين شرقوا بدين الإسلام، أو عمُوا عن نوره، يقول أبو العباس ابن تيمية عن متأخري المتفلسفة : " وأما المتأخرون فهم لما ظهرت الملة الحنيفية الإبراهيمية التوحيدية، تارةً بنبوة عيسى عليه السلام لمَّا ظهرت النصارى على مملكة الصابئين بأرض الشام ومصر والروم وغيرها ، ثم بنبوة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، وأظهر الله من نور النبوة شمساً طمَسَت ضوء الكواكب، وعاش السلف فيها برهةً طويلة، ثم خفي بعض نور النبوة، فعُرِّبَ بعضُ كتب الأعاجم الفلاسفة من الروم والفرس والهند، في أثناء الدولة العباسية، ثم طُلِبَت كتبهم في دولة المأمون من بلاد الروم، فَعُرِّبَت ودَرَسَها الناس، وظهر بسبب ذلك من البدع ما ظهر، وكان أكثر ما ظهر من علومهم الرياضية؛ كالحساب والهيئة أو الطبيعة كالطب أو المنطقية، فأما الإلهية فكلامهم فيها نزرٌ، وهو مع نزارته ليس غالبه عندهم يقيناً، وعند المسلمين من العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم المرسلين ما ملأ العالم نوراً وهدى"([37]) .
7 ـ إنَّ زعم أركون بأن سبب ضعف المسلمين مادّيّاً و تقنياً هو تمسكُهم بالقرآن الكريم، وجعلُه مرجعيةً لهم، لا يمكن أن يقبله عقل، ولا يتفق مع حقائق التاريخ، فقد كان المسلمون أقوى الأمم، وأعظمها حضارةً وعمراناً؛ لما كانوا مستمسكين بكتابهم، فلما ضعف تمسكهم به، ضعفوا بقدر ذلك، وهذه الظاهرة ماثلة في أطوار الأمة كلها.
بل إنَّ أوربا ذاتها حرمت نور الإسلام، حين حيلَ بينها وبينه، وذلك لما طرقت أكفُّ الفاتحين المسلمين أبوابها، فقامت الكنيسة بنصبِ محاكم التفتيش لإيقاف أسلمةِ أوربا، وكلَّفت الكتَّابَ بتشويه صورة الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم وكتابه، يقول المؤرِّخ البريطاني " ويلز " في كتابه " معالم تاريخ الإنسانية " : "ولو تهيأ لرجل ذي بصيرةٍ نفَّاذة؛ أن ينظر إلى العالم في مفتتح القرن السادس عشر، فلعله كان يستنتج أنه لن تمضيَ إلا بضعة أجيال قليلة، لا يلبث بعدها العالم أجمع أن يصبح مغولياً، وربما أصبح إسلامياً "([38]) .
وخلاصة القول في فكر" أركون ", أنه لا يهتم بصحة نسبة القرآن الكريم إلى الله عليه السلام من عدمها, وإنما الذي يستهدفه, هو نزع القداسة والمرجعية منه, واعتباره نصاً حِكْميّاً, كسائر مقولات الحكماء، أو مأثورات القدماء.
وقد سئل هذا الرجل مرةً : "هل أنت مستعدٌّ لأن تضع موضعَ الشك, ولو آيةً واحدةً من القرآن ؟ ", فجاء جوابُه برفض الجواب بنعم، أولا , بحجة أنَّ هذا منطقٌ قديم, وأنه لا يهتم بما إذا كانت تلك آية قرآنية أو لا, إذ المشكلة في نظره هي مشكلة " التقديس "كما يعبِّر, وعندما تُحَلُّ هذه المشكلة, فإنه يرى أننا سوف " نكتشفُ أن مشاكلَ الصحة والموثوقية, أو الاختراع والتحريف, الذي لحق بالنصوص؛ المتلقاة على أنها مقدسة, أقول ـ القائل أركون ـ: نكتشف بأن هذه المشاكل ثانوية في الحقيقة.
إن منطق الثالث المرفوع ـ منطق الصحة أو اللاصحة ـ يبدو عندئذٍ تافهاً لا قيمة له "([39]) .
وهذه إحدى مظاهر الخلل والاضطراب المنهجي لدى أركون, فهو تارة يعتبر أن مشكلة المسلمين هي أنهم يعتمدون القرآن مرجعاً لهم, بدون أن يقوموا بنقده تاريخياً, ثم لا يلبث أن يعود على كلامه بالنقض, ويَعُدُّ مسألة التوثيق التاريخي مسألة " تافهة ".
 
ـــــ
([1]) محمد أركون : مؤرخ ومفكر علماني، جزائري الأصل،ولد عام 1928م؛ بالجزائر، ودرس بها، ثم أتمها في باريس عام 1955م، حصل على الدكتوراه من جامعة " السوربون "، عام 1969م، وطبعت رسالته بعنوان " نزعة الأنسنة في الفكر العربي، جيل مسكويه والتوحيدي "، تأثر بكتابات المستشرقين حول مصادر الشريعة، ويعمل حالياً رئيس قسم الدراسات الإسلامية في الجامعة المذكورة، من مؤلفاته: " الفكر العربي "، و " الفكر الإسلامي، نقد واجتهاد "، و " تاريخية الفكر العربي الإسلامي "، و " من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي".
([2]) هذا الاتجاه انبعث من قلب الأكاديميات الغربية، وتتلمذ دعاتُه لكبار المستشرقين، وهؤلاء الدعاة رهطٌ ممن ينتسبون إلى الإسلام، بيد أنهم يفكرون بعقل " غربي "، ويزنون بمعايير غربية، ويبحثون في أصول الشريعة ومصادرها، مستضيئين بنار الفلسفات الغربية الوضعية.
([3]) انظر : نزعة الأنسنة في الفكر العربي؛ لمحمد أركون (10) .
([4]) الإحكام هنا بمعنى الثبات، وعدم القابلية للنسخ والتبديل، وهذا من معاني الإحكام، انظر القاموس المحيط، للفيروز آبادي، مادة حكم (1416).
([5]) الفكر الأصولي؛ لمحمد أركون (36)، وقد تولى الردَّ على أطروحات هذا الرجل تفصيلاً : د. محمد بريش في سلسلة مقالات نشرت على التوالي في مجلة الهدى المغربية، التي كانت تصدر بفاس قبل أن تتوقف عن الصدور، انظر الأعداد (13 ـ19)، وذلك في المدة: من جمادى الأولى (1406هـ) إلى صفر (1409هـ)، وانظر: محاولات التجديد في أصول الفقه ودعواته دراسةً وتقويماً؛ د. هزاع بن عبد الله الغامدي (2/658) وما بعدها، رسالة دكتوراه غير منشورة، مقدمة إلى قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض، 1420هـ، وقد أشرف على الرسالة شيخي الدكتور أحمد بن علي سير المباركي ـ حفظه الله
([6]) تقدّم التعريف به آنفاً.
([7]) النزعة الإنسانية هي: اتجاه فكري عام، تشترك فيه العديد من المذاهب الفلسفية والأدبية والأخلاقية والعلمية، وقد ظهرت هذه النزعة فيشكلها المعاصر؛ في عصر النهضة الصناعية في أوربا، انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (2/809)، ومجلة عالم الفكر (2/ع3).
([8]) الفلسفة الوجودية : فلسفة غربية حديثة، نشأت في أواخر القرن (19)الميلادي، وتستمد جذورها من الفلسفة اليونانية القديمة، وتعني: أنَّ مركز الوجود هو الإنسان لا غير، وفي الغرب ـ حيث نشأت الوجودية ـ وجودية ملحدة، ترفض الإيمان بوجود الخالق وتنكر الغيبيات، أو ما تسميه: الفلسفة الماورائية، وعلى رأس هذا المذهب الفيلسوفان الألمانيان مارتن هيدغر ونيتشه، ووجودية تعتقد بحلول الخالق في شخص المسيح، وزعيم هذا المذهب الفيلسوف الدانماركي كيركغارد، انظر: التيارات الكبرى للفكر الإنساني؛ د. حسين سبيتي (77ـ91)، دار المواسم، بيروت، طأولى،2002م.
([9]) انظر: ميشيل فوكو في الفكر العربي المعاصر؛ د. الزواوي بغورة(67،66)، دار الطليعة، بيروت، ط أولى، 2001م.
([10]) قد يوجد في هؤلاء من يقرُّ ببعض أصول الدين، مع إنكاره بعضها الآخر، ولا جَرَمَ فهي مذاهب مخترعة، لا تستند إلى قواعد محكَمَة.
([11]) الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، لعبد الرحمن بدوي (13)، دار القلم، بيروت، 1403هـ، ويقال إن عبد الرحمن بدوي قد تابَ في آخر حياته، ونقض ما كان يقرره، وبخاصة أنه ألَّف كتاباً في الرد على شبهات المستشرقين حولَ القرآن الكريم، أمثال مرجليوث وجولدتسيهر؛ الذين اختلقوا" الفرضيات والنظريات الزائفة الوهمية، ليستخلصوا منها ما يشاءون من نتائج تجانب الصواب "، كما قال في صفحة (8) من كتابه الذي أسماه " دفاعٌ عن القرآن ضد منتقديه"، مكتبة مدبولي الصغير، القاهرة، ط أولى، 1988م.
([12]) ومن هؤلاء الذين استقى منهم أركون :
1 ـ جويل.ل.كريمر: وكتابه "الفلسفة الإنسانية في نهضة الإسلام،الانبعاث الثقافي أثناء العصر البويهي "، منشورات بريل، ليدن، 1986م، بالإضافة إلى كتابه الآخر " الفلسفة في نهضة الإسلام، أبو سليمان السجستاني وحلقته العلمية"،بريل، ليدن، 1986م.
2 ـ إيفريت.ك.راوزين : " رأي فيلسوف مسلم في النفس ومصيرها، كتاب العامري(الأمد على الأبد) "، الجمعية الشرقية الأمريكية، نيوهافن، 1988م.
3 ـ جورج مقدسي: وكتابه "دور الفلسفة الإنسانية في الإسلام الكلاسيكي والغرب المسيحي"،مطبوعات جامعة أدنبرة، 1990م.
4 ـ جوزيف فان إيس: وكتابه " اللاهوت والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة، تاريخ الفكر الديني في بدايات الإسلام "، برلين،اكتملت أجزاؤه الستة في 1995م، وهو باللغة الألمانية. ولا ينفكُّ محمد أركون يتحدث عن مزايا هذا الكتاب الأخير وعظمته، وأهميته الحاسمة بالنسبة للدراسات العربية والإسلامية، مما يكشف عن طبيعة المصادر التي يستقي منها فكرَه، انظر: نزعة الأنسنة؛ لمحمد أركون (6ـ7).
([13]) انظر: المرجع السابق (24-25).
([14]) وقضيةُ العقل هنا؛ أن يقبل قياس العكس، فيقال: إذا كان ترك الدين الفاسد يدفع إلىالتقدم، فإن ترك الدين الصحيح يؤدي إلى التقهقر والتراجع.
([15]) نزعة الأنسنة؛لمحمد أركون (8).
([16]) الفكر الأصولي؛ لمحمد أركون (22).
([17]) المرجع السابق.
([18]) المرجع السابق.
([19]) المدثر (49ـ51).
([20]) الفرقان(73).
([21]) انظر : الشفا؛ للقاضي عياض (2/1101)، وروضة الطالبين؛ للنووي(10/64).
([22]) الفرقان (19).
([23]) الحج (32).
([24]) الصواعق المرسلة؛لابن القيم (3/1038) بتصرف يسير.
([25]) المرجع السابق.
([26]) الأنعام(112)، وانظر أيضاً: الصواعق المرسلة؛ لابن القيم (3/1038(.
([27]) فصلت(52).
([28]) الأحقاف (10).
([29]) الصواعق المرسلة؛ لابن القيم(2/633).
([30]) ذكر ابن القيم أنه بشر المريسي أو غيره، أي: على الشك.
([31]) الصواعق المرسلة؛ لابن القيم (3/1038) بتصرف يسير.
([32]) المرجع السابق، وقد بين أبو العباس ابن تيمية ـ رحمه الله ـ مبدأ التجهُّم ومنتهاه،فقال: " فهم يعرضون عن كتاب الله في أول سلوكهم، ويعارضونه في منتهى سلوكهم "، [درء التعارض؛ لابن تيمية (10/316)]، قلت: وهذا مشاهد في نتاج بعض متثقفة عصرنا.
([33]) وحال أركون في هذا؛ كحال كثيرٍ من المستغربين العرب، الذين فتنوا بالتقنية المادية للغرب، وأولعوا بغضارة عيشه، فكتبوا متأثرين بهذه الصدمة الحضارية، وقد قال بعضهم : ( ما وضعتُ يدي في قصعة أحدٍ إلا ذللتُ له )، مجموع الفتاوي، لابن تيمية (1/98)، بواسطة : النظائر، د. بكر أبو زيد (297).
([34]) قضايا في نقد العقل الديني؛ لمحمد أركون (22)، ترجمة: هاشم صالح، دار الطليعة،بيروت، ط أولى، 1998م.
([35]) الأعراف (202).
([36]) عقد العلامة ابن خلدون في "مقدمته" فصلاً فقال : " فصل في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب..."،وبين وجه المغالطة النفسية في ذلك، فانظر : المقدمة؛ لابن خلدون (104).
([37]) مجموع الفتاوي؛ لابن تيمية (2/83).
([38]) معالم تاريخ الإنسانية؛ ويلز (3/966)،نقلاً عن: رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر؛ لمحمد قطب، دار الوطن، الرياض، ط أولى، 1411هـ، (29).
([39]) الفكر الإسلامي؛ لمحمد أركون (57ـ 58).
 رابط المقال
 دراسة فكر محمد أركون (1) - د. محمد بريش
 وقفات مع محمد أَرْكُون من خلال إنتاجه وفِكْره (2) - د. محمد بريش
 اعترافات محمد أركون ! - سليمان بن صالح الخراشي
 
 
 
 
أوربا: انتصار للمعرفة العلمية.. أم عودة لوثنية (تعدد الآلهة)؟
الأحد 11 نوفمبر 2007
أوربا: انتصار للمعرفة العلمية.. أم عودة لوثنية (تعدد الآلهة)؟
زين العابدين الركابي الشرق الأوسط 13/10/2007
لا يجوز أن يكون الرب الخالق (واحدا)!! فهذا الجواز أو الاعتقاد يتعارض مع العقل والعلم. ويهدر ـ من ثم ـ حقوق الإنسان في الحقل المعرفي!.. هذا ما قيل و(تقرر) منذ أيام في عصرنا هذا، وعالمنا هذا.. نعم في عصرنا هذا (القرن الحادي والعشرين)، وليس في عصور (تعدد الآلهة والأرباب): جيا:ربة الأرض..وكاوس:رب الفضاء..وإيروس:رب التناسل والمحبة والزوجية.. إلى آخر أرباب الأوليمب، وفي مقدمتهم زيوس: رب الأرباب بزعمهم!! ولنوثق هذه (الظاهرة الاعتقادية العصرية) ونردها إلى مصادرها ودعاتها. فقضية كبيرة كهذه لا يصح ـ منهجيا ـ مناقشتها ومجادلة أصحابها من دون عزو وتوثيق.. ففي أوائل أكتوبر الجاري: وُضعت (نظرية الخلق) وعقيدة (الخالق الواحد) على جدول أعمال برلمان المجلس الأوربي. وقد رفض هذا المجلس ـ بأغلبية 47 صوتا ضد 25 صوتا ـ أن يكون للكون (خالق واحد).. وسبّب رفضه بقوله: «هناك تعارض علمي مع نظرية الخالق الواحد التي ترد كل الخلق إلى الله، وتتناقض من ثم مع نظرية تطور الأنواع في الحياة والبيئة بواسطة قوانين الانتقاء أو الاصطفاء الطبيعي».. ثم خطا مجلس البرلمان الأوربي خطوة عملية أو فنية حيث طالب بإلغاء نظرية الخلق الإلهية من مناهج العلوم والتدريس في المدارس، وعلل طلبه بأن هذه العقيدة «تتعارض مع حقوق الإنسان والحقوق العلمية للمخترعين»!
الطرح صاخب مثير: جد صاخب ومثير، ومع ذلك فإنه لا يصلح إلا (الرصانة العقلية)، وإلا (الهدوء العلمي) لتناول مثل هذه القضايا المعرفية والفكرية والاعتقادية.. واستصحابا لهذه ـ اللوازم العقلانية والعلمية، نلقي سؤالين محوريين رئيسين هما:
1 ـ هل ما قرره مجلس البرلمان الأوربي هو (حنين): نفسي وفكري إلى عهود (تعدد الأرباب والآلهة) التي كانت سائدة قبل سطوع أنوار عقيدة التوحيد التي هتف بها أنبياء الله والتي انتقلت إلى أوربا، ولاسيما عقيدة موسى بن عمران وعيسى بن مريم عليهما السلام؟.. هل هو (حنين) إلى عهود الوثنية الغابرة و(الشرك القديم): حنين يتزمل اليوم في (أثواب) العلم والمعرفة وحقوق الإبداع والاكتشاف والاختراع؟.. الجواب الأقرب إلى الموضوعية والمعقولية الواقعية هو: أن هذا الاتجاه الأوربي (الظلامي الجديد) إنما هو (حنين) إلى تلك التصورات الوثنية في مسألة الخلق والإيجاد، بل إن بعض تلك التصورات كانت (أرقى) من مقولات برلمانيين أوربيين يعيشون في القرن الحادي والعشرين.. فمشركو العرب ـ مثلا ـ كانوا يؤمنون بأن (الخالق واحد): «ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله»..«ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله».. بيد أن أزمة هؤلاء المشركين تتمثل في (شرك العبادة)، أي اتخاذ آلهة لا تشرك مع الله أحدا في الخلق والإيجاد والإمداد الخ. ولكن يتخذونها لكي تقربهم إلى الله زلفى ـ بزعمهم ـ: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى».. بل إن إبليس نفسه يؤمن
بـ (وحدة الخلق والخالق).. «قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين»، فهو يعترف بأن الله هو الذي خلق عنصري: النار والطين، وأنه هو خالق آدم وإبليس كليهما. وتعاسة إبليس أتت من (رده) لأمر الله وعصيانه منهج وحدانية العبادة والطاعة: عن عمد وإصرار ولؤم.
والجواب ـ عن السؤال الأول ـ:
بالحنين الأوربي إلى الوثنية والشرك في موضوع الخلق والإيجاد قد يعترضه ـ بصراحة ـ السؤال الآخر الأساس وهو: لماذا لا يكون موقف مجلس البرلمان الأوربي من مسألة الخلق ووحدة الخالق (تلبية عقلانية حرة لمتطلبات العلم والمعرفة في هذا المجال)؟.. كنا نود أن يكون الأمر كذلك. فلسنا نتمنى (الخطأ العلمي) لأحد وما بنا رغبة ولا أمنية في تعيير أحد بهذا الخطأ. لكن القضية لا تتعلق بالرغبات والأماني. وإنما تتعلق بمناهج العلم وحقائقه.. ولهذا المنهج والحقائق منطق يقول ـ بوضوح ـ إن موقف مجلس البرلمان الأوربي لم يك ـ قط ـ استجابة لمقتضيات علمية معرفية جديدة، وإنما هو موقف مناهض لحقائق ساطعة مبرهن عليها ـ باستفاضة وتوثيق ـ على يد علماء راسخين في ذات الميدان. (ميدان مسألة الخلق والحياة والأحياء والتطور).
ما الذي حمل الأغلبية في مجلس البرلمان الأوربي على التورط في هذا الخطأ العلمي الجسيم؟.. حملهم على ذلك ـ في الغالب ـ: الغلو في نظرية (أصل الأنواع)، والتعصب الشديد لها.. وهذا هو التكييف العلمي (المجرد) لموقفهم.. ونقصد بالمجرد: أنهم لم يفعلوا ذلك بدافع عشق الإلحاد وتمجيده والحرص على نشره بين الأجيال الأوربية الجديدة، إذ ليس كل من (يخطئ علميا): ملحدا بالضرورة. من الأمانة العلمية (تلخيص) نظرية (التطور) أو إيجاز محورها الأعظم المعروف بـ (أصل الأنواع).. خلاصة هذه النظرية: أن الكائنات الحية تتبدل أشكالها جيلا بعد جيل تبدلا بطيئا ينتج أنسالا ذات صفات غير صفات أسلافها، وأن هذا التطور قديم، وجد مع وجود الكائنات الحية في الكون، وان جميع الكائنات الحية من حيوان ونبات مرتبط بعضها ببعض ارتباط صلة وقرابة يجعلها كلها تنتمي إلى الجد الأعلى للكائنات كلها. ولنسأل سؤالا علميا مجردا: هل هذه الأفكار والتصورات ترقى ـ بالأدلة القطعية ـ إلى مرتبة (الحقيقة العلمية) التي لا شك فيها؟.. من الأمانة العلمية ـ كذلك ـ أن نستمع إلى علماء أساطين في هذا الحقل والفن (تعمدنا ألا يكون بينهم عالم دين واحد).. لنستمع: «على الرغم مما للبيئة من تأثير في تغيير مجمل الأجسام وحتى بروتوبلازما خلاياها فإن المولدات داخل الخلية التناسلية تحفظ شكل الأجسام الأصلي كما هو ولا تخضع لأي تغيير خاص نتيجة تغيير اصطناعي يطرأ على الجسم ولذا فإن التغيير الاصطناعي لبعض الأعضاء لا يؤثر في تغيير الخلقة الأصلية المتوارثة مع خلاياها».. هـ. ج. موللر العالم المتخصص في علم الأنسال والحائز جائزة نوبل.. «لقد أثار بعض العلماء اعتراضات كثيرة استندوا إليها في رفضهم نظرية دارون رفضا قاطعا. أولا: لأن النظرية لم تفسر كل عوامل الإرث، مثلا: لا تفسر بوضوح بعض التغيرات الوراثية.. ثانيا: أن النظرية لا تفسر كيف أن تراكم التغيرات البسيطة المستمرة يمكن أن يؤدي إلى ظهور أجهزة معقدة كالتي تراها الأجسام العضوية للكائنات العليا.. من المؤسف أن تكون كل الأجوبة التي طرحت لمعرفة أصل الإنسان تقوم على: دلائل غير مباشرة وأكثرها فرضيات.. جروس كلارك في كتاب (علم الأحياء اليوم).. «أما بالنسبة إلى نظرية دارون فإني أرى أن المشككين فيها على حق حينما يقولون: بأنه لا بد للتغييرات أن تكون فورية حتى ينتفع بها الجسم ليكون حظه أوفر من حظ أمثاله للبقاء حيا وإلا فما الفائدة مما تبذله العين أو أي عضو ظاهر في مكافحة الهواء بانتظار أن يتحول العضو إلى جناح»؟.. البروفيسور هـ. أ ميليوش في كتابه (قصة الحياة).. «إن العلماء الذين يؤكدون على أن التطور واقع علمي هم منافقون، وان ما يرونه من أحداث إنما هو من الشعوذات التي ابتدعت ولا تحتوي على نقطة واحدة من الحقيقة.. إن نظرية التطور خلطة مضطربة من الأحاجي وشعوذة الأرقام».. العالم الفسيولوجي ت. ن. تهميسيان.. «إن الاعتقاد بالتطور يحتاج إلى كثير من السذاجة».. ج. و. كلوتز.. «يجب ألا ينخدع أحد إلى درجة يؤكد فيها أن التطور ظاهرة مفهومة».. الموسوعة العالمية لعام 1966.. «تتمثل الحياة في أشكال لا حصر لها. ونسل كل شكل من هذه الأشكال: مثله. فالخنازير تلد خنازير، والحمير تلد حميرا، والسنديانة تظل سنديانة جيلا بعد جيل. وتأكيدا لهذا القانون فقد وجد العلم جماعات من الحيوانات وأخرى من النبات، وليس بينها وسيط، بل كل كائن في كل جماعة يستطيع أن يتكاثر وأن يلد أبناء من جنسه، ولكن لا يستطيع أن ينسل جنسا آخر».. مجلة العلوم الأمريكية ديسمبر 1966.. «لم يوجد قط فرد من الأسرة السنورية لا يمكن تصنيفه سواء أكان من نوع الهررة المنزلية أم من نوع الاسود. إن هذين النوعين مختلفان بسبب عدم وجود وسيط بينهما، ولذا فإننا نستطيع التوكيد، من غير أن نخشى الغلط: بأن أي هر يختلف عن أي أسد».. البروفسيور دوبز هنسكي في كتابه (الوراثة وأصل الأنواع).
إن دارون منح نفسه (حرية البحث العلمي) فقال ما قال بجرأة متناهية، وهذا من حقه، إلا أن حرية البحث العلمي نفسها نقضت ما توصل إليه من استنتاجات عن (أصل الأنواع).. ولنضرب مثلين على أن التقدم العلمي نفسه هو الذي قوض مقولات دارون في هذا المجال:
1 – المثل الأول هو: أن الأنواع أكثر تنوعا، وأكبر عددا مما تصوره دارون، وهو تنوع وعدد يستحيل أن يكون قد انحدر من أصل واحد. ففي الملف العلمي هناك أكثر من مليون نوع مختلف من الحيوان، وأكثر من 3500000 نوع مختلف من النبات، والملف ما فتئ مفتوحا، بمعنى انه في كل عام تضاف إليه أنواع جديدة من الحيوان والنبات.
2 – المثل الثاني هو: التطور المذهل في علم الوراثة (وهو علم لم يكن دارون على دراية به).. فقانون الوراثة يقضي – وفق برمجية هندسية دقيقة وصارمة – بألا ينتج كل جنس إلا مثل جنسه. فقد اكتشف العلم المادة المرموز لها بـ (DAN)، ومعنى هذا الرمز: (الحمض النووي الريبي) وهو الذي يحمل القانون الوراثي للكائنات الحية.. ويشبه العلماء هذا القانون ببرنامج عملي مسجل على شريط مغناطيسي يحفظ التمييز بين أشكال الأنواع الحية. ولقد كتبت مجلة (العلوم الأمريكية) – منذ أكثر من أربعين عاما تقول: «إذا كان هذا القانون عالميا في واقع الأمر وكما يبدو من النتائج وغيرها، فإنه يجب أن نستنتج من ذلك أنه ظل ثابتا ومستقرا خلال أطول فترة من فترات التطور العضوي، أو بمعنى آخر هو قانون لم يخضع للتغيير قط».
وبإعادة طرح السؤالين المركزيين (هل هو حنين إلى وثنية تعدد الخالقين؟.. أو استجابة لمقتضى علمي معرفي)؟ يتبين: أن التفسير بـ (الحنين) هو الأقرب إلى الصحة، أو الواقعية، ذلك أن التفسير بالحاجة المعرفية: أبطلته حقائق العلم الذي جهر بها علماء كثر في هذا الفن.
ولقد بقيت – في الموضوع – نقط: نرفده بها ونتمه.
أ – إن التقدم العلمي يعزز الإيمان بالله باطراد: لا انقطاع فيه، ولا نكس.. مثال ذلك: أن فلاسفة الإلحاد قد طاروا فرحا بمقولات ظنوها حاسمة في البرهنة على الإلحاد.. ومن هذه المقولات: مقولة (قدم العالم)، أي ليس له بداية قط، وبالتالي لا خالق ولا موجد له. وقد أسقط التقدم العلمي هذه المقولة عن طريق تحديد عمر نشأة الكون بما اتفقوا على تسميته بـ(الانفجار العظيم): بمعنى أن الكون قد كان وتكوّن بعد أن لم يكن فهو – من ثم – (حادث) لا (قديم).. ومقولة أن الكون خلق بالمصادفة.. وقد أبطل التقدم العلمي هذه المقولة أيضا، من خلال – الإثباتات المتراكمة الموثقة التي تثبت – بيقين – (النظام الهندسي الدقيق) الذي يسيّر حركة الكون ويضبطها.. والنظام بمنطق العلم والعقل –: نقيض المصادفة وضرتها الدائمة – ثم جاءت مقولة: انحدار الأنواع كلها من نوع واحد، وهي مقولة زعموا أنها تنقض المفهومات الدينية التي تجزم بأن الله الخالق الواحد هو نفسه – سبحانه – الذي خلق خلقا متنوعا في الحيوان والنبات الخ.. وهذه مقولة أبطلها التقدم العلمي – أيضا – بواسطة (علم أو قانون الوراثة)، وهو قانون يقول باستحالة أن ينتج جنس ما: جنسا آخر، مهما طال الزمن، أو تشابهت البيئات.
ب – من المحزن: أن (حقوق الإنسان) أصبحت غطاء للجهالة، كما غدت – في حالات كثيرة – ستارا للظلم والجور. فقد ادعى مجلس البرلمان الأوربي: أن القول بـ (وحدانية الخالق) يتعارض مع حقوق الإنسان في الاكتشاف والإبداع!! وكأن الإبداع لا يكون إلا في ظل مفاهيم تعدد الآلهة والأرباب!.. نحن مع حرية العلم بلا نهاية، ولكنا في الوقت نفسه ضد استغلال هذه الحرية في الترويج لـ (جهالات عصرية).
جـ - ليس كل ما قاله دارون: خطأ فهو قد تهور في الجزم بأن أصل الأنواع واحد، بيد أن في نظريته مضامين معتبرة ومحترمة مثل قوله: إن الماء هو (المهد الأول) للحياة والأحياء كلها.. وهذا ما سبق أن قاله خالق الكون وربه ومبدعه: «وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون».
 
 
 
 
ومسَميّات أخرى
السبت 18 أغسطس 2007
ومسَميّات أخرى
فهمي هويدي - مجلة العربي نيسان 1983م
 
نحن بحاجة لأن نعيد النظر في مصطلحات قاموس حوارنا، إذا أردنا له أن يتصل وثمر، ولا يتحول إلى حوار طرشان! وإذا كنا نعاني من غيبة الحوار ـ كقاعدة ـ عن حياتنا العقلية، فإنه في الحدود الضيقة قد يتاح لنا أن نمارس فيها هذا الحوار، يجب أن ندقق في لغة خطابنا، حتى لا نستخدم كلمات ومصطلحات فقدت قدرتها على التعبير فضلا عن التوصيل.
فنحن نتداول كلمات مثل ليبرالية وعلمانية وسلفية وتقدمية وعصرية، ويمين ويسار، وفي ذهن كل منا معنى مختلف لكل كلمة، الأمر الذي يهدر قيمة المصطلح، ويفسد عليه وظيفة ورسالته.
وقد مررت مؤخرا بتجربة من هذا النوع، إذ نشر لي "العربي" استطلاعا عن منطقة "الهونزا" في أقصى شمال باكستان (عدد ديسمبر 82)، أعربت في مقدمته عن الأسف لأني وجدت أغلب أهل المنطقة من أتباع الطائفة الإسماعيلية، الذين لم أجد في قراهم مسجدا واحدا يذكر فيه اسم الله، وقال لي بعض كبارهم أنهم يتجهون بقبلتهم ـ عبر قلوبهم ـ إلى حيث يقيم إمامهم في أحدى ضواحي باريس، وذلك أفضل عندهم من التوجه بالحركات ـ مثلنا ـ إلى قبلة مبنية من الحجر في مكة!.. أدهشني وصدمني ما سمعته، فلم يزد ما كتبته في التعبير عن مشاعري على استخدام كلمة "الأسف"، في حين أن الأمر يحتمل وقد يستوجب ما هو أكثر.
لكن ما رأيته وسمعته لم يكن المفاجأة الوحيدة، إذ ما أن تم النشر حتى فوجئت بما هو أغرب وأدهى. فقد قال لي استاذ جامعي كبير المقام، قرأ ما كتبته، إن هذا الأسف الذي عبرت عنه، قد يرضي المسلمين "المتشددين"، في حين أنه يزعج ـ كثيرا ـ المسلمين "الليبراليين"! لم أصدق إذني، فسألته مستفهما عما يقصده، فكررها على مسامعي قائلا إن المسلمين الليبراليين لا يكترثون بمثل تلك الأمور التي عبرت عن أسفي لافتقادها، ثم أضاف ناصحا: كفانا تزمتا يا أخي!!
عقدت الدهشة لساني، فقلت: يبدو أن الليبرالية عند البعض يمكن أن تقودنا إلى درجة يصبح معها الشرك إحدى شعب الإيمان!
ثم توالت ردود الفعل. وتلقيت خطابات من بعض القراء الذين توحى خطاباتهم بأنهم إسماعيليون ـ من القطر السوري في الأغلب ـ تعاتبني على تلك الكلمة الوحيدة واليتيمة التي ذكرتها بقلب كسير. ولم يكن في ذلك غضاضة، أن يعترض أي قارئ على ما يكتبه الكابت، إنما الذي أزعجاني حقا، هو تلك الحجج التي استخدمها المعترضون في رد ما كتبت. فقد قال أحدهم أنني كشفت أوراقي، ففيما تنبئ كتاباتي عن خط "عصري" و "تقدمي" إذا بي أسقط "القناع" وأسجل بيدي اعترافا بأنني رجعي التفكير، متشبث بالشكليات والمظاهر. وسأل آخر: كيف تدعو إلى العقلانية والتركيز على مضمون الإسلام ومقاصد الشريعة، وتروج لفكرة التجاوز عن القشور والتفاصيل، ثم تخرج علينا بثياب أخرى، رأينا فيها التعصب (!) والتعلق بتلك القشور والتفاصيل!
وفي أحدى الندوات التي شهدتها ببيروت، قدم أحد الاساتذة المغاربة بحثا بعنوان "قراءة في الخطاب السلفي" تدعو في مجملها إلى ضرورة التحلل من كافة "قيود" ذلك الخطاب السلفي، لأنها تمثل في رأيه العائق الأساسي للتقدم. وسألته: هل يعد القرآن الكريم داخلا ضمن الخطاب السلفي، فامتنع عن الرد، وقال أنه أوضح مقصده في الورقة المقدمة ـ وكان مضمون الورقة يوحي للأسف ـ أيضا! ـ بأن كتاب الله في عرف صاحبنا، مصنف ضمن ذلك الخطاب المطلوب الغاؤه.
وكان ذلك اكتشافا جديداً بالنسبة لي، أعقبه اكتشاف لفريق أكثر "اعتدالا" ـ ! ـ يخرج القرآن من دائرة التراث ويكتفي بالأحاديث النبوية ـ في حين أن ثمة فريقا ثالثا ـ تصورناه الأوحد ـ يقصد بالتراث اجتهادات الفقهاء وحدهم.
 
 
 
 
 
 
حديث (إن الله يبعث لهذه الأمة.. من يجدد لها دينها) رواية ودراية
الثلاثاء 19 يونيو 2007
حديث (إن الله يبعث لهذه الأمة.. من يجدد لها دينها) رواية ودراية
د. عبد العزيز مختار إبراهيم
مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية (العدد 68 صفر 1428 هـ ـ مارس 2007 م)
( اقتصرنا على القسم الخاص بالتجديد البدعي . الراصد ) 
 
التجديد البدعي:
ظهر بعض الكُتَّاب، ومن يسمون بالمفكرين الإسلاميين، وبعض رموز الحركات الإسلامية الحديثة، قد نحوا بالتجديد منحىً آخر لم يألفه السلف الصالح، تحت غطاء العصرانية والتقدمية، واليسار الإسلامي، والتوجه الحضاري، والفكر المستنير، وغيرها من الشعارات البراقة([1]).
مفهوم التحديد عند العصرانية:
العصرانية مصطلح حادث وهي: حركة تجديدية ظهرت في العصر الحديث في الغرب في الديانة اليهودية والنصرانية، وهي: حركة تدعو إلى تطويع مبادئ الدين لقيم الحضارة الغربية المعاصرة، وإخضاع الدين لاكتشافات العصر والحضارة الغربية([2]).
وقد تأثر بعض الكتاب الإسلاميين للأسف بتلك العصرانية الغربية، وجاءت كتاباتهم وطروحاتهم لمشاكل الأمة الإسلامية وإيجاد الحلول لها، وفق مناهج العصرانية الغربية.
أسباب ظهور العصرانية في الفكر الإسلامي الحديث:
عاشت أوربا عصر النهضة الحديثة في مطلع القرن التاسع الميلادي في كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية الاقتصادية، مقابل ما منيت به الدول العربية والإسلامية بكثير من التدهور والإنحلال والتفكك وأعقب ذلك إرسال البعثات العلمية خاصةً إلى البلاد الغربية، وإرسال خبراء وأساتذة للتدريس في الجامعات العربية، حيث تأثر كثير من المثقفين والمفكرين من أبناء المسلمين بما عند هؤلاء الأوربيين.
وكان من أشهر أولئك المتأثرين بما شاهدوا في الغرب: رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي([3])، ثم تلى هذا الجيل، جيل كل من جمال الدين الأفغاني، والسيد خان، ومحمد عبده، وطه حسين، وغيرهم، ومروراً بعلي عبد الرازق، وقاسم أمين ومحمد إقبال، وإلى فتحي عثمان، ومحمد خلف الله، والدكتور محمد عمارة، والدكتور حسن الترابي، ومَنْ على شاكلتهم.
ولما كانت العصرانية الحديثة في الفكر الإسلامي المعاصر هي وليدة الفلسفة اليونانية، والفكر الاعتزالية سواء بسواء، إنما أُلبس لباس العصرانية كذباً وزوراً، وجه التشابه والتطابق بين العصرانية الحديثة والفلسفة الاعتزالية العقلانية القديمة.
1 ـ إذا كان المعتزلة تأثروا بالفلسفة اليونانية وبالمنطق اليوناني، وحاولوا تطويع العقيدة الإسلامية وتفسيرها بذلك المنطق والجدل، وكذلك فإن العصرانيين اليوم تأثروا بالحضارة الغربية المعاصرة وطوعوا الدين لإخضاع تلك الحضارة وفسروا نصوص الدين وفق نظريات وفلسفات تلك الحضارة.
2 ـ المعتزلة العقلانيون حكَّمُوا العقل، وجعلوه الأصل والفيصل، وقدموا العقل على الشرع والنصوص من الكتاب والسنة، كذلك العصرانيون اليوم، مثلاً بمثل، سواءً بسواء يداً بيد.
3 ـ كذلك المعتزلة أنكروا صحيح السنة النبوية، وأخضعوا نصوص السنة لعقولهم، وقسموا السنة إلى آحاد ومتواتر من حيث الحجية والاستدلال، كذلك عصرانية اليوم قسموا السنة إلى تشريعية وغير تشريعية.
4 ـ كذلك تطاول المعتزلة على حملة السنة من الصحابة الكرام والسلف الصالح من التابعين ومَنْ بعدهم، من نُقاد الحديث بالطعن، والسَّب، ورميهم بالسفه وقلة العقل، بل بالهوى والكذب، كما قال عمرو بن عبيد المعتزلي: (والله لو أن علياً وعثمان وطلحة والزبير شهدوا عندي على شِراك نعل ما أجزته)([4]) وقال في سَمُرة بن جندب رضي الله عنه: (ما تصنع بسَمُرة قبَّح الله سَمُرة)([5]). وكذلك العصرانيون تطاولوا على السلف من الصحابة وغيرهم([6]).
يقول محمود أبو رية: (إن القول بعدالة جميع الصحابة، وتقديس كتب الحديث يرجع إليها في كل ما أصاب الإسلام من طعنات أعدائه، وضيق صدور ذوي الفكر من أوليائه!)([7]).
5 ـ وإذا كان المعتزلة العقلانيون قد استخفوا بعلم السلف المبني على الكتاب والسنة، واستبدلوه بالفلسفة والمنطق، وأشادوا بالمنطق اليوناني، كذلك العصرانيون اليوم.
يقول الدكتور حسن الترابي: (القديم الديني، علم تقليدي جامد يقوم على عاطفة ساذجة)([8])، ويقول أيضاً مستخفاً بعلم أصول الفقه عند السلف: (لا بد أن نقف وقفة مع علم الأصول تصله بواقع الحياة، لأن قضايا الأصول في أدبنا الفقهي أصبحت تؤخذ تجريداً، حتى غدت مقولات نظرية عقيمة لا تكاد تلد فقهاً ألبتة، بل تُوَلِّد جدلاً لا يتناهى)([9]).
بل إن العصرانيين ـ معتزلة اليوم ـ قد زادوا على معتزلة الأمس أشياء كثيرة مثل: الدعوة إلى الحرية، والديمقراطية الغربية، والخلط بينها وبين الشورى، والدعوة إلى الاشتراكية والقومية والحزبية، والدعوة إلى التقارب بين السنة والرافضة، بل بين الأديان كلها([10]).
مفهوم التجديد عند العصرانيين:
إذا كان مفهوم التجديد عند السلف الصالح هو العودة بالدين إلى ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإحياء لما اندرس من معالمه على وفق منهج السلف الصالح كما سبق.
فإن مفهوم التجديد عند العصرانيين اليوم هو هدم لما كان عليه السلف، والقطيعة بين السلف والخلف، وتطويع الدين لإفرازات الحضارة الغربية المعاصرة، وتغيير الصورة التي ألفها المسلمون خلفاً عن سلف.
يقول الدكتور محمد البهي واصفاً لهم: (تلك المحاولات الفكرية التي يدعي القائمون بها إصلاحاً أو تجديداً في الإسلام، وهي في واقع أمرها اخضاع الإسلام للون معين من التفكير، أجنبي عنه، سواء في هدفه أو فيما يصدر عنه)([11]).
ويقول الدكتور القرضاوي: (تسمية هؤلاء بـ (المجددين) تسمية خاطئة، هؤلاء (مبددون) لا مجددون، لأنهم لا يمتون إلى التجديد الحقيقي بصلة... والذي سمى هؤلاء (مجددين) إنما هو الاستعمار وتلاميذه وعملاؤه من المشتسرقين والمنصِّرين وتسميتهم الحقيقية (عبيد الفكر الغربي) فهم لا يرقون ليكونوا تلاميذ الفكر الغربي، فإن التلميذ يناقش أستاذه، وقد يخالفه ويرد عليه، ولكن موقف هؤلاء من الفكر الغربي هو التبعية والعبودية...)([12])
ونجمل مفهوم التجديد عند العصرانيين في النقاط التالية:
1 ـ التجديد عندهم هو تغير لحقائق الدين ومبادئه القطعية الثابتة ليوافق مع مبادئ الحضارة الغربية المعاصرة.
2 ـ التجديد عندهم هو تحقيق المصلحة التي اقتضتها الضغوط الواقعية والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
3 ـ مفهوم التجديد عند العصرانية فتح باب الاجتهاد على مصرعيه يلج فيه كل الناس، ويتساوى فيه العالم المجتهد، والجاهل.
يقول الدكتور/ حسن الترابي: (والاجتهاد مثل الجهاد، ينبغي أن يكون فيه لكل مسلم نصيب... إلى أن قال: وكذلك الاجتهاد)([13])، ويقول أيضاً: (وتقدير أهلية الاجتهاد مسألة نسبية وإضافية، ولكن بعض الكُتَّاب المُتنطِّعين في الضبط يتوهمون أنها درجة معنية تميز طبقة المجتهدين من عامة الفقهاء)([14]).
وقول محمد عبده: (بأنه سهل المنال على الجمهور الأعظم من المتدينين، لا تختص به طبقة من طبقات...)([15]).
4 ـ مفهوم التجديد عندهم هو إنكار السنة ـ كلياً أو جزئياً ـ بدعوى تعارضها مع العقل، أو القرآن بزعمهم، أو تعارضها مع علوم العصر الحاضر.
5 ـ مفهوم التجديد عندهم الإزدراء بفقه السلف الصالح، وبمناهجهم وأصولهم واعتباره فقهاً لا يفي بضروريات العصر.
يقول الدكتور/ حسن الترابي: (فأفكار السلف الصالح ونظمهم قد يتجاوزها الزمن من جراء قضائها على الأمراض التي نشأت من أجلها، وانتصارها على التحديات التي كانت استجابة لها)([16]).
6 ـ التجديد عندهم: القطيعة التامة بين الماضي والحاضر والسلف والخلف، واعتبار علم السلف واجتهادات الأئمة الأربعة وغيرهم من التراث الماضي يستأنس به، يقول الدكتور/ حسن الترابي: (ومهما كان تأريخ السلف الصالح إمتداداً لأصول الشرع، فإنه لا ينبغي أن يُوقَّر بانفعال، يحجب تلك الأصول، فما وُجد في تراث الأمة بعد الرسول ابتداءً بأبي بكر فهو تأريخ يستأنس به، فما أفتى به الخلفاء الراشدون مثلاً، والمذاهب الأربعة هو تراث لا يلزم به، وإنما يستأنس به في فهم سليم لشريعة تنزلت في الماضي على واقع متحرك، وهي تنزل اليوم على واقع متحرك)([17]).
ويقول أيضاً: (وقد بان لها (أي الحركة الإسلامية التجديدية) أن الفقه الذي بين يديها مهما تفنَّن حملته بالاستنتاجات والاستخراجات، ومهما دققوا في الأنابيش([18]) والمراجعات، لن يكون كافياً لحاجات الدعوة...)([19]).
7 ـ مفهوم التجديد عند العصرانية تمجيد للفرق المبتدعة، من المعتزلة العقلانية والإشادة بمناهجهم، وجعلهم النموذج المثالي الذي يحتذى به.
يقول الدكتور/ محمد عمارة: (ويسلم الكثيرون بأن المعتزلة هم فرسان العقلانية في حضارتنا)([20]).
ويصف الخوارج بأنهم: (حزب العدالة والجمهورية)([21])، ويصف حركتهم (كانت التجسيد الحي لحرارة القيم الثورية التي جاء بها الإسلام)([22]).
8 ـ مفهوم التجديد عند العصرانية هي تمجيد العقل وتقديمه على نصوص الكتاب والسنة ولو خالفهما.
يقول الدكتور/ محمد عمارة ت(لقد أصبح الواقع الفكري للحياة العربية يتطلب فرساناً غير النصوصين، ويستدعي أسلحة غير النقول والمأثورات للدفاع عن الدين الإسلامي، وعن حضارة العرب والمسلمين)([23]).
ويقول ـ أيضاً ـ مادحاً طريقة المعتزلة العقلانية: (لقد أوجبوا عرض النصوص والمأثورات على العقل، فهو الحكم الذي يميز صحيحها من منحولها، ولا عبرة بالرواة ورجال السند مهما كانت هالات القداسة التي أحاطهم بها، المُحدِّثون، وإنما بحكم العقل في هذا المقام)([24]).
ويقول أيضاً: (وهكذا كانت حجج العقل وبراهينه قاضية وحاكمة على حجج السمع)([25]).
9 ـ إعجابهم المفرط بما عند الغرب من نظام الحكم والديمقراطية، والخلط بينها وبين الشورى في الإسلام، يقول خالد محمد خالد: إن نظام الحكم في الإسلام هو الشورى، وما الشورى؟ إنها الديمقراطية التي نراها اليوم في بلاد الديمقراطيات)([26]).
وقال غيره: (الديمقراطية أفضل صيغة للحكم عرفتها البشرية)([27]).
الفروق بين مفهوم التجديد عند السلف الصالح، ومفهوم التجديد عند العصرانيين:
1 ـ المجددون من السلف الصالح: رجال معروفون مشهود لهم بالعلم والاجتهاد، والفضل والسابقة، كما قال السيوطي: (يشار بالعلم إلى مقامه)([28]) بخلاف أدعياء التجديد من العصرانية فلم يشهد لهم أحد من أهل العلم أنهم أهل لذلك فضلاً أن يكونوا مجتهدين.
2 ـ المجددون على طريقة السلف الصالح مشهود لهم بمناصرة السُّنة علماً وعملاً وبمناصرة أهلها، بخلاف العصرانية فلم يؤثر عنهم مناصرة للسُّنة البتة، ولا الدفاع عن أهلها، بل هم على نقيض ذلك كما سبق.
3 ـ المجددون من أهل السُّنة معروفون بإحياء السُّنة وإماتة البدعة، بخلاف أدعياء التجديد العصرانيين فهم مجانبون للسنة، مناصرون لأهل البدعة ومدافعون عنها كما سبق.
4 ـ المجددون من أهل السُّنة جهودهم في العلم والدعوة إليه وتأثيرهم في الأمة ظاهرة بيِّنة ملموسة ومشاهدة، بخلاف أدعياء التجديد، فهم على العكس من ذلك فإنهم كانوا معول هدم وتخريب، وتمزيق للأمة، وتشكيكٌ في ثوابتها.
5 ـ إن الدعوة إلى التجديد السُّني لقائم على وفق منهج السلف الصالح، هو موصول بالماضي العريق، وما كانوا عليه من الالتزام بالكتاب والسنة، كذلك التجديد العصراني موصول بسلفهم من المتكلمين والفلاسفة العقلانية، وأهل الأهواء ولكل قوم وارث، والمرء على دين خليله.
6 ـ التجديد عند أهل السُّنة ربط للأمة بتراثها الماضي، وإحياء لما اندرس من ذلك التراث، بخلاف التجديد اليوم عند العصرانيين، فهم هدم لما كان عليه السلف، ورفض لكل ما هو سلفي.
يقول الدكتور/ حسن الترابي: (وعلينا أن ننظر في أصول الفقه الإسلامي، وفي رأيي أن النظرة السليمة لأصول الفقه تبدأ بالقرآن الذي يبدو أننا محتاجون فيه إلى تفسير جديد، فإذا قرأتم التفاسير المتداولة بيننا تجدونها مرتبطة بالواقع الذي صيغت فيه، كل تفسيرا يعبر عن عقلية عصره... إلا هذا الزمان لا نكاد فيه تفسيراً عصرياً شافياً)([29]).
7 ـ إن تجديد السلف من السابقين كعمر بن عبد العزيز والإمام الشافعي وغيرهما كان تجديدهم تجديداً عملياً مؤصلاً، ولم يكن مجرد دعوى وإدعاء جوفاء لا حقيقة له في الواقع العملي، كالدعاء التجديد من العصرانيين اليوم، فعمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ كان إماماً عدلاً، قائماً به، حيث رد الحقوق التي اغتصبها بعض حكام بني أمية إلى أصحابها، فبدأ بنفسه ثم بزوجته، وأهله وأقاربه، حتى عمَّ العدل جميع مملكته، وانتشر الغنى في أرجائها، حتى لم يبق فقير يحتاج إلى صدقة غني، قد أغناهم عمر رضي الله عنه، كما نشر عمر السنة وأمر بتدوينها كما سبق.
وأما الإمام الشافعي فكان بحق مجد القرن الثاني، فنشر العلم وأحيا السُّنة وأمات البدعة، وكان أول من ألف في أصول الفقه، وهكذا بقية المجددين، حتى شهدت الأمة كلها بفضلهم وتأثيرهم في الأمة بخلاف أدعياء التجديد من العصرانيين اليوم، ممن تخرجوا من جامعات الغرب، فكان تجديدهم هدماً لأصول الدين وفروعه، ونقضاً لجهود السلف الصالح، دون الإتيان بالبديل المزعوم، فكان تجديدهم معول هدم للدين، وتفريقاً لكلمة المسلمين، وإضعافاً لقوتهم.
8 ـ إن المجددين الأوائل ساروا على وفق مَنْ سبقهم من السلف الصالح، حيث ذكروهم بالجميل الحسن، ولم يخرجوا عن أصولهم، بل كانوا حريصين على الاتباع، لا الابتداع، قال عمر بن عبد العزيز: (سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاةُ الأمر بعده سُنناً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمالٌ لطاعته، وقوةٌ على دين الله، ليس لأحدٍ تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سَنُّوا اهتدى، ومن استبصر بها تبصَّر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاَّهُ الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً)([30]).
انظر هذا الكلام الموفق من هذا الإمام المجدد الملهم، وقارنه مع اتهام أدعياء التجديد لعلماء الأمة بضيق الأفق وعدم فقه الواقع، والله المستعان.
9 ـ إن أحداً ممن رُشِحوا للتجديد من السلف لم يدّع أحدٌ منهم أنه المجدد للقرن الفلاني، حتى العلامة السيوطي رجا أن يكون هو مجدد القرن التاسع ـ كما سبق عنه ـ إنما كان العلماء يتوسمون في بعضهم الأهلية لذلك، ويرشحونه على أنه مجدد القرن الفلاني، لما لمسوا فيه من نشر للسنة وقمع البدعة، ونهوض بالمسلمين([31]) بخلاف أدعياء التجديد اليوم.
فقد ادعى بعضهم أنه المجدد لهذا القرن، وصنفوا الكتب والرسائل باسم التجديد، وانظر على سبيل المثال تجديد أصول الفقه الإسلامي، وتجديد الفكر الإسلامي للدكتور حسن الترابي، ومَنْ على شاكلته، والله المستعان([32]).               
 
 
[1]) ) ـ انظر: غزو من الداخل لجمال سلطان، ص (68).
[2]) ) ـ انظر: مفهوم تجديد الدين ص (96) والعصرانيون بين مزاعم التجديد ص (5).
[3]) ) ـ انظر: الإسلام والحضارة الغريبة ص (16، 17)، وتاريخ الغزو الفكري والتغريب ص (47) وعودة الحجاب (1/25).
[4]) ) ـ انظر: تأريخ بغداد (12/ 175) وميزان الاعتدال (2/275).
[5]) ) ـ انظر: تأريخ بغداد (12/ 173) وميزان الاعتدال (2/74).
[6]) ) ـ انظر: ما قاله محمود أبو رية في كتابه أضواء على السنة المحمدية ص (339) وما نقله الأمين الحاج عن حسن الترابي في مناقشته الهادئة ص (53).
[7]) ) ـ انظر: أضواء على السنة المحمدية ص (339).
[8]) ) ـ انظر: مناقشة هادئة ص (48).
[9]) ) ـ انظر: تجديد أصول الفقه ص (7).
[10]) ) ـ انظر: مؤلفات د. محمد عمارة، ود. حسن حنفي، ود. حسن الترابي، وفهمي هويدي وآخرين على شاكلتهم.
[11]) ) ـ انظر: الفكر الإسلامي وصلته بالاستعمال الغربي ص (329).
[12]) ) ـ انظر: من أجل صحوة راشدة ص (48).
[13]) ) ـ انظر: تجديد الفكر الإسلامي ص (45، 46).
[14]) ) ـ انظر: تجديد أصول الفقه ص (32).
[15]) ) ـ انظر: رسالة التوحيد (135) وانظر أيضاً تجديد الدين د. محمد عمارة ص (31).
[16]) ) ـ تجديد الفكر الإسلامي ص (40، 56).
[17]) ) ـ انظر: المصدر السابق ص (105).
[18]) ) ـ كلمة (الأنابيش) يكثر استعمالها عند الدكتور الترابي، ويقصد بها: الاستنباطات والاستخراجات الفقهية عند علماء الفقه والأصول، وفيه سوء أدب معهم، ويصف ـ أيضاً ـ كتب الحديث والفقه، بالكتب الصفراء، والله المستعان.
[19]) ) ـ انظر: تجديد أصول الفقه ص (21).
[20]) ) ـ انظر: تيارات الكر الإسلامي ص (69).
[21]) ) ـ انظر فجر اليقظة القومية ص (144).
[22]) ) ـ انظر المصدر السابق ص (140).
[23]) ) ـ انظر: المصدر السابق ص (70، 71).
[24]) ) ـ انظر: تيارات الفكر الإسلامي ص (71).
[25]) ) ـ انظر: المصدر السابق ص (71).
[26]) ) ـ انظر: غزو من الداخل لجمال سلطان ص (21).
[27]) ) ـ انظر: كتاب مفاهيم معاصرة في ضوء الإسلام ص (71).
[28]) ) ـ انظر: التنبئة ص (74).
[29]) ) ـ انظر: تجديد الفكر الإسلامي ص (25، 26).
[30]) ) ـ انظر: الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (1/436).
[31]) ) ـ انظر: مفهوم التجديد للطحان ص (28).
[32]) ) ـ انظر: المصدر السابق ص (28).
 
 
 
مذكرات (همفر) في الميزان
الجمعة 27 أبريل 2007
مذكرات (همفر) في الميزان
بقلم: مالك بن حُسين
مجلة الأصالة  عدد (31)  (باختصار)
وقفت على كتاب موسوم بـ (مذكرات مستر همفر)، وهذا الاسم ليس بالغريب؛ فقد كنت أول ما قرأت عنه في "مجلة منار الهدى" التي يصدرها المكتب الإعلامي في جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية، (العدد 28)، رمضان 1415هـ ـ شباط 1995، وهي مجلة يصدرها جماعة الأحباش (الهَرَرِيّين)؛ ولَمَّا قرأت ذلك المقال، تطلَّعَتْ نفسي للاطلاع على كتاب أو مذكرات هذا الجاسوس الإنجليزي ـ نفسِها ـ ؛ حتى أنظر فيه، وأعرف مدى صدق ما نُسِبَ للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ في هذه المذكرات.
وبعد قراءة هذه المذكرات تبيَّن لي أنَّها كذب من أصلها، وأنَّ (همفر) ـ هذا ـ شخصية وهميَّة، فأحببت أن أُطلع إخواني على ما وقفت عليه؛ حتى يكون هذا عوناً لهم في الدَّفاع عن الإمام ـ رحمه الله ـ، وليدفعوا بها في نحر كل مبتدع؛ {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} (الإسراء: 81).
قال الله ـ تعالى ـ : {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} (الحجرات: 6).
فمن كان طالباً للحقِّ؛ فعليه أن يُقارِن بين كلام الإمام ـ رحمه الله ـ وبين كلام خصومه، فهذه كتبه ورسائله مطبوعة، فما كان فيها من حقٍّ قبلناه، وما كان فيها من خطأ، ومُخالفة للصواب رددناه، ولا نتعصَّب لأحدٍ، كائناً من كان؛ إلا الذي لا ينطق عن الهوى، الحبيب المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
أمَّا أن نعتمد على كلام (كافر نصراني.. نكرة مجهول)؛ كان يشرب الكأس إلى الثُّمالة([1])، بل هو يذكر عن نفسه الكذب([2]).
ومن جعل الغراب له دليلاً     يَمُرُّ به على جِيَفِ الكلاب
كيف يكون هذا؛ والذي يتَّضح من رسائل وردود الإمام ـ رحمه الله ـ أنَّ فيها نفياً وتفنيداً لِمَا أُلصق بدعوته من تُهم وأكاذيب؛ لم يقلها؛ بل نفاها، وكرَّر مراراً القولَ: "هذا بهتان عظيم".
وإنني أقول:إنَّ ما ورد في هذه (المذكرات) هو محضُ هُراءٍ، وكلامٌ عارٍ عن الدليل، لا ينطلي إلا على أحد رجلين:
الأول: جاهل جهلاً مركباً، غبيٌّ لا يُفرِّق ما بين كوعه وكرسوعه.
والثاني: صاحب هوىً مبتدع، عدوُّ لدعوة التوحيد.
فاتقوا الله؛ فإن لحوم العلماء مسمومة، وسنَّة الله في منتقصيهم معلومة، ومن أطلق لسانه في العلماء بالثَّلب؛ ابتلاه الله قبل موته بموت القلب... نسأل الله السَّلامة والعافية.
مذكرات (همفر) باطلة من أصلها و (همفر) شخصية وهميَّة:
وبعد دراستي لهذه (المذكرات) تبيَّن لي أنَّ هذه المذكرات من نسج خيال (فَرْد) أو (مجموعة)[3]؛ المقصود منها تشويه دعوة (الإمام محمد بن عبد الوهاب) ـ رحمه الله ـ بالكذب والافتراء، والأدلة على ما أقول كثيرة؛ إليك بعضاً منها:
أولاً: بِتَتَبُّع التواريخ المذكورة في (المذكرات) يظهر لنا أنَّ (همفر!!) لَمَّا التقى بالشيخ ـ رحمه الله ـ؛ كان عمر الشيخ ـ الافتراضي ـ وقتئذ (عشر سنين!!)، وهذا أمر لا يتناسب ـ بل يتناقض ـ مع ما ذُكر في المذكرات (ص30) من أنَّ (همفر) تعرَّف: "على شاب كان يتردد على هذا الدكان، يعرف اللغات الثلاث؛ التركية والفارسية والعربية، كان في زي طلبة العلوم الدينية، وكان يسمى بـ (محمد بن عبد الوهاب) وكان شاباً طموحاً للغاية" أهـ.
وإليك تفصيلَ ذلك بالدليل:
ـ ذكر أنَّ وزارة المستعمرات (البريطانية) أوفدته إلى الآستانة (مركز الخلافة الإسلامية) سنة (1710م ـ1122هـ) .
ـ ثم ذكر أنه مكث في الآستانة سنتين؛ ثم رجع إلى لندن حسب الأوامر؛ لتقديم تقدير مُفصل عن الأوضاع في عاصمة الخلافة.
ـ ثم أنَّه مكث في لندن ستة أشهر.
ـ ثم أنه توجه إلى البصرة، وأخذت منه الرحلة ستة أشهر.
ـ وفي أثناء وجوده في البصرة التقى بالشيخ ـ رحمه الله ـ.
ـ يكون مجموع التواريخ الماضية هو (1713) أي : سنة (1125 هـ)([4])، والشيخ ـ رحمه الله ـ ولد سنة (1703 م) (1115هـ)؛ فيكون عمر الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) ـ رحمه الله ـ وقت لقاء (همفر) به؛ عشر سنين!! وهذا واضح جداً في بطلان هذه المذكرات جملةً وتفصيلاً.
ثانياً: ذُكر في (المذكرات) أن الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) ـ رحمه الله ـ أظهر دعوته في سنة (1143) هجرية، وهذا كذب واضح؛ حيث إن تاريخ إعلان الشيخ ـ رحمه الله ـ دعوته هو نفسه التاريخ الذي توفي فيه والده، وهو سنة (1153هـ)([5])، فانظر إلى هذا التفاوت الواضح في التاريخ.
ثالثاً: إنَّ موقف (الحكومة البريطانية) من دعوة الشيخ (محمد بن عبد الوهاب)؛ ليس التأييد والدعم؛ وإنما هو العداء والمحاربة ـ كما سيأتي معنا بدليله ـ.
رابعاً: لا نَجِدُ ذكراً لهذه (المذكرات) في سالف الزمان؛ رغم حرص أعداء هذه (الدَّعوة المُباركة) على تشوييها، ونشر كل ما يُسيء إليها، وخروجها في هذا الوقت المُتأخر دليل على افترائها وتلفيقها.
خامساً: (همفر) هذا (نكرةٌ) لا يُعرَف؛ فأين هي المعلومات التفصيليَّة عنه؛ من حيث اسمُه، ورتبتُه، وما يتعلق بوضيفته ومهمَّتِه من كتب ووثائق (الحكومة البريطانية)[6]؟!
سادساً: إنَّ الذي يقرأ هذه (المذكرات) يجزم بأنَّ مؤلفها ليس نصرانياً؛ لوجود كثير من العبارات التي فيها الطعن والانتقاص (بالدَّين النصراني) و(الإنجليز) أنفسهم، وبعض ـ العبارات التي فيها مدح (الإسلام) .
سابعاً: لا توجد أية معلومات عن هذه (المذكرات)؛ من حيث النسخة الأصلية التي تُرجمَت عنها، وهل هي مطبوعة أم مخطوطة؟! وبأيّ لغةٍ؟!
ثامناً: المُترجِمُ نكرة؛ لم يُذكر عنه أيُّ شيء، وفي بعض النسخ رمز له بـ (د.م.ع.خ)!!
تاسعاً: كثرة الفروق بين طبعات هذه المذكرات ، وبعضها فروق جوهرية.
عاشراً: في إحدى النسخ تاريخ الترجمة هو : (25 حزيران 1990)؛ فهل مثل هذه (الوثائق المهمَّة) تبقي حبيسة، ولا ترى النُّور إلا بعد (199) عاماً من وفاة الشيخ ـ رحمه الله ـ ؟!!
الحادي عشر: يوجد تاريخ (2/1/ 1973) في نهاية (المذكرات)؛ وهذا التاريخ لا أدري ما هو: هل هو تاريخ كتابة هذه (المذكرات) من (همفر) ـ كما هو ظاهر ـ !!
ـ وهذا يؤكد كذب هذه المذكرات؛ إذ إنَّ وفاة الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) ـ رحمه الله ـ قبل هذا التاريخ بـ (179) عاماً!! ـ.
أما هو تاريخ افتراء واختلاق هذه (المذكرات)؟!!
الثاني عشر: إنَّ ما في كُتب الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) كلَّه يُكذِّب ما ورد في هذه المذكرات؛ كما سيأتي تفصيله ـ إن شاء الله ـ في الصفحات القادمة.
الثالث عشر: إن واقع الشيخ ـ رحمه الله ـ وواقع دعوته؛ ينفي ذلك كلَّه.
الرابع عشر: شهادة أعداء الشيخ ـ رحمه الله ـ ؛ من مسلمين وكفار تنفي عنه ما في هذه المذكرات، وهذا أمر مستفيض، ولو تتبعناه لطال بنا البحث.
موقف (الإنجليز) من دعوة الإمام (محمد بن عبد الوهاب) ـ رحمه الله ـ:
لمس الإنجليز آثار دعوة الشيخ ـ رحمه الله ـ السَّلفية، في أعظم مكان يعتزُّون باستعماره والاستيلاء على خيراته، عندما تلقَّفها الهنود على يد الدَّاعية الإسلامي (أحمد بن عرفان)، الشهير (بأحمد باريلي)، وأتباعه، وفي حركات أُخرى مثل: (الفراتقيين وتيتومان) (نزار علي)([7])، تلك الدَّعوات التي ناوأت (القاديانيَّة) الكافرة؛ التي أرادها (الإنجليز) واجهة إسلامية تُحقّق مآربهم، وينضوي تحتها من لا يعرف من الإسلام إلا اسمه.
ويظهر انزعاج (الإنجليز) وحرصهم على القضاء على دعوة الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) ـ رحمه الله ـ ؛ ـ التي تُمثّل يقظة جديدة في الدين الإسلامي، ودعوة إلى فهمه من مصادره الصَّافية؛ كتاب الله وسنَّة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ـ، أنَّهم بذلوا جهوداً وأموالاً في هذا السَّبيل.
وقد أبانت رحلة (سادلير) الضابط البريطاني، وقائد الفوج (47)، ومبعوث (الحكومة البريطانية) في (الهند)؛ الذي قام برحلة شاقَّة من (الهند) إلى أن وصل (الرياض)، ووقف على أطلال (الدَّرعيَّة)؛ التي هدمها (إبراهيم باشا)، بناءً على تخطيط اشترك في الإعداد له (الإنجليز)؛ ليطمئن على تفتيت (الحكومة الإسلاميَّة) التي تحرَّكت في (الجزيرة) لإيقاظ المسلمين، وليقضي على قاعدة (الدعوة السَّلفيَّة) بنفسه؛ لِما أحدثته من خوف وقلق في داخل (الحكومة الإنجليزية) خوفاً على مصالحها، وقد كان في (رحلته) هذه ضمن قافلة كبيرة أغلبها من الأتراك، أبانت هذه (الرحلة) جانباً مهمَّاً في التعاطف والحرص على القضاء على هذه (الدَّعوة)؛ التي تُمثّل يقظة إسلامية توحِّد المسلمين، كما أبانت عن حقد (الإنجليز) على (الإسلام)، ذلك الحقد المُخطّط له من (التَّبشير الكنسي) المُوجَّه بأفكار (المستشرقين) ودسائسهم.
فقد مرَّ (سادلير) (بالدِّرعية) متخفّياً في (13) أغسطس من عام (1819م)([8])، وبعد أن ارتاحت نفسه، شدَّ الرِّحال لاحقاً (بإبراهيم باشا)، حتى أدركه في (آبار علي)، على مقربة من (المدينة المنورة)؛ ليُقدِّم له التَّهاني بهذا النَّصر([9])، مقرونة بهدايا (حكومة الهند الشرقية = الحكومة البريطانية).
الرد التَّفصيلي على ما ورد في هذه المذكرات:
الملاحظة الأولى: ذكر في (ص 30) أنَّ الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) كانت له صداقة لرجل شيعي اسمه (عبد الرضا).
أقول: صداقة الشيخ ـ رحمه الله ـ للشِّيعة من أوضح الباطل، وهو كذب مفضوح، وللشيخ ـ رحمه الله ـ رسالة مطبوعة مُتداولة بعُنوان: "رسالة في الرَّدِّ على الرَّافضة"؛ وهي قوية في بابها في الرَّدِّ على الشيعة، وعقائدهم الشنيعة..
الملاحظة الثانية: ذكر في (ص 30)؛ أن الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) كان يعرف اللغات الثلاث: التركية، والفارسية، والعربية.
أقول: هذا أمر ليس بثابت؛ وليس في مؤلفات الشيخ ـ رحمه الله ـ وآثاره ما يدل على شيء من هذا .
الملاحظة الثالثة: ذكر في (ص 31)؛ أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب) لم يكن يرى أي وزن لأتباع المذاهب الأربعة المتداولة بين أهل السنة ويقول: إنها ما أنزل الله بها من سلطان!
أقول: موقف الشيخ ـ رحمه الله ـ من المذاهب الأربعة واضح في كتبه؛ ومما قاله في بيان مذهبه: "نحن مقلدون للكتاب والسنة وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة؛ أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل ـ رحمهم الله ـ" أهـ([10]).
وقال ـ رحمه الله ـ : "أما مذهبنا؛ فمذهب الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، ولا ننكر على أهل المذاهب الأربعة، إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وقول جمهورها" أهـ.([11]).
وقال ـ رحمه الله ـ : "وأما المتأخرون ـ رحمهم الله ـ فكتبهم عندنا؛ نعمل بما وافق النص منها، وما لم يوافق النص لا نعمل به"أهـ([12]).
وأنقل لك شهادة الشيخ (محمد رشيد رضا) حيث قال: "... وأنهم([13]) في الأصول على مذهب جمهور السلف الصالح، وفي الفروع على مذهب الإمام (أحمد)، وأنهم يحترمون مذاهب (الأئمة الأربعة)، ولا يفرقون بين أحد من مقلديهم، وإنما قال (ابن عابدين) ـ ومن تبعه ـ ما قاله؛ تصديقاً لأكاذيب الشيخ (أحمد دحلان) ومفترياته، مع عدم وجود شيء من كتب (الشيخ) وكتب (أولاده وأحفاده) في الأيدي، ونحن كنا نصدق هذه الإشاعات التي أشاعتها السياسة (التركية) عنهم تصديقاً (لابن عابدين) وأمثاله؛ وقد طبعت كتبهم وكتب أنصارهم في عصرنا، فلا عذر لأحدٍ في تصديق (الحشوية) (والمبتدعة) (وأهل الأهواء) فيهم، وقد ذُكرت هذه الإشاعات مرةً بمجلس الأستاذ الكبير الشيخ (أبي الفضل الجيزاوي) (شيخ الأزهر) في إدارة المعاهد الدينية، فاستحضرت لهم نسخاً من كتاب "الهدية السنية" فراجعها (الشيخ الكبير)، وعنده طائفة من أشهر (علماء الأزهر)، فاعترفوا بأن ما فيها هو عين مذهب جمهور أهل السنة والجماعة" أهـ([14]).
الملاحظة الرابعة: ذكر في (ص 30)؛ أن الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) و(عبد الرضا) الشيعي كانا ناقِمَيْنِ على الخليفة.
أقول: والجواب على هذا من وجوه، هي:
1 ـ الشيخ ـ رحمه الله ـ يرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين؛ ومن ذلك قوله: "وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برِّهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة؛ وجبت طاعته، وحرم الخروج عليه" أهـ([15])،وقال أيضاً: "الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبداً حبشياً، فبين الله له هذا بياناً شائعاً كافياً بوجوه من أنواع البيان شرعاً وقدراً، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند كثير ممن يدعي العلم، فكيف العمل به؟!" أهـ([16]).
2 ـ الشيخ ـ رحمه الله ـ كان لا يجد أدنى شكٍ في أن محل دعوته ليست خاضعة لدولة الخلافة؛ من ذلك قوله: "أن هذا الذي أنكروا علي وأبغضوني وعادوني من أجله، إذا سألوا عنه كل عالم في الشام أو اليمن أو غيرهم، يقول: هذا هو الحق، وهو دين الله ورسوله، ولكن ما أقدر أن أظهره في مكان لأجل أن الدولة ما يرضون، وابن عبد الوهاب أظهره؛ لأن الحاكم في بلده ما أنكره؛ بل لما عرف الحق اتبعه" اهـ([17]).
3 ـ هذه كتب الشيخ ـ رحمه الله ـ بين أيدينا، وليس فيه ما يدل على أي موقف عدائي ضد (دولة الخلافة)، ولا أي فتوى له ـ رحمه الله ـ تكفر (الدولة العثمانية)، وكانت سياسة الشيخ ـ رحمه الله ـ وموقفه تجاه (الدولة العثمانية)؛ أنه لم يُؤثر عنه ـ طوال حياته ـ تحريضٌ، أو استعداء، أو دعوة لحربها، أو الاستيلاء عليها؛ لشعوره أن ذلك الفعل يُفسر على أنه خروج على (دولة الخلافة)، ولم تُحرك (دولة الخلافة) ساكناً، ولم تبدُر منها أية مبادرة امتعاض، أو خلاف يُذكر؛ رغم توالي أربعة من (سلاطين آل عثمان) الخلافة، أثناء حياة الشيخ ـ رحمه الله ـ .
4 ـ دولة (الخلافة العثمانية) لم يكن لها سيطرة على (نجد)؛ فلم تشهد (نجد) ـ على العموم ـ نفوذاً (للدولة العثمانية)، وما امتد إليها سلطانها؛ فلم يكن في (نجد) رئاسة ولا إمارة (للأتراك)، ولا أتى إليها (ولاة عثمانيون)، ولا جابت خلال ديارها حامية (تركية)؛ في الزمان الذي سبق ظهور دعوة الشيخ (محمد بن عبد الوهاب)؛ بل كانت (نجد) (إمارات صغيرة) (وقرى متناثرة)، وعلى كل بلدة أو قرية ـ مهما صغرت ـ أمير مستقل، وهي إمارات بينها قتال وحروب ومشاجرات.
ومما يدل على هذه (الحقيقة التاريخية) استقراء تقسيمات (الدولة العثمانية) الإدارية، فمن خلال (رسالة تركية) عنوانها: "قوانين آل عثمان در مضامين دفتر ديوان" ـ يعني: (قوانين آل عثمان فيما يتضمنه دفتر الديوان) ـ ألفها (يمين علي أفندي)؛ الذي كان أميناً للدفتر الخاقاني، سنة (1018هـ) الموافقة لسنة (1690م)، ونشرها (ساطع الحصري) ملحقاً من ملاحق كتابه "البلاد العربية والدولة العثمانية" (ص 230 ـ 240)؛ من خلال هذه الرسالة تبيّن أنه منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري، كانت (دولة آل عثمان) تنقسم إلى (32) إيالة، منها (14) إيالة عربيّة، وبلاد (نجد) ليست منها، ما عدا (الأحساء)، إن اعتبرناها من (نجد).
ثم إن نفوذ (العثمانيين) ما لبث أن ضعف في (جزيرة العرب)؛ نتيجة لمشاكلهم الداخلية والخارجية، فاضطروا في نهاية الأمر إلى ترك (اليمن)؛ بسبب ثورة أئمة صنعاء صدهم، واضطروا إلى مغادرة (الأحساء) أيضاً أمام ثورة زعيم بني خالد (براك بن غرير) وأتباعه سنة (1080هـ)([18]).
5 ـ منطقة (نجد) لم تُعرَف بوجود شيء من (الخيرات) (والثروات)، التي تجعل تلك المنطقة محل طمع (الخلافة العثمانية)، وغيرها.
الملاحظة الخامسة: وذكر أن الشيخ ـ رحمه الله ـ كان له رأيه المستقل الذي لا يهتم حتى بالخلفاء الأربعة أمام ما يفهمه هو من القرآن والسنة.
وذكر (همفر) أنه كان يبين للشيخ (محمد بن عبد الوهاب)، أنه أكثر موهبة من (علي وعمر)!
أقول: أما اعتقاد الشيخ ـ رحمه الله ـ في الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ؛ فهو التالي:
قال ـ رحمه الله ـ : "وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على كمال الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، خصوصاً الخلفاء الراشدين، فإن ما ذكر في مدح كل واحد مشهور بل متواتر؛ لأنَّ نَقَلَةَ ذلك أقوام يستحيل تواطؤهم على الكذب، ويُفيد مجموع أخبارهم العلم اليقيني بكامل الصحابة وفضل الخلفاء"اهـ([19]).
وقال ـ رحمه الله ـ: "ومن اعتقد منهم ـ أي: الرافضة ـ ما يوجب إهانتهم ـ أي: الصحابة ـ؛ فقد كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به من وجوب إكرامهم وتعظيمهم، ومن كذَّبه فيما ثبت عنه قطعاً؛ فقد كفر"اهـ([20])، وقال ـ رحمه الله ـ: "فمن سبَّهم؛ فقد خالف أمر الله به من إكرامهم، ومن اعتقد السوء فيهم كلهم، أو جمهورهم؛ فقد كذب الله ـ تعالى ـ فيما أخبر من كمالهم وفضائلهم، ومكذبه كافر" اهـ([21]).
الملاحظة السادسة: ذكر (همفر) أنه قال للشيخ (محمد بن عبد الوهاب) بأن الجهاد ليس فرضاً... وبعد نقاش هز الشيخُ رأسه علامة للرضا!!
أقول: مذهب الشيخ ـ رحمه الله ـ في الجهاد بينه ـ جلياً ـ بقوله: "وأرى الجهاد ماضياً مع كل إمام؛ براً كان أو فاجراً، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة، والجهاد ماض منذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل" اهـ([22]).
فهذا يُكذِّب ذاك، ويُبطله...
الملاحظة الثامنة: ذكر (همفر) أنه أقنع (الشيخ محمد بن عبد الوهاب) بأن (متعة النساء جائزة)، وأنه تمتع بامرأة مسيحية من اللاتي كن مجندات من قِبل وزارة المستعمرات لإفساد الشباب المسلم.
أقول: سلسلة الكذب لا تنتهي؛ فسبحان الله! فهل مثل هذا الكلام يُصدق عن (إمام من أئمة أهل السنة)؛ ألف كتاباً في (الرد على الرافضة)، وجعل الرد عليهم في مطالب، منها: (مطلب المتعة)، قال ـ رحمة الله ـ في نهاية المطلب ـ ما نصُّه ـ: "والحاصل: أن المتعة كانت حلالاً ثم نسخت وحُرمت تحريماً مؤبداً، فمن فعلها؛ فقد فتح على نفسه باب الزنا"أهـ([23]).
الملاحظة الثامنة: ذكر (همفر) أنه بعد نقاش أقنع (الشيخ محمد بن عبد الوهاب) بأن (شرب الخمر) ليس بحرام، وأن (الصلاة) ليست فرضاً؛ فشرب الخمر، وتهاون في الصلاة.
أقول: قال الشيخ ـ رحمه الله ـ في رسالته إلى عالم بغداد (الشيخ عبد الرحمن السويدي) ـ رحمه الله ـ بعد أن بيّن له عقيدته، وما يدعو الناس إليه من إخلاص العبادة الله ـ تعالى ـ، وإنكار ما فشا في الناس من أمر الشرك؛ من دعاء الأموات، والالتجاء إليهم من دون الله ـ تعالى ـ، قال ـ رحمه الله ـ: "فإني ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة، وإيتاء الزّكاة، وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الرِّبا، وشرب الخمر [والمسكرات]، وأنواع المنكرات، فلم يمكن الرؤساء القدحَ في هذا وعيبه؛ لكونه مستحسناً عند العوام، فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمرُ به من التوحيد، وأنهى عنه من الشرك، ولبَّسوا على العوام: أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس، وكبرت الفتنة جداً، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان وَرَحِلِه؛ منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلاً أن يفتريه، ... [وبعد أن عدَّد أموراً كثيرة مما نسب إليه؛ قال:] والحاصل: أن ما ذُكر عنّا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنَّهي عن الشرك، فكله من البهتان، وهذا لو خفي على غيركم فلا يخفى عليكم" اهـ([24]).
واقرأ هذه الشهادة من الضابط البريطاني (سادلير)، واصفاً ما سمّاهم (الوهابيين): "مع سقوط (الدرعية)، وخروج (عبد الله) عنها، ويبدو أن جذور (الوهابيين) قد انطفأت، فقد عرفت من كلّ (البدو) الذي قابلتهم في (نجد) أنهم سنيُّون، وأنهم يداومون على (الصلاة) المفروضة حتى في السفر الطويل، وتحت أقسى الظروف"([25]).
وهذا الكلام في أتباع (الشيخ محمد بن عبد الوهاب) بعد وفاته فتأمل!!
الملاحظة التاسعة: ذكر بأنَّ (الشيخ محمد بن عبد الوهاب) ذهب إلى (أصفهان وشيراز).
أقول: الشيخ ـ رحمه الله ـ لم يذهب إلى (أصفهان وشيراز)؛ فإن الذين ترجموا للشيخ حرصوا على تدوين كلِّ ما يتَّصل برحلاته، وبذكر البلاد التي زارها، ولم يذكر أحدٌ منهم ذهاب الشيخ ـ رحمه الله ـ إلى (فارس وإيران وقم وأصفهان وشيراز)! ومن ذكر هذا إنما نقله عن بعض المستشرقين الذين ذكروا ذلك في مؤلفاتهم المعروفة بالأخطاء، ومجانبة الحقيقة؛ أمثال: مرجليوث في "دائرة المعارف الإسلامية"، وبرائجس، وهيوجز، وزيمر، وبالغريف([26]).
الملاحظة العاشرة: ذكر أن (ألشيخ محمد بن عبد الوهاب) يؤمن (بالتقية).
أقول: قال الشيخ ـ رحمه الله ـ في معرض ردِّه على (الرَّافضة) في مسألة (التقيّة): "والمفهوم من كلامهم أن معنى (التقية) عندهم: كتمان الحق، أو ترك اللازم، أو ارتكاب المنهي؛ خوفاً من الناس، والله أعلم.
فانظر إلى جهل هؤلاء الكذبة، وبنوا على هذه (التقية) المشؤمة كتم علي نص خلافته ومبايعة الخلفاء الثلاثة...
وهذا يقتضي عدم الوثوق بأقوال أئمة أهل البيت وأفعالهم؛ لاحتمال أنهم قالوها أو فعلوها (تقية)!...
ما أشنع قول قوم يلزم منه نقص أئمتهم المبرئين عن ذلك" اهـ([27]).
الملاحظة الحادية عشرة: ذكر أن من الخطط التي وضعت (للشيخ محمد بن عبد الوهاب) تكفير كل المسلمين، وإباحة قتلهم، وسلب أموالهم.
أقول: هذا من الافتراءات الكثيرة التي روجها أعداء (الدعوة)، وأنا ناقل من كلام (الإمام محمد بن عبد الوهاب) ما يدحض هذه الفرية، ويبين أن منهجه في (التكفير) هو (منهج أهل السنة والجماعة).
قال ـ رحمه الله ـ: "أركان الإسلام الخمسة: أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة؛ إذا أقر بها وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفّره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود، ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم؛ وهو الشهادتان" اهـ([28])، وقال ـ رحمه الله ـ : "ولا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبِّههم"اهـ([29])، وقال ـ رحمه الله ـ: "وأما الكذب والبهتان؛ فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنَّا نكفر من لم يكفِّر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان؛ الذي يصدُّون به الناس عن دين الله ورسوله..." اهـ([30])، وقال ـ رحمه الله ـ: "ولا نشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار؛ إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني أرجو للمسلم، وأخاف على المسيء" اهـ([31])، وقال ـ رحمه الله ـ: "ولا أكفر أحداً بذنب، ولا أُخرجه من دائرة الإسلام" اهـ([32])، وقال ـ رحمه الله ـ: "وأما ما ذكره الأعداء عني أنِّي أكفِّر بالظنِّ، والموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم؛ يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله" اهـ([33])، وقال ـ رحمه الله ـ : "والله يعلم أن الرجل [ابن سحيم] افترى علي أموراً لم أقلها، ولم يأتي أكثرها على بالي؛ فمنها: أني أكفر البوصيري، وأني أكفر من حلف بغير الله... جوابي عن هذه المسائل أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم" اهـ([34])، وقال ـ رحمه الله ـ: "وأجلبوا علينا بخيل الشيطان وَرَجِله؛ منها: إشاعة البهتان بما يستحي أن يحكيه، فضلاً على أن يفتريه، ومنها ما ذكرتم: أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟!!..." اهـ([35])، وقال ـ رحمه الله ـ: "وكذلك تمويهه على الطغام بأنَّ ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، بل نشهد على ما يعمله من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله، فهو مسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما تبين له الحجة على بطلان الشرك" اهـ([36]) وقال ـ رحمه الله ـ: "وأما القول: أنَّا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء، الذي يصدّون به عن هذا الدِّين، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم" اهـ([37]).
والآن أذكر لك أيها (القارئ الكريم) شهادة (حق) من بعض العلماء على هذا الكلام:
قال الشيخ العلامة الكبير المحدِّث الفقيه النحرير (محمد بشير السهسواني الهندي) نافياً عن الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) تهمة (تكفير المسلمين واستباحة قتلهم وسلب أموالهم وهتك أعراضهم): "إن الشيخ وأتباعه لم يُكفروا أحداً من المسلمين، ولم يعتقدوا أنهم هم المسلمون، وأنَّ من خالفهم هم المشركون، ولم يستبيحوا قتل أهل السُّنَّة وسبي نسائهم... ولقد لقيت غير واحد من أهل العلم من أتباع الشيخ، وطالعت كثيراً من كتبهم، فما وجدت لهذه الأمور أصلاً وأثراً، بل كل هذا بهتان وافتراء" اهـ([38])، وعلَّق (الشيخ محمد رشيد رضا) على الكلام السابق بقوله: "بل في هذه الكتب خلاف ما ذُكر وضدُّه؛ ففيها أنهم لا يُكفِّرون إلا من أتى بما هو كفر بإجماع المسلمين" اهـ([39]).
الملاحظة الثانية عشرة: ذكر أن من الخطط التي وضِعت (للشيخ محمد بن عبد الوهاب)؛ هدم القباب والأضرحة.
أقول: أخرج (مسلم) في "صحيحة" عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي ـ رضي الله عنه ـ: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته".
وأخرج عن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: "نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُجصّص القبر، وأن يبني عليه، وأن يكتب عليه".
وأخرج عن ثمامة بن شّفيّ قال: كنّا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره يُسَّوى، ثم قال: "سمعت رسول الله صلى الله علية وسلم يأمر بتسويتها".
قال الترمذي ـ رحمه الله ـ: "باب ما جاء في تسوية القبور".
وقال ابن ماجه ـ رحمه الله ـ: "باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها".
قال النووي ـ رحمه الله ـ: رأيت الأئمة في مكة يأمرون بهدم ما بُني".
و "الذي يرجع لمبدأ (البناء على القبور) في (العالم الإسلامي)، يراه مرتبطاً بقيام (دولة القرامطة) في (الجزيرة العربية)، (والفاطميين) في (المغرب) ثم في (مصر)"([40]).
الملاحظة الثالثة عشرة: ذكر أن من الخطط التي وضعت (للشيخ محمد بن عبد الوهاب)؛ نشر قرآن فيه تعديل كما جعل في الأحاديث من زيادة ونقيصة.
أقول: إليك عقيدة الشيخ ـ رحمه الله ـ في (القرآن الكريم)، وحكم الزيادة فيه، والنقص منه: قال ـ رحمه الله ـ: "واعتقاد ما يُخالف كتاب الله كفر" اهـ([41])، وقال ـ رحمه الله ـ: "ومن اعتقد عدم صحة حفظ القرآن الكريم من الإسقاط، واعتقد ما ليس منه أنه منه؛ فقد كفر" اهـ([42])، وقال ـ رحمه الله ـ: "ومُكذِّب القرآن كافر ليس له إلا السيف وضرب العنق" اهـ([43])، وقال ـ رحمه الله ـ: "ومن هزل بشيء فيه ذكر الله، أو القرآن، أو الرسول؛ فهو كافر" اهـ([44]).
الملاحظة الرابعة عشرة: ذكر أن (الشيخ محمد بن عبد الوهاب) استبعد أن يقدر على (هدم الكعبة) عند الاستيلاء عليها.
أقول: أكتفي بالجواب على هذا الهراء؛ بنقل شهادة (رجل) (ليس من أهل نجد)، بل وليس من مؤرخي (المشارقة)، وإنما هو من مؤرخي (المغاربة)؛ يحكي لنا واقعة بعد وفاة (الشيخ محمد بن عبد الوهاب) (بعشرين سنة) تقريباً، وهذا الرجل هو (أحمد الناصري) صاحب كتاب: "الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى"([45])، وقد غطى حيزاً كبيراً من أخبار (دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب)؛ بأكثر من (عشر صفحات).
يقول (أحمد الناصري) عن السلطان (سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي)([46]): "أنه أراد أن يتحقق من (ابن سعود) وما يدعو إليه، فأرسل ابنه (المولى إبراهيم في جماعة من علماء المغرب وأعيانه، ومعه (جواب) من والده، فوصلوا إلى (الحجاز)، وقضوا (المناسك)، وزاروا (الروضة الشريفة)، كل هذا على (الأمن والأمان)، (والبر والإحسان)".
ثم أردف (أحمد الناصري) قائلاً: "حدثنا جماعة وافرة ممن حجَّ مع (المولى إبراهيم) في تلك السنة، أنهم، ما رأوا من ذلك (السلطان) ـ يعني الإمام سعود ـ؛ ما يُخالف ما عرفوه من (ظاهر الشريعة)، وإنما شاهدوا منه، ومن أتباعه غاية الاستقامة، (والقيام بشعائر الإسلام)؛ من (صلاة وطهارة)، (وصيام)، (نهي عن المنكر الحرام)، (وتنقية الحرمين الشريفين من القاذورات والآثام)؛ التي كانت بهما من غير نكير، وأنه لما اجتمع (بالشريف المولى إبراهيم)، أظهر له التعظيم الواجب (لآل البيت الكريم)، وجلس معه كجلوس أحد أصحابه وحاشيته، وكان الذي تولَّى الكلام معه (الفقيه القاضي)؛ (أبو إسحاق إبراهيم الزرعي)" اهـ([47]).
الملاحظة الخامسة عشرة: ذكر أنه بعد سنوات من العمل تمكنت الوزارة من جلب (محمد بن سعود) إلى جانبها، فأرسلوا إلى (محمد بن عبد الوهاب) رسولاً يبين له ذلك، ويظهر وجوب التعاون بين (المحمدين)؛ فمن (محمد بن عبد الوهاب) الدين، ومن (محمد بن سعود) السلطة...
أقول: المذكور الثابت في (كتب التاريخ) أن الشيخ (محمد بن عبد الوهاب) ـ رحمه الله ـ ذهب إلى (الدرعية) بلد (محمد بن سعود)، فعلِم به خصائص من أهل (الدرعية)، فزاروه خفية، ورأوه لا يزال على سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم (ثابتاً)، فأرادوا أن يُخبروا (محمد بن سعود)، ويشير عليه بنصرته، فهابوا فأشارت (المرأة) على (زوجها)، وكذلك أخواه (ثنيان ومشاري)، بمساعدة الشيخ ونصرته، وألقى الله ـ سبحانه ـ في قلبه (للشيخ محبة)، فقام (محمد بن سعود) من فوره، وسار إليه، ومعه (أخواه)، فسلم عليه، ورحَّب به، وأبدى غاية الإكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده، وقال: أبشر ببلاد خير من بلادك، وأبشر بالعزِّ والمنعة.
فقال (الشيخ): وأنا أبشِّرك بالعزِّ والتمكين، وهذه كلمة "لا إله إلا الله"؛ من تمسَّك بها وعمل بها ونصرها، ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرُّسل؛ من أولهم إلى آخرهم، وأنت ترى (نجداً) (وأقطارها) أطبقت على (الشّرك)، (والجهل والفرقة)، (وقتال بعضهم لبعض)؛ فأرجو أن تكون (إماماً) يجتمع عليه المسلمون، وذريتك من بعدك.
ثمَّ لَّما تحقَّق (محمد بن سعود) من (معرفة التوحيد وفضله)، ورأى بُعدَ الناس في (الواقع) عنه، فقال (للشيخ): يا شيخ! إن هذا دين الله ورسوله (الذي لا شك فيه)، وأبشر بالنُّصر لك ولِما أمرت به، (والجهاد لمن خالف التوحيد)، ولكن أن أشترط عليك اثنين:
الأولى: نحن إذا قمنا في (نصرتك) (والجهاد في سبيل الله) وفتح الله لنا ولك (البلدان)؛ أخاف أن ترحل عنا، وتستبدل بنا غيرنا.
الثانية: أن لي على أهل (الدّرعية) قانوناً آخذه منهم في (وقت الثمار)، وأخاف أن تقول: لا تأخذ منهم شيئاً.
فقال (الشيخ): أمّا الأولى؛ فابسط يدك: الدّم بالدَّم، والهدم بالهدم، وأما الثانية؛ فلعلَّ الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها. اهـ([48])


[1]) ) ـ كما في (ص 14، 19) من "مذكرّاته".
[2]) ) ـ كما في (ص 15، 18، 27، 28، 44) من "مذكرّاته"!.
[3] - نقل منصور النقيدان في كتابه " داعية وليس نبي " والذي كرسه لنقد دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب ، أن مؤلف هذه المذكرات هو محمد الشيرازى المرجع الشيعي المعروف وذلك عن بعض أصدقائه من الشيعة !!! الراصد
[4]) ) ـ وهذا ما وقع به التصريح في (مجلة منار الهدى)؛ (الحبشيَّة الهرريَّة) (العدد 28)، رمضان 1415هـ ـ شباط 1995، في (ص62): "وفي عام (1125هـ ـ 1713) وقع في شراك الجاسوس الإنجليزي (همفر) وأصبح آلة لمساعي الإنكليز لمحو الإسلام، ونشر عبد الوهاب ما أملى عليه الجاسوس من الأكاذيب باسم (الوهابية)". أهـ.
فسبحان من أعمى أبصارهم وبصائرهم...!!!
[5]) ) ـ أنظر: "عنوان المجد في تاريخ نجد" لعثمان بن بشر: (1/29).
[6] - كتب أحد الباحثين السعوديين مقالة في مجلة هدى الإسلام المصرية سنة 2006 م حول شخصية همفر ، بين فيها أنه راجع أرشيف وزارة المستعمرات ووزارة الخارجية البريطانية فلم يعثر له على اسم فيها، مما يدل على أنه شخصية وهمية مخترعة !!! الراصد
[7]) ) ـ انظر كتاب: "انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج الجزيرة العربية" ـ لمحمد كمال جمعة ـ (ص 63 ـ 87).
[8]) ) ـ انظر: "رحلة عبر الجزيرة العربية" لسادلير: (ص85 ـ 87 وص96 ـ 99 و ص105 ـ 110 و ص149 و ص156 ـ 159). ترجمة: أنس الرفاعي، والناشر: سعود بن غانم العجمي.
[9]) ) ـ أنظر: "محمد بن عبد الوهاب؛ مصلح مظلوم ومفترى عليه" لمسعود النَّدري: (ص 150 ـ 154).
[10]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ـ ص 96".
[11]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ـ ص 107".
[12]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ـ ص 101".
[13]) ) ـ أي: أتباع الشيخ (محمد بن عبد الوهاب).
[14]) ) ـ "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان": (ص 510 ـ 511) في الحاشية.
[15]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ـ ص 11".
[16]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الأول ـ العقيدة ـ ص 394".
[17]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ـ ص 32".
[18]) ) ـ انظر: "عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي": (1/40 ـ 41)، و "انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج الجزيرة العربية" لمحمد كمال جمعة: (13)، و "تاريخ البلاد العربية السعودية" للدكتور العجلاني: (47).
[19]) ) ـ "رسالة في الرد على الرافضة": (18).
[20]) ) ـ "رسالة في الرد على الرافضة": (27).
[21]) ) ـ "رسالة في الرد على الرافضة": (17).
[22]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ـ" (ص 11).
[23]) ) ـ "رسالة في الرد على الرافضة" (ص 34 ـ 35).
[24]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ـ ص 36)"، وانظر كتاب: "البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار" لفوزان السابق: (ص 81 ـ 82)، وانظر كتاب: "دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقد" لعبد العزيز العبد اللطيف: (ص 170 ـ 171)، و"الدرر السَّنية في الأجوبة النجدية": (1/65).
[25]) ) ـ "رحلة عبر الجزيرة العربية" لسادلير: (ص 139).
[26]) ) ـ انظر: "عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي" للدكتور صالح بن عبد الله العبود (1/ 175 ـ 176).
[27]) ) ـ "رسالة في الرد على الرافضة": (ص 20 ـ 21) بتصرف.
[28]) ) ـ "تاريخ نجد": (2/271)، ومؤلفات الشيخ "القسم الثالث ـ الفتاوى ـ ص 9"، و"الدَّرر السَّنيَّة في الأجوبة النجدية" (1/102).
[29]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الثالث ـ الفتاوى ـ ص 11".
[30]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الثالث ـ الفتاوى ـ ص 11".
[31]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ـ ص 11".
[32]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ص 11".
[33]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ص 25".
[34]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ص 11، 12، 62".
[35]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ـ ص 36.
[36]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ص 60".
[37]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الخامس ـ الرسائل الشخصية ص 100 ـ 101".
[38]) ) ـ "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان": (ص 510).
[39]) ) ـ "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان": (ص 510) في الحاشية.
[40]) ) "تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية" للدكتور محمد بن سعد الشويعر: (ص 103)
[41]) ) ـ "رسالة في الرد على الرافضة": (14، 7).
[42]) ) ـ "رسالة في الرد على الرافضة": (15).
[43]) ) ـ "رسالة في الرد على الرافضة": (25).
[44]) ) ـ مؤلفات الشيخ "القسم الأول ـ العقيدة ـ ص 118".
[45]) ) ـ (8/ 120 ـ 122).
[46]) ) ـ الذي بويع في (فاس) في حدود عام (1226 هـ)، وقد كان معاصراً للإمام (عبد الله بن سعود)، ووالده الإمام (سعود بن عبد العزيز)؛ الذي دخل مكة المكرمة في المرة الأولى حاجاً عام (1214 هـ) الموافق لعام (1799 م).
[47]) ) وانظر: "الإعلام بمن حلَّ مراكش وأغمات من الأعلام" للعباس بن إبراهيم: (10/ 68 ـ 73). نقلاً من كتاب "تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية" بتصرف.
[48]) ) ـ انظر: "عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية" (2/162 ـ 167) تصرف.
 
 
 
تاريخنا المفترى عليه.. حوار موصول مع القرضاوي 2/2
الأربعاء 21 مارس 2007
تاريخنا المفترى عليه.. حوار موصول مع القرضاوي 2/2
أ.د. عبد الحليم عويس
مجلة المنار الجديد عدد 35
أحتسب عند الله ما نالني من أخي الأكبر الدكتور يوسف القرضاوي بسبب هذا الخليفة (المظلوم في رأيي ورأي الكثيرين) [الوليد بن يزيد] الذي أجمع (!!) كل المؤرخين على انحرافه وفساده].. في رأي الدكتور القرضاوي.. ابتداءً أسال أخي الكبير: من أين لك هذا الإجماع؟ لكن أخي الشيخ القرضاوي ـ فيما يبدو لي ـ قد درج على استعمال كلمة (الإجماع) هذه دون رجوع لأهل الذكر في التاريخ.
ففي الفقرة نفسها ذكر أنني (تحاملت تحاملاً غير مبّرر على الخليفة الذي أجمع (!!) كل الناس على أنه أعدل بني مروان بعد عمر بن عبد العزيز وهو يزيد بن الوليد!!
وأيضاً في الفقرة التالية يذكر أنني خالفت (إجماع الأمة) (!!) عندما ذكرت أن معاوية أقدر في السياسة والإدارة من الإمام عليّ (وقد سبق الوقوف عند هذه النقطة).. وهنا أتمنى على أخي الأكبر القرضاوي ـ ومنزلته معروفة ـ أن يتخفف بعض الشيء من إطلاق كلمة (الإجماع) هذه، لأنها تصادر البحث العلمي وتعطي ظلالاً نفسية وفكرية لا تساعد على الحوار العلمي الإيجابي!!
ونبدأ في تجلية الصورة الحقيقية للخليفة المفترى عليه (من وجهة نظرنا) مشيرين إلى القضية ـ من أولها ـ تلك التي انتهت بتقديم صورة غير موضوعية عن هذا الخليفة الأموي (المقتول) ظلماً..
كان الوليد بن يزيد في الحادية عشرة من عمره حين جعل أبوه يزيد بن عبد الملك ولاية العهد لعمه هشام بن عبد الملك (105 ـ 125هـ) وجعله بعده، ولم يمت يزيد إلا وابنه الوليد في الخامسة عشرة، فكان يندم على أنه استخلف أخاه هشاماً وترك ابنه الوليد.. وكان يزيد ابن عبد الملك يقول إذا نظر إلى ابنه الوليد: الله بيني وبين من جعل هشاماً بيني وبينك..
وفي هذا المناخ ـ ومن خلال الأقوال المتناثرة هنا وهناك ـ لم تسر العلاقة بين هشام وابن أخيه وولي عهده الوليد، كما ينبغي أن تكون العلاقة بين خليفة وولي عهده، أو بين عم وابن أخيه. وفي مرحلة من المراحل بدأ للخليفة هشام زحزحة ابن أخيه الوليد عن ولاية العهد، لصالح ابنه (مسلمة بن هشام) الذي كان مشهوراً بالعبث شهرة كبيرة، وكان (الوليد بن يزيد) عندما يرميه عمه الخليفة هشام بتهمة الفساد، يردّ عليه بأنه على (دين ابنه مسلمة) (أبي شاكر) وهذا وَرَدَ صريحاً حين عمد هشام للتشكيك في دين الوليد.. فأرسل إليه رداً فيه بيت من الشعر:
يا أيها السائل عن ديننا      نحن على دين أبي شاكر
فكأنه يقول لعمه الخليفة هشام: قبل أن تتهمني في ديني انظر إلى ابنك مسلمة (أبي شاكر) الذي تريد وضعه مكاني ولياً للعهد، فهو أسوأ مني!!، وهذا يعكس ـ بطبيعة الحال ـ الروح العدائية التي سادت العلاقة بين الخليفة هشام وولي عهده وابن أخيه الوليد بن يزيد!!. ويرى بعض المؤرخين أن هشاماً نفسه ـ في المراحل الأولى من خلافته ـ كان يحاول تسهيل العبث للوليد وتقريب المفسدين منه، حتى يجد فرصة للطعن فيه، ومن ثم تنحيته عن ولاية العهد!!
وأيا كان الأمر، فخلال العشرين عاماً التي حكم فيها هشام كانت الحرب الباردة قائمة بين جبهتين غير متكافئتين: جبهة الخليفة هشام ـ بكل سلطانه ـ وجبهة ولي عهده وابن أخيه (الوليد الثاني) أو الوليد بن يزيد.. الذي لا حول له ولا قوة.. اللهم إلا قوة شخصيته، ومقاومته لكل تشويهات عمه وإغراءاته من أجل قبوله التنحي عن (ولاية العهد).
وفي إحدى المرات كتب الوليد إلى عمه أبياتاً من الشعر يتألم فيها من الحرب المعلنة عليه ويقول له في بعضها:
رأيتك تبني جاهداً في قطيعتي     فلو كنت ذا إرب لهدمت ما تبني
تثير على الباقين مجنى ضغينة     فويل لهم إن مت من شر ما تجني!!
(الطبري: التاريخ أحداث سنة 125هـ)
أما القلة التي كانت تقف مع (الوليد) وترى أنه صاحب حق، وأنه أجدر من مسلمة (أبي شاكر)، وأن هذا الخلل من شأنه أن ينشئ صراعاً دامياً داخل البيت الأموي في ظروف بالغة الخطورة، فرائحة الانقلاب العباسيّ بدأت تزكم الأنوف.. وأوضاع البيت الأموي شبه متردية.. والشمال الإفريقي ثائر على الأمويين بتأثير استهتار (هشام) بهم... والخارجية أنشئوا ممالك مستقلة فيه، وخراسان كذلك بدأت تعرب عن سخطها.. ومع ذلك كله فهشام يشغل نفسه بحرب مع ابن أخيه وليّ العهد لنقل الولاية لابنه العابث مسلمة..
شهود عدول وأدلة قوية:
ونحن هنا لن نستطرد في ذكر تاريخ الوليد فهذا ليس موضوعنا، وإنما هدفنا تقديم أدلة براءته.. على الأقل من دعوى (الإجماع) على سفهه.. و(الإجماع) على أنه يستحق الثورة عليه والقتل، و(الإجماع) على أن يزيد بن الوليد (الناقص) "أعدل بني مروان"، فضلاً عن أن يقارن بعمر بن عبد العزيز!!
ومن هنا سندخل ـ مباشرة ـ في الحديث عن(الوليد) (المظلوم المقتول) وعن يزيد (المظلوم القاتل) ـ من وجهة نظرنا ـ آملين أن يقتنع شيخنا الدكتور القرضاوي.. بأن الأمر ـ على الأقل ـ ليس فيه (إجماع)، وبأننا إذا كنا سنعمل على تمحيص صفحات (تاريخنا المفترى عليه)، فيجب أن نعالج الأمور بقدر كبير من الانفتاح على الرؤى المختلفة، لا سيما رؤى المخلصين لتاريخ المسلمين وحضارتهم.
أولاً: من الطريف أن (مسلمة بن هشام) نفسه، وهو الذي يسعى والده هشام لجعله ولياً للعهد كان ضدَّ أبيه، وكان يكثر من مخاطبة أبيه في الرفق بالوليد والكف عنه، وإيقاف حرب التشهير عليه.. ولهذا فإن (الوليد) عندما جاءته الخلافة، وراح ينتقم من رجال هشام وأبنائه الذين كانوا يحاربونه معه، استثنى (مسلمة بن هشام ـ أبا شاكر) وأمر ألا يعرض له أحد، ولا يدخل الجنود منزله، تقديراً لما يعلمه من مواقفه معه أمام والده (وأنه ـ كما يقول الطبري ـ يكثر أن يكلم أباه في الرفق به ويكفّه عنه، مع أن مسلمة كان ـ كما هو معروف ـ صاحب المصلحة الأولى في حرب والده هشام على الوليد !! ولعل هذه شهادة عدل من أقرب الأطراف مصلحة في ظلم الوليد وتنحيته بعد التشهير به وتجريده من الصلاحية للخلافة.
ثانياً: أما الشاهد الثاني (العدل) ـ أيضاً ـ فهو مسلمة بن عبد الملك شقيق الخليفة الذي حاول جاهداً أن يردع أخاه الخليفة هشاماً عن المضي في مسيرة ذم الوليد بن يزيد و ترويج الشائعات عنه، وقد ذكرت بعض المصادر أن هشاماً كان يعمد إلى تشويه الوليد بطريقة فجة مقززة، ومن ذلك ما يذكره بعضهم عن (مداومته على ذكر تهتك الوليد وإدمانه على الشراب ويذكر ذلك في مجلسه ويقوم ويقعد به!!) بطريقة لا تليق بخليفة!!
وقد كان شقيق الخليفة مسلمة بن عبد الملك يجد في صرف هشام عن هذا التشهير بالوليد، ويجتهد للحدّ من هذه الحروب الباردة القائمة بين الخليفة ووليّ عهده.. لكنه لم ينجح في ذلك.. وإن كانت وقفاته ضد أخيه الخليفة قامت سداً يحول دون انفجار الأوضاع بينهما ولهذا فعندما مات مسلمة (عم الوليد وشقيق الخليفة) وجد الوليد نفسه وحيداً أمام عمه هشام.. وأصابه غم كبير، فلم يجد أمامه إلا أن يترك قصر الخلافة والعاصمة دمشق، وأن ينزل البادية في ضاحية تسمى الأزرق بالأردن هو وبعض خاصته.. فانتهزها هشام فرصة، وحرمه عطاءه هو وسائر مواليه وخاصته.. واستدار ينكل بكل المقربين من الوليد، محتجاً بأن الوليد صحب معه مؤدبه عبد الصمد بن عبد الأعلى (وهو يشك في دينه) وكتب إلى الوليد بذلك، فأبعد الوليد (عبد الصمد)، لكن هشاماً لم يعد إليه إعطاءه وبقي على حربه للوليد.
ثالثاً: أما الدليل الثالث أو (الشاهد الثالث) فهو رجل ثقة عند المؤرخين، ومن أكثر بني مروان عقلاً وشجاعة وصراحة، وهو (مروان بن محمد) الذي كان عاملاً لهشام على أرمينية وما يليها، ومع ذلك فلم يكن راضياً عن أسلوب هشام في معاملة الوليد... ولهذا أرسل إلى الوليد ـ فور علمه بتوليه الخلافة ـ رسالة تؤكد إدراكه للظلم والافتراء الذي وقع عليه من هشام.. ويقول له فيها: "بارك الله لأمير المؤمنين فيما أصاره إليه من ولاية عباده، ووراثة بلاده، وكان من تفشي غمرة سكرة الولاية ما حمل هشاماً على ما حاول من تصغير ما عظم الله من حق أمير المؤمنين، ورام من الأمر المستصعب عليه، الذي أجابه إليه المدخولون في آرائهم وأديانهم، فوجدوا ما طمع فيه مستصعباً، وزاحمته الأقدار بأشدّ مناكبها، وكان أمير المؤمنين بمكان من الله حاطه فيه حتى أزره بأكرم مناطق الخلافة، فقام بما أراه الله له أهلاً (الطبري، 7، ص216). فالحمد لله الذي اختار أمير المؤمنين لخلافته، ووثائق عرى دينه، وذبّ له عما كاده فيه الظالمون، فرفعه ووضعهم، فمن أقام على تلك الخسيسة من الأمور أوبق نفسه، وأسخط ربه، ومن عدلت به التوبة نازعاً عن الباطل إلى حق وجد الله تواباً رحيماً" (الطبري، 7/217).
وقد يقال: إن هذا محض نفاق، لكن شخصية مروان بن محمد أكبر من ذلك، ويؤكد هذا أنه وقف وقفة صدق مع (الوليد) عندما تآمر عليه يزيد بن الوليد، وبعد مقتله أعلن الثورة انتقاماً له وأخذاً بالثأر من قاتليه، فرجلٌ هذا سلوكه رجل صدق وولاء للبيت الأموي كله ـ أولاً ـ وللوليد ثانياً ـ كما أنه ثالثاً ـ هو الذي نصح الوليد بزيادة الأعطيات للناس بعد أن شح عليهم هشام، فلما جاء يزيد أنقص الأعطيات فسماه مروان (بالناقص)!!
رابعاً: ومع التجني الذي احتشد به (البداية والنهاية لابن كثير) وهو من المتأخرين، وقد اعتمد على مراجع ثانوية، فإنه يعترف بحقيقة وردت عند (الطبري وغيره) وهي من الحقائق المعروفة.. فبعد أن يورد رسالة مروان بالبيعة للوليد ونصيحته له بزيادة الأعطيات إنقاذا للناس مما أصابهم من بخل هشام..
واستجابة الوليد له.. يقول ابن كثير: "لقد سار الوليد في الناس سيرة حسنة بادئ الرأي وأمر بإعطاء الزمنى والمجذومين والعميان لكل إنسان خادماً، وأخرج من بيت المال الطيب والتحف (التي كان يختزنها هشام) لعيالات المسلمين وزاد في أعطيات الناس، ولا سيما أهل الشام والوفود، وكان كريماً ممدحاً شاعراً مجيداً، لا يسأل شيئاً قط فيقول لا... (البداية والنهاية لابن كثير 9ـ 4، مكتبة المعارف بيروت 1966). ويزيد ابن جرير الطبري وهو يتحدث في سيرة الوليد فيقول: وكان وهو ولي عهد ـ مع ظروفه المعروفة ـ يطعم من وفد إليه من أهل الصائفة قافلاً: ويطعم من صدر عن الحج بمنزل يقال له زيزاء ثلاثة أيام، ويعلف دوابهم ولم يقل في شيء يسأله: لا، فقيل له في ذلك فقال: [لا أعوَّد لساني شيئاً لم أعتده]!! (فهل هذا أسلوب عابث ماجن؟!!).
خامساً: من المساجلات المتبادلة بين هشام والوليد نستطيع أن نقول مطمئنين: إن رسائل الوليد ـ في هذا الوقت الذي كان يتهم فيه بأبشع التهم ـ دالة على إيمان وخلق يصعب معهما تصديق ما روج عنه... فعندما قطع هشام عطاء الوليد كتب إليه الوليد يقول: "لقد بلغني الذي أحدث أمير المؤمنين من قطع ما قطع عني، ومحو ما محا من أصحابي وحرمي وأهلي، ولم أكن أخاف أن يبتلي الله أمير المؤمنين بذلك ولا أبالي به منه (..) فإن ذلك لشيء في نفس أمير المؤمنين (علي)، فقد سبب الله لي من العهد كتب لي من العمر، وقسم لي من الزرق ما لا يقدر أحد دون الله على قطع شيء فقدر الله يجري بمقاديره فيما أحب الناس أو كرهوا، ولا تأخير لعاجله ولا تعجيل لآجله، فالناس بين ذلك يقترفون الآثام على نفوسهم من الله، وما يستوجبون العقوبة عليه، وأمير المؤمنين أحق أمته بالبصر بذلك والحفظ له، والله الموفق لأمير المؤمنين بحسب القضاء له في الأمور". [الطبري، ص: 212، 213، ج7، ط4 دار المعارف بمصر] (فهل هذا أسلوب عابث ماجن؟!!).
سادساً: ولم يكن أمر زيادة الأعطيات أو رعاية الزمنى والعميان مجرد استجابة لرسالة مروان ابن محمد (القائد المحنك المجرب) ـ بل كان هذا الأمر جزءا من سياسة عامة تدل على حنكة الوليد وفهمه للأوضاع العامة التي ورثها عن هشام، والتي أوجبت أمرين ـ كما يقول رياض عيسى في كتابه عن (النزاع بين أفراد البيت الأموي ودوره في سقوط الخلافة الأموية، ص 138، 139، ط1 دار حسان للنشر 1985):
أولهما ـ أن الوليد أراد أن يأتلف الناس جميعاً وأهل الشام بخاصة، فزاد في أعطياتهم في محاولة واضحة منه لاستمالة أهل الشام بخاصة لأنهم عضد الدولة وعمادها، كما أنه قد يكون هناك تذمر بين أهل الشام أراد الوليد أن يحول دون استفحاله، وأن يؤكد للشوام أنهم ما يزالون السند الأمامي للبيت الأموي.
وثانيهما ـ أنه أراد أن يأتلف أفراد البيت الأموي، وأن يحاول محو الصورة البشعة التي رسمها له عنه هشام في أذهان الناس عموما، وفي أذهان أهل بيته خاصة، وهذه المحافظة في ائتلاف أهل بيته هي الأولى من نوعها، إذ لم نسمع من قبل عن أي خليفة أموي فعل ما فعله الوليد بالنسبة لأهل بيته، شعوراً منه بأن المرحلة التي تمرّ بها الدولة الأموية عموماً تقتضي تكاتف أفراد هذا البيت في فترة كانت فيها أخبار الدعوة الناشطة التي يقوم بها آل البيت (والعباسيون) تملأ الأسماع بينما البيت الأموي في صراعات تهدد وجوده!!
ويتساءل رياض عيسى ـ ونحن معه: في ضوء هذه السياسة ـ ودلالتها ـ ألا يمكننا أن ننطلق إلى الدعوة على الأقل لإعادة النظر في المكتوب والمتعارف من سيرة الوليد بن يزيد الذي تصوره لنا المصادر بأنه لم يتقن سوى شرب الخمر واللهو والمجون؛ إذ أننا نرى في أفعاله هذه مؤشرات واضحة على تفهمه لأوضاع الدولة، ومحاولته لتدارك ما يمكن تداركه من انهيار محتمل؟!!
سابعاً: يفيدنا ابن الأثير في الكامل (وهو أوثق من ابن كثير وأقدم منه) ما يؤكد أن كثيرين كانوا يتعاطفون مع الوليد، ويعرفون بأنه مظلوم حتى من خصوم الأمويين الألداء (العباسيين)، فقد روى شبيب بن شيبه رأي المهدي ومن معه في الوليد فقال: كنا جلوسا عند المهدي ـ الخليفة العباسي ـ فذكروا الوليد فقال المهدي: كان زنديقاً، فقام أبو علاثة الفقيه: فقال: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل أعدل من أن يولى خلافة النبوة وأمر الأمة زنديقاً، لقد أخبرني من كان يشهده.. بمروءة في طهارته وصلاته... فقال المهدي: بارك الله عليك يا أبا علاثة)..
ويروي ابن الأثير: أن الوليد كان ينهي الناس عن الغناء، لأنه يزيد في الشهوة ويهدم المروءة، ويقول بعد ذلك: (وقد نزهَّ قوم الوليد مما قيل فيه وأنكروه ونفوه عنه، وقالوا: إنه قيل عنه وألصق به وليس بصحيح، قال المدائني: دخل ابنٌ للغمر بن يزيد أخ الوليد على الرشيد، فقال له: ممّن أنت؟ قال: من قريش، قال: من أيها؟ فأمسك، فقال: قل وأنت آمن ولو أنك مروان، فقال: أنا ابن الغمر ين يزيد (شقيق الوليد)، فقال الرشيد: رحم الله عمَّكَ الوليد ولَعَنَ يزيد الناقص، فإنه قَتَل خليفةً مجمعًا عليه! أرفع حوائجك فرفعها فقضاها.
ثامناً: يلفت نظرنا عدد من المؤرخين المعاصرين الكبار إلى الطابع الأسطوري (اللاعقلاني) الذي يفضح ـ في حد ذاته ـ التهم الموجهة إلى الوليد. فأستاذنا الدكتور حسين مؤنس يعلق على هذه التهم في كتابه (تنقية أصول التاريخ الإسلامي) (ص92، 93 مطبوعات مكتبة الأسرة 2005 مصر) بقوله: (إننا بالنسبة لهذه الأخبار أو التهم الأسطورية، يجب أن نفتح عيوننا عندما نقرؤها؛ لأن المسألة هنا ليست مسألة الخطأ أو الكذب في الخبر، بل إن هذه الأخبار تضرَ بعقولنا، لأنها تعودنا قراءة الأخبار والحكايات الكاذبة الفارغة وقبولها، مما يؤدي بقولنا في النهاية إلى الهيافة والهشاشة، ويعطي القارئ فكرة سيئة عن الإسلام والمسلمين.
ومن المستحيل علينا أن نقبل (أمثال هذه الأخبار الجزافية الواردة عن الوليد)، لأن الأمر ليس إساءة إلى الوليد بن يزيد فحسب بل إهانة لعقولنا أيضا، ومهما كانت كراهية الواحد منا لبنى أمية، فإن الأمر ينبغي ألا يصل بنا إلى احتقار عقولنا وإهانة أنفسنا).
ويشير الدكتور (نبيه عاقل) إلى أن ما يقال عن الوليد مثال على الظلم الصارخ الذي أوقعه المؤرخون الذين كتبوا في ظل العباسيين بالأسرة الأموية وبرجالاتها، ويجدر بنا أن ننبه إلى أن ما نجده في المصادر عن خلاعة ومجون وفسق الوليد الثاني أمر مبالغ فيه إلى أبعد الحدود.
ونحن نستطيع القول: إن المؤرخين الذين كتبوا في ظل العباسيين وجدوا في شخص الوليد نواحي ضعف، ومواضع للنقد، فما كان منهم إلا أن ضخموها وزادوا فيها تقرباً من الأسرة العباسية الحاكمة، أو بغضاً في الأسرة الأموية قاتلة الحسين وعدوة الشيعة اللدودة " (الدكتور نبيه عاقل ـ دراسات في تاريخ العصر الأموي، مطبعة جامعة دمشق، ص: 285)
كما يلفت نظرنا الدكتور (عاقل) إلى أن في الأخبار والروايات الواردة عن الوليد مبالغات لا يمكن أن تصدق، كما أن في بعض الإشارات الأخرى في نفس هذه المصادر ما يدحضها ويجعلنا نستشم مقدار المبالغة فيها، وأغلب الظن أن هذه الروايات المبالغ فيها إلى الحدّ الذي وصفنا، ما هي إلا حصيلة حقد عباسي على شخصية أموية وجد فيها مجال للطعن فضخِّم وهوِّل واستغلِّ إلى حد يتجاوز كل ما هو معقول.
أما أستاذنا الدكتور (أحمد شلبي) فيرد على هذه التهم التي يرى المبالغة ظاهرة فيها بدليل ملموس.. فيقول: (في اعتقادي أنه لو صحّ عن الوليد ما أشيع عنه من انحراف ومعاص لكانت هذه فرصة تحقق لهشام مآربه، ولذلك أرى أن الوليد لم يكن من الفسق بالدرجة التي تروى عنه، ولو كان كذلك لما شهدناه خليفة مع أن هشاماً كان يتربصَّ به.
واعتقادي أن قتل الوليد كان فرصة لواضعي الروايات من أعداء بني أمية فخلفوا من ذلك الشيء الكثير، وابتدعوا صوراً جديدة تنسب للوليد ألوانا من الفسق، كما وضعوا باسمه الأشعار التي تصوره زنديقاً محتقراً للقرآن الكريم مهاجماً تعاليم الإسلام، والذي يجعلني أرى فيها بعض المبالغات أن مقاومة الوليد كانت كبيرة وأن أتباعه عند اصطدامهم بجيوش يزيد ابن الوليد كانوا كثيرين، وأن مروان بن محمد زحف لمساعدته بجند لو أسرع قليلاً لحقق له النصر، وأن الثورات التي طالبت بالثأر له لم تهدأ حتى انتصر أتباعه بقيادة مروان بن محمد، وأخرجت جثة قاتله يزيد بن الوليد وصلب، ورجل فيه ذلك الفسق الذي يصورونه لا يعقل أن ينال كل هذا التأييد" (الدكتور احمد شلبي ـ موسوعة التاريخ الإسلامي ـ عصر الدولة الأموية، ص89).
تاسعاً: ومن الأدلة أيضاً وقوف عقلاء بني مروان مع الوليد ضد يزيد، وتروي المصادر التاريخية أن اليمانية الذين وقف الوليد ضدّهم هم الذين بدءوا الفتنة، وجاءوا إلى يزيد وأغروه بإعلان نفسه خليفة عوضاً عن الوليد، ووعدوه بالثورة على الوليد معه. ويروي الطبري أن يزيد لما أغرته اليمانية بذلك، شاور أخاه الأكبر سيد بني مروان (العباس بن الوليد) في ذلك.. فأتى يزيد إلى أخيه العباس وحدّثه في الأمر فزجره أخوه ونصحه بعدم الإقدام على مثل هذا العمل. ولكن يزيد لم يقنع بنصيحة أخيه وأخذ يتصل بالناس سراً، ويأخذ البيعة لنفسه، فلما بلغ الخبر أخاه العباس زجر أخاه بشدة وقال له: (إن عدت لمثل هذا لأشدنك وثاقاً ولأحملنك إلى أمير المؤمنين)، وطلب العباس إلى أحد المقرّبين من أخيه يزيد، (وهو مولاه فطن) أن يرده عن فعلته، وأن يبصره بعواقبها، وكذلك اتخذ (مروان بن محمد) موقفاً مماثلاً لموقف العباس بين الوليد حين بلغه أن يزيد بن الوليد يؤلب الناس على الوليد بن يزيد ويدعو إلى خلعه. وكتب من موقعه في أرمينية إلى سعيد بن عبد الملك بن مروان يأمره أن ينهي الناس عن هذا الأمر، ويبصره بالأخطار التي قد تنجم عن استمرار يزيد بن الوليد في الدعوة لنفسه (الطبري ج7، ص 143).
وقد حمل سيعد بن عبد الملك رسالة مروان بن محمد إلى العباس ابن الوليد وأطلعه عليها، فما كان من العباس إلا أن دعا أخاه يزيداً وتوعده وهدده إن هو استمر في فعلته، فأنكر يزيد أنه يقوم بأي مسعى لأن يؤول الأمر إليه. وعندما علم (العباس بن الوليد) بغدر أخيه يزيد وبهجومه مع اليمنيين والساخطين على الوليد من أبناء هشام والوليد بن عبد الملك أسرع العباس لنصرة الوليد، ولكن جنود يزيد عندما رأوه خدعوا الناس وقالوا هذه راية العباس بن الوليد، وقد بايع لأمير المؤمنين يزيد بن الوليد، فكان جواب العباس على ذلك قولته المشهورة: (إنا لله .. خدعة من خدع الشيطان ـ هَلَكَ بنو مروان).
وهكذا كذب يزيد على أخيه العباس وعلى سعيد بن عبد الملك، وخدعهما، واستمر في طريقه المشئوم، وكل هذا يدل على أن الوليد لم يكن أهلاً للثورة عليه، وأنه لم يكن عابثاً ماجنا كما يدلّ على فساد أخلاق يزيد!!
عاشراً: يروي جمهرة المؤرخين وعلى رأسهم الطبري، وابن الأثير، وابن كثير، أنه لما أحاط أتباع يزيد بن الوليد بالوليد بن يزيد في قصره وحصروه قبل أن يقتلوه، قال لهم الوليد: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء فقال له يزيد بن عنبسة السكسكي: كلمني، قال له: من أنت؟ قال: أنا يزيد بن عنبسة، قال: يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع المؤن عنكم؟ ألم أعط فقراءكم؟ ألم أخدم زمناكم؟ فقال: ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكن ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله، فقال: حسبك يا أخا السكاسكك فلعمري.. لقد أكثرت وأغرقت، وإن فيما أحل لي لسعة فيما ذكرت.
ورجع الوليد إلى الدار فجلس وأخذ مصحفاً وقال: يوم كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأ، ثم قتلوه، وكان أخر كلامه قبل أن يقتل: (أما والله لئن قتلتموني لا يرتق فتقكم، ولا يلم شعثكم، ولا تجمع كلمتكم).
ويعلق صديقنا الدكتور عبد الشافي عبد اللطيف في كتابه الموسوعي (العالم الإسلامي في العصر الأموي، ص: 199، طبع مصر) على هذا الموقف الإيماني الرائع الذي ليس من حقنا أن نكذب صاحبه وهو يستقبل الآخرة بقوله: إن الذي يرى فيما أحل الله له سعة عن اقتراف المحرمات، وينزع إلى المصحف عندما أحيط به، وأيقن أنهم قاتلوه، لا يمكن أن يكون ماجناً، ويقترف ما رموه به، ويهين المصحف ويمزقه، كما تذهب بعض الروايات (الأسطورية التي ذهبت إلى أكثر من ذلك) إن هذا لو حدث من حاكم مسلم في عصرنا هذا لرماه الناس بالحجارة، فكيف بالوليد وهو خليفة المسلمين في عصر قريب إلى حد ما من عصر النبوة والخلافة الراشدة، وملئ بالعلماء والصالحين من التابعين؟!!
يزيد بن الوليد
من الظلم ـ كل الظلم ـ أن نضع يزيد بن الوليد في كفة واحدة مع عمر بن عبد العزيز.. فالخليفة الراشدي الخامس جاء إلى الحكم على غير هوى منه، وكان أزهد الناس فيه، ويزيد جاء الحكم بمؤامرة كبيرة استثمرت ظروف الوليد النكداء مع عمه هشام.. ولم يصل يزيد إلى الحكم إلا بعد قتال مرير وقتل للخليفة الأموي القائم.. (والذي يعترف الشيخ القرضاوي نفسه بكثير مما ورد في مدحه).. [ومن ذلك قوله لمن يتنبئون له بمدة بقائه في الخلافة: (لا من قال بنقص عمري يكسرني، ولا من قال بزيادة عمري يغرّني، والله لأجبينَّ المال من حلّه جباية من يعيش إلى الأبد ولأصرفنَّه في محله صرف من يموت الغد) [القرضاوي: تاريخنا، ص101]، وهو كلام ـ لو حلله شيخنا القرضاوي ووقف عنده ـ لاستنتج منه أن قائل هذا ـ وكثيراً غيره ـ لا يمكن أن يكون (كما نقل القرضاوي عن الذهبي) (مشهوراً بالخمر والتلوط) (عمل قوم لوط). وقد دافع الوليد عن ذلك عندما قال لابن السكاسك وهو يسعى لقتله (أليس فيما أحل الله سعة)؟!!
وسوف نذكر من أساليب (يزيد) (الميكافيلية) القائمة على الكذب والخداع وتصنع النسك والعبادة، ما يبين الفرق الشاسع بينه وبين عمر بن عبد العزيز (علماً بأننا لا نقصد المقارنة بينهما فهي لا يسمح بها أصلاً؛ لأن المسافة بينهما شاسعة)، وإنما لنبين عدم مصداقيته في تلك الخطبة العصماء التي أوردها الشيخ القرضاوي [ص 102] ليزيد بن الوليد عن خليفة بن خياط ـ بعيد قتله الوليد ـ لندلّ على أنها خطبة (سياسية) لتبرير جريمته، واستحلال دم خليفة بالشبهات والظنون، ومتاجرته ـ بل اختلاقه ـ الشبهات، وترويجه لها عن الوليد.. فهي خطبة عصماء ككل الخطب العصماء التي نسمعها من بعض حكام العرب والمسلمين في المولد النبوي وفي ليلة القدر، والتي تكاد تقنعنا بأنهم (أمراء في الإيمان) بينما هم (مندوبو الشيطان) في الأرض {يخادعون اللهَ وَالذِينَ آمَنوا وَمَا يَخدَعونَ إلاَّ أَنفَسهمْ وَمَا يَشْعرون} [البقرة: 9].
فليس (بالخطب العصماء) يقّوم الناس، ولا تدرس مسيرة التاريخ، وإنما بالوقائع العملية والأساليب الإسلامية المعتمدة.. ولو أننا حوَّلنا كل مؤامرة خسيسة (مثل مؤامرة يزيد التي كانت من أكبر الأسباب في القضاء على دولة بني أمية وانهيارها من الداخل) إلى (ثورة شعبية يقوم بها الجمهور المسلم الذي يغضب لدينه ويحاصر الخليفة ويرميه بالحجارة ويجبره على التنازل) [تاريخنا، ص102]، لو فعلنا ذلك لوجب أن نعيد تقويمنا لكل حركات الهدم الخارجية الثورية والباطنية والانفصالية التي هدمت أكثر مما بنت، وبددت طاقة الأمة؛ بل وجعلتها تضعف عن التصدي لأعدائها، وعن بنائها لحضارتها الإسلامية.. هذا بالإضافة إلى أن هذه المؤامرة (الثورة الشعبية لا صحة لأكثرها ـ كما ذكرنا ـ وكذلك فإننا سنجد (ثورات شعبية قوية عاتية مضادة) قامت ـ وعلى رأسها ثورة مروان بن محمد (القائد المحنك والخليفة الأموي الأخير) ـ وغيره ـ لتأخذ بثار (الوليد) من قبره لتفضحه على رءوس الأشهاد (كما فعل هو بجثة الوليد من قبل)!! فأي ثورة شعبية هذه؟ وأية خطبة عصماء تلك؟!!
ومع كل هذا، نقدم بعض الأدلة والقرائن حول (يزيد)، إضافة إلى ما قدمناه ـ ونحن نتحدث عن (الوليد) ـ لتكتمل أطياف هذه الصفحة المضطربة من تاريخنا.
أولاً: يذكر الطبري ـ وغيره ـ أن يزيد بن الوليد كان (قَدَرياً).. ويروي ابن كثير أن يزيد الناقص دعا الناس إلى القدر وحملهم عليه وقرب أصحاب غيلان الذي كان هشام قد قتله، وكان أخوه (إبراهيم) قدرياً كذلك، وضدّ هؤلاء القدرية وقف الخليفة هشام، ولما جاء الوليد كلمه بعضهم بشأنهم فأبى تركهم، وقال لهم (إنها من حسنات هشام) وأبى التفاهم مع هؤلاء القدرية الذين منهم (يزيد). وبتأثيرهم استخلف يزيد أخاه إبراهيم (القدري) وكانوا في ذلك ذوي نفوذ سياسي وفكري كبير!! (انظر الطبري 7/166 حوادث سنة 126هـ).
ثانياً: وكان يزيد يفتخر بنسبه الفارسي ـ من جهة أمه، وهي أم ولد اسمها شاه آفريد بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى، وهو القائل:
أنا ابن كسرى وأبي مروان       وقيصر جدّي وجدّي خاقان
فهل يقارن هذا القَدَريّ، المتباهي بكسرى وقيصر بعمر بن عبد العزيز؟
(الطبري 7/298، حوادث سنة 126هـ)
ثالثاً: لم تظهر عنصرية يزيد في تباهيه بنسبه من جهة أمة فحسب، بل زادها وضوحاً حرصه على الوقوف موقف العداء الثابت من القيسية.. ويتألق هذا الموقف من ذلك الحوار الذي جرى بينه وبين يزيد بن حجرة الغساني. وكان رجل دين وفضل وذا مكانة وقدر عند الشاميين. فقد عَاتب يزيد بن حجرة الخليفة يزيد بن الوليد قائلاً: مالي لا أرى أحداً من قيس يغشاك ولا يقف ببابك؟، فأجابه يزيد: لولا أنه ليس من شأني سفك الدماء لعاجلت قيساً.. فو الله ما عزت إلا بذلّ الإسلام (الطبري 7/271، وانظر: رياض عيسى: المرجع السابق، ص 155)؟!!
رابعاَ: وعلى العكس من ذلك كان تدليله لليمنيين ومحاباته لهم وإغداقه عليهم لمساعدته في الوصول إلى الخلافة سبباً من أسباب نضوب بيت المال، مما اضطره إلى إنقاص أعطيات الجند، كما أن القبائل المضرية نفرت منه، وبدأت تتخذ مواقف ثورية إيجابية ضدهّ نتيجة موالاته الظالمة لليمنيين وتجاهله للمضريين، وهكذا ولدت الخطيئة خطيئة، واضطربت عليه منذ ولايته الأمور!!
خامساً: بدأت أساليبه في التظاهر بالورع والزهد تتكشف لمجموع الناس واحدة تلو الأخرى، فها هو يستعمل وسائل انتهازية وتجارية في جذب الناس إليه، وفي الوصول إلى أهدافه. ومن الطريف أنه تنكر ذات ليلة في البادية وركب حماراً ـ مستعملاً الأساليب السرية الانقلابية ـ وهو يسعى في بيعة الناس له، فبايعه أكثر أهل دمشق سراً (!!) وبايعه أهل المزّة غير معاوية بن مصاد الكلبي (وهو سيد أهل المزّة)، فمضى يزيد من ليلته إلى منزل معاوية بن مصاد ماشياً في قليل من أصحابه، فأصابهم مطر شديد، فأتوا منزل معاوية بن مصاد، فضربوا بابه، ففتح لهم، فدخلوا، فقال ليزيد الفراش أصلحك الله، قال يزيد: إنّ في رجلي طيناً وأكره أن أفسد بساطك، فقال: الذي تريدنا عليه أفسد.. فكلمه يزيد فبايعه، ورجع يزيد إلى دمشق وهو على حمار أسود فنزل دار ثابت بن سليمان بن سعد الخشَنِِِِِِِِِِِِِي (الطبري 7/240)، ثم استمر يزيد في تآمره مع رجاله بهذه الطريقة ليلته ونهاره.
سادساً: كان الناس يخرجون معه لقتال الوليد على جعل يجعله لهم، بل كان أحياناً يضطر إلى الزيادة في هذا الجعل عندما لا يستجيب الناس له، فليس في الأمر (ثورة شعبية لم تأخذ حقها)، وإنما هي مؤامرة تركت أسوأ الآثار بكل المقاييس، وقد ذكر رياض عيسى ـ بأسلوب صريح ـ اعتماد يزيد على (الرشوة) في جلب الناس، فبعد ما سيطر يزيد على دمشق دعا الناس إلى التطوع فلم يتقدم منهم الكثير فاضطر لأن يرشوهم بالمال، وأعلن أن من سار فله ألفان، فاجتمع ألف رجل أعطى كلاً منهم ألفين (رياض عيسى، السابق، 149).
وقد حدَّث عمر بن مروان الكلبي أن ابن الشماخ الكلبي حدثه أن يزيد بن الوليد كان له مناد ينادي في الناس بأمره: من ينتدب إلى الفاسق (يعني لقتال الوليد) وله ألف درهم؟ فاجتمع إليه أقلّ من ألف رجل، فأمر رجلاً فنادى: من ينتدب إلى الفاسق وله ألف وخمسمائة (الطبري 7/243، حوادث سنة 126هـ)!!
سابعاً: وقد أضاف يزيد إلى أسلوبه الانتهازي جريمة أخرى، فقد عمد إلى رصد مكافأة خاصة مقدارها مائة ألف لمن يأتيه برأس الوليد، وهذا ـ ضمناً ـ يعني فتح الباب للتمثيل بالوليد وقطع أعضائه. وقد تبارى المرتزقة عبيد المال لإثبات أنهم الذين قتلوا الوليد، لقد احتزَّ أبو علاقة القضاعي رأس الوليد فأخذ عقباً (وهو العصب الذي تعمل منه الأوتار) وخاط الضربة التي في وجه الوليد وقدم بالرأس على يزيد (الطبري 7/246) ومن جانب آخر أقبل أحد أبناء خالد بن عبد الله القسري فسلخ من جلد الوليد قذر الكف، وقطعت كفّ الوليد اليسرى (!!) فبعث بها إلى يزيد، فسبقت الرأس ليلة الجمعة، ثم أتى بها وحملها إليه عشرة فأعطى كل واحد منهم عشرة آلاف، ثم أمر فنصب الرأس للناس بعد صلاة الجمعة.. وأمر يزيد بن الوليد بعد ذلك بنصب الرأس (!!)، فقال له يزيد بن فورة مولى بني مروان: إنما تنصب رءوس الخوارج، وهذا ابن عمك، وخليفة، ولا آمن إن نصبته أن ترق له قلوب الناس، ويغضب له أهل بيته.. فقال يزيد: والله لأنَصبَّه، فنصبه على رمح، ثم قال له: انطلق به، فطف به في مدينة دمشق، وأدخله دار أبيه، ففعل، فصاح الناس وأهل الدار (الطبري 7/250، 251)، فهل هذه هي أخلاق الإسلام.. ومع من؟ مع الرحم.. ومع خليفة.. وبهذا الأسلوب من التشفّي والتمثيل والحقد.. وأين هذا من عمر بن عبد العزيز عليه رضوان الله؟!!
ثامناً: لم تكن الخطبة العصماء التي ألقاها يزيد إلاّ تهدئةً لخواطر الناس ـ وكانت أقرب ما تكون للشعارات الثورية ـ لامتصاص الغضب وتهدئة النفوس، وخداعهم بوعود معسولة.. وقد أحسن صديقنا الدكتور عبد الشافي عبد اللطيف في كتابه (العالم الإسلامي في العصر الأموي 204، ما بعده)، عندما علق على هذه الخطبة بقوله: بهذه الخطبة الطويلة التي خصص يزيد جزءاً منها للنيل من ابن عمه وتجريحه والطعن عليه واتهامه بالكفر ـ ليبرر قتله ـ والباقي لشرح سياسته وكأنه أبو بكر الصديق، أو عمر بن الخطاب؛ حيث أراد أن يظهر بمظهر الزاهد في الحكم، وأنه ما خرج إلاّ غضباً لله ولرسوله ولدينه، بهذه الخطبة استهل يزيد ابن الوليد عهده القصير، ونسى أو غفل أن الناس والوقت والوضع العام في الدولة قد تغيّر عما كان الحال في عهد أبي بكر وعمر، أو حتى في عهد جدّه عبد الملك ابن مروان.
والحقيقة أنه بفعلته تلك جرَّ على دولة بني أمية كوارث كانوا في غنى عنها، وشغلهم بصراع مرير فيما بينهم أضعف كيانهم وأنهك قواهم، في وقت نشط فيه الدعاة العباسيون وضاعفوا جهودهم للقضاء على الدولة كلها.
تاسعاً: وكما هو المتوقع في مسيرة كل الانقلابات الهائجة القائمة على القتل والتآمر، لا يلد الدم فيها إلا دماً، ولا الفتنة إلا فتنة.. فبدأ البيت الأموي ـ أولاً ـ ينفجر من داخله شأن كل الانقلابات، فاضطرب حبل بني مروان وهاجت الفتنة ـ كما يقول الطبري ـ فبعضهم سرَّ لمقتل الوليد مثل أولاد هشام، وآخرون ساءهم قتله. وقام أهل حمص بالثورة ثأراً لدم الوليد، وأغلقوا أبواب مدينتهم، وأقاموا النوائح والبواكي على الوليد، ولما علموا أن العباس بن الوليد (شقيق يزيد) لم يكن مخلصاً في نصرة الوليد الثاني وثبوا على داره فهدموها، وانتهبوا وسلبوا حرمه وأخذوا بنيه فحبسوهم وطلبوه، فما كان من العباس بن الوليد إلا أن هرب والتحق بيزيد الثالث، وقام أهل حمص بمكاتبة غيرهم ودعوهم إلى الطلب بدم الوليد، كما كتبوا بينهم كتاباً ألا يدخلوا في طاعة يزيد، وأن يبايعوا لواحد من أبناء الوليد إن كان له ولد حي، وأبلغوا ما اتفقوا عليه إلى واليهم الأموي مروان بن عبد الله بن عبد الملك، فوافقهم على ما اتفقوا عليه، وطردوا رسول يزيد إليهم شر طردة، وخرجوا يريدون دمشق، فلما حاول واليهم مروان ابن عبد الله أن يثنيهم عن عزمهم قتلوه وقتلوا ابنه معه، وولوا عليهم أبا محمد السفياني، وتابعوا طريقهم باتجاه دمشق، وجرت بين أهل حمص الثأئرين المطالبين بدم الوليد الثاني وبين جند يزيد الثالث معارك ضارية. (رياض عيسى، السابق، ص 156، 157).
أما في فلسطين، فقد دعا يزيد بن سليمان بن عبد الملك أهل فلسطين لقتال يزيد الثالث، وأنضم إليهم في ثورتهم على الخليفة الجديد أهل الأردن الذين كان يلي أمرهم محمد ابن عبد الملك. وهكذا فقد زاد مقتل الوليد الثاني في اشتعال الفتنة بين أفراد البيت الأموي، ولم يكن يزيد الثالث الشخصية الأموية التي ينعقد حولها إجماع أهل البيت الأموي (رياض عيسى، السابق، ص 158).
وعندما توفي يزيد بالطاعون بعد ستة شهور من ولايته (جمادى الآخرة ـ ذو الحجة سنة 126هـ) كانت بلاد الشام ـ وهي حصن الأمويين ـ تشتعل ناراً، كما كان أبناء الأسرة الأموية منقسمين على أنفسهم، منشغلين بصراعاتهم عن الأخطار القاتلة المحدقة بهم.. فكانت حركة يزيد الانقلابية من أبرز العوامل التي أدت إلى سقوط خلافة بني أمية!!
وليس عجيباً أن تكون آخر الكلمات التي نطق بها يزيد الناقص وهو على فراش الموت: واحزناه.. واشقاءاه؟!!
لقد نجح يزيد مثل كل الانقلابيين في هدم كل شيء، لكنه لم ينجح في بناء أيّ شيء.. لأن ما قام على حقد وباطل لابد أن ينتهي إلى حقد أعمق وباطل أكثر!!. ويشاء عدل الله أن يحكم مروان بن محمد، وأن يخرج جثة يزيد من قبره ليفعل بها مثل الذي فعله يزيد بجثة ابن عمه الوليد!!!
كلمة ختامية
أما بعد: فقد سعينا لتجلية صفحة مضطربة قلقة من تاريخنا، وركزنا ـ في بداية الأمر ـ على ما يوجب تمحيص الأمور، والتوغل في بحثها، وبذل الجهد الفردي أو الجماعي في بحثها بحثاً عميقاً ـ لإنقاذ تاريخنا المفتري عليه ـ قبل إطلاق الأحكام العامة أو الشاردة.. وقد كشفنا زيف ذلك المثل الذي روج له بعضهم، وهو أن أعدل بني مروان (عمر بن عبد العزيز، ويزيد بن الوليد) وهو مثل أطلقه أحد العاطفيين الذين لا علاقة لهم بالدرس التاريخي الموضوعي الذي يتحفظ عند المقارنة والموازنة.. وأين الثرى من الثريا؟!!
وليس معنى ذلك أننا نجهل أو نتجاهل أخطاء (الوليد)، فهي كثيرة، لكن معظمها ـ وهي التي أدت إلى الثورة عليه ـ أخطاء جاءت بعد الخلافة، وقد وقع في كثير منها خلفاء كثيرون.. لكن الأرضية المليئة بالأشواك والإشاعات الباطلة التي كان قد زرعها هشام وأعوانه ـ ساعدت على أن يستثمرها مغامر لا يتبصر العواقب مثل يزيد.. فهدم المعبد على كل من فيه..!!
لقد أخطأ (الوليد) في سياسته بعد الخلافة مع أبناء عمومته، فعمد إلى الانتقام منهم بدلاً من العفو والتأليف، كما أخطأ مع ولاة كبار من الذين عرفوا ـ وعرفت قبائلهم ـ بالولاء للدولة الأموية مثل خالد بن عبد الله القسري الذي تعرض للتعذيب والقتل فتحرك اليمنيون ضدَّ الوليد، وأصبحوا عضداً لخصمه يزيد.. كما أخطأ في حق أولاد هشام بخاصة.. وفي حق يحيى ابن زيد بن علي (الزعيم الشيعي الثائر) الذي أعلن الثورة على الوليد من خراسان؛ لكن الوليد عندما انتصر عليه لم يكتف بقتله، بل أمر بإحراق جثته وإلقائها في الفرات!!
وهؤلاء وأتباعهم كانوا أكبر من افترى عليه ورموه ـ كما يقول الطبري ـ بالكفر وغشيان أمهات أولاد أبيه ورموه بالزندقة. كما أنه بايع لوليديه الحكم وعثمان لولاية العهد ـ وكانا دون البلوغ ـ فأحفظ الناس عليه، ورفض الاستجابة لنصح الناصحين..!!
ولعل طوائف من (الدعاة المستترين الموالين لآل البيت والعباسيين) كانوا يساعدونهم في هذه التلفيقات.. وصولاً لضرب الأمويين من داخلهم، والأمويون غافلون يخربون بيوتهم بأيديهم. وكان (يزيد بن الوليد) يستثمر كل ذلك لحسابه الشخصيّ على حساب البيت الأموي والمصلحة العليا للمسلمين، فكان كما يقول الطبري (أشدّهم فيه قولاً، وكان الناس إلى قوله أمْيَل؛ لأنه كان يظهر النسك ويتواضع.. حتى حمل الناس على الفتك بالوليد!!).
ويعلق على هذا (التواطؤ التآمري) الذي يبرزه نصّ الطبري: (الأستاذ رياض عيسى في كتابه: النزاع بين أفراد البيت الأموي ودوره في سقوط الخلافة الأموية، ص140)، فيقول: إننا نفهم من هذا النصّ أن بني هشام وبني الوليد بن عبد الملك بخاصة كانوا يدبرون لحملة عداء منظمة ضدّ الوليد بن يزيد، وأنهم لم يكونوا يتسقطون هفواته فيجسمونها فحسب؛ بل يتقولون عليه أيضاً، إذ أن في النص كلمات مثل (رماه) و (رموه) إلى أن ينتهي صاحب الخبر للقول (حتى حمل الناس على الفتك به). وفي هذه الكلمات ما يمكن أن يستدل منه على عدم مصداقية ما نسب إليه من جهة، وأن عنصر التدبير والتخطيط للوقيعة بالوليد، من الوضوح بحيث أن صاحب النصّ يشعرنا بأن الناس حملوا على الفتك بالوليد، نتيجة لهذه الحملة المدبرة التي أحكم التخطيط لها، والتي كان أبطالها أولاد الوليد بن عبد الملك لاسيما يزيد بن الوليد، الذي سيئول الأمر إليه بعد الوليد بن يزيد.
لكن هذه الأخطاء التي أخذت على الوليد، لا علاقة لها بهذه الصفحة السوداء الظالمة التي روجت عنه (قبل خلافته)، وللأسف فإنه ـ من واقع ما تعرض له من مظالم على يد أقرب الناس إليه ـ لمدة عقدين من الزمان ـ لم يستطع الوصول إلى مستوى (العفو والتسامح) ليرأب الصدع الأموي الذي كان عمه هشام قد أحدث فيه (ثلمة) حيث اضطهد الوليد وأعلن حملة تشهير طويلة عليه.. وكان انتقام الوليد الشديد (ثلمة) أخرى في البناء الأموي.. فبدأت حملة التخريب الجماعية للبيت الأموي من داخله، ومن الأعداء المتربّصين به من خارجه.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن هؤلاء الثلاثة (هشاماً، الوليد، ويزيد) يتحملون وزر سقوط الدولة الأموية التي كان عمر بن عبد العزيز؟ قد شقَّ أمامها طريقاً جديداً رائعاً للاستمرار والازدهار، وفاقاً لرؤية إسلامية رشيدة تليق بخامس الخلفاء الراشدين!!
وأخيراً.. فقد كانت ـ وسأظل بإذن الله ـ أكنّ لأخي الأكبر الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي كل ودّ وتقدير.. قائلاً له: عفا الله عني وعنك، وَجَمَعَنَا على الحق والودّ.. وعلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين.
هامش:
عن دار الشروق (بالقاهرة) صدر كتاب (تاريخنا المفترى عليه) للدكتور يوسف القرضاوي (ط1/1425هـ. 2005م) يتضمن نقدا لبعض آراء الدكتور عبد الحليم عويس حول ما كتبه عن (الدولة الأموية).. وهذه الدراسة حوار علمي يتضمن ردا من الدكتور عبد الحليم عويس على الدكتور القرضاوي؛ تعاونا على تجلية تاريخنا، ووصولا إلى القسمات الكاملة لصفحة من كتاب (تاريخنا المفترى عليه)].
 
 
 
 
 
تعقيب على د. يوسف القرضاوي
الثلاثاء 20 فبراير 2007
تعقيب على د. يوسف القرضاوي
تاريخنا المفترى عليه..
أ.د. عبد الحليم عويس
( 1/2)
مجلة المنار الجديد عدد 34
عن دار الشروق (بالقاهرة) صدر كتاب (تاريخنا المفترى عليه) للدكتور يوسف القرضاوي (ط1/1425هـ. 2005م) يتضمن نقدا لبعض آراء الدكتور عبد الحليم عويس حول ما كتبه عن (الدولة الأموية).. وهذه الدراسة حوار علمي يتضمن ردا من الدكتور عبد الحليم عويس على الدكتور القرضاوي؛ تعاونا على تجلية تاريخنا، ووصولا إلى القسمات الكاملة لصفحة من كتاب (تاريخنا المفترى عليه)].
 
 
في البداية أشير إلى أن لأخينا الأستاذ الدكتور الداعية العلامة يوسف القرضاوي من الحقوق علينا ما يلزمنا أن نتعامل معه بما هو أهله؛ من الأدب الجمّ والخلق الرفيع. ولست من الذين يقولون: إنه لا كبير في مجال العلم! لا يقصدون من ذلك ضرورة أن تكون لكل عَاِلم آراؤه المرجوحة أو المخطئة، أو أن تكون له كبوة، فالكمال لله وحده ـ سبحانه وتعالى ـ والعصمة لأنبيائه ـ عليهم السلام ـ فهذا فقه متفق عليه، وإنما يقصدون وهم ـ مخطئون في ذلك في رأيي ـ أن مجال العلم يتساوى فيه الصغير والكبير، أو الكبير والأكبر، في أسلوب التعامل، وفي مقارعة الحجة بالحجة بالطريقة نفسها، وبالأسلوب نفسه.
فذلك في رأيي خطأ؛ لأنه قد يجوز للأكبر مع الكبير، أو للكبير مع الصغير، أن يستعمل في تقديمه حقائق العلم، أسلوبا لا يجوز للطرف الآخر أن يستعمله معه!!
فلا مجاملة في العلم حقاً؛ لكن تجب المجاملة؛ بل يفرض الأدب الأرقى مهما يكن الاختلاف بين الأكبر والكبير، أو الكبير والصغير.
وابتداء ألزم نفسي: إتباع هذا المنهج في الحوار مع أخير الدكتور/ يوسف القرضاوي حول ما ورد في كتابه : (تاريخنا المفترى عليه)، نشر دار الشروق بالقاهرة، الطبعة الأولى، 1425 هجرية، 2005 ميلادية.
وأبدأ بالثناء على ما يمكن اعتباره الفصل الأول، وهو ما ورد تحت عنوان: (جور العلمانيين على التاريخ الإسلامي وتحريفهم له، وقسوة بعض الإسلاميين عليه)، [الصفحات من 13ـ75]، وأعتقد أن هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد من الكتابات، الذي كتب في سبع صفحات فقط شرحا لعنوانه: (الشريعة كانت أساس المجتمع الإسلامي طوال 13 قرنا). [الصفحات من 25ـ31]، أشير عليه بتعميق هذا الجانب عن طريق بعض الدراسات الجادة، التي كتبها أساتذة أفاضل مثل : (محمد عابد الجابري، وجلال أمين)، كما أنني شخصيا أخرجت كتابا كاملا يكاد يتطابق مع هذا العنوان، أصدره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة، تحت عنون (القيم الإسلامية في تاريخ المسلمين)، وهو تتبع تاريخي يثبت وجود الشريعة الإسلامية والقيم الإسلامية في مراحل التاريخ الإسلامي المختلفة، وحتى يوم الناس هذا، وذلك بالطبع ـ مع وجود نسبة الشذوذ البشرية ـ عبر كل الدول الإسلامية فالإسلام دين الأمة، والأمة كانت دوما تجاهد في سبيل الحياة في ظلاله.
أما حديث الشيخ (القرضاوي) عن قسوة بعض الدعاة على التاريخ الإسلامي، وأخص منهم الشيخ (محمد الغزالي، الإمام المجاهد رحمه الله رحمة واسعة) فلعل أخي الدكتور يوسف القرضاوي لم ينس أنني في ملتقي من ملتقيات الفكر الإسلامي بالجزائر نقدت بعض أراء الشيخ (الغزالي) في التاريخ الإسلامي أمامه دون أن أذكر اسمه، ثم قام الدكتور يوسف القرضاوي ـ جزاه الله خيرا ـ فأكد ما قلتُ، وطالبني بالتوسع في النقد، فلما نزلنا بعد الكلمتين والتقينا بالشيخ (الغزالي) قال لنا ـ رحمه الله ـ بابتسامة هادئة وادعة؛ ليقينه بحبنا له: لقد أدركت أنكما تقصداني بكلامكما، وقد اقتنعت به وأعاهدكما أن أتمهل بعد ذلك في حكمي على هذا التاريخ..
وهذه حسنة تذكر للشيخ الإمام (محمد الغزالي) الذي كان رجاعا إلى الحق متى اقتنع به، وعندما يكون الخطاب معه بإسلوب كريم هادئ.
الشيخ القرضاوي.. وبنو أمية
أكاد أتفق مع أخي الأكبر الدكتور (يوسف القرضاوي) في المنهاج العام الذي عالج به قضايا الدولة الأموية، ولا شك في أن رؤيته كانت منصفة إلى حد كبير، ولعل هذه العبارة التي أنقلها عنه تمثل خلاصة هذا المنهاج الذي أؤيده فيه، وإن كنا سنختلف في مجال التطبيق:
يقول الشيخ القرضاوي: "وأنا ممن يدافعون عن بني أمية، ولا أقبل التهم الجزافية التي تلصق بهم، وكثير منها لا يثبت عند التمحيص، أو يُعطي أكبر من حجمه، ولكني لا أبرئهم من مظالم ارتكبوها، وسنن غير راشدة استنوها وهي ما اجتهد عمر بن عبد العزيز أن يغيرها، ويضع مكانها سننا صالحة، ويزيل المظالم، ويرد الحقوق إلى أهلها". [تاريخنا المفترى عليه، ص:84].
وأشكر أخي (يوسف) أنه جعلني وكتابي المتواضع عن (بني أمية بين السقوط والانتحار) من مراجعة الأساسية التي اعتمد عليها عند حديثه القريب من الإنصاف عن أمير المؤمين (معاوية رضي الله عنه) إلا أنني أختلف معه فيما أخذه عليّ (في الهامش رقم2، ص93) وذلك في قوله: (مما أخذته على صديقنا عبد الحليم عويس: أنه عاب المؤرخ الرحالة الكبير المسعودي أنه كان يحمل ـ سلفا ـ تحيزا ضد معاوية في صراعة مع علي!!.
ويتساءل الشيخ القرضاوي: من في المسلمين من وقف مع معاوية ضد عليّ، وقد ثبت بالحديث الصحيح: أنه على رأس الفئة الباغية؟ [انظر بني أمية بين السقوط والانتحار ص: 20].
فهذا التعليق من الشيخ القرضاوي يعني أنه لا يوجد من المسلمين من يقف مع معاوية، مع أن الواقع التاريخي خلاف ذلك، فقد وقف معه أهل الشام (وهم مسلمون ولا يمكن تكفيرهم!!) كما وقف معه عدد يعتدّ به من الصحابة والتابعين المجتهدين!!.
بل إن هناك مؤرخين ومجتهدين ومفكرين كثيرين (مع حبهم وتقديرهم الكامل للإمام علي رضي الله عنه) يرون أن الخليفة معاوية رضي الله عنه كانت له (ولأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها) ومن معهم؛ وجهة نظر باغية مرجوحة [في رأينا ورأي أستاذنا القرضاوي ورأي أكثر الأمة].. لكنها ـ مع ذلك ـ وجهة تتكئ على أصل شرعي وفقه وعلم..
لقد كانت وجهة نظر معاوية ومن معه أن بقاء معاوية في الشام في تلك الظروف المضطربة التي تولى فيها عليّ الخلافة بقاء ضروري؛ حيث خبر معاوية الروم وأدرك أمورهم وعرف كيف يسوس الأمور في مواجهتهم بسياسة مرنة حكيمة، وقد أقره على سياسته عمر وعثمان رضي الله عنهما.. فلماذا لا يذهب عليّ مذهبهما حفاظا علي هذا الثغر المهم، لا سيما أن الوضع في المدينة كان يحمل في ظاهره وباطنه نذرا خطيرة لا تبعث على التفاؤل؟ وأصحاب الفتنة هم الذين نصّبوا عليا، وهناك عدد من كبار الصحابة توقف عن مبايعة عليّ رضي الله عنه مثل (سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر)، (وهما من أهل الشورى) ثم أسامة بن زيد، وصهيب من المهاجرين، وحسان بن ثابت، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، ورافع بن خديج، وسلمة بن وقض، وأبو سعيد الخدري من الأنصار، كما أن الحدود كانت قد أهملت لعدم إقامتها على من قتلوا الخليفة عثمان رضي الله عنه.
كما أن معاوية ـ في رأي كثيرين ـ كان أقدر على سياسة الدنيا في ظل انفتاح المسلمين على العالم، واستيلائهم على كثير من أرض إمبراطورتي الفرس والروم بما يحمله هذا التطور من تحديات تستوجب قدرا كبيرا من المرونة..
وقد كان الخليفة العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه نافذ البصيرة والرؤية حين زار واليه معاوية في الشام، ورأى بعض أساليبه (البروتوكولية والأمنية) غير المألوفة، فأنكر عليه ذلك.. لكنه بعد حواره مع معاوية انتهى إلى إقرارها عن طريق السكوت عنها.. قائلا لمعاوية: (لا آمرك ولا أنهاك).. مع أن (معاوية) قال له: لو نهيتني يا أمير المؤمنين عن ذلك انتهيت!! فقال له عمر: (لا آمرك ولا أنهاك)..
وهذا يعني أن هناك أوضاعا جديدة في عدد من البلاد المفتوحة ـ لا يصلح معها (نوم الخليفة العظيم عمر بن الخطاب في جانب من الطريق في المدينة!!).
إن الأستاذ عباس العقاد ـ يشير إلى حقيقة هذا التطور الذي استطاع معاوية التعامل معه بقوله: "وما كان أحد ليطمع في بقاء عصر الخلافة على سُنة الصديق، والفاروق أبد الآبدين ودهر الداهرين؛ لأن اطراد النسق من ولاة الأمر على هذه الطبقة العليا من الخُلُق والتقوى أمرٌ تنوء به طاقة بني الإنسان. فما كان دوام الخلافة الصديقية، أو الفاروقية بمستطاع على طول الزمن، وما كان قيام الملك بعد الخلافة بالأمر الذي يؤجل إلى زمن بعيد". (العقاد: معاوية، ص 206، دار الكتب اللبناني، ط1/1974م).
وقد حاول بعضهم النيّل من معاوية عند عمر (رضي الله عنهما) فقال له عمر: "دعونا من ذم فتى قريش، من يضحك في الغضب، ولا يُنال ما عنده إلا علي الرضا، ولا يؤخذ ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه".
وإلى جانب ذلك، فإن من المعروف أن عمر رضي الله عنه كان يحاسب ولاته على الصغيرة والكبيرة، ولا يقبل منهم العمل إلا من خلال وجهة نظره القائمة على العدل والشورى، إلا أنه قبل من معاوية رضي الله عنه وجهة نظره وقال: "لحسن مصادره وموارده جشمناه، ما جشمناه".
وهكذا استحق معاوية أن يظل على ولاية الشام أيام عمر، ثم أقره الخليفة عثمان رضي الله عنه عليها ولم يقبل فيه أي شيء، حتى أصبحت الشام في عهد عثمان شبه دويلة مستقلة يقوم واليها بتعيين العمال على أقسامها بنفسه دون الرجوع إلى الخليفة، فلما ولي عليّ الخلافة أراد أن يعزل كل ولاة عثمان (ومنهم معاوية) ورفض أن يتألفهم أو أن يستجيب لهم فيقتص من قتلة عثمان حتى يسلموا له، فنشأ الخلاف، وقام بينهم أناس يسعون إلى الفتنة، ويحرضون عليها حتى تمكنوا من إشعالها وظلوا يؤججون أوارها بتدبير المكائد الخفية حتى ظن الناس أن المشاركة فيها واجب ديني!! (انظر: صلاح النبراوي ـ معاوية: الصحابي الفاتح المفترى عليه، ص: 15، نشر مصر 2005).
ونحن ـ وإن اتفق رأينا مع أكثر الأمة في تأييد الإمام عليّ وموقفه ـ إلا أننا نرى أن المنهج العلمي والضمير الديني معاً ـ يفرضان علينا أن نبرز وجهة نظر (الطرف الآخر)، وأن نقدم المبررات التي جعلته يتخذ هذا الموقف، وكأنه هو الذي يدافع عن نفسه، حتى ولو كان موقفه خاطئا ولا نؤيده فيه.. فهذا المنهج موقف علمي مبدئي لا علاقة له بعاطفتنا، وهو من صميم المنهج العلمي الذي يفرض التعرف الكامل على رأي الخصم، وتقديم اللوحة كاملة بكل قسماتها، وألوانها، فلم يكن معاوية ومن معه مجردين من كل فقه وحجة (بل إنه لا يمكن القول ـ كما يعترف العقاد ـ بأن معاوية لم يكن يعمل بباعث من الغيرة الدينية أو بباعث من أحكام المروءة والعرف المتبع في الأخلاق فليس في وسعه أن يتجرد من هذه البواعث لو أراد وليس في وسع رجل أسلم علي يد النبي ـ عليه السلام ـ وصَاحَبَه، وعمل على أيدي الجلة من صحابته ـ أن يغفل عن غيرة دينه وأحكام فرائضه وواجبات المروءة في عرف زمنه). (العقاد: معاوية، ص: 210).
كما أن معاوية وأنصاره لم يكونوا مجردين من كل (إيجابية) حتى ولو كانت هذه (الحجج والإيجابيات) كما يسميها الشيخ (القرضاوي) ـ من وجهة نظره ـ (دفاعا عن من لا يستحقون الدفاع) (تاريخنا المفترى عليه، ص 287)، وهي مقولة أقرب إلى مقولات أصحاب (المنهج الثوري) منها إلى الشريعة الإسلامية التي تعطي كل إنسان حق الدفاع.. حتى ولو كان هذا الإنسان هو هذا الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، فلما سأل عن إمكانية قبول توبته، أغلق باب التوبة في وجهة أحد الذين يؤمنون بمبدأ أن هناك (من لا يستحقون الدفاع) فما كان منه إلا أن قتله وأتم به المائة!!.
ثم وجد بعد (قتله المائة) من يفتح له باب الأمل.. وفي النهاية (يدخل الجنة)!!
فهل ضاقت رحمة الله عن أن تسع (معاوية ويزيد، والحجاج بن يوسف الثقفي) ـ مع أننا أيضا ـ لا نحبّه لكننا لا نسبّه!!
وهل يُلام ـ من ناحية المبدأ ـ باحث جادّ عندما يقدم رسالة أكاديمية في جامعة الكويت خاضعة لشروط (منهج البحث التاريخي) تحمل نبرة جديدة كاشفة لبعض ظلمات التاريخ.. حول (الحجاج بن يوسف الفترى عليه)؟! مع أن من حق غيره ـ باسم المنهج العلمي أيضا ـ أن يقدم أطروحة تتعلق (بمثالب الحجاج) قياسا على المقريزي الذي كتب عن مثالب بني أمية!!
وإذا كان الباحث الأول قد دافع عن الحجاج وحاول أن يهون من سيئاته، وأن يضخم من حسناته ـ فهذا خطأ بالطبع (إذا كان قد وقع فيه).
لكن يبقى من حق غيره أن يعيد الأمور إلى موازينها القسط، وأن يرصد كل الجوانب بعدلٍ وإنصاف (!!) وهذه هي حركة البحث العلمي التي تؤدي إلى إثرائه، بدلا من إغلاق الباب تحت مقولة أن هناك من لا يستحقون الدفاع!!
ومهما يكن رأينا الشخصي في الحجاج ـ وهو رأي ليس لصالحه ـ فإن هذا لا يعني أن نستسلم لكل الآراء الشائعة عنه، ونتغاضى عن تقدير الظروف التي أحاطت به، وننظر إليه على أنه (شيطان) مجرد من الحسنات والإيجابيات..
إن هذا (الحجاج) الذي ينصبونه هدفا لطعناتهم في تشويه التاريخ الإسلامي يقول عنه المؤرخ الثقة الدكتور عمر فروخ ـ رحمة الله ـ ما يأتي "لما جاء (الحجاج) إلى العراق كانت حروب الفتن قد خربت الدور، وطمرت الأفنية، فخلت المزارع من فلاحيها، وهجر معظم أهل القرى قراهم، فلم يبدأ الحجاج إصلاح البلاد وتنظيم الإدارة بإصدار المراسيم والقوانين، ولكنه أعاد بناء البلد وأصلح الطرق، وأعاد حفر الأفنية، وبعدئذ أمر أهل القرى بالرجوع إلى قراهم، وأخذ يجمع الضرائب وإرسال الجيوش إلى الفتوح، فانتشر الأمن في طول البلاد وعرضها، حتى كانت المرأة تنام وحيدة في بيتها وباب بيتها مفتوح ولما مات (الحجاج بن يوسف) خلف مصحفا وسيفا، وعشرة دراهم فضة".
وهذا الذي يقوله المؤرخ الكبير الدكتور عمر فروخ ـ عليه رحمة الله ـ عن (الحجَّاج) يدفعنا إلى ألاَّ نغالي في إصدار الأحكام.. لأن الأحكام التاريخية أحكام (قضائية معنوية)!!
وليس معنى هذا أننا نحاول ـ ونرجو ألا يفهم بعضهم ذلك ـ أن ندافع عن الحجاج ابن يوسف، كما أننا لا ننكر أننا (نبغضه) في الله هو ومدرسة الجبارين جميعا.. لكننا لا نذهب فيه مذهب الشيخ (القرضاوي) الذي اقتبسه ـ مؤيدا ـ عن الإمام الذهبي والذي يظهر فيه أنه ـ (يسبه ولا يحبه؛ بل يبغضه في الله)، وخلافنا معه في (السب) فقط ـ أما الباقي فنحن نؤيده فيه وحساب الحجاج على الله!!
وليس معنى بغضي لمبدأ (السباب) لمن لا أستطيع تكفيره (وهو خُلُقٌ إسلامي عام، لاسيما في أمور بعيدة عنا لا يعلم الحقائق الكاملة فيها إلى الله)، أني لا أحاول تبرير ما اقترفه الحجاج من سيئات، وتسويغ الموبقات التي سجلها التاريخ عليه وعلى غيره (انظر القرضاوي تاريخنا المفترى عليه، ص 288). لكني أومن بأن من الواجب الديني والقضائي والتاريخي أن نعرف وجهة نظر الذين نبغضهم ـ كما أننا يجب أن نعرف موقف الطرف الآخر الذي نحبه والذي عامله الطرف الأول معاملة سيئة أو اجترأ على قتله.. فلربما كان موقفهم يقتضي بعض ما عوقبوا به قَلَّ أو كثر!
إن هذا حق أساسي بصرف النظر عن النتائج وعن وجهات النظر الإنسانية والعاطفية التي قد توجه رؤيتنا بصفة عامة، وفي قضايا ذات طبيعة تشريعية وتاريخية!!
 
اتجاه جديد بعد قرون طويلة لإنصاف بني أمية:
وأحب أن أقول هنا: إن المؤرخ الموضوعي هو (محام) عن الحقائق التي ينتهي إليها من خلال معايشته للوقائع وفحصها..
وحتى لو كان دفاعه حارا، فهذا لا يؤخذ عليه (من ناحية المبدأ) لاسيما بالنسبة لقوم كبني أمية ظل تاريخهم هدفا للتجني والافتراء والازدراء خلال القرون الخمسة التالية لسقوطهم على الأقل، وهي قرون خصومهم العباسيين.. كما ظل تاريخهم هدفا للغمط والازدراء من الفاطميين ومن آل البيت والهاشميين ومن الخوارج ومن بني بويه ومن عملائهم المأجورين كأبي الفرج الأصفهاني صاحب كتاب (الأغاني) وغيرهم..
فإذا جاءت مدرسة تاريخية معاصرة ـ على هذا النحو ـ تكشف اللثام عن هذا الظلم، وتقدم للأمة الصفحة الحقيقية ـ بكل ألوانها وأطيافها ـ لدولة إسلامية لم تعش إلا تسعين عام [وهو ما يساوي أعمار ثلاثة حكام من الجبارين المعاصرين الذين دمروا كل شيء إيجابي في أوطانهم المحدودة!!] [وبالمناسبة المستنصر الفاطمي الذي أكلت مصر في عهده لحوم الكلاب والحمير وبيعت لحومها في الأسواق حكم ستين سنة!!]..
ومع ذلك استطاعت هذه الدولة (الأموية) ـ في هذا الزمن الوجيز ـ أن تفتح معظم بلاد العالم القديم، وتدقّ أبواب القسطنطينية، وتسيطر على البحر المتوسط الذي كان بحيرة رومانية، وتقضي على البيزانطيين في الشمال الإفريقي الذي عجز من كانوا قبلها عن فتحه، وتفتح الأندلس حتى ما وراء جبال البرانس وتتوغل في الهند الشمالية وتسيطر على منطقة ما وراء النهر، وتزحف على آسيا الوسطى وغيرها.
إذا جاءت مدرسة تَفْعَلُ هذا دون أن تُخفي الأخطاء.. فهل تُلام هذه المدرسة (وأنا واحد منها)؟ وهل تستحق أن يُقال عنها كما قال عني الشيخ (القرضاوي): (إنني أغالي غلوا غير مقبول، وأنَصِبُ نفسي محاميا عن تاريخ بني أمية كله بأخطائه وخطاياه) [القرضاوي، تاريخنا ص289]؟!
إنني لا أعتقد أنني ـ وهذه المدرسة ـ نستحق اللوم أو نستحق هذه الصفات (فحاشا لله أن ندافع عن الأخطاء والخطايا)؛ بل إنني أعتقد أن هذا الموقف الذي نتبناه إنصاف جاء متأخرا عدة قرون لبعض صفحات (تاريخنا المفترى عليه!!).
لنتذكر هنا ما يقوله العقاد:
حق الأمانة على المؤرخ في هذه المرحلة من التاريخ الإسلامي أن يراجع بينه وبين ضميره طائفة من الحقائق البديهية، قبل أن يستقيم له الميزان الصادق لتقدير الرجال بأقدارهم وتقديم المناقب والمأثم بقيمتها.
ومن الحقائق البديهية تواطؤ الزمن على إقرار ما قيل وتكرر، وطال وقوعه في الأسماع، حتى لتكاد تنفر من تغييره لو عرض لها في شيء من التغيير، وحتى لتكاد تعجز عن النفاذ إلى الحقيقة لو رغبت في ذلك التغيير لسبب من الأسباب، وقلما تعرض هذه الأسباب لمن لا يغنيهم تمحيص ما يقال في الساعة الراهنة، فضلا عما يقال ويعاد منه مئات السنين. (العقاد: معاوية، ص325).
ومن الجدير بالذكر ـ أيضا ـ في هذا المقام ـ أن الموازين العاطفية لا تحكم وقائع التاريخ، وبالتالي فالقول بأن المسلمين جميعا ـ كما يقول الشيخ (القرضاوي) ـ يتحيزون للإمام علي وذريته هو قول صحيح إذا كان التحيز دينيا وعاطفيا، ونحن مع المسلمين جميعا في هذا، فنحن نحب آل البيت أكثر من معاوية والأمويين مئات المرات..
لكن هذا الحب الديني والوجداني لا يمنعاننا (ما دمنا في مقام الإنصاف التاريخي) أن نحكم بالعقل المجرد، وبالمنهج الموضوعي المحايد، كما يحكم القاضي العادل على أقربائه لحساب أعدائهم (اعدلوا ولو كان ذا قربى).
وليس معنى تحليلنا التاريخي الذي ينصف معاوية رضي الله عنه ويظهر بعض ملكاته وقدراته ـ في مقام السياسة والقيادة والمصلحة العامة للأمة ـ أننا نحابي معاوية أو الأمويين؛ بل نحن في ذلك خاضعون للرؤية التي رأى فيها شيخ الإسلام (ابن تيمية) وغيره أن الإمام (القوي الأقلّ التزاما) أصلح للمسلمين من الإمام (التقي الأقل قوة) في مجال فقه التحديات ومقتضيات السياسة الشرعية المناسبة للعصر وتحدياته، والتعامل معها بما يلائمها.
ومرة أخرى ليس معنى تحليلنا هذا،وإنصافنا لبني أمية أو لمعاوية، وإظهارنا لمكانته وقدراته التي تقتضيها المرحلة الجديدة التي لم يعد الوقوف فيها عند المستوى (المثالي) الذي كان عليه أبو بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم) ممكنا.. أقول: ليس معنى هذا أننا نقلل من قدر عليّ أو الحسن أو الحسين أو آل البيت رضي الله عنهم جميعاً، فهم الأجدر ـ بيقين ـ في ميزان الدين والآخرة، وغرس القيم والمبادئ التي بذلوا من أجلها أرواحهم رخيصة في سبيل الله.
لكننا نؤمن بأن حظوظ الدنيا يتفاوت فيها الناس سواء كانوا من آل البيت أم من غيره كما أننا نؤمن بذلك الرأي العظيم الذي ذهب إليه المفكر التركي الكبير (بديع الزمان سعيد النورسي) عندما قال: إن آل البيت هم الأئمة في الدين والدعوة والولاية، وليس شرطا أن يكونوا الأئمة في أمور الدنيا والسياسة، فلو أن هذا التخصص طبق في تاريخنا لما كثرت (مقاتل الطالبيين) وَلَنَشَرَ آلُ البيت الإسلامَ خلال القرون ـ عبر العالم ـ بعيدا عن المعارك الطاحنة التي حَصَدَتهم ـ بأثير دعاوى العصمة لهم، ودعاوى أحقيتهم في حكم الدنيا وقيادة شئون السياسة وما يتصل بها وهو الأمر الذي ينتهي أيضا إلى (الملك العضوض) ـ مشفوعا (بالثيوقراطية) ـ على نحو أكبر مما كان عليه بنو امية!!
ولعله لهذا المعنى كتب المؤرخ المعاصر الدكتور حسين مؤنس (رحمه الله) في تلعيقه على ما ورد تحت عنوان (مثالب بني أمية) من كتاب المقريزي (النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم) [تحقيق حسين مؤنس]، ونشر دار المعارف 1989م يقول:
إن معظم هذه الجرائم التي تنسب إلى بني أمية ـ إن صدقت ـ جرائم سياسية، أي أن جميع هؤلاء المقتولين كانوا منافسين سياسيين لبني أمية، يريدون انتزاع الخلافة منهم، والسياسة تعمي البصر، وتظل الذهن، وتملأ القلب قسوة وتجعل الإنسان يرتكب جرائم لا توصف.. ويقول الدكتور مؤنس أيضا:
ولقد سبق أن ذكرنا أن بني أمية إذا لم يكونوا أصحب حق في الخلافة فما هو الأساس الشرعي لمطالبة العلويين بالخلافة؟
وهل إذا مات علي بن أبي طالب ورث الحق في الخلافة أولاده: الحسن والحسين ثم زيد، وهكذا؟
كل ذلك نشأ من أن أحدا لم يضع للخلافة تشريعا؛ بل الكل هنا يجمعون على حق أبناء عي بن أبي طالب في الخلافة!! [وفي المقابل يحرمون بني أمية من هذا الحق] ثم: هل نحن واثقون من أن كل العلويين كانوا أفاضل؟ وأنهم لو كانوا قد تولوا الخلافة لما اقترفوا مثل هذه الجرائم؟
(وحسبك أن تقرأ ما كتبه ابن حزم في جمهرة أنساب العرب عن سيرة أحد العلويين وهو محمد بن الحسن بن إبراهيم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي) ففيهم من الفظائع ما يكفي للدلالة على أن آل البيت هم كغيرهم من البشر!! (د. حسين مؤنس: تنقية أصول التاريخ الإسلامي، ص 97، 101،100 طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب).
وأحب أن أقول لأخي الأكبر الدكتور يوسف القرضاوي: إنني لست وحدي في كل آرائي التي بسطتها في كتابي عن سقوط بني أمية سواء فيما يتعلق بمعاوية، أم بيزيد بن الوليد، أم بالوليد بن يزيد؛ بل هناك عشرات المؤرخين قديما وحديثا يؤيدونني.. وبالتالي فأنا لم أخالف إجماع الأمة ـ كما تقول ـ (انظر، ص289 تاريخنا المفترى عليه ـ د. القرضاوي).
وكذلك لم أجازف "مجازفة لا يجرؤ عليها مؤرخ، ولم يقبل بها أحد من سلف الأمة وخلفها فيما نعلم" [أي فيما يعلم أستاذنا القرضاوي!!] [تاريخنا المفترى عليه ص290].. لقد تجرأ عليها ـ كما ذكرت ـ عشرات المؤرخين والمحققين في القديم والحديث من قبلي.. ولسوف يرى ذلك أستاذنا القرضاوي عندما نصل معه إلى الحديث ـ بإذن الله ـ عن هذا الخليفة الذي يرى الدكتور (القرضاوي) أن كل الناس أجمعوا (!!) على أنه أعدل(!!) بني مروان بعد عمر بن عبد العزيز وهو الخليفة يزيد بن الوليد الذي هاجمني شيخنا الجليل (القرضاوي) هذا الهجوم من أجله. (انظر: تاريخنا للشيخ القرضاوي ص289).
بينما نرى نحن أن هذا الخليفة ـ خليفة ثوري قاتل ظالم ـ لا يجوز أن يوضع مع عمر بن عبد العزيز في كفة واحدة، ولا أن يوصف بالعدل!!
كما أن عدوه الوليد بن يزيد (الخليفة الشرعي المقتول المظلوم) ليس بهذه الصفات من السوء الذي يشبه الأساطير، وليس صحيحا أكثر ما قيل فيه، وإن كانت له أخطاء أخرى تتصل بالحكم شأن أكثر الحكام (وسنثبت هذا بإذن الله في الصفحات التالية)، ولا نملك إلا أن نقول: سامح الله شيخنا القرضاوي على هذه (الأحكام) التي لا يسندها النص ولا العقل عند التحليل التاريخي الموضوعي!!
معاوية في الميزان الصحيح
لقد كان خروج العرب من الجزيرة العربية وسيطرتهم على أكثر أرجاء الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية، ملزما بضرورة مواجهة التحديات الجديدة بآليات تسمح بالسيطرة عليها وهذا ما أدركه (معاوية رضي الله عنه) في الشام، وأبصره (الخليفة عمر) وسكت عنه، فالبيئات الجديدة تختلف عناصرها وتتنوع ميول شعوبها، وتتعد موروثاتها الثقافية ودياناتها، وبالتالي تتباين عاداتها وأنماط حياتها، ومن ثم كما يقول (أستاذنا الدكتور محمد حلمي أحمد في كتابه عن الخلافة والدولة في العصر الأموي ص123، طبع مصر1974) اقتضى الموقف مواجهة الحاجات والمشكلات الجديدة في مواطنها، وفي ضوء ظروفها المباشرة، وهذا لا يمكن أن يكون إلا بإقرار نظام (اللامركزية)، فقد مضى الزمان الذي كان عمر يقول فيه: (لا أريد أن يحول الماء بيني وبين المسلمين في شتاء أو صيف، إن شئتُ أن أركب ظهر ناقتي إليهم فعلت)!!
فلقد قضى تنوع المذاهب السياسية والميول العنصرية على الخلفاء بأن يكتفوا في معالجة المشكلات التي تنشأ عن تحركات هذه المذاهب والميول بالإشراف اليقظ في مقر الحكومة المركزية بدمشق، وإلا فكيف يستطيع الخليفة أن يتدخل تدخلا مباشرا في مواجهة الشيعة والخوارج والموالي والبربر في العراق وفارس والشمال الإفريقي والأندلس، (والطريقة المثلي) المناسبة للتحديات الجديدة هي إتباع (اللامركزية) (والواقعية الملتزمة بالثوابت) في مواجهة هذه التحركات، وذلك على العكس من مركزية الدولة ومثاليتها في عصر عمر رضي الله عنه!!
ولقد بقي الإمام علي رضي الله عنه واقفا عند مستوى (المثالية الراشدية) وملتزما بنظام (المركزية العمرية) متجاهلا لحقيقة أساسية اعترف هو بها لأحد محاوريه، وهي أن (عمر بن الخطاب) كان يحكم ناسا في مستوى (علي بن أبي طالب) ـ رضي الله عنهما ـ أما هو ـ (أي علي) فقد جاء في ظروف مختلفة، فهو يحكم ناسا مختلفين انفتحوا على العالم القديم وتغيرت أساليبهم وبساطتهم [كما اعتراف هو].. لكن الإمام الورع عليا رضي الله عنه بدلا من تقدير هذا التطور ومواجهته بما يلائم بقي عند مستوى المثالية والمركزية، مع أن أقرب الناس إليه وأخلصهم له قد نصحوا له.. وطالبوه بالإيمان (باللامركزية) وأن يترك (معاوية) على الشام، وهو الوالي الذي سبق توليته والتسليم بقدرته وكفايته من قبل الخليفين الراشدين (عمر وعثمان) رضي الله عنهما، إلا أنه رفض رفضا لم يقبله كثير من المحيطين به، وكثير من المؤرخين... وبمثل هذا الوقوف عند (المثالية والمركزية) فشل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وهو الذي أوشكت الأمة كلها على أن تبايعه، لكنه أضاع بمنهجه هذا كل شيء في عدة أيام!!
وعلى العكس من ذلك كان موقف معاوية مختلفا، فقد كان مستوعبا للظروف، قادرا على مواجهتها بأكثر الطرق مرونة وسياسة، وذلك في مقابل هذا الموقف السياسي (الجامد الحازم) للإمام علي رضي الله عنه..
كان معاوية ـ بحق ـ (كما وصفه ابن الطقطقا صاحب الفخري) داهية من الدهاة، ومن أوفر الناس حظا بأساليب السياسة، وكان عاقلا في دنياه، قويا، حسن التدبير، حكيما، فصيحا، بليغا، يحلم في موضع الحلم، ويشتد في موضع الشدة، إلاّ أن الحلم كان الغالب على طبعه، كريما باذلا للمال، محبا للرئاسة شغوفا بها، وهو يفضل على أشراف رعيته، فلا يزال أشراف قريش من أمثال عبد الله بن العباس، وعبد الله بن الزبير، عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وبعض آل أبي طالب، يفدون عليه بدمشق فيكرمهم ويقضي حوائجهم، ولا يزالون يحدثونه أغلظ الحديث، ويجابهونه أقبح مجابهة، وهو يداعبهم تارة، ويتغافل عنهم أخرى، ولا يعيدهم إلا بالجوائز السنية والصلات الجمّةّ!!
وكان معاوية ـ إلى جانب ذلك ـ أرحب أفقا، وأبعد مدى من المحيط الذي حوله، وكانت تطلعاته تتجه إلى قيام دولة إسلامية يسودها الرخاء والعدل، وينتهي فيها سيل الدماء إلى الأبد، لذلك اجتهد أن يقيم صرح دولته على أركان أهما: التغيرات في بنية النظام السياسي، وتنظيم الإدارة، وتحقيق التوازن القبليّ، وتأمين ولاية العهد، وإخضاع المعارضة، والإحسان إلى كبار الشخصيات الإسلامية من الصحابة وأبنائهم خاصة بنو هاشم، وتوطيد الأمن في العالم الإسلامي، فاختار من أجل ذلك أكفأ الرجال في الإدارة والسياسة ليساعدوه في إدارة الدولة، وتحقيق الاستقرار فيها ومباشرة أمور الدولة بنفسه من أجل رعاية مصالح المسلمين، هذا بالإضافة إلى اتجاه معاوية لفتح العالم، معتمدا على مواهبه السياسية، حيث كان على درجة عالية من الذكاء والمرونة يعاونه في ذلك مجموعة من القادة الممتازين، ومنهم (الحجاج) مع مآخذنا عليه وبغضنا له (انظرـ بتصرف ـ عمر العقيلي: خلافة معاوية بن أبي سفيان، صفحات 15، 16، 17).
وتأكيدا لما قلناه من وجود مريدين له من المسلمين نشير ـ مرة أخرى ـ إلى نجاح معاوية الساحق الذي لم يستطعه غيره ـ في السيطرة على أهل الشام وتعلقهم به تعلقا عميقا (انظر الطبري والمسعودي وغيرهما)، كما أنه وجد تأييدا من اليمانيين وغيرهم.. ولهذا فمع أنه دون الإمام علي رضي الله عنه في الفروسية والحرب (كما يقول فيليب حتى وآخرون معه)، فإنه لم يستطع أحد من معاصريه أن يتقدمه في مضمار الإدارة والتنظيم الحربي، فلقد أوجد من أهل الشام مادة حربية لتأليف جيش دربه، فكان أول جيش منظم في الإسلام، وقد طهره من آثار العصبية القبلية المتخلفة عن العهود السابقة، واستخدمه لضبط الأمن والنظام في الداخل وإثارة الجهاد في الخارج، ثم تناول الإدارة الحكومية فألغى كثيرا من مظاهرها التقليدية وأنشأها على الأساس البيزنطي السابق، وأقام جهازا حكوميا منظما، وأنشأ مجتمعا إسلاميا جديدا، وينسب إليه المؤرخون فضل السبق في وضع ديوان الخاتم وأنه أول من اهتم بأمر البريد الذي صار في أيام عبد الملك مصلحة راقية تربط أجزاء الدولة المترامية الأطراف. (انظر فيليب حتى وآخرون: تاريخ العرب، ص:255، طبع: دار غندور).
وفي مجال التطبيق نشير إلى الحقيقة المؤسفة التي شاعت بين المؤرخين، فبينما كان معاوية على هذا النحو م المرونة وجذب الناس والحنكة السياسية.. فإن الإمام عليا كان ينطلق من مبدأ ضرورة تطبيق ما يرى أنه (الحق) مهما تكن الظروف غير مواتية (دون أن يخشى في الله لومة اللائم).
ـ وحتى لو كانت النتائج السيئة شبه مرئية للعيان، ويحتاج التطبيق إلى صبر وكياسة.. أو لأن التطبيق بهذه الصورة صالح عند التمكن والتوحد والحياة البسيطة مثل زمن الراشدين، أما في الفتن، وفي كثير من الظروف فالأمة تحتاج إلى تدرج وأناة.. وقد صبر الرسول ـ عليه السلام ـ على كثير من الأذى في مكة دون مقاومة، كما قبل شروطا مجحفة في صلح الحديبية تجاوبا مع الظروف، وإيمانا بالتخطيط البعيد وسلامة العاقبة..
لكن الإمام عليا رضي الله عنه رفض كل النصائح التي وجهت إليه داعية إياه إلى الأخذ بالتدرج.. ولهذا فعندما أشار عليه المغيرة بن شعبة بإبقاء معاوية على الشام لاعتبارات عملية، ولأنه ولي من قبل الخليفتين الراشدين اللذين سبقاه.. رفض بقوة نصائح المغيرة التي تتلخص في قوله لعليّ (رضي الله عنهما): "يا أمير المؤمنين إن أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة على الكوفة، والزبير على البصرة، وابعث بعهد معاوية على الشام حتى تلزمه الطاعة، فإذا استقرت لك الخلافة فأدرها كيف شئت برأيك".
وعندما علم عبد الله بن عباس بنصيحة المغيرة لعلي بإبقاء معاوية على الشام ذهب إليه وأشار عليه بتثبيت معاوية والأخذ برأي المغيرة في هذه الظروف بخاصة، وعمد إلى إغرائه على قبول ذلك بقوله له: إن علي أن أقلَعَهُ من مَنزِلهِ بعد أن تستقر الأمور.. يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع لكنك لست بصاحب رأي في الحرب، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [الحرب خُدعه] فقال علي: بلى.. فقال ابن عباس: أما والله لئن أطعتني لأصدرنهم بعد ورد، ولأتركنهم ينظرون في دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها في غير نقصان عليك ولا إثم لك، فقال علي: يا ابن عباس لست من هناتك ولا من هنات معاوية في شيء، فقال ابن عباس لعلي: أَطِغنِي والحَقْ بِمَالِكَ بِينبُع، أغلِق بابَك عليك، فإن العرب تمور وتضطرب ولا تجد غيركَ، فإنك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليُحَملِنكَ الناسُ دمَ عُثمانٍ غدا.. فأبى علي قبول ما أشار عليه به ابن عباس (رضي الله عنهما)..
وكان ما كان ـ بعد ذلك ـ من تطور الأمور على النحو المعروف خلال السنوات الخمس التالية التي سميت (سنوات الفتنة)، وانتهت بنهاية أسيفةٍ يحزن لها كل مسلم بالسبة للإمام علي رضي الله عنه.. لكنها ـ على الطرف الآخر ـ انتهت بوصول معاوية إلى منصب الخلافة الذي لم يكن يطمح إليه، أو يعتقد أنه جدير به بالنسبة لمكانة الإمام علي وغيره من عليه الصحابة.
لكن هذه السنوات الخمس بخاصة ـ وما قبلها حين كان واليا ـ أثبتت أنه (رجل دولة وصانع حضارة).
وقد أشار إلى هذه الحقيقة الإمام ابن تيمية في الجزء الثالث من منهاج السنة.. حين قال: "لم يكن من ملوك الإسلام في زمان ملك من الملوك خيرا منهم في زمن معاوية إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده، وإذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل" ـ كما أخرج البخاري في التاريخ الكبير عن همام بن منبه أنه قال: "سمعت ابن عباس يقول: ما رأيت أحدا أخلق للملك من معاوية، إن كان ليرد الناس منه على أرجاء وادٍ رحب، ولم يكن كالضيق الخضخض الحصر (أي قليل الخير)!!
معاوية ويزيد والملك العضوض
على امتداد الصفحات التي كتبها شيخنا الدكتور القرضاوي عن (الدولة الأموية) والتي تجلت فيها روح الإنصاف ـ بصفة عامة ـ بقي موقف الشيخ واحدا ثابتا من معاوية، ويزيد ابن معاوية، وقضية اختيار معاوية لابنه يزيد خليفة له، وهو اختيار حول النظام السياسي الإسلامي في الحكم من نظام (الشورى) إلى نظام (الملك الوراثي العضوض).. [وهذه ـ عند الشيخ ـ هي أكبر خطيئة ارتكبها معاويه..] وكذلك بقيت نظرته ثابتة إلى المفاضلة بين علي ومعاوية (رضي الله عنهما) على أساس أن عليا ـ في كل صفة ـ أفضل من معاوية في كل صفة (وهذا ما لا نقره عليه) فعلي في جملته أفضل دينا و دنيا من معاوية، لكن كلا منهما يتميز ببعض الصفات التي قد تكون الحاجة إليها ماسة في بعض الظروف، يفضل فيها الآخر أخاه.. وتلك هي سنة الله في خلقه (غير المعصومين)..
وقد أشار إلى أفضلية معاوية في بعض الصفات كثير من المؤرخين دون حرج أو تأثم.. وقد ورد ذلك ـ صراحة ـ في بعض النصوص.. ومن المعروف المجمع عليه تقريبا (ودعك من الباطنية) أن (أبا بكر) أفضل صحابة الرسول ـ عليه السلام ـ ويليه عمر ... ويليه عثمان، ثم علي (رضي الله عنهم جميعا)...
وهذا يعني وجود نوع من المقارنة والتمايز والتفاضل دون أن يعني ذلك الانتقاص من قيمة كل منهم.. فماذا علينا أن نقول: إن صحابيا من أكبر الصحابة مثل معاوية يتميز عن الإمام علي في جانب من الجوانب، وماذا علينا أن نرى أن (معاوية). [وعشرات النصوص تقول ذلك صراحة أو على استحياء..] أقدر من باب صناعة الحضارة وقيادة الأمة ومواجهة التحديات؟! بينما نؤمن بأن الإمام عليا وكثيرين من أصحابه لديهم الكثير جدا مما يمكن أن يتفوقوا فيه على معاوية (رضي الله عن الجميع) وفي كل خير!!
ـ وإلى جانب هذا الرأي الذي يتصل بملكات علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ وتفوق كل منهما في جانب من الجوانب ـ نتساءل: ماذا علينا أن نقدم (وجهة نظر أخرى) تضاف ـ بل وتُثري ـ وجهات النظر التقليدية الموروثة حول القضيتين اللتين يُحسبان على معاوية..
ولو تعمق أخي العالم الفاضل الشيخ (القرضاوي) في الأسلوب الذي عرضت به القضيتين الخطيرتين اللتين بدأت حديثي بأنهما (يحاسب عليهما معاوية).. وهما ترشيحه لابنه يزيد كي يلي الأمور من بعده (فتحولت الخلافة إلى ملك عضوض!!)، و( عدم جدارة يزيد، فقد كان هناك من هم أجدر منه) لعرف أنني لم أتعصب لرأي معين.
ومن الطريف أنني لم أدل فيهما برأي قاطع وإنما أثرت القضيتين ـ بهذا الأسلوب ـ سعيا للتنبيه على ضرورة إعادة البحث في (تاريخنا المفترى عليه)، وعلى أساس الأخذ في الاعتبار بكل الاجتهادات والآراء والظروف التي أحاطت بالواقعة ـ اتفقنا معها أو اختلفنا ـ وإلا فنحن سنبقى واقفين عند الآراء الشائعة، مضيفين في كل بحث من بحوثنا، افتراءا جديدا على عظماء تاريخنا، مصورين إياهم تصويرا (باطنيا) يسعى إلى إدانة جيل الصحابة كله، وهم خير القرون.. حتى ولو كنا نقف موقف الدفاع عنهم ـ في ظاهر الأمر ـ !!
وعلى سبيل المثال.. فإن التكرار غير الواعي لمصطلح (الملك العضوض) يجرد نظام الحكم القائم على (الوراثة) و (الشورى المحدودة) من كل الحسنات ويجعله (سُبَّة دائمة)، خضوعا لبعض التجارب الديمقراطية المعاصرة التي بدأت تترنح مظهرة طابعها الشعاراتي الماسوني الإلحادي الظلوم.
ومع إخلاص هؤلاء الذين يدينون (الملك العضوض)، ولا يفرقون بينه وبين (الملك الجبري الظالم) الذي يمثله أصحاب الطبيعة الثورية الوحشية من قدامى ومعاصرين.. مع إخلاص هؤلاء للإسلام ولتاريخه وحاضرته (وعلى رأسهم أستاذنا وصديقنا الشيخ القرضاوي) فإنهم يوجهون سهم كبيرا لتاريخنا ـ يخدم الأعداء ـ حين يعالجون أمر نقل السلطة بهذه الطريقة (العائلية) أو (الملك العضوض).. ناسين أن تاريخنا ـ في معظمه ـ قد سار على هذا النمط.. وهو ـ ككل النظم ـ له سلبياته وإيجابياته، بيد أن إيجابياته ـ على علاته ـ أفضل بكثير من النظم الرئاسية والثورية الهائجة، كما أنه قد يمنع عن الأمة ويلات كثيرة عند (فاصل) انتقال السلطة، بدون ضوابط (وراثية)، لاسيما وأن الأمة الإسلامية لم تبدع (النظام البديل) الذي يمنع وقوع الفتن، ويداول السلطة دون حروب ودماء وفاقا لنظام سياسي صارم يحكمه الدستور والقانون!!
وقد كان الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ على علمه وفضله ـ يقول معجبا وناقدا لتاريخنا بالجملة: كيف يمكن أن يحكم تاريخنا أربع أسر؟ فقلت له: إن هذه الأسرات الكبرى الحاكمة هي التي قادت صناعة الحضارة الإسلامية.. فالأمويون هم فاتحو العالم، والعباسيون هم صناع الحضارة الذين قال عنهم (ول ديورانت) في موسوعته (قصة الحضارة): إن إشعاعات علوم العباسيين ومعارفهم سادت العالم لعشرة قرون ـ أي بعد سقوطهم بأربعة قرون (وأنت لا ترى فيهم إلا أنهم أسرة وراثية حاكمة!!) وأما الأيوبيين ، فقد صدوا الغزوة الصليبية، كما أن العثمانيين حموا العالم الإسلامي ونشروا الإسلام لخمسة قرون!!
فجوهر القضية ليس في الآليات ـ فحسب ـ بل إن الثمار والنتائج يجب أن تؤخذ في الاعتبار..
مرة أخرى.. ما زلتُ أدعو إلى تشريح نظامنا السياسي الإسلامي تشريحا جديداً يجمع بين المثال والممكن، ولئن كان بعضهم يحاول إخضاعه الآن للديمقراطية المعاصرة، فأولى بنا أن نحلله تحليلاً ينسجم مع تجربتنا في التاريخ ـ في الإطار الذي تقبله الشرعية والثوابت وفقههما والطبيعة العربية والإسلامية.. وإلا فإننا ـ (من حيث لا ندري وبإخلاص تام كما كان الأمر بالنسبة للشيخ الغزالي، وبما يفهم من كلام أستاذنا الشيخ القرضاوي) سننتهي من تحليلنا إلى إدانة أكبر مساحة زمنية وإيجابية في تاريخنا.. ونكون ـ بالتالي ـ قد اتفقنا مع الذين يعمدون إلى تشويه هذا التاريخ، ونكون قد قدمنا مزيدا من الافتراءات على هذا التاريخ!!
والعبرة ـ في النهاية ـ ليست وقفا على جانب واحد من جوانب الحضارة؛ بل إنما تقوم الأمور بمجموع فعالياتها وآثارها.
ونحن نظن أن الشيخ (محمد الخضري) كان يدور في فلك هذه الرؤية الهادفة إلى إنصاف (الأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي) ـ مهما يكن ثمة مآخذ على أسلوبها السياسي في تولي السلطة وانتقالها ـ حين صرح في كتابه عن (الدولة الأموية، ص447، 448، نشر دار القلم بمصر) بأن فكر معاوية في اختيار الخليفة حسن جميل ما دام لم توضع (قاعدة الانتخاب الخلفاء)، ولم يعين أهل الحل والعقد الذين يرجع إليهم الاختيار وقد فعل معاوية ما يظهر معه أنه لم يستبد بالأمر دون الأمة.
لكن الناس ـ مع ذلك ـ انتقدوه في أنه استهان بأولئك النفر الذين لم يرضوا ببيعة يزيد، وهم من سادة الأمة.
وأنه اختار ابنه للخلافة، وبذلك سن في الإسلام سنة الملك المنحصر في أسرة معينة، بعد أن كان أساسه الشورى ويختار من عامة قريش، وقالوا إن هذه الطريقة التي سنها معاوية تدعو في الغالب إلى انتخاب غير الأفضل الأليق من الأمة.
ثم يعقب الشيخ (محمد الخضري بك) على هذه المآخذ قائلا:
أما رأينا في ذلك فإن هذا الانحصار كان أمرا لا بد منه لصلاح أمر المسلمين وألفتهم ولم شعثهم فكلما استعت الدائرة التي منها يختار الخليفة كثر الذين يرشحون أنفسهم لنيل الخلافة، وإذا انضم إلى ذلك اتساع المملكة الإسلامية وصعوبة المواصلات بين أطرافها وعدم وجود قوم معينين يرجع إليهم الانتخاب فإن الاختلاف لابد واقع.
وأعظم من ينتقد معاوية في توليه ابنه هم الشيعة مع أنهم يرون انحصار ولاية الأمر في آل عليّ، ويسوقون الخلافة في بنيه يتركها الأب منهم للابن، وبنو العباس أنفسهم ساروا على هذه الخطة فجعلوا الخلافة حقا من حقوق بيتهم لا يعدوهم إلى غيرهم!! (محمد الخضري: الدولة الأموية ـ طبع دار القلم، ص:447، 448).
أما العلامة عبد الرحمن بن خلدون فيقدم تحليلا رائعا في مقدمته [ص 228، 333، نشر دار الجيل بيروت] حول استخلاف معاوية لابنه يزيد، وهو تحليل يعالج النقطتين اللتين أشرنا إليهما معا (الملك العضوض، وشخصية يزيد) وأظن أن تحليل العلامة ابن خلدون يكفيني في الرد على أستاذنا الشيخ القرضاوي الذي بلغ به (حماس الشباب المنصرم) أن يقول عبارات (عفا الله عنه فيها وما كان أغناه عنها) والتي نقتطف منها العبارات التالية:
يقول الشيخ القرضاوي: ومما نأسف له هنا أن الكاتب (يعني العبد الفقير لله) حاول أن يتمحل (!!) للتهوين من الأموين المعترض عليهما، وهما:
ـ تحويل الخلافة إلى وراثة وملك عضوض.
ـ وعدم جدارة يزيد لمنصب الخلافة، فقد كان هناك من هم أجدر منه، وهما أمران في غاية الوضوح لمن تأمل وأنصف واعتراف بالواقع.
وقول: (فما بال الدكتور/ عويس يقول: إن الإسلام لم يلزم في أصول الحكم فيه بنظام معين!! أي أنه يريد أن يضفي الشرعية على النظام الوراثي).
ويقول: (وقد أخسر عويس الميزان في هذا الأمر، ليتحدث عن الخروج الانقلابي الثوري، وإحداث الفتن، كأن كل همه أن يثبت شرعية يزيد بن معاوية، ويدين الحسين بن علي).
ويقول "ومما قاله عويس: وأيا ما كان الأمر، فلم يكن يزيد كما وصفوه: بل هو من الطبقة الأولى من التابعين، وعنه قال عبد الله بن العباس "إذا ذهب بنو حرب ذهب علماء الناس"!!
ويقول الشيخ القرضاوي أيضا: (وقال عويس: وقد علمه أبوه (أي معاوية) العدل، والإنصاف، والتواضع، وأرسله لغزو القسطنطينية سنة 49هـ، وقد شهد له محمد بن الحنفية، ودافع عنه، إلخ.
ويقول الشيخ القرضاوي: (وكم كنت أحب أن يكون أخونا د. عويس في هذه الموضوعات التاريخية الشائكة: قاضيا محايدا، بدل أن يجعل من نفسه محاميا متحمسا للدفاع عن موكله حيال خصومه، وفي غمرة الحماس والاندفاع يفقد الموضوعية والحياد) (القرضاوي: تاريخنا المفترى عليه، ص292: 294).
إن المؤرخ والفيلسوف العظيم ابن خلدون ـ من خلال النصوص التي سنقتبسها منه ـ هو خير من يرد على (رؤية الشيخ القرضاوي) بأسلوب المؤرخ المستوعب للظروف كلها، بشتى أبعادها، وبالتالي يلتمس العذر لمعاوية دون أن يقول: إن هذا هو بالضبط المنهاج المثالي للإسلام في الحكم.. ونحن أيضا لا نقول بهذا..
وما يقدمه ابن خلدون يوجهنا إلى ضرورة البحث المتأني ومعالجة الأمور في ظل ملابساتها، كما يوجهنا إلى الانفتاح الكامل على كل الآراء، دون نسيان الأصول الشرعية، رافضين للمبدأ القائل أن هناك أوضاعا ووقائع وأشخاصا وقضايا يجب أن يصادر حق البحث فيها وأن تبقى بعيدة عن مجال الدراسة أو محاولة الإنصاف (!!) أو حسب (نصيحة) أخينا الشيخ القرضاوي بالامتناع (عن الدفاع عمن لا يستحق الدفاع) وبالتالي فكل إثارة لمشكلاتنا المزمنة تهدف إلى فتح آفاق بحثية جديدة تعد ـ من وجهة نظر شيخنا القرضاوي: (تمحلا) !! و (إخسارا في الميزان) و (حماسا واندفاعا يؤديان إلى فقدان الموضوعية والحياد)!!
ـ إننا يؤسفنا أن نقول: إننا لا نقبل هذه النصيحة لا شكلا ولا مضمونا، ولا نملك إلا أن نقول للشيخ الجليل: سامحك الله.. لقد ضيقت واسعا!!
إن مؤرخنا العظيم ابن خلدون ـ حين يتكلم في هذه القضية ـ يؤكد في البداية أنه لا يجوز أن يظن (بمعاوية) توليته ليزيد وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق ـ (حاشا لله لمعاوية من ذلك) ـ والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية؛ إذ بنو أمية يؤمئذ لا يرضون سواهم وهم عصابة قريش، وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره دون غيره، ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع".
ـ ولا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك.
ـ وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجل من ذلك، وعدالتهم مانعةٌ منه، وفرار عبد الله بن عمر من ذلك محمول على تورعه من الدخول في شيء من الأمور مباحا كان أو محظورا كما هو معروف عنه ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا (ابن الزبير) وندور المخالف معروف ثم إنه وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به مثل عبد الملك وسليمان من بني أمية والسفاح والمنصور والمهدي والرشيد من بني العباس وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين، والنظر لهم ولا يعاب عليهم إيثار أبنائهم وإخوانهم وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك، فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء، فإنهم كانوا عن حين ـ أي في ظروف ـ لم تحدث طبيعة الملك، وكان الوازع دينيا فعند كل أحدٍ وازع من نفسه فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط، وآثروه على غيره ووكلوا كل من يسموا إلى ذلك إلى وازعه.
ـ وأما من بعدهم من لدن معاوية فكانت العصبية أشرفت على غايتها من الملك، والوازع الديني قد ضعف واحتج إلى الوازع السلطاني والعصياني، فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبية لردت ذلك العهد وانتقض أمره سريعا وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف(..)
ـ أفلا ترى إلى المأمون لما عهد إلى علي بن موسى بن جعفر الصادق وسماه الرضا كيف أنكرت العباسية ذلك، ونقضوا بيعته، وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدي، وظهر من الهرج والخلاف وانقطاع السبل وتعدد الثوار والخوارج ما كاد أن يصطلم الأمر حتى بادر المأمون من خراسان إلى بغداد، ورد أمرهم لمعاهده، فلابد من اعتبار ذلك في العهد، فالعصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الأمور والقبائل والعصبيات، وتختلف باختلاف المصالح، ولكل واحد منها حكم يخصه لطفا من الله بعباده (المقدمة دار الجليل 234).
ولا أدري ـ بعد هذا العرض الرائع من ابن خلدون ـ هل يمكن أن تطلق هذه (النعوت) التي أطلقها الشيخ القرضاوي على شخصي الضعيف، كذلك على المؤرخ وفيلسوف التاريخ ومؤسس علم الاجتماع (العمران) العلامة ابن خلدون؟.. وهل يمكن أن تطلع على العشرات من المؤرخين الذين عالجوا الأمور بأناة وروية ـ دون زعم بأنهم يقولون الكلمة النهائية والأخيرة ـ وإنما هي اجتهادات من الاجتهادات، وآراء من الآراء تُضاف إلى الآراء الأخرى التي يمكن أن تشكل في مجموعها الرؤية القريبة من الموضوعية.. فالكلمة النهائية في هذا الأمر الغيبي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالي.
وأيضا هل يمكن كذلك أن تطلق هذه الصفات أو النعوت على كل مؤرخ حاول تقديم مساحة من الضوء على شخصية محكوم عليها (بالإعدام المعنوي النهائي) مثل شخصية (يزيد ابن معاوية) أو (الحجاج الثقفي).. أو غيرهما من تلك الشخصيات التي يبدو لي ولكثير من المؤرخين الملتزمين بالحق والعدل أنه صدرت ضدهم (أحكام) لا تسمح بتقديم أية تفسيرات موضوعية لسلوكهم..!!
وبالنسبة ليزيد بن معاوية ـ بخاصة ـ فقد شكك في كثير مما نسب إليه كثيرون ـ منهم ـ إلى جانب ابن خلدون ـ الإمام أبو حامد الغزالي، وابن الصلاح وأبو بكر بن العربي، وشمس الدين أبي عبد الله محمد بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة 953هـ، والذي كتب كتابه المعروف (قيد الشريد من أخبار يزيد) [بتحقيق الدكتور كرم حلمي فرحات، نشر دار عين بالقاهرة ط1/ 2005]، يدافع فيه عن يزيد، ويقدم بعض الحقائق حول ما يريد بعضهم تثبته حول مسئولية يزيد (الكاملة) عن قتل الإمام الشهيد (الحسين بن علي) وشماتته في قتله، وعبثه بأسه ومسئوليته (الكاملة) عن موقعة (الحرة) وعدم معالجة الأمور بالقسط، للوصول إلى نسبة محددة في المسئولية.. (ذلك أن القول بعدم المسئولية نوع من التدليس لا نقبله ولا نقره) فمسئولية يزيد قائمة لا يمكن المماراة فيها.. لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل ظروف الطرف الآخر ومستوى نصيبه من المسئولية.. لأن هذا هو (القضاء العادل)، وهو (المنهاج الموضوعي) في التقويم التاريخي والعلمي..!
ونقدم هنا ـ باختصار ـ بعض النصوص المتصلة بيزيد، التماسا لتخفيف الحكم ـ لا لإلغائه ـ وكذلك تعميقا لمنهجية (العدل الموضوعية والحيدة) في البحث التاريخي، بعيدا عن ضغط العواطف والأحكام المطلقة والموروثة، التي يقف وراء كثير منها أصحاب النزعات الباطنية وأعداء بني أمية من أبناء الدول والثقافات التي هزمها بنو أمية.. قادة الفتوحات الكبرى في تاريخ الإسلام.
ونبدأ بالنص الأول، أو بالشهادة الأولى، وهي لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت 505هـ) فقد سُئل حجة الإسلام عمن يصرح بلعن يزيد بن معاوية، هل يحكم بفسقه أم لا؟ وهل كان راضيا بقتل الحسين بن علي أم لا؟ وهل يسوغ الترحم عليه أم لا؟ فلينعم بالجواب مثابا، فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلا، ومن لعن مسلما فهو الملعون، وقد قال صلى الله عليه وسلم (ليس المسلم بلعان) وكيف يجوز لعن المسلم وقد نهينا عن لعن البهائم، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة، بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد صح إسلام يزيد بن معاوية، وما صح قتله الحسين، ولا أمر به، ولا رضاه بذلك، ولا كان حاضرا حين قتل، ولا يصح ذلك منه، ولا يجوز أن يظن ذلك به، فإن إساءة الظن أيضا بالمسلم حرام.
وقد قال الله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرا مِّن الظَّنِّ إنَّ بعضَ الظَّنِّ إِثمٌ} (الحجرات: 12)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم [إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه، وأن يُظن به ظن السوء] (متفق عليه).
من زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به فينبغي أن يعلم أن به غاية الحماقة، فإن من قتل الملوك والأمراء والكبراء بحضرتنا، لو أردنا أن نعلم حقيقة الأمر: من الذي أمر بقتله، ومن الذي يرضى به ومن الذي كرهه، لم نقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جوارنا وزماننا ونحن نشاهده، فكيف بمن قتل في بلد بعيد، وفي زمن بعيد (تهذيب الإحياء 2/52، عبد السلام هارون) نقلا عن: (ابن طولون الصالحي ـ قيد الشريد، ص 119ـ 121) [وهي شهادة علمية تدلّ على عقلية أبي حامد الغزالي الفذة!!].
وفي فتاوى الشيخ (تقي الدين بن الصلاح) مسألة: هل يعتقد أن يزيد بن معاوية أمر بقتل الحسين بن علي ورضي به طوعا منه لا كرها واختار ذلك؟
ـ أجاب: لم يصح عندنا أنه أمر بقتل الحسين رضي الله عنه، والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله (كرمه الله) هو عبيد الله بن زياد والي العراق إذ ذاك.
وأما سبّ يزيد ولعنه فليس ذلك من شأن المؤمنين، وإن صحّ أنه قتله أو أمر بقتله (ابن طولون قيد الشريد، ص123).
قال الحافظ أبو القاسم التيمي الطلحي الأصبهاني في كتابه (الحجة في بيان المحجة) فصل في ذكر يزيد بن معاوية وحاله، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة) وإنا بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعم من أي يبايع رجل على بيعة الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني والله لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفصيل (أي القطيعة) بيني وبينه (قيد الشريد ـ ابن طولون، ص129).
وقال عبد الرحمن بن أبي مذعور: حدثني بعض أهل العلم قال: آخر ما تكلم به يزيد بن معاوية: (اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه، ولم أرده واحكم بيني وبين عبيد الله بن زياد) (ابن طولون ـ قيد الشريد، ص111)!!
وهذه النقول ـ وغيرها كثير ـ ما أردت منها اتخاذ موقف معين، ولا التعصب لبعض بني أمية أو لكلهم، وما أردت ـ علم الله ـ تبرير أخطائهم وتحويلها إلى قاعدة، وما أردت تفضيل نظام (الأسرات الإسلامية) على النظام الراشدي، أو على أي نظام إسلامي سياسي يصل إليه (الفقه الإسلامي المعاصر) يأخذ بأكبر قدر من الشورى، ويعبر عن أكبر قدر من أبناء الأمة أو الوطن، ويكون محكوما بالإسلام لا بضغوط الفكر الليبرالي الديمقراطي الذي افتضح أمره في التجربة الأمريكية المعاصرة (عصر بوش وحربه العالمية الديمقراطية على الإسلام والمسلمين باسم الديمقراطية، بينما هو أكبر خائن للديمقراطية في داخل أمريكا وخارجها)..
كما أن أهل البيت لهم مكانتهم التي لا يمكن مقارنتها بالأمويين أو غيرهم (فحبهم دين ونحن نتعبد لله بالصلاة عليهم).
وإنما أردت من كل ما سقته الدفاع عن وجهات النظر الأخرى التي يراد مصادرتها، وإصدار (صكوك حرمان) بشأنها، فالبحث التاريخي والإنساني لا يعرف هذا الحرمان.. وصفحات التجديد والرأي فيه موصولة دائما وباقية ما بقي العقلُ يعمل والتطور يتلاحق.
وكل ذلك يصب في مصلحة تجربتنا الحضارية الإسلامية في التاريخ، [وهذا بيت القصيد] حتى تبقى بين الخلف والسلف وشائج الحب والتقدير في إطار الاعتراف باحتمالات الخطأ والصواب التي تفرضها الطبيعة البشرية!!
 
 
 
 
 
 
 
الأقليات الدينية المعترف بها رسمياً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية
الجمعة 19 يناير 2007
الأقليات الدينية المعترف بها رسمياً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية
د. يحيى داود عباس
أستاذ اللغة الفارسية بجامعة الأزهر
مختارات إيرانية عدد 76
[ طبعاً أهل السنة في إيران ، لا يتمتعون بعشر ما تحصل عليه هذه الطوائف والأقليات !! ولذلك فأهل السنة يطالبون النظام الشيعي في إيران بمساواتهم باليهود والزرداشيتون المجوس!!! الراصد ]
تحظى أربع أقليات دينية برعاية الحكومة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الوقت الحاضر، وتؤكد الحكومة الإيرانية أنها مكلفة بالحفاظ على حقوق هذه الأقليات، وعلى حريتها الدينية، وعلى توفير الأمن لها. وهذه الأقليات تتمتع ـ في إطار القوانين الإسلامية ـ بحريات ثقافية واجتماعية وسياسية شأنها في ذلك جميع أفراد وطبقات الشعب الإيراني، وهذه الأقليات هي: الأقلية اليهودية، الأقلية المسيحية (آرمن وآشوريون)، والأقلية الزرادشتية.
وفي الدستور الإيراني الحالي مادة كاملة (المادة الثالثة عشرة) عن هذه الأقليات نصها: "الإيرانيون الزرادشت، واليهود، والمسيحيون هم وحدهم الأقليات الدينية المعترف بها، وتتمتع بالحرية في أداء مراسمها الدينية ضمن نطاق القانون، ولها أن نعمل وفق قواعدها في الأحوال الشخصية والتعاليم الدينية".
وطبقاً للمادة (67) من الدستور فإن نواب الأقليات الدينية يؤدون اليمين الدستورية، مع ذكر كتابهم السماوي الخاص بهم. كما وافق مجلس الشورى الإسلامي مؤخراً على أن تكون فدية الأقليات هي نفس فدية المسلمين. هذا فضلا عن أن المادة التاسعة عشرة من الدستور الحالي تنص على تمتع أفراد الشعب الإيراني ـ من أية قومية أو قبيلة ـ بالمساواة في الحقوق، وعلى أن اللون أو العنصر أو اللغة أو ما شابه ذلك لا تعتبر سبباً للتفاضل والتمايز.
ولهذه الأقليات دور للعبادة خاصة بها، ومدارس ومعارض ونقابات ومؤسسات خيرية وكتب ومطبوعات (صحف ومجلات)، ودور لنشر وتوزيع الكتب الدينية.
أولاً: اليهود:
علاقات إيران باليهود قديمة، فالإمبراطور كوروش (550 ـ 529ق.م) مؤسس الإمبراطورية الأكمينية (الهخامنشية) (550 ـ 330 ق.م)، قام بتحرير بني إسرائيل من السبي البابلي، وبنى لهم مدينة خاصة بهم في غرب إيران، واستفاد مهم في بناء حضارة دولته. انصرفوا هم إلى التجارة والصناعات الأساسية وتحقيق الثراء عن طريقهما.
ويقول البعض ومنهم مؤرخو الفرس إن كورويش سمح لهم بالعودة إلى فلسطين مرة أخرى، وإنه أعاد اثنان وأربعون ألفا من بني إسرائيل، ومعهم سبعة آلاف من الغلمان والحواري، وسمح لهم ببناء معبد في بيت المقدس، كما أمر بإعادة الأواني الذهبية والفضية إلى بيت المقدس، وكان "بختصر" قد أحضرها معه.
إلا أن البعض الآخر ومنهم الدكتور "محمد خليفة حسن" يذكر أن اليهود لم يستجيبوا لدعوة كورويش لهم بالعودة، لأن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والدينية كانت قد استقرت تماماً في بلاد ما بين النهرين.
وقد أتاح لهم الحكم الفارسي الجديد التخلص من الحكم البابلي، وأصبحوا خاضعين مباشرة للفرس الذين انتهجوا سياسة متسامحة مع اليهود.
كما يذكر الدكتور خليفة أن العصر الفارسي من أهم عصور الازدهار في الحياة اليهودية، وأن الحياة اليهودية زاد استقرارها في بلاد الإمبراطورية الفارسية، وبخاصة في منطقة ما بين النهرين وفي فارس ذاتها. وقد حقق اليهود مكانة اقتصادية كبيرة، وتقلدوا بعض المناصب الكبيرة وبخاصة في البلاط الفارسي.
وقد اكتسب الملك كوروش محبة اليهود الذين نظروا إليه على أنه "مسيح مخلص". وقد سار معظم ملوك فارس على سياسة كوروش في تعاملهم مع اليهود في بلاد الإمبراطورية. ومع ظهور الإسلام وانتشاره في بلاد المشرق ومن بينها إيران واصلت الجماعة اليهودية حياتها المستقرة، وحقق اليهود في إيران نجاحاً كبيراً. ووصل أحدهم إلى منصب الوزارة في عهد الإيلخانيين (الأسرة المغولية التي أسسها هولاكو خان في إيران وظلت تحكم من عام 654هـ إلى عام 754هـ) وهو "سعد الدولة اليهودي" طبيب ووزير أرغون (682 ـ 690هـ) الذي تميز حكمه بمحاباة اليهود. وقد شهدت الفترة الممتدة من القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر اعتناق أعداد كبيرة من يهود إيران للإسلام، وذلك لأسباب اجتماعية واقتصادية. كما شهدت الطائفة اليهودية في إيران بداية من منتصف القرن التاسع عشر ظاهرة اعتناق بعض اليهود للبهائية.
ومع تزايد قوة الحركة الليبرالية في إيران مع بدايات القرن العشرين طرأت تحولات عديدة على أوضاع اليهود في إيران، فقد تحسن الوضع الثقافي لليهود، وتنوعت أنشطة اليهود الاقتصادية، واشتغلت أعداد منهم بالجيش وفي كافة الأجهزة الحكومية، واحتل بعضهم مكانة اقتصادية هائلة في الدولة. وقد شارك اليهود بقوة في الحياة الاقتصادية في عهد "محمد رضا بهلوي" مع ازدهار الاقتصاد الإيراني على أثر ظهور البترول. واشتغل كثير من اليهود في مجالات: السياحة والفندقة والطب والصيدلة والمحاماة والتدريس بالجامعات.
ومن العوامل التي ساعدت اليهود على الاندماج في المجتمع الإيراني اعتناق كثير من اليهود للبهائية من منتصف القرن التاسع عشر، وحرض الغالبية اليهودية على إخفاء انتماءاتهم الدينية من خلال تغيير الأسماء، أو اعتناق الإسلام، أو قطع الصلة بالطائفة اليهودية، وكان الهدف من إنكار الهوية الدينية تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
وقد أنتج اليهود الإيرانيون أدباً باللغة الفارسية شأنهم شأن اليهود في كل بلاد العالم الإسلامي، وذلك بعد أن تأثروا بالبيئة الثقافية الفارسية، وانعكس هذا التأثر في أدبهم سواء كان منظوماً أو منثوراً وتعد الأعمال الأدبية ليهود إيران وما وراء النهر والتي كتبت باللغة الفارسية والخط العبري وتسمى بالآداب الفارسية اليهودية فرعاً من فروع الأدب الفارسي، ويشكل الشعر لب الأدب الفارسي اليهودي، لكنه لم يكن مرتبطاً بالبلاط الفارسي. وقد تمت الاستفادة من النثر في ترجمة الكتاب المقدس وتفسيره ورواية الحكاية والقصص، والموضوعات العلمية والحكمية والمواعظ الدينية.
وقد ترجم سفر إستر ومزامير داود والتوراة إلى الفارسية اليهودية، ومن المعروف أن الشاه عباس الأول (996ـ 1038هـ) هو الذي أمر بترجمة مزامير داود، وأن نادر شاه الأفشاري (1734ـ 1747م) هو الذي أمر بترجمة التوراة ومزامير داود والإنجيل والقرآن إلى اللغة الفارسية، وقد تمت ترجمة التوراة ومزامير داود على يد اليهود بالخط العبري واللغة الفارسية، ثم حولها أحد الخطاطين الإيرانيين إلى الخط الفارسي.
كما ألفت معاجم عبرية بالفارسية اليهودية وكتب طبية وأغاني شعبية، ونظمت أشعار بالفارسية اليهودية في موضوعات تدور حول تاريخ اليهود وديانتهم، كما نظمت أشعار صوفية، ومن أشهر شعراء إيران اليهود: شاهين الذي يعد أو شاعر يهودي نظم الشعر الفارسية اليهودية، وإنتاجه الشعري ينحصر في موسى نامه ـ أردشير نامه ـ مزرا نامه قصة يوسف وزليجا المعروفة بـ أحسن  القصص.
والشاعر عمراني وهو ثاني شاعر سطع في سماء الأدب الفارسي اليهودي بعد شاهين، ومن أعماله الأدبية: فتح نامه، كتاب الفتح، وهو عبارة عن منظومة يتجاوز عدد أبياتها الخمسة عشر ألف بيت، ومنظومة ساقي نامه، وهي منظومة غنائية صوفية تأثر فيها بحافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي وعمر الخيام، ومنظومة كنج نامه، كتاب الكنز، التي سجل فيها عمراني أقوال عظماء اليهود ونصائحهم في كل مكان بلغته هو، والمنظومة تحتوي على أكثر من خمسة آلاف بيت.
كما أغرم يهود إيران وما وراء النهر بأشعار الشعراء اليهود في إسرائيل والدول الأخرى، وأحيانا توضع ترجمة منظومة بالفارسية تحت كل بيت شعر عبري، كما أنشد بعض يهود إيران شعرا بالعبرية. كما أغرموا بقراءة أشعار شعراء إيران الكبار مثل: الفردوس ـ سعدي ـ صائب التبريزي ـ عرفي، وغيرهم، ويتضح من المخططات أنهم نقلوا إنتاج هؤلاء الشعراء إلى الخط، العبري منذ زمن بعيد والتعاون بين الشاه محمد رضا بهلوي (1941ـ 1979) واليهود معروف وثابت، فقد أبرم الشاه اتفاقيات اقتصادية وثقافية وإعلامية مع إسرائيل، وكان هناك تعاون بين جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) وجهاز الساداك الإيراني، وكانت إيران أول دولة في المنطقة تؤسس فيها منظمات صهيونية مؤثرة وفاعلة، أصبحت فيما بعد نواة للحركة الصهيونية في المنطقة، وقد توترت العلاقات بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران (11/2/1979م)، وقطعت إيران علاقاتها مع الكيان الصهيوني في إسرائيل، واستدارت الثورة على قيادات اليهود ممن كانت لهم علاقات مشبوهة مع الإسرائيليين، وتم اعتقال بعض اليهود بتهمة التجسس لحساب إسرائيل.
لكن بعد أن اتضح الخط العام للثورة، فرقوا في إيران بين اليهودية والصهيونية، ويمارس اليهود الآن نشاطهم بحرية في المجتمع الإيراني، ويتجلى هذا في احتفالاتهم وأعيادهم وفي مدارسهم التي يتم فيها تعليم الخط واللغة والتاريخ والفن والموسيقى اليهودية.
ولليهود في إيران حوالي (43) كنيسة، ولهم مقابر خاصة بهم، وتوجد في إيران بعض مقابر أنبياء بني إسرائيل وحاخامات الدين اليهودي منها: مقبرة النبي دانيال في شوش، ومقبرة النبي حبقوق في مدينة تويسركان، ومقبرة إستر ومردخادي في مدينة أصفهان، ومزار صارح ابنه أشر بالقرب من مدينة أصفهان.
ويقيم يهود إيران في عدة مدن إيرانية هي: همدان ـ أصفهان ـ شيراز ـ شوش ـ شوشتر ـ نهاوند ـ كاشان ـ طهران، ولهم في هذه المدن روابط ينتخب أعضاؤها انتخاباً مباشراً، وجمعيات ومؤسسات خيرية تلعب دوراً بارزاً في حل المشكلات الاجتماعية والصحية والاقتصادية لليهود منذ فترة طويلة.
ويحصل يهود إيران على عطلات رسمية في أعيادهم ومناسباتهم، وعطلة عيد الفصح تصل إلى أسبوع كامل.
ولقد شارك اليهود ـ مثل سائر أفراد الشعب الإيراني ـ في الحرب الإيرانية ـ العراقية، وقتل منهم عدد من الأفراد أثناء المعارك.
وجدير بالذكر أن اليهود يملكون داراً للنشر تسهم بدور كبير في نشر الكتب والأبحاث بجميع اللغات في إيران، وهي دار "بروخيم".
ومن المعروف أن الرئيس الإسرائيلي الحالي (موشيه كاشاف) من يهود إيران، وقد قال في تصريح نشرته له جريدة الأهرام في (3/5/2006م) إنه يكن كل مشاعر الاحترام والتقدير لتاريخ إيران وثقافتها، وقال أيضاً، قد ولدت بإيران، وعاشت عائلتي هناك لأكثر من 2500عام.
وطبقاً لآخر إحصائيات أجريت، بلغ عدد اليهود الإيرانيين حوالي خمسين آلف نسمة، يمثلهم في مجلس الشورى الإسلامي عضو واحد.
 
ثانياً: الأرمن:
الأرمن من الأقليات المسيحية التي استوطنت إيران منذ أمد بعيد، فقد انتشرت المسيحية في إيران في عصر الأشكانيين (250ق.م/ 226م)، وكان للدين المسيحي أتباع منذ القرن الأول الميلادي فيما بين النهرين وغرب إيران، وزاد عدد المسيحيين في إيران في العصر الساساني (224/652م) نتيجة للحروب التي دارت بين الفرس والرومان، ونتيجة لعمليات الأسر الجماعي وتمركز الأسرى المسيحيين في مناطق معينة، كما أن انتشار المسيحية في أرمينيا كان من أسباب انتشارها في إيران وعندما طرد النسطوريون من روما في القرن الخامس الميلادي استوطنوا ما بين النهرين وإيران، وانشأوا مدارس خاصة بالمسيحيين في عهد أنوشروان (531/579م)، واشتهرت هذه المدارس بتدريس العلوم الطبية.
وبعد الفتح الإسلامي لإيران، وبعد انتشار الدين الإسلامي فيها، ساعد المسيحيون العرب في إدارة شئون إيران، وكان منهم الأطباء والمستشارون والمترجمون وكتاب الدواوين والمؤدبون ولم يمنع الإسلام قيام علاقات اجتماعية واقتصادية بين المسلمين وأهل الكتاب أو أهل الذمة، والذمة هي "العهد" عهد الله ورسوله وجماعة المسلمين، وقرر الإسلام لأهل الكتاب حرية التعبد وإقامة الشعائر في بيعهم وكنائسهم، كما قرر أن تصان حرماتهم، وتؤدى الأمانات لهم، وأن يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ولهم ما يسمى حديثا بحقوق المواطنة.
ومن عوامل زيادة عدد المسيحيين في إيران تغير الأوضاع السياسية في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي في روسيا وتركيا، فهاجر عدد كبير من مسيحيي هاتين الدولتين إلى إيران بسبب سوء المعاملة.
وقد مرت بالأرمن فترات عصيبة في العصر الصفوي (906/1148هـ) فقد أمر الشاه عباس (996ـ 1038هـ) الذي كان في حالة حرب مع السردار العثماني سنان باشا في أذربيجان وأرمنسنان ـ بتدمير جميع المدن والقرى التي يقيم فيها الأرمن، وبتهجير السكان عنوة إلى مدن أخرى، وقد تعرضت هذه المدن وهذه القرى للسلب والنهب، وذلك لأن هذه المدن وهذه القرى تقع في طريق الجيش العثماني، وكان الشاه عباس يهدف من ذلك إلى حرمان الجيش العثماني من الطعام والماء والعلف. وتم تهجير عائلات أرمنية كثيرة إلى مختلف المناطق في إيران وبخاصة: أصفهان وجيلان، واستقر ما يقرب من ثلاثة ألاف أسرة على ضفاف نهر "زاينده رود" في أصفهان، وتفرقت مجموعات أخرى من الأرض في البلاد، وسكنوا القرى والقصبات الواقعة بين أصفهان وشيراز، واعتنقت مجموعة منهم الإسلام بعد جيلين، وذابوا في السكان الذين عاشوا معهم، إلا أن الشاه عباس تعاطف مع الأرمن المسيحيين في وقت لاحق، وبنى لهم مدينة "جلفا" على ساحل نهر زاينده رود، وهي المدينة المعروفة بـ :"جلفا أصفهان". إحياء لذكرى جلفا، كما ساعدهم في بناء العديد من الكنائس في أصفهان، وشاركهم في أعيادهم ومناسباتهم، وفي ظل تعاطفه مع المسيحيين فتح الباب على مصراعيه أمام القساوسة والمبشرين الأوروبيين لنشر الدين المسيحي في إيران ويرى البعض أن الشاه عباس كان يخطب ود الأوروبيين لاستمالتهم إليه ضد العثمانيين.
ومعظم الأرمن الإيرانيين يعتنقون المذهب الجريجوري ، وهو فرع من فروع الدين المسيحي، ولهم مطلق الحرية في إقامة احتفالاتهم ومراسمهم التي تقام في مناسبات مختلفة، وتقوم الإذاعة وكذلك التليفزيون في إيران بنقل أجزاء ومشاهد من هذه المراسم.
وللأرمن في إيران عشرات الكنائس والمدارس، ولهم صحفهم الخاصة بهم والتي تصدر باللغة الأرمنية. ولهم عطلاتهم الرسمية ونواديهم الرياضية المجهزة بأحدث الأجهزة الرياضية، ولهم جمعياتهم الخورية ومراكزهم الثقافة، ومعظم كنائسهم مسجلة في فهرس الآثار الإيراني الوطني.
وللأرمن الإيرانيين عضوان في مجلس الشورى الإسلامي، أحدهما عن أرمن طهران والشمال، والآخر عن أرمن أصفهان وجنوب إيران والأرمن تجار أغنياء، ولهم دور بارز في تطوير الصناعات الفنية الدقيقة الخاصة بالمجوهرات والآلات الدقيقة، ويساهمون في الصناعات البترولية.
وقد شارك الأرمن في الحرب الإيرانية ـ العراقية، كما شارك صناعهم في إعادة بناء المناطق المنكوبة، وعدد الأرمن في إيران ـ طبقاً لأخر إحصائية ت يتراوح بين 200و 250 ألف أرمني، ينتشرون في أصفهان وطهران وتبريز ورضائية ورشت وهم قوم مسالمون لا يحبون إثارة أية مشكلات مع أي نظام يحكم إيران، على الرغم من كونهم من أكبر الأقليات الدينية في إيران.
وقيل إن الأرمن أسسوا أول مطبعة في إيران في عام 1938م، ولهم متحفان شهيران: الأول: المتحف الموجود داخل كنيسة "وانك" الشهيرة في أصفهان، والذي تم بناؤه عام 1905م، وبه أكثر من 700 مخطوطة، وأول كتاب تم طبعه في إيران من قبل الطائفة الأرمنية، وأول مصحف شريف تمت طباعته في إيران، والثاني: المتحف الموجود داخل كنيسة مريم المقدسة في تبريز، ويحتفظ في هذا المتحف بمخطوطات نفيسة باللغة العربية والفارسية والأرمنية، وعملات وفصوص خواتم وأوان مختلفة.
ثالثاً: الآشوريون:
الأشوريون من أقدم الطوائف التي استوطنت إيران، فقد أغار شابور الثاني الساساني (310/379م) على مدينة أورها (الرها) التي كانت تحت سيطرة الرومان، واحتلها وجلب عدداً كبير من الآشوريين إلى إيران، وهذه المجموعة من الآشوريين هم الذين أنشأوا مدارس عديدة في جندي شابور وهرات وطوس. وعكفوا على نشر العلم، إلى أن حظي الأشوريون بحريات واسعة في عهد يزدجرد الثاني (399ـ 420م)، وأسس الآشوريون العديد من الأديره والصوامع في مختلف بقاع إيران، وواصل أثرياء الآشوريين نشر العلم وتأسيس المدارس، وفي عهد أنوشروان، وجهت الدعوة إلى الأساتذة الأشوريين المقيمين في نصيبين وأورها (الرها)، لكي يتوجهوا إلى "جندي شابور للتدريس في جامعتها. وكان هؤلاء الأساتذة يقومون بتدريس علوم: الطب والنجوم، والرياضيات وقواعد اللغة. وفي القرن السادس الميلادي أسست إيران جامعة في نصيبين وعهدت إلى الأساتذة الآشوريين بالتدريس فيها، ولم يقتصر دور الآشوريين على تقديم الخدمات العلمية، بل شاركوا الإيرانيين في الصراعات العسكرية، كما أنشأ الآشوريون مدارس في أرومية ومغان وضواحي خراسان وهرات وخوزستان وطوس ونيشابور في ظل الحكم الإسلامي.
ولقد حظي الآشوريون في عصر الشاه عباس الصفوي (996ـ 1038هـ) الذي وطد صلته بالمسيحيين الأوروبيين، وتعاطف مع جميع المسيحيين في إيران، وكان يشاركهم مناسباتهم الدينية. واختار فتحعليشاه القاجاري (1212ـ 1260هـ) فتاة آشورية زوجة له، وكون من الآشوريين فرقتين من المتطوعين لشهرتهم في القتال والصمود.
وفي عهده قدمت إلى إيران عدة إرساليات مسيحية، مما كان سبباً في تقسيم الآشوريين إلى أربعة مذاهب لكل مذهب منها كنيسة مستقلة.
وللآشوريين مدراسهم وجمعياتهم الخيرية وروابطهم ونواديهم الرياضية الخاصة بهم في طهران العاصمة وأرومية وعدة مدن أخرى، وللأشوريين نشاطهم السياسي في إيران التي توجد بها مندوباً وأحداً يمثلهم في مجلس الشورى الإسلامي ويقدر عددهم في إيران بحوالي (50 ألف آشوري).
رابعاً: الزرادشتيون:
الزرادشتيون هم الإيرانيون الذين يعتنقون الديانة الزرادشتية التي كانت الديانة الرسمية في إيران قبل الإسلام، وهي الديانة التي أسسها زرادشت في إيران في القرن السادس أو السابع قبل الميلاد، وهي ذات ملامح ثقافية فقد جعل زرادشت أساس ديانته وجود إلهين متنازعين أحدهما إله للخير وهو: أهورامزدا، والأخر إله للشر هو: أهريمن، وقد دعا زرادشت الناس إلى حب الخير وفعله، وإلى العمل على التغلب على الشر، واعتبر النور خيراً والظلمة شراً، وقسم جميع الأشياء إلى نوعين متضادين أحدهما للخير والآخر للشر، وكان زرادشت مؤمناً بالبعث والجزء في الآخرة.
وقد بقيت هذه الديانة منتشرة في إيران من القرن السادس قبل الميلاد إلى ما بعد ظهور الإسلام، ثم أخذت تتلاشى تدريجيا وحل محلها الإسلام، لكن لا يزال لها أتباع في إيران والهند، ومن تقاليدهم الغربية أنهم لا يدفنون موتاهم، بل يتركونهم في أبراج مكشوفة معرضة جثثهم للطيور الجارحة التي سرعان ما تلتهمها.
والزرادشتيون الذين اعتنق بعضهم الدين المسيحي في العصر الساساني (224/652م) أحرار في إقامة مراسمهم الدينية في قاعات خاصة، ولهم معابد نار أثرية يمتد تاريخها إلى ما قبل الإسلام، ولهم جمعياتهم الخاصة بهم في طهران العاصمة وفي سائر المدن التي يقيمون فيها، مثل: خراسان ـ كرمان ـ بزد ـ زاهدان، ولهم مدارسهم الخاصة التي يتعلم فيها أبناؤهم تعاليم الدين الزرادشتي.
والزرادشتيون يشاركون في الأنشطة السياسية شأنهم شأن بقية أفراد المجتمع الإيراني، ولهم ممثل في مجلس الشورى الإسلامي، لإبلاغ طلباتهم ورغباتهم ووجهات نظرهم إلى أعضاء المجلس، وطبقاً لأخر الإحصائيات، فإن عدد الزرادشتيين بلغ في إيران في الوقت الحاضر حوالي (50 ألف) زرادشتي معظمهم من التجار وأصحاب البساتين. وجدير بالذكر أنه عقد في طهران مؤخراً مؤتمر دولي للزرادشتيين حضره معتنقو الديانة الزرادشتية من أرجاء العالم كافة.
المراجع:
1ـ الأدب الفارسي عند يهود إيران ت جمع وتحقيق: أمنون نتضر ترجمة: د/ محمد نور الدين عبد المنعم القاهرة ـ 2000م.
2ـالدستور الإيراني.
3ـ اقليتهاي مذهبي وجمهوري إسلامي إيران: يحيى داود عباس ـ 1990م.
4ـ القوميات والأقليات الدينية في إيران (دراسة تاريخية) د/ إبراهيم المغازي ـ القاهرة ـ 1992م.
5ـ إيران: حسن محمد جوهر ـ محمد مرسي أبو الليل، القاهرة 1969م.
6ـ سرزمين ومردم إيران: عبد الحسين سعيديان ـ 1378هـ. ش ـ طهران.
 
 
 
عبادة الأنثى
الأحد 24 ديسمبر 2006
عبادة الأنثى
أسامة الغزولي
روز اليوسف ـ العدد 4068 ـ (27/5) ـ (2/6)/ 2006 بتصرف
"يطرح هذه المقال وجهة نظر حول قضايا المرأة والحركة النسوية في العالم وتأثر مصر بها.. وقد نختلف مع الكاتب في بعض آرائه ونتفق مع البعض الآخر، إلا أننا ننشر المقال نظرا لأهمية القضية التي يطرحها وما يحتويه من معلومات وأفكار جديرة بالنقاش.. كما أننا نفتح الباب للحوار حول المقال لكافة الأطراف"
هل هناك علاقة بين الحركة النسوية العالمية Feminism وبين ظاهرة آكلي لحوم البشر وغيرها من الظواهر المرضية التي تنتشر في أوروبا وتهدد بالانتقال إلى بقية أنحاء العالم؟ لقد عرفنا حركة تحرير المرأة في مصر منذ مطلع القرن التاسع عشر عندما قدمها لنا الشيخ محمد عبده وقاسم أمين اللذان وضعا ـ معا ـ دستور النهضة النسوية التي انتصرت بانتصار الحركة الوطنية في 1919 وتعالت معدلات صعودها بتأسيس جمهورية يوليو.
لماذا لم نرتجف رعبا عندما قرأنا ما كتبه دعاة تحرير المرأة من الرجال والنساء؟
هناك من اعترض على تحرير المرأة وعلى مجرد خروج المرأة من بيتها ناهيك عن توليها مناصب وزارية لكن لم يقل أحد أن هذه الأمور ترتبط بظواهر مرضية مخيفة مثل أكل لحوم البشر وتقديم الأضحيات البشرية والشذوذ الجنسي زيادة العنف الأسرى وتشرد الأطفال وسعار الاستهلاك وفقدان الحياة الإنسانية لقيمها العليا؟
فما هو الجديد؟ ما الذي يدفعنا الآن لدق أجراس الخطر وللربط بين ظواهر لا يبدو أن بينها أي نوع من الارتباط؟
عقيدة عبادة الأنثى
لقد عرض قبل أيام، في مهرجان كان، فيلم مأخوذ عن رواية "دان براون" الشهيرة "شيفرة دافنشي" ليشاهده ـ عندما ينتقل إلى دور العرض السينمائي التجاري وإلى الفضائيات المخصصة لعرض الأفلام ـ مئات الملايين من البشر.
وإن كنت أعتبر أن الفيلم والرواية التي أخذ عنها أحدث حلقة سلسلة دعائية في الحرب المطولة ضد المجتمع الذكوري فإن هذا الفيلم لم يكن الأكثر تمثيلا للثقافة النسائية في مهرجان كان.
فبناء على الرسالة التي وصلت إلى جريدة القبس الكويتية من مراسلها في كان الصحفي والأديب والصديق صلاح هاشم فإن فيلم "العودة" للمخرج الإسباني بدرو المودفار (اسم إسباني أصله العربي هو المظفر) كان أروع أفلام الدعاية الأنثوية في هذه الاحتفالية السينمائية العالمية.
 أن الرواية الحقيقية للمرأة قد تخرج من إسبانيا التي حكمها العرب ثمانية قرون لأن الحضارة العربية ـ الإسلامية تركت تحت تراب إسبانيا وفي عروق أبنائها وبناتها الموروث الأقدر على تحرير المرأة وهو موروث يختلف عن التصورات الوثنية التي تقوم عليها عقيدة الأنثى المقدسة في رواية "شيفرة دافنشي" والتي هي تهديد لا للمسيحية ولكن للحضارة الإنسانية، باعتبار أن المجتمع الذكوري هو الحضارة الإنسانية.
وقد وزعت الرواية، حتى الآن، عشرات الملايين من النسخ فاعتبرت مجلة تايم أن مؤلفها واحد من مائة مؤلف ومفكر وداعية هم الأكثر تأثيرا في الحضارة البشرية، لأن روايته التي انتشرت هذا الانتشار الواسع هي، في حقيقتها، إنجيل عقيدة دينية هي عبادة الأنثى.
وتروج الرواية لعقيدة عبادة الأنثى ونجمتها الخماسية ورمزها السري المركزي الذي هو الزهرة. ويأتي ظهور هذه الرواية وانتشارها بعد أن بلغت الحركة النسوية Feminism مبلغا كبيراً على أرض التطبيق العملي وبعد أن بدأ انحسارها مع ظهور سلبيات التطبيق والدعوة إلى مراجعة مبادئها وكبح جماحها فجاءت هذه الرواية ـ وروايات أخرى وأفلام سينمائية ـ تحاول أن تعطي دفعة قوية للنسوية بأن تضفي عليها الصبغة الدينية.
تدور الرواية حول لغز الكأس المقدسة الذي يعالجه الفنانون والشعراء في العالم المسيحي منذ قرون: هل الكأس المقدسة هي تلك الكأس التي شرب منها المسيح في العشاء الأخير؟ أم هي امرأة مقدسة حملت سر المسيح ونقلته إلى الأجيال التالية؟
الإجابة عن هذا السؤال موجودة ـ في العالم الخيالي الذي نسجته الرواية ـ في وثائق تخفيها جماعة سرية اسمها "رواد صهيون" نشأت في القرن الحادي عشر بهدف المحافظة على الوثائق التي تحدد ماهية الكأس المقدسة.
تولى قيادة هذه الجمعية رجال عظماء كان منهم ليوناردو دافينشى واسحق نيوتن وفيكتور هوجو وهؤلاء جميعا من الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بعقيدة عبادة الأنثى.
وأحب هنا أن أشير إلى أمرين يتعلقان بالتفاحة والزهرة وكلاهما من رموز عقيدة الأنثى المقدسة أولهما أن قصة غريبة ترددها البشرية، جيلا بعد جيل، تقول لنا أن اسحق نيوتن اكتشف قانون الجاذبية عندما سقطت فوق رأسه تفاحة.
التفاحة التي فتحت لنا طريق المعرفة باكتشاف أهم قوانين الحياة، قانون الجاذبية، هي أقدم رمز ارتبط بأمنا الأولى حواء وعندما قدمت حواء التفاحة لآدم فتحت له الطريق إلى المعرفة. وتقول التوراة: وعرف آدم حواء والمعرفة هنا تتحقق بالجنس وهذا طقس من الطقوس التي تحافظ عليها عقيدة عبادة الأنثى، فالمعرفة السامية لا تتحقق إلا بممارسة الجنس وفي بعض الجماعات الوثنية القديمة والمعاصرة فإن المعرفة بالحق والوصول إلى النور لا يتحققان إلا بالخطيئة وليس فقط بالجنس، بل بأسفل أنواع الجنس.
والمسألة الثانية التي أحب أن أشير إليها هي أن فيكتور هوجو عندما قابل جمال الدين الأفغاني سأله: ما أكمل ما في الوجود؟ فرد الأفغاني قائلا: الزهرة.
وقد كان الأفغاني عضوا في المحفل الماسوني الاسكتلندي، معقل عبادة الأنثى، وعندما قال إنه ترك الماسونية فأنا استقبل هذا القول بالشك.
لكني أضيف أن صمويل هنتجتون يرفض نموذج جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده لأنهما يأخذان من الحضارة الغربية ما يناسب الشرق ويرفضان ما لا يناسبنا.
نعود إلى الرواية لنجد أنها تروي مأساة آخر رئيس (افتراضي) لجمعية رواد صهيون السرية الذي كان أحد مديري متحف اللوفر وكيف أن عضو جمعية كاثوليكية متشددة اسمها أوبوس دي (عمل الرب) قتله وقتل ثلاثة آخرين كانوا يحرسون سر الكأس المقدسة بعد أن أبلغه الأربعة بمكان الكأس. لماذا قتلهم؟
الكأس المقدسة
لأنه بذلك يصبح المالك الوحيد للسر فإذا وضع يده على الكأس المقدسة أمكنه أن يبيع الوثائق كما تزعم الرواية للفاتيكان الذي لا يريد لأحد أن يطلع على سر الكأس المقدسة.
والسر هو أن الكأس هي امرأة تزوجها المسيح وحملت منه والفاتيكان لا يريد لأحد أن يعلم ذلك، كما تزعم الرواية، لأن الكاثوليكية عقيدة قامت على احتقار المرأة وعلى اضطهادها ولو عرف المسيحيون أن المسيح تزوج وأنجب فإن احتقارهم للمرأة سيضعف الكنيسة التي هي، في هذه الرواية، مؤسسة ذكورية تنطوي على رموز وممارسات وثنية، وتحرير البشرية من هذا كله يتحقق بالتخلص من هذه المؤسسة الذكورية المتجبرة.
وتتعامل الرواية مع سلالة المسيح المزعومة باعتبارها سلالة ملكية فالمسيح، كما جاء في الإنجيل، هو ملك اليهود وهو من سلالة داود الملكية. والأسرة الملكية التي تقول الرواية أنها من سلالته وأنها تعيش لليوم هي سلالة مسيحية يهودية وهذا ينسجم مع تصور مسيحيي أمريكا لأنفسهم.
وهنا حقيقتان مهمتان: أولاهما أن الرواية تنطوي على نزعة ملكية تلمح إلى الحركة الرجعية العالمية التي أصبح مركزها في واشنطن والتي تسعى لهدم الميراث الديمقراطي للثورة الفرنسية بما في ذلك سيادة القانون بدليل الاعتقال بدون قرينة وبدون حقوق قانونية للمعتقل كما يحدث لسجناء جوانتانامو وأبو غريب. كما تسعى للتمييز العنصري بين البشر بدعوى صراع الحضارات وأفضلية الجنس الأبيض. لكن أهم ملامح الانقلاب على تراث الثورة الفرنسية تتجلى في التراجع عن فكرة دولة المواطنين واستبدالها بفكرة دولة دافعي الضرائب التي حولت الوطن إلى سوق كبيرة ونسفت فكرة المواطن وحرمته من أي حق لا يملك أن يدفع ثمنه بالأسعار العالمية.
والحقيقة الثانية أن أجواء الرواية والكلام عن سلالة ملكية للمسيح تنسجم مع الخلط الواضح بين الدين والسياسة في الغرب والشرق وهو ما قد يمهد لعودة فكرة الحكم بالحق الإلهي وأفكار المسيحية ـ اليهودية السائدة في أمريكا وتصوراتهم لمستقبل الأرض المقدسة (فلسطين) ليست بعيدة عن ذلك.
إن حركة الانقلاب على الثورة الفرنسية حركة قوية وقد اعترف الأفاق العبقري سلفادور دالي في مذكراته بأنه ينتمي إليها ويجب أن ننظر إلى أي هجوم على فكرة الدولة الوطنية Nation State وفلسفتها العلمانية باعتباره جزءا من الارتداد عن موروث الثورة الفرنسية.
ولهذا فإن أول مشهد يظهر فيه بطل الرواية دان براون في أحد فنادق باريس (مدينة النور ومعقل الحرية) هو في غرفة نوم أثاثها من طراز لويس السادس عشر الذي أعدمته الثورة، والذي يسميه دعاة الملكية "الملك القديس".
لكن الاهتمام الرئيسي للرواية يبقى تمجيد المرأة ورمزها التاريخي مريم المجدلية التي تزعم الرواية أنها لم تكن مجرد عاهرة دعا المسيح للعفو عنها، بل كانت زوجته المطهرة التي حملت في أحشائها "سر المسيحية" مجسدا في سلالة المسيح، وبالتالي كانت الكأس أو القنينة التي استقر فيها السر المقدس.
فهل سر عقيدة كبرى يتجسد في سلالة؟ أم في أرواح وعقول شجاعة تتوارث الدفاع عن الحكمة والرحمة نقلا عن عيسى المسيح أو عن أخيه ومكمل رسالته محمد صلى الله عليه وسلم.
لا تهتم الرواية بالمسيحية بقدر ما تهتم بالأنثى المقدسة ويكون ذلك بالأسلوب القصصي المشوق الأخاذ الذي لن تجده عند أعظم وأرقى المدافعات عن Feminism من طبقة بيتي فريدان أو سيلفيا آن هيوليت أو حتى جيرمين جرير في مرحلة النضج. والعقيدة الأنثوية كما ازدهرت في أوروبا وأمريكا ليست كما زعمت هؤلاء الكاتبات المناضلات من أجل فكرة عقيمة. ليست هذه العقيدة مجرد رفض لظلم يقال أنه لحق بالمرأة عندما انتزع منها سلطانها مع ظهور المجتمع الأبوي فأصبح من الضروري إنشاء نظام اجتماعي جديد بمؤسسات جديدة وتقسيم جديد للعمل وللامتيازات على أساس المساواة الكاملة بين النوعين.
العقيدة الأنثوية في الغرب الصناعي هي في الأصل، نفور من القسوة الذكرية، كما تجسدت في الحربين العالميتين الأولى والثانية، هاتان الملحمتان المرعبتان نقلتا عبادة الأنثى من الكهوف السرية للجماعات الوثنية إلى حركة علنية على الساحات الاجتماعية.
وفي فترة الحرب الثانية خرجت النساء إلى العمل واخترن المواقع التي أخلاها الرجال الذين ذهبوا إلى ميادين القتال. في الوقت نفسه فإن الحركتين الشيوعية والنازية جيشتا المجتمعات واعتبرتا أن الإنسانية منخرطة، برجالها ونسائها في معركة إنتاج السلع والخدمات. ولم تشأ الرأسمالية أن تتخلف عنهما بحجب حق العمل عن النساء، نصف قوة العمل في أي بلد.
لكن الشيوعية والفاشية بتوجهاتهما المادية والنفعية مهدا لشيء آخر بالغ الخطورة حيث تجرآ على العقائد الدينية والروحية ومهدا بذلك لإيقاظ النزعات الوثنية عند الأوروبيين وهي قوية في كل أنحاء أوروبا، وإن كانت أقل قوة في المناطق الأرثوذكسية في الشرق، خاصة في روسيا وفي جنوب أوروبا الكاثوليكي والأرثوذكسي، على السواء
وقد لاحظت بعد حياة طويلة في الغرب أن أوروبا الغربية والشمالية والوسطى ليست مسيحية الروح، إنها مسيحية في الظاهر وثنية في الباطن. انتبهت إلى ذلك عندما عشت أكثر من عشر سنوات في لندن وكنت ألاحظ أن الاحتفال بالكريسماس ليس احتفالا بمولد المسيح (له المجد) بل إن أسلوب البريطانيين في الاحتفال به يجعله أقرب إلى الاحتفال بقيامة أوزوريس أو أدونيس. إنه احتفال يمتزج فيه العنف البدني باللذات الحسية الطبيعية والشاذة.
وفي ميدان بيكاديللي حيث ينتصب تمثال إيروس، إله الرغبة الجنسية عند الإغريق، وفي ميدان الطرف الأغر حيث يعلو رمز آخر للجنس يجتمع في الكريسماس وفي ليلة رأس السنة رجال ونساء من كل الجنسيات ليقضوا الليالي التي يفترض أنها مقدسة في ممارسات غير مقدسة.
هذا العنف الوثني الاحتفالي المبتهج باللذات الحيوانية وثيق الصلة بالعنف الوثني الحربي الذي تجلى في الحربين العالميتين وفي معسكرات الاعتقال وحملات الإبادة العرقية الألمانية التي راح ضحيتها البولنديون والسوفييت واليهود والغجر والشواذ والشيوعيون.
الأمير الضفدع
والذكر في الوعي الغربي هو مركز كل هذا الدمار ويعالج كتاب تحويل الرجال Transforming Men  الذي ألفه جيف دينش الأصل الأسطوري لرؤية الغرب للذكر المتوحش وكيفية ترويضه وتحويله إلى كائن اجتماعي راق، من خلال الزواج.
الكتاب كله مخصص لتحليل حكاية صغيرة عن الأمير الضفدع الذي يعيش في الغابة وتلتقطه أميرة جميلة رقيقة طيبة وتمنحه حبها وتأخذه إلى قصرها رغم اعتراض الأب، وعندما يقبل الضفدع حبها وأخلاقها يتحول إلى إنسان، إلى أمير جميل.
الضفدع هو الذكر الخشن قبل أن يهذبه الزواج والغابة هي حياة العزوبية واللامسئولية والقصر هو بيت الزوجية، حيث تنشأ الحياة الاجتماعية وتزدهر الأخلاق.
وقد أشار دينش إلى أن ربط البشاعة بالذكر والرقة الحكيمة بالأنثى أمر تكرر في أعمال كثيرة مثل، "أحدب نوتردام" تأليف فيكتور هوجو و "الجميلة والوحش" وكذلك "شبح الأوبرا".
لكن انفجار القسوة الكونية في الحربين العالميتين مثل مناسبة ملائمة لعابدى الأنثى وكهنتها الأقوياء ليربطوا هذا بالذكورة وليس بوحشية الصراع الرأسمالي الإمبريالي على المستعمرات.
وكان الهجوم على الذكورة مركز حركة أوسع اسمها "ما بعد الحداثة". ماذا تفهم من هذا الاسم؟ يقول لنا الفنان الناقد عادل السيوى في مجلده "عين ـ فنون تشكيلية": في الفترة التالية للحرب العالمية الثانية، ومع حساب الخسائر والضحايا وتذكر حجم المجازر التي ارتكبها الإنسان التكنولوجي الحديث تلقت روح التطور وفكرة التقدم ضربات موجعة، ولم يعد الحديث عن صياغة تصور جديد وطليعي للعالم والإنسان أمرا يثير الحماس.
هذا هو تعريف عادل السيوى لما بعد الحداثة أو تصويره للسياق التاريخي الذي حاط بها، باعتبارها ردة عن قيم وأساليب العالم المعاصر وعودة إلى روح عصر النهضة الوثني الذي يمجد الجسد ويكرس عبادة جديدة هي عبادة الفن.
لكن عبد الوهاب المسيري ينظر إلى ما بعد الحداثة لا باعتبارها ارتدادا عن العالم المعاصر إلى قيم النهضة الوثنية في أوروبا، فقط، بل باعتبارها هدما للنظام الحضاري بأكمله لتنكمش الحدود ويغيب المركز بعد أن يضعف، كما جاء في كتابه: "اليد الخفية، دراسة في الحركات اليهودية الهدامة والسرية".
ويبدو من قراءة هذا الكتاب أن يهود المارانو الذين أجبروا على اعتناق المسيحية بعد سقوط الحضارة العربية المتسامحة في الأندلس لهم دور كبير في نشر هذه الأفكار الهدامة.
فهذه الطائفة كانت لها قيادات روحية نسائية بسبب ظروف التخفي التي فرضها عليهم المجتمع المسيحي، و يهود المارانو كانت حركتهم حرة وغير مقيدة، الأمر الذي جعلهم أقدر على تبني الأفكار والمعتقدات السرية التي فعلت فعلها في تغيير الحياة في العالمين المسيحي والإسلامي.
لكن النظر إلى التوجه العام للحضارة الرأسمالية الاستهلاكية يكشف عن أن عبادة اللذة أصبحت هي المبدأ الحاكم وهو ما ندركه بالنظر إلى المجتمع الاستهلاكي في عمومياته ودون حاجة للبحث في التفاصيل المحركة لهذه القوى السرية والخفية.
وقد أصبح الإنسان سلعة ضمن السلع وبشكل لم نعرفه في زمن الرقيق. عندما كانت لحياة العبد حرمة الحياة البشرية.
تيار ما بعد الحداثة الذي يهدم القيم لا يضرب سلطة المجتمع الذكوري وحده، بل يضرب السلطة المركزية للأخلاق أيضا.
وهكذا فالجسد البشري الذي يبيعه تجار الأزياء وأباطرة الإعلان وعمالقة تجارة الجنس ولصوص الأعضاء البشرية من قرنية العين إلى الكلى التي تباع كقطع غيار، هذا الجسد البشري لم تعد له حرمة.
فهو يعرض في الفاترينات في بعض بلدان أوروبا ويباع سرا أو علنا في كل عواصم العالم لممارسة الجنس الحرام أو يقطع وتباع أجزاؤه كقطع غيار.
وتعد ممارسة الجنس مع جثث الموتى شكلا من أبشع أشكال العبث بالجسم البشري. وتعرف باسم Neoropheleia ولها نواد في أوروبا الشرقية والغربية ولها مطبوعاتها التي تدل الراغبين على أماكن تواجد جثث لا تزال بها بقية من سخونة الحياة لممارسة الرذيلة مع الأموات نظير أجر معلوم. ومادامت الروح فكرة يرفضها من يرفضها فكيف لنا أن ندافع عن حرمة وقداسة الجسد البشري أمام هؤلاء؟
ونحن نفزع من أكلة لحوم البشر ونرتجف عندما نتابع محاكمة أرمن ما يفز الذي ذبح رجلا وأكله بعد أن اتفق الاثنان على ذلك. لكن هذا الفزع لا يمنعنا من إدراك انحطاط المجتمع الذي أفرز القاتل والقتيل.
القاتل والقتيل عاشا في مجتمع يشجع على الشذوذ ويقول بمبدأ اللذة على إطلاقه، ويعتبر الجسم الإنساني موضوعا Object يخلو من أية قداسة كأنه كوب أو إناء أو ورقة شجر.
وهو مجتمع فردي ـ تعاقدي فيما اتفق عليه فردان بالغان هو أمر مقبول أخلاقيا وربما قانونيا مادام يخصهما وحدهما.
أضاف إلى ذلك أن هذا المجتمع تعلم على يد سيجموند فرويد الفصل بين الجنس والتناسل، وهذا المبدأ هو أساس كل شذوذ جنسي، كما أنه مقدمة عزل وظيفة حفظ النوع عن مؤسسة الزواج، فإذا كانت حبوب منع الحمل هي بوابة تحرير النساء، بحيث لا ينفردن بحمل مسئولية ما يترتب على المشاركة الجنسية الممتعة بين الأنثى والذكر فمنع الحمل أو فصل الجنس عن التناسل هو الذي مهد لإنشاء آليات مستقلة عن الأسرة لإنتاج الأطفال.
عندئذ لا يبقى هناك داع للأسرة، ولا يبقى ضروريا أن يتحقق الإشباع الجنسي بطريقة تربط اللذة بالمحافظة على النوع.
وقد قال لنا أساتذة اللغويات "الألسنية" في الجامعة: إن كل عضو من الأعضاء التي يستخدمها الإنسان في الكلام له وظيفة أصلية غير الكلام".
فاللسان للتذوق والفم للطعام والأسنان للمضغ، بل إن أحد الأساتذة قال لنا إن الوظيفة الأساسية للأحبال الصوتية هي لسد مجرى الهواء عندما "نحزق" أو نستجمع قوتنا لرفع حمل ثقيل أو لدفع جسم ثقيل. وأنا أنقل كلام أستاذ اللغة كما هو مذكرا قرائي بأن هذا ليس كلام طبيب أو أستاذ في علم وظائف الأعضاء.
لكن المؤكد أن الإرادة وليس الحتمية البيولوجية هي التي تحدد للإنسان ما يفعله بأعضائه. والنظرة الإستعمالية للجسد الإنساني مظهر من مظاهر الوثنية التي لا تعترف بالروح. وهكذا أمكن استخدام مقولة فرويد التي تفصل بين الجنس والتناسل لتبرير سلوكيات غير حميدة.
هذه هي البوابة التاريخية للشذوذ. ألم يقل فلاسفة اليونان القدماء أن حب الذكر للذكر حب خالص لأنه لا يهدف إلى الإنجاب؟! كل هذه الأفكار تتفاعل الآن في المدينة الأوروبية المعاصرة التي هي أبعد ما تكون عن المدينة الفاضلة التي حلم بها أفلاطون! إنها مدينة الاستهلاك المسعور والوحشة.
وعندما أقرأ أو أشاهد ما يقال عن الظروف التي أحاطت بآكل لحوم البشر الألماني أتذكر ما قاله جيف دينش عن أثر الحركة النسوية على المجتمع وكيف تفككت الأسرة وعاد كثير من الشباب والرجال في الغرب الصناعي إلى الوحشة والوحدة وإلى المخدرات والجريمة والعنف والسجون.
نظرية دينش بسيطة فالمرأة هي التي تحمل وتلد وترضع وتربي وتعد الطعام والشراب. وسط هذا كله هي مركز الحب والحنان والدفء، والرجل غير مؤهل لمنافستها على هذا الدور، فيبقى له دور كئيب وغير جذاب يتمثل في خوض الصراعات وحماية الأسرة واختطاف لقمة العيش من نسور المجتمع وذئابه.
وإذا كانت المرأة تستأثر بالوظيفة الدافئة والمشبعة فهي تكافئ الرجل أو يكافئه النظام الذكوري بإعطائه المكانة المتميزة التي للرجال كحافز وحيد على الاستمرار في مهمة الأبوة وهي مهمة ثقيلة الوطأة.
وعندما فقد الرجل الغربي هذا الحافز شرد وأغرق نفسه في حياة باردة يائسة وعديمة المعنى وسعدت نساء كثيرات بحرية وهمية فاكتفين بعد الإنجاب بما يسمى Parent Family Single حيث تكون الأم رأس الأسرة وحدها، دون أب. وقد تكون معها صديقة طبيعية أو شاذة، وقد يكون للأم صديق يأتي وصديق يروح مع بقاء السلطة الأنثوية مركز حياة الأسرة.
وقد دفعت دولة الضمان الاجتماعي في الغرب ثمنا باهظا لغياب الأب عن طريق المشاركة في الإنفاق على الأطفال للتخفيف عن الأم المستقلة بنظام Child Benefit، ولكن دولة الخصخصة التي تحاول سحب كل نوع من أنواع الدعم تئن خزينتها الآن من هذه التكاليف وتضغط على الحركة النسوية للحد من غلواء الكراهية للرجال، ودفعه للهروب من البيت. لكن داعيات حقوق المرأة في مصر فيما يبدو مازلن عند النصوص والدعاوي التي راجت حتى منتصف التسعينيات وقبل أن تضغط ثورة اليمين التي فجرتها تاتشر وريجان على الحركة النسوية لتغيير أفكارها.
وبعيدا عن ببغاوات الحركة فإن الحركة النسوية في مصر تطالب بحقوقها من خلال الشرع والقانون وبما لا يخل أو يضر المجتمع.
الزاد الفكري الذي يقدم لببغاوات الحركة النسوية المصرية انتهت صلاحيته منذ عشر سنوات على الأقل.
الجائزة الكبرى
كما أن بعض داعيات حقوق المرأة في مصر في الغالب غير مدركات لعلاقة الحركة الأنثوية بهذه التيارات العدمية، لكن مأساة الثقافات التي تعيش على الترجمة هي أنها تنزلق دون وعي نحو الهاوية خاصة إذا كان الببغاوات يرددون ما يسمعون لقاء مساعدات أو حوافز مادية فلنحذر ولنحذر ببغاوات الترجمة من تدمير ثقافة مصر.
ما نشهده ليس سوى تكرار ببغائي بمقولات Gender Equlity التي خربت المجتمعات الغربية، وتوشك الآن أن تنتقل بالتخريب والتخريف إلى المجتمعات العربية.
 
 
 
مآل الإسلام في القراءات العلمانية
الخميس 26 أكتوبر 2006
مآل الإسلام في القراءات العلمانية
مآل الإسلام في القراءات العلمانية
د. أحمد إدريس الطعان
مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة الكويت
العدد 65 جمادى الأول 1427هـ
ملخص البحث:
        تتناول المشاريع العلمانية المختلفة الإسلام – بحسب خلفياتها الفكرية والأيديولوجية – تناولاً مختلفاً، ولكنها تتفق جميعاً على أمرين:
        الأول: أنهم جميعاً يتكلمون وكأنهم مختصون بتفسير الإسلام ومتبحرون في دراسة نصوصه، دون اعتبار لكونه ديناً له رؤيته ومصادره التي تحتاج إلى تخصص ودراية، وهي غير متوافرة لدى أصحاب هذه المشاريع.
        والأمر الثاني: أن هذه القراءات جميعها تتفق على طمس الإسلام الحقيقي الذي يدين به المسلمون جميعاً، واعتباره ديناً طواه التاريخ، وعفى عليه الزمن، وأصبح مجرد ذكرى، ومن ثم تسعى لابتكار إسلام جديد، لا يمت إلى الأول بأي صلة، حتى الاسم لا يراد له أن يستمر: لكي لا يفهم الآخرون أننا دوغمائيون ومتخلفون.
        وقد تتبعت المقولات المتصلة بالإسلام في هذه القراءات، وحاولت أن أعرض نصوصها بشكل موجز، ثم أحلت القارئ الذي يرغب بالتوسع أوالتوثق إلى مصادر هذه النصوص؛ ليراجعها في سياقاتها وإطاراتها الكاملة. كما أنني لم أعن في هذا البحث بمناقشة هذه الأطروحات لأسباب ثلاثة:
        الأول: أنها دعاوى مجردة عن الاستدلال، فهي مزاعم كبيرة جداً، بدون أي محاولة للبرهنة.
والدعـاوى إذا لم يقيموا
 
عليها بينات أصحابها أدعياء
        الثاني: أن أي مسلم – بل أي عاقل – لديه إلمام بالإسلام ومصادره وتاريخه يجد أن ما يطرحه هؤلاء العلمانيون لا يمت إلى الإسلام، وإنما هو تخرصات من وحي الفلسفة الغربية وحداثتها، تريد أن تتقمص شخصية الإسلام.
        الثالث: الهدف من هذا البحث هو وضع القارئ أمام التصور العلماني للإسلام، والمآل الحقيقي الذي ينتهي إليه، وفضح هذه المشاريع العلمانية وكشف الأقنعة التي تتستر بها، وتعريتها أمام الباحثين عن الحقيقة.
        ذلك أن الخطاب العلماني يدرس الإسلام وهو يستظهر الإيمان به كمقدس موحى به، ولكن التنقيب والاستقصاء يكشف أن المستبطن المولِّد يناقض ما هو معلن عنه نظرياً، وهكذا يكشف لنا البحث بالدرجة الأولى التناقض بين الظاهر والباطن في بنية المنظمة العلمانية، وهو ما يتنكر له الخطاب العلماني، إذا ما جوبه به ويعده اتهاماً وبحثاً عن النوايا، وتفتيشاً عن الضمائر، باختصار: البحث يريد أن يقول للناس: انظروا ماذا يقول العلمانيون عن الإسلام، وكيف يتعاملون معه، علماً أنهم يزعمون الانتماء إليه؟!
        وقد اعتمدت في هذا البحث على المصادر الأساسية والمباشرة للخطاب العلماني – إلا في حالات نادرة – وحرصت على أن أترك النصوص هي التي تتكلم، وأن يكون منهجي هو المنهج الوصفي الكشفي التركيبي؛ حتى لا أتهم بالتجني والتحامل.
        وها هنا ملاحظة مهمة أود أن ألفت النظر إليها لعلها تجنبني الكثير من النقد وسوء الفهم، وهي أنني في هذه الدراسة لم أتعامل مع الخطاب العلماني كأشخاص وأفراد متمايزين مختلفين، وإنما تعاملت معه كمنظومة فلسفية تنتهي إلى جذور واحدة، وتستند على أسس متقاربة، ولذلك تجنبت ذكر الأسماء غالباً في متن الدراسة، وأحلت إليها في الهوامش، ولذلك – أيضاً – كنت أنتقل من نص إلى نص – دون اعتبار لقائله – ما دام يتكامل مع غيره في داخل السياج الأيديولوجي العلماني.
        لقد أراد البحث إذن أن يكشف عن الوحدة المتخفية وراء التنوع والاختلاف في المنظومة العلمانية، وأن يصل على الجذور الكامنة وراء الأغصان والفروع، فالتيارات والمدارس العلمانية: الليبرالية والماركسية والحداثية والعدمية على الرغم من اختلافها إلا أنها تتفق إلى حد كبير كلما حاولنا الحفر في الأعماق للوصول إلى الجذور المادية والدنيوية التي تغذيها، ويكون الاتفاق أكثر وضوحاً حين يتعلق الأمر بالدراسات الإسلامية عموماً، وذلك بسبب التضاد المطلق بين هدف الرسالة الإسلامية وهدف العلمانية الغربية في التعامل مع أسئلة الإنسان الكبرى وقضاياه المصيرية.
        وقد جاء هذا البحث في ثلاثة مطالب ومطلب ختامي:
        المطلب الأول : تكريس تاريخية الإسلام القرآني.     
        المطلب الثاني  : ترويج الإسلام العلماني الجديد.
        المطلب الثالث : المرجعية النقدية للمسخة النقدية العلمانية.
        المطلب الختامي: النتائج.


 

المطلب الأول
تكريس تاريخية الإسلام القرآني
 
أولاً: التورخة في منظور حداثي:
        إن الموقف العلماني من الإسلام عموماً ليس مستغرباً إلا لكونه يصدر من أناس يقولون: إنهم مسلمون، ولكن إسلامهم ليس استثناءً بين الأديان، فهو ليس إلا مجموعة أساطير مخلوطة من أساطير الشعوب القديمة البابلية، والسومرية، والآشورية، والفرعونية([1])، وما هو إلا امتداد للأساطير والوثنيات السابقة كعبادة الإله بعل إله القمر، لذلك جاءت العبادة العروبية عبادة قمرية، وتحتفظ إلى اليوم بقدسية القمر، فالشهور قمرية، والتاريخ قمري، والصيام قمري، والزمن العربي كله قمري([2]).
        واحتفظ الإسلام ببعض الشعائر والطقوس من الجاهلية وأديان الشرق الأوسط القديم جداً: مثل الحج، والاعتقاد بالجن، وتقديس الحجر الأسود، والختان، وعذاب القبر، وبعض التصورات الأسطورية الأخرى، واستخدمها من أجل إعادة توظيف نتف متبعثرة من خطاب اجتماعي قديم، بغية بناء قصر إيديولوجي جديد([3]).
        وهكذا يقرر الخطاب العلماني بناء على ذلك: أن الرسالة المحمدية لم تكن أحسن حظاً من سابقاتها([4])، والإسلام "بالرغم من ادعاء الإسلاميين والمراقبين الذين ينسخون خطاباتهم دون أن يفككوا بناءها لا يفلت من قواعد التحليل التاريخ والسوسيولوجي، والأنتربولوجي والفلسفي بكل تأكيد"([5]).
        وهو – أي الإسلام – كظاهرة دينية لا يختلف عن بقية الأديان، وهو ما يتعارض مع الموقف الإيماني العقائدي الموروث([6])، ويعني أركون بأن الإسلام كبقية الأديان في الخضوع للتاريخية، بعكس ما يُنظِّر الفكر الدوغمائي الإيماني([7])، وهو سيخضع لمناهج التحليل التاريخي التي خضعت لها المسيحية، إذ أن الإسلام لا يختلف عن المسيحية في كونه يقع ضمن الإطار المعرفي للقرون الوسطى([8])، وسيصبح الإسلام بفعل تيار العولمة الذي لا يقاوم، وبفعل الحداثة المكتسحة "شيئاً بالياً، لا معنى له"، وسوف يتبخر ويذهب مع الريح([9])، وسينهار الإسلام المثالي، ويبقى الإسلام التاريخي للذكرى والدراسة فقط كما حصل للمسيحية([10])، ولكن يبقى منه أنه تجربة تاريخية علينا الاستفادة منها([11]). لأنه ظاهرة تاريخية طرأت على المجتمعات البشرية، وهو مثل الظاهرة الاقتصادية، أو الظاهرة السياسية، أو كغيره من الظواهر الاجتماعية، لا يجب أن ننظر إليه على أنه ظاهرة فريدة من الأديان([12]).
        كما ينبغي أن نعلم – بنظر أركون – أن الإسلام كأي عقيدة دينية أو غير دينية ما هو إلا نتاج القوى المحسوسة التي تشكله عقائدياً وأيديولوجياً([13]). "إنه نتاج الممارسة التاريخية للبشر، وبالتالي فهو يتطور ويتغير، إنه يخضع للتاريخية مثله مثل أي شيء على وجه الأرض، إنه ناتج عن الممارسة التاريخية لفاعلين اجتماعيين شديدي التنوع .. كما أنه ناتج عن فعل الشروط التاريخية الشديدة التعقيد عبر الزمان والمكان"([14]).
        وعلى ذلك فمن الخطأ: أن نؤقنم قيم الإسلام فننظر إليها على أنها حقائق مطلقة، ومن الخطأ أن ننتزعها من مشروطيتها التاريخية([15])، لأن الإسلام رسالة موجهة إلى أناس بأعيانهم في القرن السابع الميلادي، ولذلك نجد فيها ظواهر ميثالية تتناسب مع ثقافة ذلك العصر: كالجنة، وإبليس، والشياطين، والملائكة، والطوفان، وعمر نوح، وغير ذلك، وهي اليوم بعيدة عن التصورات الحديثة، وليست لها الدلالات ذاتها التي كانت موجودة في ذلك العصر([16]).
        وهو ما يعني أن الارتباط بالدين مشروط بالحالة التاريخية التي يعيشها المجتمع أو الفرد، فالمثقف المسيحي كان يؤدي كل طقوس دينه – حتى القرن التاسع عشر – ثم تحرر منها بعد الثورة التنويرية والثورة الصناعية، وهذا ما يتعرض له المسلم اليوم([17]).
        وهنا يرى أركون ومترجمه هاشم صالح أن تحقيق الإسلام لمهمته الروحية قد يحصل دون أن تؤدى الطقوس والشعائر بالضرورة([18])، ولذلك يجب تحرير الناس من العقلية الشعائرية([19])، فليس من الضروري أن يحتشد الناس جماعات في مسجد لإقامة الصلاة، ذلك أن الصلاة مسألة شخصية في الإسلام، كما في الديانات الأخرى"([20]).
        ولكي يتحقق ذلك لا بد أن نخرج من الدائرة العقائدية والمعيارية للإسلام الأرثوذكسي([21])، وإعادة تحديد الإسلام بصفته عملية اجتماعية وتاريخية من جملة عمليات وسيرورات أخرى، وبيان الأصل التاريخي للتصرفات والمعطيات والحوادث التي تقدم وكأنها تتجاوز كل زمان ومكان وتستعصي على التاريخ([22]). وهذه مهمة التاريخية وهي أن تقوم بالكشف عن السياق الاجتماعي والثقافي الذي يتولد عنه التراث وأسباب ذلك وأبعاده([23])، وإعادة تفسيره طبقاً لحاجات العصر([24]). وهذا الأمر يحتاج إلى جرأة في طرح الأسئلة على التراث، وجرأة في الإجابة عليها، مع الحذر من تأثير الإجابات الجاهزة([25])، لأن ما حفظ لنا من التراث هو التراث الرجعي([26]).
        وكل ما لدينا هو تقليدي الصورة مثل: تشكل المصحف، والشريعة، وشخصيات الصحابة والنبي [e]، ونريد الصورة التاريخية أي الحقيقية، العقلانية "كما فعل الغربيون بالنسبة للمسيحية الأولى([27]).
        إن الإسلام الشائع اليوم – بنظر أركون – هو الإسلام السني الأرثوذكسي وهو ليس إلا تنظيراً دوغمائياً جاء نتيجة سلسلة من الأعمال المنجزة تاريخياً([28])، ونفس الشيء يقال عن الإسلام الشيعي([29])، فلا يوجد إذن إسلام حقيقي "لقد خُرِّب تاريخ الإسلام وأفسد إلى الأبد"([30])، وما قُدّم إلينا ما هو إلا الإسلام الرسمي السلطوي([31]).
        و"تغيرت معالم الإسلام الأساسية، وملامحه المحددة، وسماته الذاتية، وصفاته الخاصة، وحلت بدلاً منها معالم أخرى مخالفة تماماً، ومناقضة كلية، ومضادة على الإطلاق، واستُبدلت بالمعالم الأساسية للإسلام معالم أخرى خاطئة وفاسدة ودخيلة"([32])، وانزلق الإسلام على مهوى خطير، وانحدرت الشريعة إلى مسقط عسير([33]).
ثانياً: التورخة من منظور ماركسي:
        أما بنظر الاتجاه الماركسي العربي فقد كان الإسلام "ثورة تعمل على تغيير المجتمع وتطويره اقتصادياً وطبقياً وسياسياً ودينياً، طبقاً لأنظمة وعلاقات ومبادئ وعقائد جاءت بها حلاً للتناقضات الحادة التي كانت تعتمل في كيان المجتمع العربي بخاصة والإنسانية بعامة"([34]). والقرآن كتاب الثورة الإسلامية الكبرى والمعبر عنها، ومصدر المعرفة الأول لنظرية هذه الثورة([35]).
        والقراء المستنيرون أمثال مصعب بن عمير انضموا إلى الثورة، وتخلوا عن طبقاتهم المترفة، ولم يجد النبي e أكفأ من القراء يمثلونه وينوبون عنه في ممارسة ذلك العمل الخطير، الذي لم يكن شيئاً سوى إعادة بناء شخصية الفرد العربي، وإعادة تخطيط المجتمع العربي في وقت واحد([36]).
        ولتأمين الثورة ضد المؤامرات الرجعية والوثنية انتقل مركز الثورة ومقر قيادتها من مكة إلى المدينة([37])، ثم كان عمر القائد التالي للثورة([38])؛ وبذلك يكون الإسلام ثورة عربية خاصة بالعرب، ومن الخطأ أن نعممه([39])، وليس الإسلام إلا فرعاً للعروبة، وليس هو إلا طوراً من أطوار المسيرة العربية([40]).
        والله عز وجل معبود عربي، وأول بيت بني له بأرض العرب من قبل أن يكون الإسلام، وهكذا نستطيع أن نذهب إلى عروبة المُرسِل للرسالة التي تعرف باسم الإسلام([41]). فـ "الإسلام" ليس إلا النظام الديني للأمة العربية أولاً وقبل كل شيء، النظام الذي نزل من السماء؛ ليكون البديل عن الأنظمة الأخرى التي كانت الأمة العربية تمارس حياتها على أساس منها. "والعرب - في كل مكان – يرون الإسلام ديناً قومياً لهم، قبل أن يكون ديناً عالمياً لكل الناس". "والله حاضر في ذهن الإنسان العربي قبل أن يكون الإسلام، فالعروبة هي الأصل والإسلام هو الفرع"([42]).
        وهكذا وطبقاً للتحليل الماركسي يوصف الإسلام بأنه حركة محمدية([43])، أو ثورة([44]) يقارن بينها وبين الثورة البلشفية والثورة الفرنسية([45])، وأن محمداً e تجسدت في داخله أحلام الجماعة البشرية التي ينتمي إليها، فهو إنسان لا يمثل ذاتاً مستقلة منفصلة عن حركة الواقع، بل إنسان تجسدت في أعماقه أشواق الواقع، وأحلام المستقبل([46]).
        وبما أن التوحيد نتيجة للتطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي فإن التوحيد اليهودي الذي ظهر في جزيرة العرب غير ممكن؛ لأنهم متخلفون، أما توحيد أخناتون فقد كان بسبب وجود بنية تحتية متقدمة([47]).
        ولكن أوضاع الجزيرة العربية الاقتصادية والاجتماعية – وبخاصة مكة – دخلت مرحلة متسارعة من التغيرات الكيفية الناتجة عن تغيرات عديدة متراكمة، ومرتبطة بظروف أدت إليها، مما هيأ مكة للتحول من كونها مجرد استراحة ومنتدى وثني دنيوي على الطريق التجاري، للقيام بدور تاريخي حتَّمته مجموعة من الظروف التطورية في الواقع العربي والعالمي، وكان ذلك الدور هو توحيد عرب الجزيرة في وحدة سياسية مركزية كبرى([48]).
        فكان الأحناف تجسيداً لنزوع ما لاتجاه جديد في رؤية العالم في هذه الثقافة، وكان محمد صلى الله عليه وسلم جزءاً من هذا الاتجاه([49]). ولم يكن متشدداً مثل زيد بن عمرو بن نفيل، فكان يتقبل الأكل مما ذبح على النصب لأنه كان ينتمي إلى ثقافة وواقع ومجتمع([50]).
        وتهيأت مكة لقبول فكرة الإله الواحد، ومن هنا يكون توحيد الأديان في إله واحد قد جاء عند الرواد الحنيفيين كناتج طبيعي لهدير الواقع، وقد حتمت الظروف، وتضافرت الأحداث بحيث صبت الأقدار في يد قريش، وفي البيت الهاشمي الذي أخذ على عاتقه تحقيق هذا الأمر العظيم([51]).
        "ولم يجد الآخرون [يقصد أقارب النبي صلى الله عليه وسلم] سوى الاهتداء إلى أنه لا حل سوى أن يكون منشيء الدولة المرتقبة نبياً مثل داوود"([52]). واتبع محمد صلى الله عليه وسلم خطا جده، كما اتبع خطواته من قبل إلى غار حراء، وأعلن أنه نبي الفطرة"([53])، "وعندما بلغ الأربعين حسم الأمر بإعلانه أنه نبي الأمة"([54]).
        وهكذا يبدو الإسلام – في المنظور العلماني – ليس إلا حلماً سياسياً راود عبد المطلب ثم حققه الحفيد محمد صلى الله عليه وسلم "أي جدّي ها أنذا أحقق حلمك"، وقد حققه([55]).
        وهكذا استبدل الإسلام بالآلهة إلهاً واحداً، وانتسب إلى دين إبراهيم لاستيعاب اليهودية والنصرانية([56])، وبحثاً عن الهوية القومية للعرب([57])؛ لأنه ".. أصبح تعدد الأرباب عائقاً دائماً ومستمراً في سبيل المحاولات التي قامت من أجل خلق كيانات سياسية في جزيرة العرب"([58]).
        وحتى القرآن ما هو إلا مجرد تراكيب لغوية، اقتبسها النبي صلى الله عليه وسلم من شعر أمية بن أبي الصلت، وخصوصاً ما يتعلق بوصف القيامة والبعث والجنة والنار([59])، وحتى تسمية ديننا بالإسلام ما هي إلا من بقايا زيد بن عمرو بن نفيل، حيث كان هذا يسمي حنيفيته بالإسلام([60]).
ثالثاً: التورخة التشطيرية:
        يحرص الخطاب العلماني على الحديث عن إسلامات متعددة، وذلك ليمزق الإسلام تمزيقاً شديداً، لكي تسهل عملية تصفيته وتذريته في الرياح، ويحمَّل الإسلام لتحقيق ذلك كل التجليات التاريخية للحياة الاجتماعية والسياسية التي مرت بها وتمر بها الأمة الإسلامية، فتُحدث عن الإسلام الرسمي المرتكز على سلطة الدولة المركزية والذي مارس بنظر العلمانيين دوره في التحريف والتزييف([61])، ويقصد أركون بالإسلام الرسمي أنه "نتاج الخيار السياسي الذي اتخذته الدولة أو النظام الحاكم الذي راح يصفي معارضيه جسدياً"([62]). وهو مصطلح استعاره الخطاب العلماني من نيكلسون كما هو واضح([63]).
        وهذا الإسلام السلطوي يسميه محمد أركون أحياناً الإسلام الأرثوذكسي([64])، وأحياناً الإسلام الكلاسيكي التقليدي([65])، وأحياناً الإسلام الأقنومي، ويعني به أن المسلمين حولوا الإسلام إلى أقنوم ضخم ومضخم، قادر على كل شيء، ويؤثر في كل شيء، دون أن يتأثر بشيء، في حين أنه هو يريد الإسلام المعاصر الذي يخضع للتاريخية، مثله مثل أي شيء على وجه الأرض([66])، وأحياناً الإسلام الملاذ، أي إسلام الهروب من مواجهة المشاكل الملحة، إسلام التعذر والتعلل، إسلام الملاذ من الفشل، الإسلام الذي يبدو وحده كتعاليم إلهية قادراً على الحفاظ على التماسك الاجتماعي([67])، وليس هو السلامة المعرفية والصحة الأبستمولوجية([68])، هذه الإسلامات المتعددة تقابل الإسلام المعاصر – كما أشرنا – أو الإسلام الدين، ولكنه إسلام أركوني جديد([69]).
        والخلاصة الأركونية أن "الإسلام فرض نفسه كدين مدعوماً بواسطة نجاح سياسي، إذن فهو حدث تاريخي بشكل كامل"([70])، وتشكل منه إسلام مثالي متعال، وفوق تاريخي، هو الدين الصحيح [بنظر أصحابه طبعاً] يبطل ويلغي كل الإسلامات الأخرى، ولا يمكن هو نفسه أن يلغي أو يبطل([71])، ولذا فإن "إدخال البعد التاريخي في التحليل سوف يضطرنا إلى التفريق بين الإسلام المثالي هذا، وبين الإسلام التاريخي"([72]).
        وهكذا فإن أركون يعد الإسلام الذي فهمته الأمة عبر تاريخها وتقبله الناس، وآمن به السواد الأعظم من البشر إسلاماً مثالياً خيالياً يختلف عن الإسلام الحقيقي [وليس هناك إسلام حقيقي في المنظور العلماني عموماً]، ولذا فإن أركون يأخذ على عاتقه أن يكشف عن الإسلام بمفهوميه: الإسلام المعاش، وهو غير مطابق وغير صحيح، والإسلام غير المعاش وغير المفهوم وهو الخاضع للتحليل([73]) [الأركوني طبعاً].
        ومن الإسلامات العلمانية الأخرى: الإسلام الشعبي([74]) الذي يقوم على الثقافة غير العالمة([75])، لأنه إسلام جمهور المسلمين وعامتهم([76])، وهذا النوع من الإسلام لا يتفق مع الإسلام المحمدي – بنظر الخطاب العلماني – إلا في الاسم، لأن لكل شعب مسلم عاداته وتقاليده وإسلامه الخاص([77])، وفيه مظاهر وثنية([78]).
        والإسلام النظري وهو النسق الفكري المتشعب والمتشظي الذي أنجزه جمع من المفكرين، ويستمد إمكاناته من الوضعية الاجتماعية المشخصة "الواقع"، وتشخص في بعض المنظومات المهمة مثل الاجتهاد والتأويل والقياس والتفسير والإجماع([79]).
        والإسلام الشخصي الفردي، ويسميه أركون الإسلام الثالث أو الفردي([80])، وهو قائم على الضمير الشخصي الحر، والممارسة الشخصية للإسلام([81]). وتجلى في الممارسات الصوفية التي أفصحت عن نفسها في الطموح إلى العيش في علاقة مع الله [عز وجل] على نحو يلبي الحاجات الروحية المطلقة، وقد حاول الإجماع الذي هو في حقيقة الأمر إجماع نخبوي أن يحد من هذه الحرية الفردية([82]).
        والإسلام الإثني([83]) - وهو كما يبدو – إسلام الشعوب المختلفة غير العربية الذي امتزج بعناصر من حضاراتها السابقة وعاداتها المختلفة([84])، وهو ما يعبر عنه آخرون بإضافة الإسلام إلى بلدانه، أو مذاهبه المختلفة لتكريس التجزئة، فيقال مثلاً: الإسلام الإندونيسي، والإسلام الباكستاني، والإسلام العربي، أو الإيراني، والإسلام العراقي، أو الشامي([85]).
        والإسلام السني، أو الشيعي([86]). والإسلام الأشعري الرجعي المسيطر، بينما الإسلام الاعتزالي التقدمي مهمش([87]). والإسلام التقدمي بنظر جاك بيرك هو الغاية والمطلب لأنه إسلام الديمومة([88]). ومعيار ذلك أن يتخلى الإسلام عن مفاهيمه وتصوراته ومبادئه، ويعتنق الرؤية الغربية؛ لكي يصبح إسلاماً تقدمياً، فالشرط الجوهري للتقدم هو الإسلام أو الاستسلام، ولكن ليس لله عز وجل وإنما للغرب المهيمن، أو النظام العالمي – أقصد الأمريكي – الجديد، للقطب الواحد([89]).
رابعاً: التورخة النسبية:
        لقد قُطِّع الإسلام كما رأينا – في دوامة المجزرة العلمانية إلى إسلامات كثيرة، ولا بد هنا من السؤال: هل يطرح العلمانيون مفهوماً جديداً للإسلام يضاف إلى الإسلامات التي رأيناها؟ أم يرتضون مفهوماً من بين تلك المفاهيم؟ أم أن هناك خياراً آخر؟
        إذا كان الإسلام بنظر أحد الباحثين فكرة مجردة([90])، وإذا كان الإسلام جاء وذهب بنظر باحث آخر([91])، ولا يمكن إعادته في بكارته النبوية الأولى عقيدة وتشريعاً وفقهاً([92]). وكان في أساسه قاصراً على الأخلاق والقيم، ولم يكن فيه أي نظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي([93])، وكان رخواً مرناً جداً في التعامل مع الشعوب المفتوحة، فلم يطلب أكثر من إعلان الشهادة فقط، وليمارسوا عاداتهم ومعتقداتهم كما يريدون([94]) فإن هذا يتيح لنا – أقصد للخطاب العلماني – أن نبحث عن إسلام عصري مستنير، مساير لروح العصر([95])، فالإسلام لا يكون صحيحاً إلا إذا طرح بالمفهوم البرغسوني وذلك يجعله ديناً منفتحاً([96])، والتخلص من الفهم الحرفي للدين([97])، ولن يتم ذلك إلا إذا تمت إعادة النظر في الإسلام كلية من منظور تاريخي بحيث يصبح من الضروري أن نوفق بين الإسلام والفكر اللاديني([98])، وبحيث يمكن أن يصبح الإلحاد إيماناً، والإيمان إلحاداً، "فالإلحاد هو التجديد، وهو المعنى الأصلي للإيمان"([99]).
        وهذا يقتضي التخلص من المفاهيم السائدة عن الإسلام بأنه دين الحق، أو الحقيقة المطلقة، أو الدين القويم، وأنه النسخة الأخيرة من الدين المقبول عند الله عز وجل([100]).
        كما أنه لم يعد يكفي لتعريف الإسلام أن نقول عنه: إنه "الدين الذي أتى به محمد"([101]) صلى الله عليه وسلم، لأن الإسلام ليس إلا "أحد التجليات التاريخية للظاهرة الدينية"([102])، و"حقيقة الإسلام وهويته ليست شيئاً جاهزاً يكتسب بصورة نهائية، وإنما هي مركب يجري تشكيله وإعادة إنتاجه باستمرار، وهي تتنوع أو تتغير بتغير الظروف والشروط والمعطيات"([103]).
        فـ "لا يوجد – إذن – إسلام "ما هوي" قائم في ذاته بصرف النظر عن أنماط تحققه في الـ "هنا" و "الآن"، لا يوجد إسلام جوهري حقيقي نموذجي، وإنما الإسلام هو ما طبق في التاريخ"([104])، وهو ما يعني أنه "لا يوجد إسلام في ذاته، وإنما لكل واحد تصوره المختلف للإسلام، وطريقته الخاصة في أدائه وممارسته"([105])، "لا يوجد إسلام أصولي صحيح يمكن استعادته وتطبيقه التطبيق الأفضل"([106]). "ولأن التطبيق خيانة فإنه لا وجود لإسلام حقيقي أصولي يمكن العودة إليه، فالإسلام الحقيقي لم يوجد ولم يطبق لا في هذا الزمان ولا في صدر الإسلام، لأن حقيقة الإسلام هي محصلة تواريخه"([107]).
        ولأننا لا يمكننا اليوم أن نحدد ما هو الإسلام الصحيح، ولا يوجد أي معيار لتحديد ذلك([108])، فإن مفهوم الإسلام يجب أن يبقى منفتحاً مستعصياً على الإغلاق؛ لكي يقبل الخضوع للتغير المستمر الذي يفرضه التاريخ، فالإسلام لا يكتمل أبداً، بل ينبغي إعادة تحديده وتعريفه داخل كل سياق اجتماعي ثقافي، وفي كل مرحلة تاريخية معينة([109]).
        وهذا هو معنى القراءة العلمانية للإسلام "أن نُسلِّم بالمسلَّم به"([110])، وأن نطرح مفهوماً موضوعياً للإسلام يتجاوز الأطروحات الأيديولوجية([111])، ويخرج من الدائرة العقائدية المعيارية للإسلام الأرثوذكسي([112]).
        ولكن هذا لا يعني بنظر أركون – متفضلاً!! – أن نحذف كل إشارة إلى الإسلام([113])، وإن كان حسن حنفي يبخل علينا بهذا الفضل!! فيرفض حتى كلمة إسلام، ويستبدلها بكلمة التحرر، لأن هذا اللفظ الأخير "يعبر عن مضمون الإسلام أكثر من اللفظ القديم"([114]).
خامساً: التورخة الهدمية الاجتثاثية:
        كيف يتم الوصول إلى هذا التجديد العلماني بشكل جذري وثوري؟      
        النقد الإيديولوجي هو وسيلتنا للتخلص من فكر العصور الوسطى لكي "نودع نهائياً المطلقات جميعاً، ونكف عن الاعتقاد أن النموذج الإنساني وراءنا لا أمامنا"([115])، من أجل ذلك لا بد – أولاً – من انزياح هذه الأنظمة الكبرى المتمثلة في الأديان من دائرة التقديس والغيب، باتجاه الركائز والدعامات التي لا زال العلم الحديث يواصل اكتشافها([116]).
        وانزياح المقدس يعني أن نخترق المحرمات وننتهك الممنوعات السائدة أمس واليوم ونتمرد على الرقابة الاجتماعية([117])، ونخترق أسوار اللامفكر فيه وندخل إلى المناطق المحرمة([118])، ونسعى إلى خلخلة الاعتقادات، وزحزحة القناعات، وزعزعة اليقينيات، والخروج من الأصول العقائدية([119])، وإعادة النظر في جميع العقائد الدينية عن طريق إعادة القراءة لما قدمه الخطاب الديني عامة([120])، ومراجعة كل المسلمات التراثية([121])، وطرد التاريخ التقليدي من منظومتنا الثقافية؛ لأنه بناء عتيق تهاوت منه جوانب كثيرة، فوجب كنس الأنقاض قبل الشروع في البناء([122]).
        وتكريس القطيعة مع الماضي – كما فعل الغربيون – هو الحل وليس الإصلاح "لا أحد يتكلم أبداً عن التجديد بمعنى القطيعة والاستئناف، بل الجميع يدعو إلى الإصلاح والإحياء والعودة إلى حالة ماضية"([123])، في حين المطلوب هو "اجتثاث الفكر السلفي من محيطنا الثقافي"([124])، لأنه كان وسيبقى سبب التخلف([125])، لأنه قائم على ثقافة ماضوية، لفظية، عقيمة، اجترارية، انتهازية، نفعية، محافظة، رجعية، تقليدية ..الخ([126]). ولا يمكن أن تنهض الحياة العربية ويبدع الإنسان العربي إذا لم تنهدم البنية التقليدية للذهن العربي، وتتغير كيفية النظر والفهم التي وجهت الذهن العربي وما تزال توجهه([127]).
        والوسيلة المجدية لذلك هي "هدم الأصل بالأصل نفسه"، وإذا كان التغير يفترض هدماً للبنية التقليدية القديمة، فإن هذا الهدم لا يجوز أن يكون بآلة من خارج التراث العربي، وإنما يجب أن يكون بآلة من داخله، وإن هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته([128]). هذه الآلة ما هي إلا التأويل الباطني الغنوصي* الذي ينفي النبوة الإسلامية، ويقيم على أنقاضها دين العقل([129]).


 

المطلب الثاني
ترويج الإسلام العلماني الجديد
 
أولاً: الإسلام العلماني الجديد:
        لا أعتقد أننا بحاجة إلى التذكير بأن ما يتحكم بالموقف العلماني – الذي عرضناه آنفاً بشكل مكثف – هو معيار مادي فلسفي غربي – اعترف العلمانيون بذلك أم لم يعترفوا – وأن الخلفية الإلحادية أو الشكية أو اللاأدرية هي التي يستبطنها أغلب العلمانيين في تناولهم للإسلام، وأنه حتى الذين لم يصرحوا برفض الإسلام، ولم يجاهروا بإلحادهم وتحدثوا عن إمكانية وجود ما للإسلام، فإن الإسلام الذي يتحدثون عنه، ليس هو الإسلام الذي أنزله الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم وقال عنه: ]إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ[([130])، ]وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[([131]).
        وإنما إسلام جديد يخترعونه، منفتح – كما رأينا – وغير مغلق، وغير مكتمل، بعكس ما أراده الباري عز وجل: ]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا[([132]).  
        إنه امتداد لما سمي بدين العقل أو الدين الطبيعي كما طرحه فلاسفة النهضة الأوربيين، واستعاضوا به عن المسيحية، وهكذا يسلك العلمانيون العرب درب أساتذتهم فيما يخص علاقتهم بالإسلام، فالإسلام الجديد العصري المستنير ليس من الضروري أن يقوم على خمسة أركان، هي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.
        فالشهادتان في الدين العلماني الجديد ليس لهما مدلول إيماني؛ لأنه "في حقيقة الأمر وطبقاً لمقتضيات العصر لا تعني الشهادة التلفظ بهما أو كتابتهما، إنما تعني الشهادة على العصر .. ليست الشهادتان إذن إعلاناً لفظياً عن الألوهية والنبوة، بل الشهادة النظرية والشهادة العملية على قضايا العصر وحوادث التاريخ"([133]).
        أما الجزء الثاني من الشهادة: فليس من الإسلام لأنه أضيف إلى الأذان فيما بعد إذ كان الإسلام في البداية دعوة إلى لقاء كل الأديان([134]).
        والصلاة مسألة شخصية([135])، وليست واجبة([136])، وفرضت أصلاً لتليين عريكة العربي، وتعويده على الطاعة للقائد([137])، وتغني عنها رياضة اليوغا وهو ما غفل عنه الفقهاء([138]).
        والزكاة – أيضاً – ليست واجبة، وإنما هي اختيارية([139])، كما أنها لا تؤدي الغرض؛ لأنها تراعي معهود العرب في حياتهم التي كانوا عليها "فهي تمس الثروات الصغيرة والمتوسطة أكثر مما تمس الثروات الضخمة .. ولم توضع للحد من الثروات الكبيرة القائمة على الربح المرتفع، فهذه لم تكن معهود العرب زمن النبوة .. ولذلك فالزكاة وحدها لا يمكن أن تنال شيئاً من الفوارق الطبقية الكبيرة؛ لأنها وضعت - أصلاً – لمجتمع ليس فيه مثل هذه الفوارق الطبقية الكبيرة"([140]). إن الزكاة مقدمة، يحثنا فيها الإسلام على الوصول إلى الشيوعية المطلقة([141]).
        والصوم – كذلك – ليس فرضاً، وإنما هو للتخيير([142])، وهو مفروض على العربي فقط، لأنه مشروط بالبيئة العربية؛ ولذلك فالصوم بالنسبة للمسلم غير العربي مجرد دلالة وعبرة دينية([143])، بل إن الصوم يحرم على المسلمين في العصر الحاضر؛ لأنه يقلل الإنتاج([144]).
        أما الحج فهو – كذلك – من الطقوس الوثنية الميثية العربية القديمة التي أقرها الإسلام مراعاة لحال العرب([145])، وما هو إلا تعبير عن الحنين إلى أسطورة العود الأبدي([146])، وإعادة إحياء لتلك التجربة الجنسية الدينية المقدسة التي تمت بين آدم وحواء، والحج العربي العاري في الجاهلية يؤكد المشاركة في الجنس بين الألوهية والبشر([147])، كما أن تحويل القبلة والحج تعبير عن الرغبة في تعريب الإسلام وتأكيد عروبيته([148]). وليس من الضروري أن يقام بطقوسه المعروفة، إذ يغني عنه الحج العقلي أو الحج الروحي([149]).
        وهكذا تُميَّع كل الشعائر الإسلامية وتعد طقوساً وثنية تحدرت إلى القرآن من البيئات والأمم السابقة والجاهلية([150])، وقد مارس الفقهاء دورهم في تقنينها([151]) بعكس الرسالة التي تميزت في هذا الشأن بمرونة، ولكن الفقهاء ألغوا هذه المرونة([152]).
        إن تحقيق الإسلام لمهمته الروحية قد يحصل دون أن تؤدى الطقوس والشعائر بالضرورة([153])، فقد أصبحت المساجد أوكار الإرهاب([154])، وبرزت معالم التخلف ومظاهره في تنامي التدين الشخصي كما هو واضح في صفوف المصلين، والحجاب واللحى([155]).
        إن علامات الاستسلام تتجلى في ممارسة الشخص للصلاة والزكاة، وهما عملان يقدمهما القرآن على أساس أنهما محض دينيين، ولكن لا يغيب عن أنظارنا أن لهما وظيفة حاسمة من حيث الدمج الاجتماعي والسياسي للفرد، ولهما وظيفة في كسر العصبيات والتضامنات التقليدية([156])، ونحن اليوم مدعوون لإعادة النظر في الفرائض والعبادات وسؤال أهل الخبرة والاختصاص عن فوائد الصيام وأضراره اقتصادياً وصحياً([157]).
        وهكذا يطمس الإسلام الرباني الذي أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم، ويبرز الإسلام العلماني المخترع بأركانه الجديدة العصرية المفتوحة، والقابلة لكل الأفهام والتأويلات، والتي لم تتوقف عند هذا الحد؛ لأنه لا حدود يمكن الوقوف عندها في الخطاب العلماني.
ثانياً: الإيمان العلماني الجديد:
        والإيمان – أيضاً – ليس هو الإيمان المحمدي الذي يقوم على ستة أركان: "الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" وإنما "هناك تغيُّر جذري في المفهوم الإيماني نفسه، وفي وسائل تحققه اليقينية، ليست القضية – الآن – في السجود لصنم، أو اتخاذ أرباب، أو ممارسة علاقات فلكية أو أبراجية معينة .. المشكلة الإيمانية الآن في توجه الإنسان كلياً نحو الاتحاد بالطبيعة عبر منهجية العلم، بديلاً عن التوجه إلى الله كونياً عبر منهجية الخلق ..
        فالإيمان في عصرنا يعني الانتقال إلى إدراك عميق لمنهجية الخلق والتكوين كما يوضحها الله في القرآن، وهي مرحلة إيمانية لم يصلها من قبل إلا من الذين اصطفاهم الله([158]).
        وأصبحت الحداثة تفرق بين إيمان جديد وإيمان تقليدي، فالإيمان الحديث "يقبل إعادة النظر حتى في الأصول الأولى، من أجل انتهاكها وإعادتها إلى المشروطيات المشتركة للجدلية الاجتماعية، وهو ما ندعوه بأرخنة الأصول الأولى للأديان التوحيدية، أي الكشف عن تاريخيتها المحجوبة أو المغطاة بستار كثيف من التقديس والتعالي([159]).
        إن الإيمان بالمعنى الحديث يقبل حتى فكرة موت الله، وغياب الله عن العالم، وإن كانت هذه الفكرة تصدم الشرائح الكبيرة المؤمنة بالمعنى التقليدي([160]). وبناء على هذا المفهوم الجديد للإيمان الأركوني فإن كل الذين اعتبروا ملحدين في التاريخ الإسلامي أو الغربي يمكن اعتبارهم مؤمنين؛ لأنهم لهم إيمانهم الخاص، وهم لا يمكن أن يخرجوا عن الإسلام، وإنما عن فهم ضيق قسري له، وقد كانت لهم طقوسهم وشعائرهم الخاصة([161]).
        ومن هنا يكفي أن يتحقق في الإيمان المعاصر عند طائفة من العلمانيين ركنان فقط، هما: الإيمان بالله واليوم الآخر([162])، وعند آخرين "الإيمان بالله والاستقامة"([163])، والقصد من ذلك هو إدخال النصارى واليهود في مفهوم الإيمان والإسلام، واعتبارهم ناجين يوم القيامة، ويُستدل لذلك بقوله تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ([164])[([165]).
        وعند طائفة ثالثة يفتح المجال للكونفوشيوسية، والبوذية، وكل الأديان الوضعية للدخول في سفينة النجاة العلمانية([166])، لأنه يعسر على المؤمن في عالم اليوم أن يهمل التحديات التي تمثلها الأديان الأخرى المخالفة لدينه الموروث، فليس من الحكمة الإلهية أن أحكم أنا المسلم على ثلاثة أرباع البشرية من معاصري غير المسلمين بالذهاب إلى الجحيم، وبالتالي أليست الحقيقة التي أؤمن بها نسبية؟!([167]).
        وهكذا – بالتوازي مع تغير مفهوم الإيمان – يتغير معه مفهوم الإلحاد أو الشرك، فكما أصبح الإلحاد عند نيتشة وماركس وفيورباخ نظرية للتحرير([168])، يصبح كذلك عند المفكرين العرب "الإلحاد هو التجديد؛ لأنه يطابق الواقع ووعي بالحاضر، ودرء للأخطار، ومرونة في الفكر .. إن الإلحاد هو المعنى الأصلي للإيمان، لا المعنى المضاد، والإيمان هو المعنى الذي توارده العرف حتى أصبح بعيداً للغاية عن المعنى الأصلي، إن لم يكن فقداً له .. لأن الإيمان تغطية وتعمية عن شيء آخر مخالف لمضمون الإيمان، والإلحاد هو كشف القناع وفضح النفاق([169]). والشرك بالله عز وجل لم يعد هو التوجه بالعبادات إلى غير الله عز وجل، وإنما أصبح يعني الثبات في هذا الكون المتحرك، وعدم التطور بما يتناسب مع الشروط الموضوعية المتطورة دائماً، فالتخلف شرك والتقدم توحيد([170]).
        إن التوحيد: هو توحيد الأمة والفكر، وليس توحيد الآلهة: ]أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ([171][(.)[172])
        ولكن لا يجب أن نفهم أن الله عز وجل في الإيمان الجديد هو الله الذي يؤمن به المسلمون الموصوف في القرآن الكريم بكل صفات الكمال، وإنما الله يعني الإنسان، وصفاته جميعها، حتى صفة الوجود تعني الوجود الإنساني([173]).
        الله الجديد [تعالى الله عما يقولون] هو: الدافع الحيوي، التقدم، الحرية، الطبيعة، الخبز، الحب([174])، أو هو الأمل بالعدالة والحرية والمساواة([175]).
        كذلك لا يجب أن نفهم أن اليوم الآخر في الدين العلماني الجديد هو نفسه الذي تؤمن به الأمة، فإن الغيبيات – عموماً – كالعرش، والكرسي، والملائكة، والجن والشياطين، والصراط، والسجلات، وغير ذلك، ليست إلا تصورات أسطورية([176]). وإن فكرة اليوم الآخر – في أساسها – نشأت في منظور بعض العلمانيين مع عبادة الشمس لدى المصريين، ونشأت فكرة الخلود مع الدين الرسمي أو دين الدولة([177])، أي أن العالم الآخر أسطورة ولدها الكهنة؛ ليسيطروا على الناس ويحكموهم([178]).
        والكتب المقدسة – بما فيها القرآن – تنكر العالم الغيبي؛ لأن الغيب في القرآن هو المستقبل فهو الوحيد الغائب، وأصبح من الممكن أن يُوصل إليه بقليل من المنطق والحساب([179]). إن عالم الغيب الجديد لم يعد رهناً بما يقوله الكهنة، ولم يعد خارجاً عن سنن الطبيعة، وصار قابلاً للتفسير العلمي([180]). إن البعث ليس في السماء، إنه في المستقبل على الأرض، ولا يحتاج إلى دليل مشاهد ملموس، إن الدين لا يتحدث عن الموتى ولا يكلم الناس الحاضرين عن عالم غير حاضر([181]).
        البعث الذي يريده القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم ليس هو البعث بعد الموت، وإنما هو البعث من عالم الطفولة والتخلف إلى عالم التقدم والوعي، البعث من الحياة الغريزية الطفولية الغائبة في ظلام الوعي إلى عالم العقل الحاضر في ضوء الصحوة واليقين.
إن العرب أساءوا الفهم، فحولوا الجدال إلى عالم الأموات وتحدوا الرسول؛ لكي يحيي أمامهم رجلاً ميتاً، ولو كان الرسول صلى الله عليه وسلم يريد من العرب أن يؤمنوا بالبعث بعد الموت فقط لقبل هذا التحدي وسكت، لكن الرسول كان يدعو العرب إلى الإيمان بالبعث في هذه الحياة، بإعادة الوعي إلى جيل غائب عن عالم الوعي([182]).
        إن المرء لكي يكون مسلماً لا يحتاج إلى الإيمان بالجن والملائكة، فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل([183]). ولا يحتاج للفرائض الشعائرية أو القبول الساذج للحياة الآخرة([184]).
        "قد لا يكون البعث واقعة مادية تتحرك فيها الجبال، وتخرج لها الأجساد بل يكون البعث هو بعث الحزب، وبعث الأمة، وبعث الروح، فهو واقعة شعورية تمثل لحظة اليقظة في الحياة في مقابل لحظة الموت والسكون"([185])، "إن أمور المعاد في نهاية الأمر ما هي إلا عالم بالتمني، عندما يعجز الإنسان عن عيشه بالفعل في عالم يحكمه القانون ويسوده العدل، لذلك تظهر باستمرار في فترات الاضطهاد وفي لحظات العجز وحين يسود الظلم ويعم القهر كتعويض عن عالم مثالي، يأخذ فيه الإنسان حقه .. أمور المعاد – في أحسن الأحوال – تصوير فني يقوم به الخيال؛ تعويضاً عن حرمان في الخبز، أو الحرية، في القوت، أو الكرامة"([186]).
        إن "الجنة والنار: هما النعيم والعذاب في هذه الدنيا، وليس في عالم آخر يحشر فيه الإنسان بعد الموت، الدنيا هي الأرض، والعالم الآخر هو الأرض، الجنة: ما يصيب الإنسان من خير في الدنيا، والنار ما يصيب الإنسان من شر فيها"([187])، "أمور المعاد هي الدراسات المستقبلية بلغة العصر والكشف عن نتائج المستقبل ابتداء من حسابات الحاضر"([188]). أما الحور العين والملذات فهي تعبير عن الفن والحياة بدون قلق([189])، وأما الوطء فهو تعبير عن عقلية ذكورية جامحة إلى السيطرة([190]).


 

المطلب الثالث
المرجعية النقدية للمسخة العلمانية
 
        إن ما قرأناه من نصوص للخطاب العلماني حول الإسلام ليست أكثر من محاولة لتمرير المشاريع النهضوية والتنويرية الغربية إلى الفضاء الإسلامي متجاهلين الفروق الحضارية والتاريخية والثقافية بين الأمتين الأوروبية والإسلامية.
        ولعل أبرز ما يمكننا رصده من هذه الاتجاهات التي حاول العلمانيون سحبها إلى فضائنا الإسلامي يتمثل بما يلي:
        1- فلسفة الرشديين: الذين سيطروا على العقل الأوروبي لمدة طويلة، وكانت فكرة الحقيقة المزدوجة أو الحقيقة ذات الوجهين من أبرز الأفكار التي ذاعت وتداولها هؤلاء المفكرون، ويعنون بها أن الشيء يمكن أن يكون صادقاً فلسفياً، خاطئاً لاهوتياً، أو العكس، وبذلك يصبح الفيلسوف حراً في المجاهرة بآرائه ونتائجه في مجال الفلسفة؛ بحجة أنه فيلسوف يعتبر موضوعات الإيمان تتجاوز الفهم البشري، وإن كانت نتائجه الفلسفية تتعارض مع هذه الموضوعات([191]).
        فهي فكرة – إذن – يراد منها استرضاء الكنيسة، دون خسائر علمية أو فلسفية، وعقد نوع من المهادنة بين الكنيسة والفلاسفة. ولقد عبر بترارك عن سخطه من هؤلاء الذين يفصلون بين الدين والفلسفة، ولم يقبل هذه المهادنة، لأنه يعلم أنها بداية النهاية بالنسبة لسلطان الكنيسة، فالرشديون – كما يتحدث – إذا جاهروا بمجادلاتهم احتجوا بأنهم يتكلمون مع قطع النظر عن الدين، إنهم يبحثون عن الحقيقة بنبذهم الحقيقة، وإنهم يبحثون عن النور بإدارة ظهورهم نحو الشمس، ولكنهم في السر لا يتركون مغالطة أو تجديفاً([192]).
        أليس هذا هو ما يردده أولئك الذين يتحدثون – في عصرنا – عن أنهم رجال علم لا علاقة لهم بالدين، ولذلك فهم يبيحون لأنفسهم باسم العلم أن يقرروا ما يشاءون من القضايا التي يرفضها الدين، فالدين بنظرهم له مجاله والعقل له مجاله ولا يتدخل أحدهما في شؤون الآخر([193])، لأن العناصر الغيبية في الوحي ليست معقولة([194]).
        ويبدو أنه بقدر ما أصبح للرشديين من سلطان على العقول أخذت هذه الفكرة تتمدد في الأوساط الثقافية فظهر من هؤلاء يونبوناتزي (1462 – 1525م) وهو من أشهر أساتذة بادوفا في ذلك العصر، وكانت جامعتها رشدية خالصة، وقد تبنى هذا فكرة الحقيقة المزدوجة، فأصدر كتاباً أنكر فيه خلود النفس، ثم أعلن خضوعه لتعاليم الدين في الخلود، وكاد أن يُعدم حرقاً، ولكنه نجا بحماية أحد الكرادلة له([195]).
        ويؤكد يونبوناتزي أن الجمهور الذي يفعل الخير طلباً للثواب الأخروي والنعيم، ويتجنب الشر هرباً من الجحيم لا يزال في طور الطفولة، وبذلك فهو بحاجة إلى الوعد والوعيد، وأما الفيلسوف فيصدر عن المبادئ والبراهين فقط، إن المشرعين – بنظره – هم الذين ابتكروا الخلود، لا عناية منهم بالحقيقة، بل حرصاً على الخير العام، ومن هنا لا يمكن بنظره التوفيق بين العناية الإلهية والحرية الإنسانية، فالأولى ثابتة بالإيمان، والثانية ثابتة بالتجربة([196]).
        ظهر بعد ذلك فرنسيس بيكون (1561 – 1626) كمحام عن نظرية الحقيقة المزدوجة، وهي تعني – عنده – أن ما يثبت بالعقل لا علاقة للإيمان به، الإيمان؛ طريق الوحي، والعلم: طريق العقل([197]). وعلى ذلك فالكتاب المقدس شيء، وكتاب الطبيعة شيء آخر([198])، والدراسة الفلسفية – عنده – لا تساند أي استدلال على وجود الله [عز وجل] أو العناية الإلهية، وكل ما يمكن أن نصل إليه من دراسة كتاب الطبيعة: هو إثبات وجود إله قادر وحكيم([199]).
        ولذلك أوصى بيكون في تقرير رفعه إلى الملك جيمس الأول لإصلاح التعليم أن تتم المحافظة على هوة عميقة بين العلوم الطبيعية من ناحية وبين الدين واللاهوت المقدس من ناحية أخرى، ذلك أن الانسجام الاجتماعي والتكامل العلمي يتطلبان – بنظره – فصلاً صارماً بين هذين الجانبين، فالفيلسوف الذي ينغمس في اللاهوت يخلق مذهباً خرافياً جامحاً، في حين أن اللاهوتي الذي يهتم اهتماماً بالغاً بالفروق الفلسفية والكشوف العلمية ينتهي إلى الزندقة. والمسلك الوحيد المنقذ – بنظره – هو إقامة ثنائية حادة بين العلوم الطبيعية والوحي الإلهي([200]).
        ولم يكن غاليلو (1564 – 1642م) المعاصر لبيكون بعيداً عن هذه النظرية، فقد كان يستشهد بالكاردينال بارونيوس عندما قال: "غاية الروح القدس أن يعلمنا كيف نذهب إلى السماء، لا كيف تسير السماوات"([201]). وكتب لصديق له: "أعتقد أنه يجب أن لا نبتدئ في مناقشة المسائل الطبية بالاستشهاد بأقوال من الكتب المقدسة، ولكن بالتجارب الحسية والبراهين الضرورية"([202]).
        أما سبينوزا (1632 – 1677م) فقد استمات في الدفاع عن الحقيقة المزدوجة؛ ليجد لنفسه منفذاً يقول من خلاله ما يشاء، دون أن يخشى بطش اليهود، فهو يرفض أن يكون العقل خادماً للكتاب، كما يرفض أن يكون بينهما أي تناقض؛ لأن لكل ميدانه الخاص، ويمكنهما أن يعيشا في وئام([203]) "فاللاهوت ليس خادماً للعقل، والعقل ليس خادماً للاهوت، بل لكل مملكته الخاصة، للعقل مملكة الحقيقة والحكمة، وللاهوت مملكة التقوى والخضوع"([204])، فإذا وجد تناقض في الكتاب مع العقل فلا خوف؛ لأنه ليس في مملكة العقل، ويستطيع عندئذ كل فرد أن يفكر كما يشاء، دون أي خوف([205])، ويمكننا أن نبرر قبولنا للعقائد الموحى بها عن طريق اليقين الأخلاقي فقط ولا نملك أكثر من ذلك([206]).
2- فلسفة التنوير:
        ويعد القرن الثامن عشر – لدى غالبية المؤرخين – هو القرن الذي شاعت فيه هذه الفلسفة ومن أبرز هؤلاء التنويريين فولتير (1694 – 1778م)، وجان جاك روسو (1712 – 1778م)، وكانط (1724 – 1804م)، ودينس ديدرو (1713 – 1784م)، وهولباخ أو دولباك (1723 – 1789م)، وغيرهم، وقد كان الاتجاه العالم لفلسفة التنوير يقوم على اعتبار الأديان ظواهر تاريخية وضعية خضعت للتطوير والتحوير بحسب تنامي الوعي الإنساني وتطور العقل البشري، ولم تكن فلسفة التنوير ناجمة عن فراغ أو طفرة بل كانت امتداداً للتيارات الرشدية والنهضوية التي بدأت تتفاقم في أوربا منذ القرن الخامس عشر، فقد رأى توماس هوبز (1588 – 1679م) أن جوهر الدين لا يقوم على الحقائق، وإنما على خوف الفرد من القوة المجهولة أو الخوف من الموت، وما الصفات التي نخلعها على الإله إلا أسماء تعبر عن عجزنا عن معرفته، وعن رغبتنا في وصفه بعبارات تمجيدية من شأنها إرضاء قوة مجهولة([207]).
        هذا الرأي الذي يزعمه هوبز لا يختلف عما نادى به قبله – بأكثر من ألفي سنة – الفيلسوف اليوناني ديمقريطس (470 – 361ق.م) كما أنه يتبنى رأيه في فناء كل شيء، إلا الذوات والفراغ([208]).
        ومن هؤلاء – أيضاً -: جون لوك (1632 – 1704م) الذي لم يستطع أن يجاهر بعدائه للمسيحية، ولم يخف على المقربين منه ازدراءه لها، فقد كتب لصديقه "ليبنتز" "أنت وأنا لدينا الكفاية من هذا العبث" يقصد الميتافيزيقا([209]). وقال أيضاً: "لم تبق حاجة أو نفع للوحي، طالما أن الله أعطانا وسائل طبيعية أكثر يقيناً للتوصل بها إلى المعرفة"([210]). والخير والشر عنده – كما هما عند هوبز وأبيقور – مرتبطان باللذة والألم، فالخير ما يجلب اللذة، والشر ما يجلب الألم([211]). ودعا إلى الفصل بين الدولة والكنيسة، وأصدر كتابين احدهما "لا ضرورة لمفسر معصوم للكتب المقدسة"، والثاني: "معقولية المسيحية" غلّب فيهما الجانب العقلي في المسيحية، ودعا إلى عقلنتها لكي تقبل([212]).
        كذلك كان ديفيد هيوم (1711 – 1766م) يتبنى النزعة الطبيعية التي نادى بها بيكون وهوبز، ولكن مع تطعيم هذه النزعة بمقولات الشُكاك الأوائل، مثل: بيرون، وشيشرون، وكان ينعت نفسه بـ "الشاك"، وغرضه أن يعزل الدين أو ما يسميه "الخرافة المستقرة" عن أي سيطرة فعالة في الحياة الأخلاقية للفرد والإنسان الاجتماعي([213]). ولا محل في فلسفة هيوم للحديث عن وجود الله [عز وجل]، أو النفس([214])، فهو يرفض أية براهين عن ذلك([215])، ويقول: "لو وجد لأمكن البرهنة على وجوده([216])، وعلل الاعتقاد بوجود الله عز وجل بالحاجة النفسية، فعواطفنا هي التي ترغمنا على ذلك، وإن كان التحليل الفلسفي يفتقر إلى البرهان([217])، ولم يكن هذا رأيه في الميتافيزيقا فقط، بل إنه يرفض جميع الجواهر([218])، ويذكر الروح والمادة، ولا يُبقي إلا على المدركات الذاتية نفسها([219])، ولا يعترف بأية حقائق ضرورية، والعلوم الطبيعية نسبية، ترجع إلى تصديقات ذاتية يولدها تكرار التجربة([220]).
3- الدين الطبيعي:
        لقد تبنى عدد من فلاسفة التنوير ما سمي بدين العقل، أو الدين الطبيعي([221])، وهي مسميات لفكرة قديمة، تقوم على الإيمان بالله عز وجل، ورفض النبوة، والوحي، والكنيسة([222]).
        وكانت ديانة العقل هذه متضمنة في المذهب الديكارتي، وتقوم على الإقرار بوجود الله عز وجل، ذلك أن ديكارت وإن كان يصرح باعترافه بالمسيحية إلا أنه لم يهتم كثيراً بأسرارها([223])، بل هناك من يقول: إن إيمانه كان مداهنة لرجال الدين، ومهادنة للكنيسة، ولأغراض سياسية([224]).
        وقال جون لوك (1632 – 1704م) معبراً عن هذا المذهب: "لم تبق حاجة أو نفع للوحي، طالما أن الله [عز وجل] أعطانا رسائل طبيعية أكثر يقيناً لنتوصل بها إلى المعرفة([225]).
        وكانت جمعية لندن للمراسلات تحتضن المذهب التأليهي، وتنشر كل ما يزري بالمسيحية وينصر التأليهيين، فبالإضافة إلى نشرها لكتاب "عصر العقل" لتوماس بين نشرت كتابين آخرين لا يقلان زراية بالدين المسيحي، هما: "نظام الطبيعة" لـ ميربودو، و"حطام الإمبراطوريات" لفولني، كما نشرت أبحاث فولتير التي تسخر بالدين المسيحي، ونشرت كذلك من الكتب المعادية للمسيحية "جمال المذهب التأليهي"، و"المعجم الأخلاقي"، و"جوليان ضد المسيحية" و"الأفكار الطبيعية في مواجهة الأفكار الخارقة للطبيعة".
        ومن الواضح هنا من خلال العناوين السابقة كيف كان الدين الطبيعي يكسب أنصاره بكثرة([226]).
        وفي ألمانيا كان لسنج (1729 – 1781م) يقول:
        بأن الكتاب المقدس ليس ضرورياً للإيمان بالمسيحية، لأن هذه – أي المسيحية – أسبق في وجودها من قبول الكنيسة للعهد الجديد بصورته الراهنة، كما أن الدليل على صحة جوهر المسيحية يكمن في ملاءمتها لحاجات الطبيعة البشرية ومتطلباتها، وليس في معجزاتها، وأن روح الدين لا تتأثر بأية أفكار مهما بلغت من جرأة وجسارة، وأعلن أنه لا يؤمن بسائر الأديان، وأن كل دين يمثل كلمة الحق الأخيرة، وأن أي هجوم عليه لا يضيره، وأن كل الأديان لها فضل على الإنسانية باشتراكها في تطوير حياتها الروحية، ولا يوجد دين يمتلك احتكار الحقيقة([227]).
        وفي أمريكا كان من أشهر التأليهيين بنيامين فرانكلين (1706 – 1790م)، أنكر ألوهية المسيح، وتقبل الأخلاق الدينية بطريقة نفعية براجماتية، وكان يسمي نفسه "التأليهي" واستحدث صلاة خاصة بمذهبه تخالف صلاة المسيحيين – كان يتوجه بها إلى الله [عز وجل] كل يوم([228]).
        أما في فرنسا فقد كان دنيس ديدرو (1713 – 1784م) قد تأثر بالتأليهيين الإنجليز، مثل: شافتسبري، وجون لوك، وفرنسيس بيكون، ورفض الأخلاق النابعة من الدين المنزل، وآمن بالأخلاق النابعة من فيض القلب بعيداً عن المواضعات الاجتماعية([229])، وكان مثله مثل فولتير يريد أن يرى آخر ملك مشنوقاً بأمعاء آخر قسيس([230])، وأدلته على وجود الله عز وجل نفس أدلة المؤلهة الطبيعيين([231])، وكان يقول: "أكاد أجن من كوني مقتنعاً بفلسفة شيطانية لا يملك عقلي إلا تصديقها، ولا يملك قلبي إلا رفضها"([232]).
        وفي كتابه "إميل" يدافع روسو عن مبادئ الدين الطبيعي، ويرفض الأخلاق القائمة على الوحي، وقد أغضب بذلك الكاثوليك والبروتستانت معاً عندما قال: "لست أخمن بوجود قواعد للسلوك، ولكنني أجد هذه القواعد منحوتة في أعماق قلبي، وقد سطرتها الطبيعة بحروف لا تمحى"([233])، وهذا يعني أن اعتقاده في الله عز وجل قائم على أساس شخصي ذاتي لا يمد أي شخص آخر بأسس لهذا الاعتقاد([234]).
        وأما فولتير فقد عُد الممثل الرئيس لدين العقل في باريس وفي أوروبا، وهو إن لم يعاصر الثورة الفرنسية إلا أن كتاباته الأدبية المؤثرة دفعت سكان باريس في عهد الثورة إلى تمجيد العقل إلى درجة دفعتهم إلى عبادة "آلهة العقل" المجسمة على شكل امرأة حسناء من نساء باريس([235]).
        ويرى أن المؤمن الوحيد الذي يجب أن نعترف به هو المؤمن بالله [عز وجل]، والمنكر للوحي، والإنجيل الوحيد الذي يجب أن نقرأه هو كتاب الطبيعة الكبير الذي كتبته يد الله [عز وجل]. وختمته بخاتمها، والديانة الوحيدة التي يجب التبشير بها هي عبادة الله والسعي للخير([236])، ويريد أن يرى آخر ملك مشنوقاً بأمعاء آخر قسيس، هو ما ردده بعده ديدرو كما أشرنا آنفاً([237]).
        ولم يتردد في إنكاره للأديان والوحي والتنزيل والمعجزات وعبر عن ذلك في كتابه "مبحث في الميتافيزيقا"، ومقاله الذي نشره عام 1742م بعنوان "المذهب التأليهي"([238]).
4- طوفان العلمانية /العلمانية الشاملة:
        كان من منجزات النهضة والتنوير هو "العلمانية الشاملة" أو "الترشيد" بحسب مصطلح ماكس فيبر وعلى أساس ذلك سادت النظرة المادية التي تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحدية المادية التي ترى أن مركز العالم كامن فيه غير مفارق أو متجاوز له، وأن العالم بأسره مكون من مادة واحدة خالية من القداسة ومجردة من الأسرار، ويعني ذلك أن العالم المنظور يحوي بداخله ما يكفي لتفسيره والتعامل معه، وعقل الإنسان قادر على استخلاص المنظومة المعرفية والأخلاقية اللازمة لإدارة حياته وكونه([239]).
        وتحاول هذه المنظومة بكل صرامة أن تحدد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات بكل مجالات الحياة، فإما أن تنكرها في أسوأ الأحوال أو تهمشها في أحسنها، وكل الأمور تؤول في النهاية إلى التاريخية الزمنية النسبية([240]).
 
5- النقد العالي:
        دفعت الصدمة العلمانية الشاملة العقل الأوروبي إلى اقتحام كل المقدسات، وإعادة النظر في كل المعطيات الدينية السائدة وانعكس ذلك بشكل خاص على جانبين في الديانة المسيحية:
-            الكتاب المقدس.
-            الوظيفة الإنسانية للدين.
        أما فيما يتعلق بالكتاب المقدس: فقد كانت الدراسات النقدية تزيد يوماً بعد يوم في انهيار قداسة الكتاب، فالرشديون كانوا قد طعنوا في ذلك، ولكن ظلت طعناتهم على مستويات فردية، لم تشكل تياراً جارفاً، ثم أظهر كل من :لوثر، وزفنجلي وكالفن، بأن تشكيل الكتابات المقدسة "العهد القديم" من عمل إبراهام بن عزرا، ونيقوليس مليرا، وإليا هولوتيا([241]).
        ثم أعرب المثقفون اليسوعيون عن رأيهم بأن العهد القديم، قد أقحمت فيه بعض الإضافات المتأخرة، ووجدوا دعماً لهم في أقوال أندرياس مزيوس – أحد المثقفين الهولنديين الذي تمكن من تحديد الزمن الذي رتبت فيه التوراة([242]).
        وقبل ذلك تشكك الحبر الغرناطي إبراهيم بن عزرا، وابن جرشون في صحة نسبة الأسفار الخمسة إلى موسى عليه السلام، وفي صحة نسبة سفر يشوع إليه([243])، ثم جاء باروخ سبينوزا (1632 – 1677م) فبنى على تشكيكات وألغاز ابن عزرا بناء نقدياً هائلاً، وكشف أن ابن عزرا تيقن أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة، ولكنه لم يجرؤ على الجهر بهذه الحقيقة خوفاً من بطش الفريسيين، ولكنه عبر عنها بألغاز استطاع سبينوزا أن يحللها، ويخلص إلى نتيجة أعلنها على الملأ، وهي: أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة([244]) لأن الأسفار تتحدث عن وقائع وحوادث وقعت بعد موسى بزمن طويل، كما تروي نبأ وفاة موسى ودفنه، وأن أحداً لا يعرف مكان قبره إلى اليوم، وأنه أفضل من كل الأنبياء الذين جاءوا بعده إذا ما قورن بهم([245])، لقد ضاعت مخطوطات موسى الأصلية، والأسفار التي بين أيدينا لقيت نفس المصير([246]).
        وفي العهد الجديد فإن كتابات الحواريين حتى وإن افترضنا أنهم أنبياء فإنهم لم يكتبوا لنا بصفتهم كذلك، ولا كتبوا لنا كتاباتهم على أنها وحي أو بتفويض إلهي، وإنما كتبوا لنا كتاباتهم على أنها مجرد أحكام شخصية وذاتية لمؤلفيها، وروايات تحكي قصة السيد المسيح عليه السلام([247]).
        ويعد تشارلز (1654 – 1693م) أول تأليهي إنكليزي ينتقد الكتاب المقدس، ويتشكك في كونه كتاباً منزلاً، نشر بلاونت أول عمل له سنة 1679م، أشار فيه إلى أن الأنبياء والكهنة جماعة من المحتالين والجشعين اخترعوا الجنة والنار، ليحكموا سيطرتهم على العباد([248])، ونشر سنة 1693م كتابه "عرافات العقل" رفض فيه معجزات الكتاب المقدس، وأحاديثه عن الخليقة، ونهاية العالم أو بداية الخلق، وسخر فيه من قصة حواء، وقصة متوشالح الذي يقول الكتاب المقدس عنه: إنه عُمِّر أكثر من تسعمائة سنة، وقصة إيقاف يوشع لحركة الشمس، وفكرة الخطيئة الأولى، كما اعتبر أنه من السخف أن نصدق أن كوكبنا الصغير في هذا الكون الفسيح العريض هو المركز([249]).
        وفي سنة 1753م ظهر في بروكسل كتاب بالفرنسية مجهول المؤلف يحمل العنوان التالي: "خواطر حول المذكرات الأصلية التي يبدو أن موسى استخدمها في تأليف سفر التكوين([250])، كان مؤلف هذا الكتاب هو الطبيب الفرنسي جان استروك، أراد أن يثبت أنه إذا كان موسى هو الكاتب للتوراة – وهو ما يخالفه فيه أكثر النقاد في عصره – فإنه لم يكن شاهد عيان لكل قصصه ورواياته، طالما أن موسى عاش زمن الوجود العبري في مصر، ولم يكن معاصراً لعصور الآباء وما قبلها، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف كتب موسى أقواله بشأن خلق العالم والطوفان وتاريخ الآباء حتى عصره، أي كل ما ورد في سفر التكوين، لذلك لا بد أنه كانت أمام موسى عليه السلام مصادر قديمة استمد منها آراءه وأقحمها داخل سفره([251]).
        وبتحليله للنصوص استطاع استروك أن يعزل في الكتاب المقدس بين روايتين احداهما تتحدث عن الله [عز وجل] باسم "ألوهيم" وأخرى تتحدث عنه باسم "يهوه"([252])، وهاتان الروايتان مختلفتان، وكل واحدة منهما تمثل رواية كاملة بذاتها، فهي نتاج زمان ومكان مختلفين([253])، ومن هنا قال ديورانت:
        "إن العلماء مجمعون على أن أقدم ما كتب من أسفار التوراة هما القصتان المتشابهتان المنفصلة كلتاهما عن الأخرى في سفر التكوين، فتتحدث إحداهما عن الخالق باسم "يهوا" على حين تتحدث الأخرى عنه باسم "إلوهيم"، ولذلك يعتقد العلماء أن القصص الخاصة بـ "يهوا" كتبت في يهوذا، وأن القصص الخاصة بـ "إلوهيم" كتبت في أفرائيم "السامرة" وأن هذه وتلك قد امتزجتا في قصة واحدة بعد سقوط السامرة، وفي هذه الشرائع عنصر ثالث يعرف بالتثنية، أكبر الظن أن كاتبه أو كُتابه غير كتّاب الأسفار السالفة الذكر، وثمة عنصر رابع يتألف من فصول أضافها الكهنة فيما بعد، والرأي الغالب أن هذه الأجزاء الأربعة قد اتخذت صورتها الحاضرة حوالي سنة 300 ق.م".
        ويضيف ديورانت: "كيف كتبت هذه الأسفار؟ ومتى كتبت؟ ذلك سؤال بريء لا ضير منه؟ ولكنه سؤال كتب فيه خمسون ألف مجلد، ويجب أن نفرغ منه – هنا – في فقرة واحد، نتركه بعدها من غير جواب([254]).
        وترجع أهمية دراسة استروك إلى أنه أول من اكتشف المنهج السليم لمعرفة مصادر السجلات القديمة عن طريق تحليل سماتها الأسلوبية، ولهذا السبب وحده يطلق عليه الناقد الأول للكتاب المقدس([255]).
        بيد أن أبرز الاتجاهات النقدية للكتاب المقدس قد جاء عبر المدرسة التاريخية الألمانية، متمثلاً بجهود كل من فلهاوزن وجراف وأتباعهم([256])، فيما سمي بـ "النقد العالي"، وقد اتجه هذا النقد إلى الحفر في داخل الكتاب المقدس، والمقارنة بين النصوص، والبحث عن المصادر التي تشكل منها، والأزمنة والأمكنة التي كتبت فيها الأسفار، والتداخلات النصية التي يمكن الكشف عنها([257]).
        وقد توصلت هذه الدراسات بعد بحوث مضنية، وجهود شاقة، وموازنات دقيقة إلى نتائج أجهضت قداسة الكتاب، وأسقطت عنه الهالة الميتافيزيقية التي كانت حافة به، إذ أصبحت الفكرة السائدة هي أن الكتاب المقدس رواية اختلطت فيها الحقائق بالأساطير المعبرة عن حياة الشعب الإسرائيلي وثقافته وتطوره ومعاناته([258]).   
6- لاهوت التحرير:
        وأما فيما يتعلق بالوظيفة الإنسانية للدين فقد بدأ من أمريكا اللاتينية تحت عنوان "لاهوت التحرير" وكان من العوامل الأساسية التي دفعت إلى انتشار هذا اللاهوت اهتمام العالم بقضايا الفقر والجوع، فجاء هذا اللاهوت؛ ليتحدث عن مسؤولية الدين تجاه هذه القضايا، وموقفه من المحرومين والمقهورين من البشر.
        لقد دفعت الحروب العالمية والمجاعات والكوارث الكونية، وتفاقم الفقر والمرض اللاهوتيين الكنسيين إلى التساؤل عن المهمة التي ينبغي أن يمارسها الدين بإزاء هذه القضايا، وعقد مؤتمران دفعا إلى ظهور علم اللاهوت التحرري:
        الأول: مؤتمر أساقفة أمريكا اللاتينية الكاثوليك الذي اجتمع في ميدلين في كولومبيا عام 1974م.
        الثاني: مجلس أساقفة الكنيسة لأمريكا اللاتينية عام 1979م.
        وقد ارتبط هذا اللاهوت منذ عام 1975م بشكل أساسي بقضية تحرير السود، ثم بقضية تحرير المرأة. وهو يعكس علم اللاهوت، ففي حين يبدأ اللاهوت عادة من الوحي ويتجه إلى الواقع فإن لاهوت التحرير يبدأ من الواقع ويتجه إلى الوحي، ولذلك فإننا نلاحظ أن الواقع الإفريقي المرير هو الذي أنتج لاهوت التحرير. وحيث أن لاهوت التحرير واقعي فهو يرتبط بالإنسان وبالإنسانية، إنه "لاهوت الإنسانية" إنه لاهوت عمل في مواجهة الواقع الأليم للبشرية.
        ويستند اللاهوت التحرري في ذلك على أقوال المسيح عليه السلام في محاربة الثراء الفاحش كقوله: "إن دخل جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله" (لوقا 25:18). كذلك كانت حياة المسيح عليه السلام مشاركة أصيلة للإنسانية المتألمة، فقد شفى المرضى، وطهر البرص، وفتح أعين العميان، وأقام الموتى، وعاش للإنسانية، ودافع عنها؛ ولذلك فإن لاهوت التحرير ينقل مفهوم الكنيسة من كونها تعمل لأجل الناس إلى كونها كنيسة الناس، فتصبح الكنيسة من تحت وليست من فوق. وبذلك يكون لاهوت التحرير هو: إحياء الجانب الثوري في المسيحية الذي دفن أكثر من ألف وتسعمائة سنة لحساب الرهبانية، إنه إعادة تثوير للكنيسة للوقوف في وجه الطغيان كما قال المسيح عليه السلام: "لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً" (متى 24:10).
تعقيب:
        هذه الحركات التي قدمنا موجزاً عنها – بالإضافة إلى الفلسفات البنيوية والتفكيكية – هي أبرز المرجعيات التي يتغذى عليها الخطاب العلماني في قراءته للإسلام عموماً والقرآن الكريم خصوصاً، وعلى ضوء ما قرأناه آنفاً من نصوص غربية يمكننا أن نفهم النصوص العلمانية العربية التي مرت معنا كقولهم: "ولذلك لا مانع من انتهاك القيم السائدة والخروج عليها من أجل تقدم المعرفة"([259]). وذلك بهدم الأسوار والحصون التي شيدها الفكر المستقيل والمنغلق على ذاته بسياج دوغمائي مجمّد([260]). ولن يتم ذلك إلا بتطبيق منهجية النقد التاريخي على التراث العربي والإسلامي، لا بد أن تسير في نفس الطريق التي سارت فيه أوروبا، ولا بد أن تهز المسلمين، ولا بد أن يدفعوا الثمن([261])، فلا بد لنا من إزالة كثير من العقبات الكأداء التي تصرفنا عن سبيل الرشاد سبل الحداثة([262])، ولن ينفعنا تحفظنا أو توهم مقاومة هذا التيار الحداثي، انطلاقاً من مقولات مهترئة، وثوابت لا يصدقها العقل، وإن مالت إليها عاطفتنا الدينية([263]).
        وأحسب أنه قد آن لنا أن نقول: لقد قرأ الأوروبيون كتابهم المقدس وواقعهم المجهض قراءة صحيحة، واستطاعوا عبر مئات السنين أن يخلصوا إلى نتائج تتلاءم مع العالم المشهود المعطى للإنسان، ودفعوا بعقولهم إلى أقصى ما يمكن لاكتناه حقيقة واستثمار منفعة هذا العالم. وأظن أن ما قاله كل من ديدرو وفولتير يلخص الحقيقة تلخيصاً كافياً([264]).
        والعلمانيون العرب يتطلعون إلى هذا المثال، ويحلمون بهذه الآمال، فهل سينعمون بالوصال؟!
        في الحقيقة لم يوفق العلمانيون لإصابة الهدف لـ:
-            اختلاف الزمان والمكان.
-            اختلاف التاريخ والحضارة.
-            اختلاف العنصر الديني والمرجعية القدسية.
        فليست حضارتنا هي حضارة القرون الوسطى، وليس في ديننا كهنوت كالكهنوت الكنسي، وليس قرآننا كالعهدين القديم والجديد في التأثر بالصدمات النقدية، وليس في تاريخنا محاكم كمحاكم التفتيش، ولا إبادات عنصرية لشعوب وأمم بأكملها، ولا نهب وامتصاص لخيرات القارات الضعيفة ورميها بين أنياب الجوع والفقر والمرض. ومهما حاول الخطاب العلماني أن يبحث عن روابط قروسطية في تاريخنا لتبرير مشروعاته فإن الحقائق تظل مشرقة لا يمكن حجبها أبداً.
        إن أمتنا ليست بحاجة للنموذج الغربي للتنوير؛ لأن القرآن الكريم همه الأول إخراج الناس من الظلمات إلى النور: ]الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ[[إبراهيم:1].
]يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا* فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا[[النساء:174-175].
        وأمتنا ليست بحاجة للنموذج الكنسي التحرري؛ لأن ذلك جاء كردة فعل على نظام الرهبنة والمثالية المتطرفة والانفصام بين الإنسان والعالم الذي دعا إليه الكهنوت المسيحي، وردة فعل على النظم القمعية والفاشية والرأسمالية التي عاثت في الكون فساداً وقمعاً وإبادة، وانتهكت إنسانية البشر.
        ولذلك فإن ما يطرحه الخطاب العلماني ليس لاهوتاً للتحرير بل هو أقرب إلى كونه "ناسوتاً للتدمير"، إنها محاولة يائسة لقلب الأخلاق، ونسف القيم، والتمرد على الفضيلة، وتجفيف منابع الروح الملتاعة في كيان الإنسان، لأنه إذا كان لاهوت التحرير الكنسي الذي يبدأ من الواقع ثم يعود إلى الوحي – إن كان هناك وحي بالمنظور الكنسي – يعد مخطئاً؛ لأن الوحي لم يهمل الواقع أبداً، فالوحي هدفه الأول إصلاح الإنسان ومن ثم الواقع، لأن الواقع لا يصلح إذا لم يصلح الإنسان، فإن صيحة الخطاب العلماني التحريرية صيحة فاشلة؛ لأنها إن صح أن تبدأ من الواقع فهي لا تعود على الوحي أبداً.
ولذلك فما يزعمه الخطاب العلماني من أن منهجه منهج صعودي بعكس الخطاب الديني الهبوطي غير صحيح([265]]وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ[[الأنعام:121].)؛ لأن منهجه أيضاً منهج هابط، وكذلك من الوحي إلى الواقع، ولكنه ليس الوحي الإلهي، وإنما الوحي النفسي والعقلي وحي الثقافة الغربية:
        إن الدين لا يمكن فصله عن أساسه العقدي وتحويله إلى أيديولوجية ثورية، فهذه مخاتلة للعقل الإنساني؛ لأن الإيمان هو القاعدة المتينة للتثوير، والعقيدة هي الجذوة الحية للتحرير، و"تثوير القرآن"([266]) لا يمكن أن يجدي مع حالة الانفصام بين العمق الإيماني الغيبي والممارسة الدينية الواقعية.
        ومن هنا فإن أحلام العلمانيين العرب بأن يكونوا ممثلين لدور فلاسفة التنوير الأوروبي في الفضاء الإسلامي من الصعب جداً أن تتحقق؛ لأن الإسلام يملك الحصانة الكافية ضد هذا المشروع، ويحمل المناعة الذاتية التي تجعله يستعصي بشدة على العلمنة.


 

المطلب الختامي
النتائج
       
        والآن، بعد أن استعرضنا موقف المنظومة الفكرية العلمانية من الإسلام، واستنطقنا النصوص من مصادرها الأصلية، وتجنبنا التدخل فيها حتى لا نتهم بالتجني والتحامل يمكننا أن نشير إلى الخلاصات الآتية التي آل إليها الإسلام في هذه المنظومة:
-    الإسلام في المنظومة العلمانية لا يفلت من قواعد التحليل التاريخي والأنتروبولوجي والفلسفي، ولذلك يمكن إحالة كثير من شعائره وطقوسه إلى كونها امتداداً للأساطير القديمة.
-    كما يمكن بفعل تيار العولمة والحداثة أن ينهار الإسلام ويصبح شيئاً بالياً لا معنى له، ويتبخر مع الريح، ولكن يبقى أنه تجربة تاريخية علينا الاستفادة منها.
-    والإسلام الشائع اليوم هو الإسلام السني الأرثوذكسي، وهو ليس بالضرورة أن يكون الإسلام الحقيقي؛ لأنه لا يوجد أصلاً إسلام حقيقي وهو ليس إلا تنظيراً دوغمائياً جاء نتيجة سلسلة من الأعمال المنجزة تاريخياً، وليس لأن الله عز وجل تكفل بحفظه واستمراره واكتماله وظهوره.
-    ولأن الإسلام لا يفلت من قواعد اللعبة التاريخية فقد جاء تلبية لحاجات الزمان والمكان والإنسان في الجزيرة العربية، وذلك حين تهيأت مكة لقبول فكرة التوحيد نتيجة لهدير الواقع، وحتمية الظروف.
-    وهكذا لعبت الظروف فيما بعد بالإسلام، وجرفته التاريخية عبر حرتقاتها الاجتماعية والتطورية فمزقته شر ممزق إلى نتف عديدة، فظهر الإسلام الرسمي الأرثوذكسي، والإسلام الكلاسيكي، والإسلام الأقنومي، والإسلام الشعبوي، والإسلام النظري، والإسلام الشخصي، والإسلام الإتني، والإسلام العراقي، والمصري، والشامي، والباكستاني، والشيعي، والأشعري، والمعتزلي، وما إلى ذلك من إسلامات ضاع في ثناياها الإسلام الصافي الأول.
-    وما دام قد حصل ما حصل من تمزق الإسلام فهذا يعني بالنسبة للخطاب العلماني قابلية الإسلام لأن يعني دون حواجز، وقابليته للانفتاح دون ضوابط، وبالتالي ضياع الحدود والمفاهيم واختلاطها، وعندئذ يصبح الإيمان والإلحاد والحق والباطل معاني فضفاضة تخرج في إطار التناقض والتضاد لتدخل في حيز التماهي، وبذلك لا يبقى معنى لوجود إسلام حقيقي جوهري نموذجي؛ لأن الإسلام يصبح ما طبق في التاريخ، وهو جوهر القراءة العلمانية الذي يتلخص في أن لا نسلم بالمسلم به.
-    هذا الانفتاح العلماني في فهم الإسلام وتحريفه يتقبل حتى فكرة الاجتثاث المطلق للمنظومة السلفية، والوسيلة المجدية لذلك هي هدم الأصل بالأصل ذاته،واختراق المحرمات وانتهاك الممنوعات، وخلخلة المعتقدات، وطرد الماضي من ثقافتنا،وكنسه من أدمغتنا؛ لنبدأ الشروع في البناء من جديد.
-    والبناء الجديد من الضروري أن يلبي حاجة كل الناس على اختلاف مشاربهم، المؤمنين منهم والملحدين، المستقيمين والمنحرفين، الأسوياء والشذاذ على حد سواء، وكل ذلك تحت مبدأ النسبية المطلقة، ومبدأ "كل شيء يجوز"،وإذا كان في الناس من يظل متطلعاً على التدين، ومتوهماً الحاجة إلى الروحانيات فليكن ذلك، ولا بد من الاستجابة لمطالبه وذلك باختراع أسس جديدة للإسلام والإيمان تكون أكثر انفتاحاً وتواؤماً مع العقلانيات الحداثية، وطرح مفاهيم عصرية للعبادة والطقوس والشعائر تكون مرنة بلا حدود، ومعقلنة بلا سدود غيبية أو ميتافيزيقية.
        هكذا تكلم العلمانيون .. وهذه باختصار خلاصة القراءة العلمانية للإسلام، فهل نحن بحاجة إلى نقد هذا الموقف العلماني؟
        أنا في الحقيقة أتبنى هنا موقف القاضي عبد الجبار([267]) حين قرر أنه في كثير من الأحيان يغني عرض المذهب عن الرد عليه، وذلك لوضوح فساده وتناقضه إذا عرض على الأسس والقواعد المعلومة من الدين بالضرورة. وخصوصاً إذا حاكمنا الموقف العلماني من خلال المآل الذي خلص إليه في تزوير الصورة الجوهرية للإسلام، ومن خلال التركيبة المنهجية الملفقة والمتناقضة في ذات الوقت لمقاصد الإسلام ومراميه.
        إن الخطاب العلماني يدرك جيداً أن الأمة الإسلامية والعربية تنتمي إلى حضارة المقدس والإيمان بالمطلق، وأن أي محاولة للتجديد أو للنهوض محكوم عليها بالفشل إذا لم تنطلق من خلال هذه المحورين: الإيمان، والمقدس، إلا أن الصراع كان قد احتدم طوال القرنين الماضيين في بلادنا بين العلمانية الغازية التي تنتمي إلى حضارة المدنس والنسبية والمادية وبين حضارتنا وثقافتنا المتشبثة بمقدساتها ومرتكزاتها، ولأن الخطاب العلماني العربي قد تشبع بالحضارة المادية الغازية وشربها حتى الثمالة وهو في ذات الوقت يرغب أن يمسك بزمام المبادرة النهضوية أسوة بالنهضويين الغربيين، ولكن واجهته هنا حضارة قدسية متقاطعة جداً مع المادية النسبية والعدمية، ولذلك فقد وقع في مأزق التصادم بين الانتماء الفكري والثقافي من جهة والانتماء الوطني والقومي من جهة أخرى، ولكي يتخلص الخطاب العلماني من هذا المأزق لجأ إلى محاولة التوفيق بين الثقافة التي استلبته، وبين الحضارة التي أنجبته، وكانت مقدسات هذه الحضارة وعلى رأسها الإسلام هي محور دراساته في العقود المنصرمة، إلا أن الخطاب العلماني العربي بسبب ضعفه في المواد التأسيسية الأصولية والتراثية اللازمة لقراءة الإسلام، وانبتات الصلة بينه وبين مكونات حضارته، وفي ذات الوقت ثراؤه بمكتسبات العلوم الحداثية والتفكيكية والألسنية فقد جاءت قراءاته للإسلام أقرب إلى التلفيق والتزوير منها إلى التوفيق والتنوير، والسبب هو أن الخلفية المادية الكامنة وراء القراءات العلمانية المختلفة للإسلام كانت غير متوائمة مع المادة المقروءة، في حين ظلت الأصول القريبة والملائمة للمادة المقروءة متهمة في بنية الخطاب العلماني بتكريس التخلف واللاوعي، وينظر إليها بتوجس وحذر وربما بازدراء.
        وأخيراً: إذا كان العلمانيون حريصين فعلاً على نهضة الأمة وتقدمها ورقيها كما يعلنون وليس على مصالحهم الشخصية من شهرة ومجد ونجومية، فهل يعتقدون حقاً أن أطروحاتهم العجيبة والغريبة بشأن الإسلام والقرآن – كما رأينا – ستحقق هذه النهضة وهذا التقدم والرقي؟!
        وهل وقف الإسلام في تاريخه عائقاً أمام ازدهار الأمة، وازدهار حضارتها وثقافتها ومجتمعاتها؟ حتى يحتاج الإسلام إلى مسخ أو طمس أو تشويه؟ أم أن الإنسان هو الذي يحتاج إلى إصلاح وتمثل حقيقي لدين الله عز وجل، وتفاعل حقيقي مع كلمات الله جل وعلا؟ ألا يشعر العلمانيون أنهم يتلاعبون بالعقول ويعبثون بالفكر، وأن هذا التلاعب والعبث إذا انطلى على فئة من الناس أو جيل من الأجيال، فإن الزيف لا بد أن يظهر، والخداع لا بد أن ينكشف؟
        أي مسلم يمكنه أن يقبل هذا المسخ والتشويه للإسلام باسم الإسلام؟!، بل أي عاقل حتى ولو لم يكن مسلماً يمكنه أن يقتنع بأن هذه الأفهام التي تطرح، والأفكار التي تعرض موصولة بالإسلام، ومستندة على نصوصه؟! إن الإسلام بطبيعته وتكوينه لا يقبل العبث، وهذا ما لاحظه المستشرقون، لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كمثل (المحجة البيضاء، ليلها كنهارها). إنه واضح ليس فيه غموض، ويسر ليس فيه عسر، ورحب ليس فيه حرج، وهذا مكمن قوته، وسر خلوده، ومظهر عالميته وشموليته، وسبب انتشاره وإقبال الناس عليه.
        إن تضييع الوقت في تأويل الإسلام وتحريفه لن يجدي شيئاً، وسوف يزيد من مآسي الأمة وتأخر نهضتها،وخير منه أن نتوجه إلى العمل الصالح والبناء المثمر، لأن أمتنا ليست بحاجة إلى هدم، فليس لدينا ما يهدم، إن لدينا قواعد متينة، وأعمدة راسخة، وحصون منيعة، وتحتاج إلى بناء وبناءين، وأدوات وعاملين، أكثر من حاجتها إلى خطط ومشاريع ومهندسين.
        إن مصيبة الأمة ومآسيها منذ قرون طويلة لا تتمثل في النصوص، وإنما في اللصوص، إنهم الحكام الذين يحولون بينها وبين أي تقدم أو نهوض، لأن ذلك يفوت عليهم كل ألوان الابتزاز والامتصاص والفرعنة التي يمارسونها، والاستبداد الذي يقارفونه.
        لا يوجد من هؤلاء من يفكر بمستقبل الأمة أو بحاضرها، بل يوجد من يفكر بنفسه، وعرشه، وولي عهده، لا يوجد من يفكر بتهيئة وسائل القوة والتمكن، ولا يوجد من يفكر بتهيئة وسائل العيش الكريم للناس، ولا يوجد من يفكر بالعلم والصناعة والاختراع والابتكار، ولا يوجد من يفكر بحراسة العدل والأمن والحق وتوفير ذلك لكل الناس، وحماية المجتمع من الفساد الخلقي والانحلال الاجتماعي والرشوة والظلم والفقر والمرض. ومن هنا فنحن لسنا بحاجة إلى المشاريع العلمانية التي تطمس الإسلام، لأنه لم يكن عقبة في وجه التقدم، بل إننا بحاجة إلى ثورة إسلامية تعيد الإسلام إلى مقر القيادة الفاعلية، وتزيح عن طريقه اللصوص والفراعنة والمنافقين، ليمارس دوره في ازدهار الأمة وحضارتها، كما فعل ذلك من قبل.
 
 


(1)    حاول تركي علي الربيعو في كتابه "الإسلام وملحمة الخلق الأسطورة" أن يعقد مقارنات بين العقائد الإسلامية والأساطير القديمة، زاعماً أن إسلامنا ما هو إلا امتداد لهذه الأساطير. وانظر: رشيد الخيون "جدل التنزيل" (ص74و75)، يقول الخيون: إن طه اسم إله عند الهنود الحمر، وعند السومريين اسم مسيح منتظر. قلت، إن طاهايو الذي ينتظره السومريون ما هو إلا بشارة بطه، أي بمحمد صلى الله عليه وسلم.
(2)          انظر: سيد القمني "رب الزمان" (ص168).
(3)    انظر: لأركون "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني" (ص108)، و"نافذة على الإسلام" (ص114، و"تاريخية الفكر العربي الإسلامي" (ص231)، وانظر: طيب تيزيني "النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" (ص113)، وانظر: عبد المجيد الشرفي "الإسلام بين الرسالة والتاريخ" (ص26).
(4)          انظر: محمد شحرور "نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي" (ص348).
(5)          أركون "نافذة على الإسلام: (ص171).
(6)          انظر: أركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص326).
(7)    انظر: أركون "أين هو الفكر الإسلامي المعاصر" (ص169)، دار الساقي، لندن – ط1/1997، وانظر: إلياس قويسم "إشكالية قراءة النص القرآني في الفكر العربي المعاصر، نصر حامد أبو زيد نموذجاً"، بحث لنيل شهادة الدراسات المعمقة في الحضارة الإسلامية – جامعة الزيتونة، تونس، 1420ه - 1999-2000م، (ص201).
(8)          انظر: أركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص194).
(9)          انظر: السابق (ص60).
(10)      انظر: أركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص60وص318و328).
(11)      انظر: نصر حامد أبو زيد "الخطاب والتأويل" (ص227).
(12)   انظر: أركون "مجلة رسالة الجهاد" عدد (40)، (ص59، 60) نقلاً عن عبد الرزاق هوماس "القراءة الجديدة للقرآن الكريم في ضوء ضوابط التفسير" رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1408هـ -1987-1988 م ، شعبة الدراسات الإسلامية.
(13)      انظر: أركون "قضايا في نقد العقل الديني: (ص175، وانظر: أبو زيد "مفهوم النص" (ص16).
(14)      أركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص174).
(15)      انظر: أركون "نافذة على الإسلام" (ص170).
(16)      انظر: عبد المجيد الشرقي "الإسلام بين الرسالة والتاريخ" (ص45).
(17)      انظر: أركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص28).
(18)      انظر: السابق (ص36).
(19)      انظر: السابق (ص329).
(20)      نقلاً عن عبد الرزاق هوماس "القراءة الجديدة في ضوء ضوابط التفسير" (ص169)، ويحيل إلى مصدر لأركون باللغة الفرنسية.
(21)      انظر: أركون "تاريخية الفكر" (ص217).
(22)   انظر: رمضان بن رمضان "خصائص التعامل مع التراث الإسلامي عند محمد أركون من خلال كتابه قراءات في القرآن" (ص15و16). والباحث تلميذ لأركون ويحيل إلى كتابات لأركون باللغة الفرنسية، جامعة تونس الأولى بمنوبة، 1991، تونس، شهادة الكفاءة في البحث، قسم اللغة العربية، إشراف د. عبد المجيد الشرفي.
(23)      انظر: رمضان بن رمضان "خصائص التعامل من التراث" (ص17).
(24)      انظر: نصر حامد أبو زيد "مفهوم النص" (ص16).
(25)      انظر: نصر حامد أبو زيد "مفهوم النص" (ص17).
(26)      انظر: السابق (ص14).
(27)      انظر: أركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص293).
(28)      انظر: أركون "تاريخية الفكر العربي الإسلامي" (ص52).
(29)      انظر: السابق (ص53).
(30)      السابق (ص84).
(31)      انظر: طيب تيزيني "النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" (ص167).
(32)      انظر: محمد سعيد العشماوي "معالم الإسلام" (ص8)، طبعة القاهرة 1989، وانظر: للدكتور محمد عمارة "سقوط الغلو العلماني" (ص12).
(33)      انظر: العشماوي "معالم الإسلام"، 132، وانظر: د. عمارة "سقوط الغلو العلماني" (ص17).
(34)      د. عبد الله خورشيد البري "القرآن وعلومه في مصر"، (ص112)، دار المعارف بمصر 1969م.
(35)      انظر: البري، السابق (ص5، 108، 116، 117). وانظر: د. عمارة "الإسلام بين التزوير والتنوير" (ص202).
(36)      انظر: السابق (ص112، 113). وانظر: د. محمد عمارة "الإسلام بين التزوير والتنوير" (ص203).
(37)      انظر: السابق (ص117).
(38)      انظر: السابق (ص121).
(39)      انظر: د. محمد أحمد خلف، مقال في جريدة "الأهرام" 16/9/1987، صفحة الحوار القومي، نقلاً عن فهمي هويدي في "المفترون" (ص170).
(40)      نقلاً عن فهمي هويدي "السابق" (ص174، 180).
(41)      انظر: السابق (ص181).
(42)      السابق (ص182)، والنصوص لخلف الله ينقلها عنه فهمي هويدي.
(43)      انظر: د. طيب تيزيني "النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" (ص113).
(44)      انظر: د. محمد شحرور "الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة" (ص555) فما بعد، دار الأهالي، دمشق.
(45)      انظر: جمال البنا "تثوير القرآن" (ص10، 11)، د، ط/ د، ت دار الفكر الإسلامي، القاهرة.
(46)      انظر: د. نصر حامد أبو زيد "مفهوم النص" (ص74).
(47)      انظر: القمني "رب الزمان" (ص187).
(48)      انظر: السابق (ص206).
(49)      انظر: نصر حامد "مفهوم النص" (ص72).
(50)      انظر: "مفهوم النص" (ص71).
(51)      انظر: القمني "رب الزمان" (ص206).
(52)      القمني: "الحزب الهاشمي" (ص54).
(53)      السابق (ص151).
(54)      السابق (ص132).
(55)      السابق (ص151، 153).
(56)      انظر: د. نصر حامد أبو زيد "الخطاب والتأويل" (ص135).
(57)   انظر: د. نصر حامد أبو زيد "مفهوم النص" (ص72، 74)، وأنور خلوف "القرآن بين التفسير والتأويل والمنطق العقلي" (ص122)، دار حوران، الطبعة الأولى، سوريا، 1997، وانظر: القمني "الحزب الهاشمي" (ص116).
(58)      انظر: سيد القمني "الحزب الهاشمي" (ص66).
(59)      انظر: السابق (ص122، 124).
(60)      انظر: السابق (ص117، 118).
(61)   انظر: د. طيب تيزيني "النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" (ص163، 164)، وانظر: لأركون "تاريخية الفكر العربي الإسلامي" (ص146، 202، 206)، ورمضان بن رمضان "خصائص التعامل مع التراث الإسلامي لدى محمد أركون من خلال كتابه "قراءات في القرآن" (ص17).
(62)      انظر: د. أركون "الفكر الإسلامي نقد واجتهاد" (ص63)، وانظر: "العواصم من قواصم العلمانية" (ص211).
(63)      انظر: د. طيب تيزيني "النص القرآني" (ص 344).
(64)   انظر: لأركون "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني" (ص12)، و"قضايا في نقد العقل الديني" (ص101)، ولا حاجة للإحالة أكثر؛ لأن هذه اللفظة تعد مصطلحاً يتميز به أركون عن غيره في كل كتاباته، وقد لاحظ ذلك عابد الجابري وعد مفردة الأرثوذكسية تميز أركون عنه، أما هو الجابري فما يميزه مصطلحا "اللفظ والمعنى"، أو "الأصل والفرع"، انظر: الجابري "التراث والحداثة" (ص321).
والأرثوذكسية في الأصل تعني الرأي المستقيم، ولكن أركون لا يقصد بها أن هذا النوع من الإسلام هو الإسلام الصحيح، إذ لا يوجد عنده إسلام صحيح، وإنما يعني بالإسلام: الأرثوذكسي، وفي كل مكان ترد فيه مضافة إلى الإسلام أو الفكر الإسلامي يعني أنه إسلام مستقيم من وجهة نظر أصحابه، ولذلك يضعها بين قوسين، وهذا ما يوضحه مترجم أركون، هاشم صالح، انظر: "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني"، هامش المترجم (ص44)، ويوضح هذا المعنى - أيضاً – تلميذ أركوني آخر بقوله: "مفهوم الأرثوذكسية الذي يعني في الاصطلاح الرأي الدوغمائي أو العقائدي المتصلب والمتزمت الذي فرض نفسه بالقوة، بصفته الرأي الصحيح أو المستقيم، أي لم يفرض نفسه عن طريق الإقناح والمحاجة والمناقشة المسبقة كما يحاول أن يوهمنا وينجح بسبب مرور الزمن المتطاول"، انظر: خالد السعيداني "إشكالية القراءة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر" (ص231).
ويوضح أركون نفسه مراده بإطلاق الأرثوذكسية على الإسلام أو الفكر الإسلامي، فهو يعني بها المبادئ والمسلمات والبديهيات المشكلة للاعتقاد الديني التي لا يمكن التمرد عليها دون عقوبة، وبهذا المعنى فإن هناك أرثوذكسيات إسلامية تتفرع إلى أرثوذكسيات سنية أو شيعية، فالسيادة الأرثوذكسية هي كل سلطة دينية تمنع كل محاولة نفاذ نقدية داخل الأطر المشكلة لمنظومتها الدينية، نظراً لأن إعادة القراءة يهدد ثبات مكانتها ومصالحها. انظر لأركون "العلمنة والدين" دار الساقي، ط2/1993، (ص14)، وانظر: "إلياس قويسم "إشكالية قراءة النص القرآني في الفكر العربي المعاصر. نصر حامد أبو زيد نموذجاً" (ص104). وانظر: رمضان بن رمضان "خصائص التعامل مع التراث العربي الإسلامي لدى محمد أركون من خلال كتابه قراءات في القرآن" (ص35).
(65)      انظر: لأركون "نافذة على الإسلام" (ص24، 172)، ولعلي حرب "نقد النص" (ص127).
(66)      انظر: لأركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص 174، 175).
(67)   انظر: لأركون "تاريخية الفكر العربي الإسلامي" (ص 115، 116)، وانظر: عبد الرزاق هوماس: "القراءة الجديدة للقرآن الكريم في ضوء ضوابط التفسير" (ص286).
(68)      انظر: نصر حامد أبو زيد "الخطاب والتأويل" (ص108).
(69)      انظر: أركون "تاريخية الفكر" (ص115، 116).
(70)      انظر: د. أركون "الفكر الإسلامي قراءة علمية" (ص115).
(71)      انظر: السابق (ص115).
(72)      انظر: السابق (ص115).
(73)      انظر: السابق (ص116).
(74)   د. طيب تيزيني "النص القرآني أمام إشكالية البنية والقراءة" (ص147)، وأركون "تاريخية الفكر" (ص180، 132، 202)، وانظر: له "نافذة على الإسلام" (ص14، 106)، وعبد المجيد الشرفي "لبنات" (ص77).
(75)      انظر: د. طيب تيزيني "السابق" (ص162).
(76)      انظر: السابق (ص141).
(77)      انظر: د. تيزيني "السابق" (ص158، 159).
(78)      انظر: د. عبد المجيد الشرفي "لبنات" (ص77).
(79)      انظر: د. طيب تيزيني "النص القرآني" (ص166).
(80)      انظر: السابق (ص169).
(81)      انظر: السابق (ص174).
(82)      انظر: السابق (ص173، 174).
(83)   انظر: د. تيزيني "السابق" (ص176)، وانظر: أركون "تاريخية الفكر" (ص180)، حيث يستخدم مصطلح المجموعات الإتنية والإثنية: تأتي للدلالة على تصنيف عرقي ثقافي وهي مشتقة من الإنثولوجيا التي تعني علم الأجناس البشرية حيث يدرس هذا العلم القوانين العامة لتطور البشرية. انظر: رابعة جلبي "ملحق من إعدادها، تعرف فيه بعض المصطلحات "ملحق بكتاب "الإسلام والعصر"، مشترك بين د. البوطي – د. تيزيني (ص239).
(84)      انظر: د. تيزيني "السابق" (ص176).
(85)   انظر: د. محمد أركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص230)، وتلميذه خالد السعيداني "إشكالية القراءة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر نتاج محمد أركون نموذجاً" (ص79)، بحث لنيل شهادة الدراسات المعمقة في الحضارة الإسلامية، جامعة الزيتونة، تونس، المعهد العالي لأصول الدين، 1418هـ - 1997م.
(86)      انظر: د. جورج طرابيشي "إشكاليات العقل العربي" (ص13)، وأصحاب هذه التفرقة – في الأصل – هم المستشرقون كما يشير طرابيشي.
(87)      انظر: د. نصر حامد أبو زيد "النص السلطة الحقيقة" (ص14).
(88)   انظر: جاك بيرك "القرآن وعلم القراءة" (ص131)، ترجمة وتعليق منذر عياشي، دار التنوير، بيروت، مركز الإنماء الحضاري، حلب ط1/1996، تقديم: د. محمود عكام.
(89)      انظر: المصدر السابق، هوامش المترجم منذر عياشي (ص131، 132).
(90)      انظر: د. زكي نجيب محمود "تجديد الفكر العربي" (ص68)، يعني لا يمكن تحديد نموذج تطبيقي له في الواقع فيكون معياراً يرجع إليه.
(91)      انظر: الصادق النيهوم "صوت الناس، محنة ثقافة" (ص155).
(92)      انظر: د. طيب تيزيني "الإسلام والعصر" (ص129، 130).
(93)      انظر: د. طارق حجي "الثقافة أولاً وأخيراً" (ص20).
(94)      انظر: عبد الهادي عبد الرحمن "سلطة النص" (ص41، 42).
(95)      انظر: حسين أحمد أمين "حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة" (ص5)، ونصر حامد أبو زيد: "الخطاب والتأويل" (ص195، 197).
(96)   انظر: د. عبد المجيد الشرفي "لبنات" (ص50)، وانظر له أيضاً: "الإسلام بين الرسالة والتاريخ" (ص47)، يفرق برجسون بين الدين المغلق والدين المفتوح والأخلاق المغلقة والأخلاق المفتوحة. انظر: مراد وهبه "المذهب في فلسفة برجسون" (ص92، ص140، 142).
(97)   والمقصود بالفهم الحرفي هو الفهم المستقر بين الأمة للإسلام الذي يدين به مليار مسلم ودانت به الأمة منذ أربعة عشر قرناً. والفهم الحرفي والحرفيين كلمة تتكرر كثيراً لدى العلمانيين.
(98)   قال د. أركون ذلك في حوار مع إحدى المجلات الفرنسية. انظر: عبد الرزاق هوماس "القراءة الجديدة للقرآن الكريم في ضوء ضوابط التفسير" (ص171).
(99)   انظر: د. حسن حنفي "التراث والتجديد" 0ص67، طبعة القاهرة 1980، وطبعة بيروت، دار التنوير 1980، (ص53)، وانظر: د. محمد عمارة "الإسلام بين التنوير والتزوير" (ص196)، وانظر: جورج طرابيشي "المثقفون العرب والتراث" (ص212)، وانظر: "التأويل في مصر في الفكر المعاصر" (ص326).
(100) انظر: د. أركون "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني" (ص69)، إن مثل هذه المفاهيم بنظر أركون جاءت في سياق تاريخي لتحقيق سيادة المؤمنين على غيرهم من الفئات الأخرى كاليهود والنصارى، لتأسيس مشروعية سلطوية للنبي والمؤمنين متميزة عن الفئات الأخرى، فهي – إذن – مفاهيم تاريخية مهمتها تحقيق مصالح مباشرة لفاعلين اجتماعيين "أي للمؤمنين". انظر: أركون: "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني" (ص70، 71).
(101)   انظر: د. أركون "الفكر الإسلامي قراءة علمية" (ص114).
(102)   انظر: د. أركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص39).
(103)   انظر: علي حرب "نقد النص" (ص155).
(104)   انظر: علي حرب"نقد النص" (ص153).
(105)   انظر: السابق (ص158).
(106)   انظر: علي حرب "الممنوع الممتنع في نقد الذات المفكرة" (ص28).
(107)   انظر: السابق (ص28).
(108)   انظر: لأركون "تاريخية الفكر العربي الإسلامي" (ص146)، وعبد الرزاق هوماس "القراءة الجديدة" (ص84).
(109) انظر: خالد السعيداني "إشكالية القراءة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، نتاج محمد أركون نموذجاً" (ص56)، ورمضان بن رمضان "خصائص التعامل مع التراث العربي الإسلامي لدى محمد أركون في كتابه قراءات في القرآن" (ص16).
(110)   انظر: علي حرب "نقد الحقيقة" (ص58).
(111)   انظر: د. نصر حامد أبو زيد "مفهوم النص" (ص20).
(112)   انظر: لأركون "تاريخية الفكر" (ص217).
(113)   انظر" السابق (ص217).
(114)   انظر: د. حسن حنفي "التراث والتجديد" (ص99).
(115) انظر: د. عبد الله العروي "الإيديولوجيا العربية المعاصرة" (ص16)، وانظر: مبروكة الشريف جبريل "الخطاب النقدي في المشروع النهضوي العربي العروي والجابري نموذجاً" (ص41).
(116)   انظر: أركون "تاريخية الفكر" (ص26).
(117)   انظر: خالد السعيداني "إشكالية القراءة" (ص125).
(118)   انظر: د. نصر حامد أبو زيد "الخطاب والتأويل" (ص116)، والحديث عند نصر حامد عن أركون، وانظر (ص235).
(119)   انظر: علي حرب "نقد النص" (ص72، 143، 144).
(120)   انظر: د. اركون "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني" (ص6).
(121)   انظر: د. نصر حامد أبو زيد "الخطاب والتأويل" (ص228).
(122)   انظر: د. عبد الله العروي "مجمل تاريخ المغرب" (ص25)، نقلاً عن مبروكة الشريف "الخطاب النقدي" (ص133).
(123)   انظر: د. العروي "الإيديولوجيا العربية المعاصرة" (ص104)، وانظر: مبروكة الشريف "الخطاب النقدي" (ص115).
(124)   انظر: د. العروي "العرب والفكر التاريخي" (ص225)، وانظر: مبروكة الشريف (ص101).
(125)   انظر: السابق (ص223).
(126)   انظر: د. مبروكة الشريف "الخطاب النقدي" (ص53)، وهي كلمات متفرقة في خطاب عبد الله العروي تحصيها الباحثة.
(127)   انظر: أدونيس: على احمد سعيد "الثابت والمتحول" (1/32، 33)، دار العودة، بيروت 1974
(128)   انظر: السابق (1/33)، وانظر: نصر حامد "إشكالية القراءة آليات التأويل" (232).
(*)    الغنوصية: نزعة فكرية، ترمي إلى مزج الفلسفة بالدين، وتشتمل على طائفة من الآراء المضنون بها على غير أهلها، وتطلب بصورة خاصة على جماعة من المفكرين في القرنين الأول والثاني للميلاد. (المعجم الوسيط).
(129)   انظر: أدونيس "الثابت والمتحول" (2/209) ط4/1986، دارة العودة، بيروت.
(130)   سورة آل عمران آية (19).
(131)   سورة آل عمران آية (85).
(132)   سورة المائدة آية (3).
(133)   انظر: د. حسن حنفي "من العقيدة إلى الثورة" (1/17)، وانظر: أبو طالب حسنين: "التأويل في مصر" (ص339).
(134)   انظر: الصادق النيهوم "صوت الناس، محنة ثقافة مزورة" (ص25).
(135)   انظر: عبد الرزاق هوماس "القراءة الجديدة" (ص129 169)، ينقل عن أركون في مصدر أجنبي له.
(136)   انظر: د. عبد المجيد الشرفي "الإسلام بين الرسالة والتاريخ" (ص63).
(137)   انظر: د. عبد الهادي عبد الرحمن "سلطة النص" (ص110، 111).
(138)   انظر: د. الصادق النيهوم "الإسلام في الأسر" (ص127، 134).
(139)   انظر: د. عبد المجيد الشرفي "الإسلام بين الرسالة والتاريخ" (ص63)، وانظر: العشماوي: "جوهر الإسلام" (ص7، 8، 79، 80).
(140)   د. الجابري "وجهة نظر" (ص150 – 151).
(141)   انظر: محمد محمود طه "الرسالة الثانية" (ص155، 164).
(142)   انظر: د. الشرفي "لبنات" (ص173) فما بعد، وانظر للشرفي "الإسلام بين الرسالة والتاريخ" (ص63، 64).
(143)   انظر: د. عبد الهادي عبد الرحمن "سلطة النص" (ص109).
(144) هذا ما أعلنه الرئيس التونسي الأسبق "بورقيبة" وألزم به الشعب التونسي، انظر: "تونس الإسلام الجريح" لمحمد الهادي مصطفى الزمزمي (ص48، 49) نقلاً عن الدكتور القرضاوي "التطرف العلماني في مواجهة الإسلام" (ص144).
(145) انظر: د. الشرفي "الإسلام بين الرسالة والتاريخ" (ص65)، وانظر: "طيب تيزيني "النص القرآني" (ص154، 155)، وانظر: تركي علي الربيعو "العنف والمقدس والجنس" (ص89).
(146)   انظر: الربيعو "العنف والمقدس والجنس" (ص89).
(147)   انظر: الربيعو "السابق" (ص89)، وانظر: القمني: "الأسطورة والتراث" (ص165).
(148)   انظر: عبد الهادي عبد الرحمن "سلطة النص" (ص106).
(149) انظر: أركون "مجلة الكرمل" العدد 34/1989، جزء 1 ص 23، فصلية تصدر عن الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين، مؤسسة بيسان للصحافة والنشر والتوزيع، قبرص. وانظر: خالد السعيداني "إشكالية القراءة" _ص37)، وانظر: رمضان بن رمضان "خصائص التراث" (ص108، 109، 124)، يعد أركون الحج العقلي ينتمي إلى القرآن الكريم أو على حد تعبيره على "الحدث القرآني"، أما الحج الشرعي فينتمي على تأطيرات الفقهاء المغلقة الأرثوذكسية، أو ما يسميه "الحدث الإسلامي"، وهو يستعير المصطلح من التوحيدي الذي ألف كتاباً بعنوان "الحج العقلي إذ ضاق الفضاء عن الحج الشرعي" كما يذكر أركون نفسه. راجع "المصادر السابقة".
(150)   انظر: طيب تيزيني "النص القرآني" (ص154، 155).
(151)   انظر: أركون "تاريخية الفكر" (ص81).
(152)   انظر: الشرفي "الإسلام بين الرسالة والتاريخ" (ص121).
(153)   انظر: أركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص36).
(154)   انظر: "الفاشيون والوطن" (ص200).
(155)   انظر: العظمة "العلمانية تحت المجهر" (ص181).
(156)   انظر: أركون "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني" (ص17).
(157)   انظر: حسين أحمد أمين "الاجتهاد في الإسلام" (ص23) نقلاً عن د. عمارة "الإسلام بين التزوير والتنوير" (ص218).
(158) انظر: أبو القاسم حاج حمد "العالمية الإسلامية الثانية" (2/497، 498)، وانظر: "البعد الزماني والمكاني وأثرهما في التعامل مع النص البشري" (ص116).
(159)   انظر: أركون "من القرآن إلى التفسير الموروث" (ص83، 84).
(160) انظر: أركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص207). يميز أركون – أيضاً – بين ثلاثة أنواع من الإيمان: الإيمان التقليدي البسيط، والإيمان الواعي التاريخي، والإيمان الأسطوري العاطفي، أو الإيمان الحق، والإيمان الباطل الزائف. انظر: أركون: "من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي" (ص50، 51).
(161)   انظر: أركون "مجلة الكرمل" (ص39)، عدد 34/1989م، وانظر: "من فيصل التفرقة إلى فصل المقال" (ص9).
(162)   انظر: محمد شحرور "نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي" (ص31)، والدكتور حامد طاهر يكرر ذلك كثيراً في كلية دار العلوم.
(163)   انظر: العشماوي "جوهر الإسلام" (ص109، 121).
(164)   سورة البقرة آية (62).
(165)   انظر: العشماوي "جوهر الإسلام" (ص127)، وله "أصول الشريعة" (ص100).
(166)   انظر: أركون "نافذة على الإسلام" (ص60)، وله أيضاً: "الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد" (ص84).
(167)   انظر: د. عبد المجيد الشرفي "لبنات" (ص101).
(168)   انظر: كوليز "الله في الفلسفة الحديثة" (ص333، 334).
(169)   انظر: د. حسن حنفي "التراث والتجديد" (ص54).
(170)   انظر: د. محمد شحرور "الكتاب والقرآن" (ص496)، وانظر: الشيخ عبد الرحمن حنبكة الميداني و"التحريف المعاصر في الدين" (ص202).
(171)   سورة ص آية (5).
(172)   انظر: د. حسن حنفي "حوار المشرق والمغرب" (ص54 – 57) والاستشهاد بالآية منه طبعاً.
(173) انظر: د. حسن حنفي "من العقيدة إلى الثورة" (2/92 – 93، 112 – 113) "الصفات في الإنسان على الحقيقة وفي الله على المجاز" (2/602)، وانظر: (2/604، 2/112 – 113، 114، 630)، أما أن تكون الصفات في الله على الحقيقة وفي الإنسان على الحقيقة فهو مستحيل بنظر د. حنفي. انظر: السابق (2/601)، وانظر: "التأويل في مصر" (ص347) فما بعد.
(174)   انظر: د. حسن حنفي "حوار المشرق والمغرب" (ص72).
(175)   انظر: أركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص282)، وانظر: نوال السعداوي "المرأة والدين والأخلاق" (ص50).
(176)   انظر: نصر حامد أبو زيد "النص، السلطة، الحقيقة" (ص135).
(177)   انظر: مراد وهبة "ملاك الحقيقة" (ص299).
(178)   انظر: الصادق النيهوم "الإسلام في الأسر" (ص82).
(179)   انظر: السابق (ص81).
(180)   انظر: السابق (ص82).
(181)   انظر: السابق نفسه.
(182)   انظر: النيهوم "السابق" (ص106، 107).
(183)   انظر: حنفي "في فكرنا المعاصر" (ص93).
(184)   انظر: أركون (ص81).
(185)   د. حنفي "من العقيدة إلى الثورة" (4/508)، وانظر: أبو طالب حسنين "التأويل في مصر" (ص374).
(186)   د. حنفي "من العقيدة إلى الثورة" (4/600).
(187)   د. حنفي "من العقيدة إلى الثورة" (4/601)..
(188)   د. حنفي "من العقيدة إلى الثورة" (4/605)..
(189)   انظر: تركي علي الربيعو "العنف والمقدس والجنس" (ص140 – 141).
(190)   انظر: السابق (ص132، 138).
(191)   انظر: وليم كلي رايت "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص40).
(192)   انظر: إرنست رينان (ص343).
(193)   انظر: زكي نجيب محمود "تجديد الفكر العربي" (ص135، 136)، دار الشروق، الطبعة التاسعة، 1993م.
(194)   انظر: علي حرب "نقد النص"، المركز الثقافي العربي (ص97)، ط1/1993، بيروت.
(195)   انظر: يوسف كرم "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص14)، ورمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص39).
(196)   انظر: السابق (ص15)، و"الإلحاد في الغرب" (ص39).
(197)   انظر: برتراند رسل "تاريخ الفلسفة الغربية" (ص81).
(198)   انظر: جيمس كوليز "الله في الفلسفة الحديثة" (ص133)، ترجمة فؤاد كامل، مكتبة الغريب، القاهرة، 1973 دط.
(199)   انظر: جيمس كوليز "السابق" (ص136).
(200)   انظر: جيمس كوليز "السابق" (ص133).
(201)   انظر: جون هرمان راندال "تكوين العقل الحديث" (ص368).
(202)   انظر: أرندال "تكوين العقل الحديث" (ص368).
(203)   انظر: سبينوزا "رسالة في اللاهوت والسياسة" (ص368)، ترجمة د. حسن حنفي.
(204)   انظر: السابق (ص370 – 371)
(205)   انظر: السابق (ص371).
(206)   انظر: السابق (ص372).
(207) انظر: جيمس كوليز "الله في الفلسفة الحديثة" (ص140)، وانظر: روبرت أغروس "العلم في منظوره الجديد" (ص79، 80) ويوسف كرم "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص56).
(208) انظر: يوسف كرم "تاريخ الفلسفة اليونانية" (ص40)، وانظر: ول ديورانت "قصة الفلسفة" (ص317)، وزكي نجيب وأحمد أمين "قصة الفلسفة اليونانية" (ص76).
(209)   انظر: برتراند رسل "تاريخ الفلسفة الغربية" (ص177).
(210)   انظر: راندال "تكوين العقل الحديث" (ص440).
(211)   انظر: برتراند رسل "تاريخ الفلسفة الغربية" (ص183).
(212)   انظر: يوسف كرم "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص142).
(213)   انظر: جيمس كوليز "الله في الفلسفة الحديثة" (ص164)، ويوسف كرم "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص179).
(214)   انظر: يوسف كرم "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص177).
(215)   انظر: جيمس كوليز "الله في الفلسفة الحديثة" (ص167)، ويوسف كرم "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص179،178).
(216)   انظر: كوليز "السابق" (ص170).
(217)   انظر: كوليز "السابق" (ص172).
(218)   انظر: وليم كلي رايت "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص202).
(219)   انظر: روبرت أغروس "العلم في منظوره الجديد" (ص104).
(220)   انظر: يوسف كرم "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص175).
(221) انظر: جيمس كوليز "الله في الفلسفة الحديثة" (ص61)، ورمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص121)، وجون حرمان راندال "تكوين العقل الحديث" (ص435، 436). يمكن الاطلاع على فكرة الدين الطبيعي في جاكلين لاغريه "الدين الطبيعي" ترجمة منصور القاضي – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1/1413هـ - 1993م.
(222) انظر: جيمس كوليز "الله في الفلسفة الحديثة" (61)، نشير إلى أنه ظهر في التاريخ من ينكر النبوة والوحي، ونسب ذلك إلى البراهمة، وهم قبيلة آرية سيطرت على الهند منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد. انظر: ابو زهرة: "الديانات القديمة" (ص19)، وقد أشار إلى إنكار البراهمة للنبوات جل المؤرخين والمتكلمين المسلمين ومن هؤلاء: الباقلاني، انظر "التمهيد" (ص96)، و"الإنصاف" له أيضاً (ص61)، والبغدادي انظر له "أصول الدين" (ص154)، وابن حزم انظر: "الفصل" (1/137)، والإسفراييني انظر له "التبصير في الدين" (ص89)، والجويني انظر له "الإرشاد" (ص257)، و"النظامية" (ص61)، والغزالي انظر له "الاقتصاد" (ص95)، والشهرستاني انظر له "الملل والنحل" (ص2/250)، و"نهاية الإقدام" له (ص495)، وابن رشد انظر له "مناهج الأدلة" (ص209)، والرازي انظر له "المحصل" (ص308)، والآمدي انظر له "غاية المرام) (ص318)   =
= وأهم من كل هؤلاء: البيروني الذي قضى في الهند قرابة عشرين عاماً. انظر له "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" (ص75)، وفي تاريخنا الإسلامي تعلق ابن الراوندي وأبو بكر الرازي بشبهات البراهمة. انظر في "الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيق" لإبراهيم مدكور (1/82، 87).
(223)   انظر: جون هرمان راندال "تكوين العقل الحديث" (ص438).
(224)   انظر: برتراند رسل "تاريخ الفلسفة الغربية" (ص106، 107)، وانظر مقدمة حسن حنفي لرسالة سبينوزا "رسالة في اللاهوت والسياسة" (ص11).
(225)   انظر: راندال "تكوين العقل الحديث" (ص440).
(226) انظر: رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص161 – 162). ومن أعلام الديانة العقلية في بريطانيا نجد: ماثيو تندال: (1653 – 1733م)، وهو من اشهر التأليهيين الإنجليز بعد اللورد هربرت تشربري، كتب كتاباً تحت عنوان "مسيحية قديمة قدم الخليقة" أو "الكتاب المقدس إعادة لنشر دين الطبيعة"، في لندن سنة 1730م، وهو كتاب توالت طبعاته، وعدَّه التأليهيون كتابهم المقدس، وأطلق تندال على نفسه "التأليهي المسيحي" اعتقاداً منه بعدم وجود تعارض بين المسيحية والمذهب التأليهي، وبأن المسيحية تطابق دين الطبيعة الخالد. انظر: رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص143 – 144)، ووليم كلي رايت (ص220)، جون تولاند: (1670 – 1733م) كتب كتاباً بعنوان: "مسيحية بدون أسرار" نشرة سنة 1696م، وهو متأثر بكتاب جون لوك "معقولية الدين المسيحي" اتُهم الكتاب بالهرطقة، مما دفع مؤلفه إلى الهرب من إيرلندا إلى انكلترة، واتهم بإنكار التثليث = = وألوهية المسيح. انظر: رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص145 – 146)، ووليم كلي رايت "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص220). ويعد – هذا – أبرز من عبر عن الأفكار التأليهية في عصره، فرفض العناية الإلهية والوحي، والنفس، والمعاد. انظر رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص151)، ويوسف كرم "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص155). شافتسبري: (1671 – 1713م): الرأي عنده: أن الهدف وراء الأخلاق هو الدفاع عما يمكن تسميته اللاهوت الطبيعي أو الدين الطبيعي، وليس عن الأخلاق المستمدة من أية قوى غيبية أو خارجية، فالدين الطبيعي يختلف عن الدين المنزل في أنه مبادئ تستند إلى قوانين الطبيعة ونواميسها. انظر: رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص152)، ووليم كلي رايت "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص218). واعتبر شافتسبري أن ارتباط فعل الخير بالثواب في الآخرة فيه نظرة نفعية تتنافى مع المسيحية الحقة، ويسخر من دعاة الفضيلة الذين يؤسسون دعوتهم على أساس من الإيمان بالتنزيل، والحق بنظره أن الأساس هو أن نظرة الإنسان السليمة تدفعه إلى فعل الخير. انظر: رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص154)، ويرى أن الفكر الديني التقليدي من ألد أعداء الدين الحق، والمقصود بالدين الحق في نظره هو الدين الطبيعي؛ لأن الدين التقليدي يدعو إلى الإيمان بالمعجزات، وانتهاك قوانين الطبيعة، ونظام الكون في حين أن دين الطبيعة ينبني على أساس التجانس والتناغم والتوافق الموجود في الكون. انظر: "السابق" (ص155). ولعلنا هنا نتذكر سبينوزا. ومما يدل على نفوذ – هذا في عصره: أنه تأثر به فولتير، ولسنج، ومندلسون، وهيردر، إلى جانب كل من ليبنتز وديدرو. انظر: السابق (ص153). توماس بين: (1737 – 1809م): ارتبط اسمه بالمذهب التأليهي، وتتضح زرايته بالدين المسيحي في كتابه "عصر العقل" الذي ظهر أول جزء منه عام 1793م، والرأي عنده: أن العهد القديم مليء بقصص الفحش والتهتك، والعهد الجديد مليء بالمتناقضات، وقد بلغت حماسة المؤمنين بأفكار "بين" مبلغاً دفعهم إلى إطلاق اسم الكتاب المقدس الجديد على كتابه "عصر العقل" ويرون أن مجرد اقتنائه دليل على التحضر. انظر: السابق (ص158 – 161)، ووليم كلي رايت "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص240). يقول "بين" في كتابه "عصر العقل": "في جميع الأديان التي تم اختراعها لا يوجد دين أشد إهانة لله القدير، ومدعاة لجهل الإنسان، وأكثر عداوة للعقل وتناقضاً مع ذاته من ذلك الشيء المسمى بالمسيحية. رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب: (ص162). ويلخص "بين" إيمانه بما يلي: "أؤمن بإله واحد، وآمل في سعادة تتجاوز الحياة على الأرض، وبالمساواة بين البشر، كما أؤمن بأن واجبات الدين تتلخص في تثبيت العدل والمحبة والرحمة والسعي إلى إسعاد جميع زملائنا في الخليقة". انظر: رمسيس عوض "السابق" (ص163). ويمكن مراجعة أفكار الفلاسفة السابقين حول الدين الطبيعي في " جاكلين لاغريه "الدين الطبيعي" (ص119)، فما بعد ترجمة: منصور القاضي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط1/1993.
(227)   انظر: "السابق" (ص186) ووليم كلي رايت "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص235).
(228)   انظر: رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص187).
(229)   انظر: السابق (ص178، 179).
(230)   انظر: ول ديورانت "قصة الفلسفة" (ص289).
(231)   انظر: وليم كلي رايت "تاريخ الفلسفة الحديثة: (ص233).
(232)   انظر: جيمس كوليز "الله في الفلسفة الحديثة" (ص213).
(233)   انظر: رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص182)، وبرتراند رسل "تاريخ الفلسفة الغربية" (ص298).
(234) انظر: لبراتراند رسل "تاريخ الفلسفةالغربية" (ص297)، وله أيضاً: "حكمة الغرب" (2/145)، ترجمة: فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، العدد 72، مطابع الرسالة، الكويت. وانظر: وليم كلي رايت "تاريخ الفلسفة الحديثة" (ص233).
(235)   انظر: ول ديورانت "قصة الفلسفة" (ص317)، ترجمة د. فتح الله محمد المشعشع، منشورات مكتبة المعارف، بيروت، الطبعة السادسة، د. ت.
(236)   انظر: جون هرمان راندال "تكوين العقل الحديث" (ص446).
(237) انظر: السابق (ص462). إن هذه العبارة الأخيرة تؤكد لنا كم عانت أوروبا من الاختناق بين فكي الكماشة: الملوك، والكنيسة، مما دفعها إلى ردة فعل قوية تجلت فيما نرى من مذاهب وتيارات فكرية تسير في طريق العلمانية على المستويين اللذين عانت منهما: السياسة والدين.
(238)   انظر: رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص172 – 173، 176).
(239)   انظر: د. عبد الوهاب المسيري "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية" (1/354 – 355).
(240)   انظر: السابق (1/209 – 210).
(241) انظر: زالمان شازار "تاريخ نقد العهد القديم" (ص88)، ترجمة: أحمد محمد هويدي، تقديم ومراجعة: محمد خليفة حسن، المجلس الأعلى للثقافة2000م، القاهرة د ط.
(242)   انظر: زالمان شازار "السابق" (ص88).
(243) انظر: سبينوزا "في اللاهوت والسياسة" (ص266)، ود. محمد عبد الله الشرقاوي "في مقارنة الأديان" (ص65)، دار الجيل، بيروت، مكتبة الزهراء بحرم جامعة القاهرة، ط2/1410هـ - 1990م.
(244)   انظر: سبينوزا "رسالة في اللاهوت والسياسة" (ص266).
(245)   انظر: سبينوزا "رسالة في اللاهوت والسياسة" (ص269 – 271).
(246)   انظر: السابق (ص341).
(247) انظر: السابق (ص330 – 344)، يقول لقوا في بداية إنجيله: "إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا، كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة رأيت أنا – أيضاً – إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب إليك على التوالي أيها العزيز ثاوفيلس، ولتعرف صحة الكلام الذي علمت به" "لوقا 1-4".
(248)   انظر: رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص117).
(249)   انظر: رمسيس عوض "السابق" (ص117، 118).
(250)   انظر: رمسيس عوض، السابق (ص118)، وانظر: د. محمد خليفة حسن "اتجاهات نقد العهد القديم" (ص94).
(251)   انظر: زالمان شازار "تاريخ العهد القديم" (ص105). ود. محمد خليفة حسن ود. أحمد محمود هويدي "اتجاهات نقد العهد القديم" (ص94).
(252) انظر: زالمان شازار "تاريخ نقد العهد القديم" (ص105). ود. رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص118)، ود. محمد خليفة حسن ود. أحمد محمود هويدي "اتجاهات نقد العهد القديم" (ص94).
(253)   انظر: زالمان شازار "السابق" (ص105). ود. محمد خليفة حسن ود. أحمد محمود هويدي "اتجاهات نقد العهد القديم" (ص94).
(254)   انظر: ول ديورانت "قصة الحضارة" (2/367).
(255)   انظر: رمسيس عوض "الإلحاد في الغرب" (ص118).
(256)   انظر: زالمان شازار "تاريخ نقد العهد القديم" (ص131 – 141).
(257)   انظر: السابق (ص131).
(258)   انظر: السابق (ص147).
(259)   انظر: أركون "تاريخية الفكر" (ص218).
(260)   انظر: السعيداني "إشكالية القراءة" (ص19).
(261)   انظر: أركون "قضايا في نقد العقل الديني" (ص182).
(262)   انظر: فتحي القاسمي "العلمانية وانتشارها شرقاً وغرباً" (ص15).
(263)   انظر: السابق (ص27).
(264)   انظر: أعني رغبتهم في أن يروا آخر ملك مشنوقاً بأمعاء آخر قسيس.
(265) يقول أبو زيد: "إن مثل هذا المنهج [يقصد المنهج السلفي] إن اكتملت له أدوات البحث المنهجي من الدقة والاستقصاء بمثابة ديالكتيك هابط، في حين أن منهج هذه الدراسة [يقصد دراسته هو] بمثابة ديالكتيك صاعد" انظر: نصر حامد أبو زيد "مفهوم النص" (ص29).
(266)   عنوان كتاب لـ جمال البنا.
(267)   انظر: الهمداني. القاضي عبد الجبار "المغني" (9/5).
 
 
 
إنى للبيت عائدة
الجمعة 28 يوليو 2006
إني للبيت عائدة!
بقلم: ليندا هيرشمان
ترجمة: د. جعفر جميل أبو ناصر
مراجعة: د. شعبان عبد العزيز عفيفي
الثقافة لعالمية ـ العدد 136 ـ مايو 2006
( هذا المقال يكشف عن جوهر فكر الحركة النسوية ، وما تعانيه من فشل في الغرب ، كما يقدم الحلول لتجاوز الأزمة !! ولكن بأفكار ساذجة و مصادمة للعقل والفطرة ، ولكن للأسف " لتتبعن سنن من كان قبلكم ..." الراصد )
ترى المؤيدات للحركة النسوية (choice feminsm)([1]) أن البقاء في البيت مع الأطفال هو مجرد خيار إضافي بالنسبة لهن، ومن العجيب أن معظم الرجال نادراً ما يلجأون إلى هذا "الاختيار"، فأي نوع من الخيارات هو بالضبط؟
1ـ حقيقة النخبة النسوية
نصف النساء الثريات، والأكثر امتيازات، والأرقى تعليماً في الولاية المتحدة يفضلن البقاء في البيت مع أطفالهن بدلاً من العمل في اقتصاد السوق. وعندما نشرت صحيفة "النيورك تايمز" في شهر سبتمبر مقالا خاصا تناولت فيه بعض جوانب هذا الموضوع تحت عنوان "العديد من النساء في الجامعات العريقة يتجهن نحو مهنة الأمومة" أثار هذا الموضوع جدلا كبيراً في أروقة الإنترنت، هذا الجدل لم يخل من النوادر والردود التهكمية. وكان جاك شيفر من مجلة "سليت slate" قد اتهم "التايمز" باستخدام "كلمات مراوغة" وبنشر الموضوع نفسه تقريبا، وهو "ثورة اختيار ترك العمل The opt-out Revolution" ـ كل بضع سنوات، ومؤخرا، كل بضعة أسابيع.
وبعد شهر من تلك الصفعة Mareen Dowd  الخفيفة، استشهدت الصحفية مورين داود، وهي الأنثى الوحيدة بين كتاب الأعمدة الثابتة في "التايمز" بمقال "الجامعة العريقة" في مشاركتها بمسلسل "التايمز" المستمر بمقالة وعنوانها "ماذا على الفتاة المعاصرة أن تفعل؟" وموضوعها أن على النساء التخلي عن "الحركة النسوية وحتى ترك العمل". وقد أثارت مقالة الجامعات غضبا شديدا وانتقادات لدرجة أن "التايمز" اضطرت لنشر توضيح على موقعها في شبكة الإنترنت قالت فيه إن الأسلوب الذي اتبعته الكابتة كان أسلوب طالبة صحافة حينذاك.
لا تزال هناك مشكلة واحدة فقط: وهي أن هناك حقيقة مهمة في قصة ترك العمل، برغم أنها صدرت في صحيفة الـ "نيويورك تايمز".
لقد عثرت على هذه الأخبار قبل ثلاث سنوات عندما كنت أقوم ببحث لتأليف كتاب عن الزواج في فترة ما بعد ظهور الحركة النسوية، فوجدت أن الحركة النسوية بين النخبة المتعلمة، الوريثات من الناحية المنطقية لأجندة تفويض مزيد من السلطة للنساء، قد فشلت في تحقيق أهدافها إلى حد كبير فهناك عدد قليل من النساء في أروقة السلطة، وبقي الزواج على حاله دون تغيير جوهري. وعدد النساء في الجامعات يزيد على عدد الرجال، ولكن بعد أكثر من جيل بعد الحركة النسوية، لا يقترب عدد النساء في الوظائف الممتازة من عدد الرجال.
فما السبب في ذلك؟ الجواب الذي اكتشفته ـ وهو جواب لا ترغب قيادات الحركة النسوية ولا النساء أنفسهن في مواجهته ـ هو أنه إذا كانت الحياة العامة قد تغيرت، بشكل غير مثالي، لتفسح مجالا للنساء بين النخبة، فإن الحياة الخاصة تزحزحت وبصعوبة. ويكمن السقف الزجاجي([2]) الحقيقي في المنزل.
وبنظرة إلى الوراء، يبدو من الواضح أنه كان مقدرا للعائلة التي لم تكتمل إعادة بنائها أن تبزغ من جديد بعد مرور عاصفة التغيير الاجتماعي للحركة النسوية. وبعد الإندفاعة الأصلية نحو معالجة كل شيء في حياة النساء، حولت الحركة النسائية تركيزها نحو كسر أبواب بنية السلطة العامة، ولم يكن ذلك بالعمل الهين. ففي بداية الأمر، كان من الشائع وجود محلفين من الذكور، وجامعات عريقة Lvy League([3]) للذكور، وإعلانات توظيف مقصورة على جنس واحد (الرجال)، وأصحاب أعمال يميزون بين الجنسين، وتحرش بزميلات العمل. وكنتيجة لجهود الحركة النسوية ـ ولتوجهات اقتصادية أكبر ـ ارتفعت نسبة النساء، وحتى الأمهات، في الوظائف بدوام كامل أو نصف دوام على نحو كبير خلال الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن العشرين.
لكن نسبة التقدم تباطأت بعد ذلك، فتوقفت أرقام الإحصاء الرسمي لجميع الأمهات العاملات عند مستوى معين حوالي العام 1990 وتناقصت بشكل بسيط منذ العام 1998. وفي المقابلات التي أجريتها، قالت النسوة اللواتي يمتلكن ما يكفي من المال بقدر يسمح لهن بترك العمل إن "خيارهن" هو ترك العمل. وتخفي كلماتهن حقيقة هامة مفادها أنه لم يتغير شيء من الاعتقاد السائد بأن النساء هن المسؤولات عن تربية الأطفال والعناية بالمنزل وذلك بعد عدة عقود من تأثير الحركة النسوية على مكان العمل، أضف إلى هذا الدليل الجيد أن أماكن عمل الطبقة العالية أصبحت كثيرة المتطلبات. وإذا تم مزج كل ذلك مع الحملة الثقافية المحافظة الناجحة التي تطالب بتعزيز الأدوار التقليدية لكلا الجنسين فإن ذلك كفيل بالقضاء على الحركة النسوية.
من لا تعجبه الرسالة يهاجم المعلومات المكونة لها. صحيح، إن "التايمز" أسست قصة الجامعة على دراسة مشكوك في مصداقيتها وعلى عدد من المقابلات الصحفية. كما أنه ليس من الضروري منح شهادة اعتماد لكتاب داود، الذي أخذت منه مقالتها، والذي يبدو أنه يقوم بشكل رئيس على تجربة حياتها مع المواعيد الغرامية السيئة ومع البريد الإلكتروني من زملائها المراسلين الصحفيين في "التايمز"، لكي يتساءل المرء عما إذا كانت كل هذه الضجة لا تعني أن هناك شيئا مهما يتفاعل في المناورات السياسية حول الجنس (الذكورة والأنوثة).
ما الدليل الذي يفي بالغرض على نحو جيد؟ دعنا نبدأ بك. أنت أيتها القارئة المتعلمة والغنية، إن كنت سيدة في الثلاثينيات أو الأربعينيات من العمر وأماً لأطفال، ما عملك؟ وأنتم أيها الأزواج، ما الذي تعمله بناتكم المتزوجات الأمهات؟ لقد وجهت هذا السؤال لعدد لا حصر له من النساء والرجال. وفي الشريحة السكانية التي تتكون من المتعلمين الأغنياء، تنصرف النساء عن مهنهن من أجل العناية بالبيت والأطفال، أما اللواتي يعملن من بين من قابلت من النساء فيعملن نصف دوام، وهذا لن يوصل أحدا إلى المراكز العليا في الإدارة. وفيما يلي بعض الأدلة الإضافية: خلال التسعينيات من القرن العشرين، قمت بتدريس مقرر عن المقايضة بين الجنسين في جامعة محترمة. وفي كل سنة، كنت أستعرض مع الطلبة بعد انتهاء التدريس المردود المتدني للعمل على رعاية الأطفال، وسألت كيف يتوقع الطلاب الجمع بين العمل ورعاية الأطفال. وتحدثت نصف الطالبات على الأقل عن الحياة بنصف دوام home based work  أو العمل من البيت([4]). أما الذكور فتوقعوا من شريكات حياتهم أن يقمن برعاية الأطفال. وعندما قمت بسؤال الشباب كيف سيوفقون بين ذلك الاحتمال وبين ما يبديه السوق من قلة احترام واضحة لرعاية الأطفال، أصيبوا بالارتباك، وعندما تحولت نحو النساء اللواتي تحدثن قبل ذلك، كان ردهن، الوحيد هو: "لكنها هي التي اختارت ذلك".
وحتى رونالد كوز Ronald Coase ، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في العام 1991، يستشهد بالمثل القائل "مجموعة النوادر والحكايات تشكل معلومات". وبهذا، كم من هذه النوادر والحكايات يحتاج الأمر لتصبح معلومات؟ أنا ـ بصفتي عضوا في المنظمة الوطنية للنساء Women (NOW) National Organiztion for ، وأحد المانحين للائحة إميلي EMILY, s List([5])، وأستاذاً في الدراسات النسوية ـ لم أشرع في البحث لأصل إلى شيء من هذا. فلقد عثرت على هذا الموضوع، وأنا بصدد التخطيط لتأليف كتاب، عندما حدث وأن شاهدت شارلوت في المسلسل التلفزيوني "الجنس والمدينة Sex and the City" وهي تعاني بشدة من أجل أن تنشر إعلانا عن موعد زواجها في صفحة "طراز حياة يوم الأحد Styles Sundae" بصحيفة "النيويورك تايمز"، قلت لنفسي: وهل توجد عينة أفضل من عرائس صفحة "طراز حياة يوم الأحد" المتعلمات تعليماً راقيا والمرموقات اجتماعياً حوالي العام 1996؟ وعند الزواج، كان من بين هؤلاء نائبة رئيس للاتصالات بالعملاء، وطبيبة اختصاصية في الجهاز الهضمي، ومحامية، ومحررة، ومديرة تسويق. وفي عامي 2004.2003، اقتفيت أثرهن واتصلت بهن. قابلت حوالي 80% من الإحدي والأربعين امرأة اللواتي أعلن عن زواجهن على مدى ثلاثة أيام أحد مختلفة من العام 1996. ولكن في الأربعين من العمر، جامعيات، وذوات مهن ناجحة: ومن هو أكثر احتمالا منهن في الانتفاع من وعود الحركة النسوية بالفرص؟ تصوروا كم كانت دهشتي عندما وجدت جميع من تزوجن في اليوم الأحد الأول تقريبا باقيات في البيوت مع أطفالهن. هل يشكل ذلك شذوذاً إحصائيا؟ لا، فقد وجدت النتيجة نفسها ليوم الأحد التالي، وليوم الأحد الذي يليه.
وتسعون في المائة من العرائس اللواتي عثرت عليهن قد أنجبن أطفالاً. ومن الثلاثين اللواتي أنجبن الأطفال، خمس فقط يعملن بدوام كامل، وخمس وعشرون، أو 85%، لا يعملن بدوام كامل. ومن هؤلاء اللواتي لا يعملن دواماً كاملاً. عشر فقط يعملن نصف دوام ولكن غالباً في مجال بعيد جداً عن مهنهن السابقة ، ونصف النساء المتزوجات والأمهات لأطفال لا يعملن بالمرة .
وهناك ما هو أكثر من ذلك. ففي العام 2000، قامت مايرا هارت الأستاذ بكلية إدارة الأعمال في جامعة هارفارد بعمل مسح للنساء خريجات أعوام 1981، 1986، و1991 فوجدت أن 38% فقط من الإناث اللواتي حصلن على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من هارفارد يعملن بدوام كامل، كما أن مسحا قام به مركز سياسة العمل والحياة Center For Work- Life Policy  في العام 2004 لحوالي 2.443 امرأة من حاملات درجات الماجستير أو البكالوريوس في تخصصات محترمة جدا أظهر أن 43% من هؤلاء النسوة أمهات الأطفال قد أخذن إجازة من العمل، لأسباب عائلية بشكل رئيسي. ويقول رتشارد بوزنر، القاضي في محكمة الاستئناف الفيدرالية، والأستاذ المساعد في جامعة شيكاغو أحياناً، يقول: "تؤكد مقالة "التايمز" ما يعرفه كل من له علاقة بهذه المؤسسات التعليمية (كليات الحقوق المتميزة) منذ وقت طويل، وهي أن نسبة من الطالبات الإناث أعلى بكثير من نسبة الطلبة الذكور ستنسحب من القوة العاملة للرعاية بأطفالهن".
ما العدد المطلوب من النوادر والحكايات لكي تصبح معلومات؟ أظهر إحصاء العام 2000 تراجعا في نسبة أمهات الأطفال الرضع اللواتي يعملن بدوام كامل أو نصف دوام أو يبحثن عن عمل. بدءا من 31% في العام 1976، ارتفعت النسبة كل سنة تقريباً حتى العام 1992، ووصلت لنسبة 58.7% في 1998، ومن ثم بدأت بالتراجع ـ إلى 55.2% في العام 2000، وإلى 54.6% العام 2002، وإلى 53.7% العام 2003. وأظهرت الإحصاءات التي نشرت حديثا تراجعا أكثر وصل إلى نسبة 52.9% في العام 2004، وحتى النسبة المئوية للأمهات العاملات مع أطفال ليسوا في سن الرضاعة تراجعت بين عامي 200.2003، من 62.8% إلى 59.8%.
والنساء المتعلمات تعليما جامعيا يعملن أكثر من غيرهن، إلا أن إحصاء العام 2002 يثبت أن الدرجات الجامعية والمهنية لا ترفع من نسبة المشاركة في قوة العمل أكثر مما ترفعه سنة جامعية واحدة. وعندما يكون أطفالهن في سن الرضاعة (أقل من سنة واحدة)، فإن 54% من الإناث الجامعيات لا يعملن بدوام كامل (يعمل 18% منهن نصف دوام و 36% لا يعملن أبدا) وحتى من بين هؤلاء اللواتي ليس لديهن أطفال في عمر الرضاعة، فإن 41% منهن لا يعملن بدوام كامل (يعمل 18% منهن نصف دوام و23% لا يعملن أبدا).
يتحاور الاقتصاديون حول معنى البيانات والمعلومات، حتى إنهم يذهبون لغاية التأكيد على أن هناك المزيد من الأمهات العاملات. ويقولون إن مكتب الإحصاء قد غيّر تعريف كلمة "عمل" قليلا في العام 2000،حيث دخل الاقتصاد في مرحلة ركود، فكان التناقص في نسبة النساء من دون أطفال موازياً للركود الاقتصادي. ومع ذلك، فحتى لو لم يكن هناك تناقص بل كان مجرد توقف عند مستوى معين، فإن هذا لا يمثل فقدانا لقيمة ما في الوقت الحاضر ولكنه يمثل مفقدانا للأمل في المستقبل ـ فقدانا للأمل في أن يستمر دور النساء في المجتمع في التنامي.
ما زالت المساجلات عاجزة عن تفسير سبب غياب النساء عن أماكن العمل المتميزة. لو كانت النساء صامدات في عالم الأعمال، والمحاماة، والتعليم الأكاديمي العالي، بعد مرور ثلاثين سنة على قيام الحركة النسوية بملء المدارس المتميزة بالنساء، لأصبحت أماكن العمل المتميزة الآن ملأى بالنسبة نفسها من النساء كذلك، ولكنها ليست كذلك. وقد شكلت الإناث ما نسبته 40% من خريجات كليات الحقوق على مدى عقود مضت ـ كما حدث خلال هذه العقود توسع هائل في المدارس وفي الشركات. ومع أن الإناث لن يشكلن نسبة 40% من العاملين في مجال القانون حتى العام 2010، ففي العام 2003، شكلت الإناث نسبة 16% فقط من شركاء مكاتب المحاماة الرئيسية، حسب ما أوردته جمعية المحامين الأمريكية. ومن المهم أن تأخذ بعين الاعتبار أن أماكن العمل المتميزة مثل مكاتب المحاماة قد توسع حجمها خلال السنوات نفسها التي تزايدت بها نسبة الخريجات الإناث، مما يجعلك تتوقع توظيفا للإناث أعلى مما يشير إليه معدل الخريجات. لقد خرّجت مدرسة إدارة الأعمال في جامعة هارفارد دفعات بلغت نسبة الإناث فيها حوالي 30%. ومع ذلك، تشكل الإناث نسبة 10.6% فقط من مديري شركات "وول ستريت Wall Street "([6])، ومجرد تسع إناث بوظيفة رئيس تنفيذي في شركات "فورتشن Fortune 500 "([7])، وتشكل الإناث 20% من هيئة التدريس عند عميد مدرسة إدارة الأعمال في جامعة هارفارد والتي امتدح عميدها فضائل الانقطاع عن العمل في برنامج "ستون دقيقة" التلفزيوني.
من المحتمل أن يكون مكان العمل متميزا ومعادياً للحياة العائلية، ولكن لو وظفت الشركات كل محامية ليس لديها أطفال، لكن ذلك وحده كافيا لرفع نسبة الإناث الشريكات في مكاتب المحاماة إلى أكثر من 16% خلال ثلاثين سنة، كما أنه من الممكن أيضا أن تستثني النساء أنفسهن طوعيا من التنافس على الوظائف المتميزة والاكتفاء بوظائف أقل مركزا واقل دخلا، وعلى النساء تحمل تبعات قراراتهن. الادعاء بعدم وجود علاقة بين التناقص من 40% في كليات الحقوق إلى 16% من الشركاء في مكاتب المحاماة الكبيرة وبين ترك نصف الأمهات خريجات الجامعات المهنية لوظائف ساعات العمل الكامل عند الإنجاب لعدة سنوات، أو تحولهن لوظائف أقل درجة، هو ادعاء لا يقبله العقل.
ولا علاقة لهذا بالرعاية النهارية للأطفال. فنصف العرائس في "صحيفة التايمز" تركن العمل قبل إنجاب الطفل الأول. ولقد عبر نصفهن على الأقل خلال المقابلات التي أجريت معهن عن أملهن في أن لا يعدن إلى العمل أبداً. ولا خطط واقعية للعمل عند أي منهن. والأهم من ذلك. كانت النساء في حالة اغتراب عن العمل عندما تركنه أو على الأقل غير ملتزمات بحياة العمل. وقالت إحداهن، وهي تحمل درجة الماجستير في إدارة الأعمال، إنها لن تستطيع أبدا أن تفهم لماذا يتكالب الرجال على الحصول على صفقات في مكان العمل الذي فصلت منه. وقالت وهي مستغرقة في التفكير: "إنها مجرد نقود". فلم يكن مستغربا، أنه عندما عرض عليهن أصحاب العمل وظائف بنصف دوام، لم يكنَّ متحمسات بقبول ذلك.
2ـ فشل "الخيار النسوي"
ما الذي يجري؟ معظم النساء يأملن في الزواج وإنجاب الأطفال. وإذا ما قاومن المسؤوليات الأنثوية التقليدية المتعلقة بتربية الأطفال والعناية بالمنزل، والتي أسمتها آرلي هوكتشيلد Arlie H0chschild  "نوبة العمل الثانية" فإن ذلك يعني بدء الاستعداد للمنازلة. لكن النخبة النسوية لا تقاوم التقاليد، ولم تر أي من العرائس اللواتي مكثن في البيوت واللواتي أجريت مقابلة معهن أن نوبة العمل الثانية غير عادلة؛ ويوافقن على أن الأعمال المنزلية هي من صميم عمل المرأة. وكما قالت إحدى العرائس المحاميات في تفسير قرارها بترك المهنة بعد خبرة أربع سنوات: "كان علِّي التخطيط للزواج". وأخرى، وهي خريجة إحدى الجامعات العريقة وتحمل درجة الماجستير، قالت بلغة علم الإدارة: "هو (الزوج) رئيس الإدارة التنفيذي وأنا رئيسة الإدارة المالية.عليه كسب الأموال وعلَّى أن أقرر كيف أنفقها". إنه عملهن، وعليهن القيام به على أكمل وجه. "نحن كلنا هنا مشغولات بطبخ فطيرة التفاح" كان رد إحداهن لتفسر ترددها في ترك بناتها من أجل إجراء المقابلة، كما وصفت رئيسة الإدارة المالية أنشطتها المنزلية قائلة: "إنني أصطحب ابنتي (ذات الثلاث سنوات) إلى جميع المتاحف الكبرى، ونذهب لحضور فصول في مدارس صغار الأطفال".
يؤكد المحافظون على ترك العمل يثبت "فشل" الحركة النسوية لأنها كان متشددة جدا، ولأن النساء لم يرغبن فيما قدمته تلك الحركة. وفي الواقع، إذا كان نصف وريثات الحركة النسوية أو أكثر (85% من النساء في عينتي هن من صحيفة "التايمز") لا يأخذن العمل مأخذ الجد، ذلك لأن تلك الحركة لم تكن متشددة بما فيه الكفاية؛ فلقد غيرت مكان العمل ولكنها لم تغير الرجال، والأهم من ذلك، لم تغير العلاقة بين الرجل والمرأة بشكل جوهري.
لقد بدأت الحركة متشددة بالفعل. ففي دعوتها الأصلية للاستعداد للنضال، شبهت بيتي فريدان العمل المنزلي بالحياة الحيوانية، وقالت في كتابها "الهالة السرية الأنثوية The Feminine Mystique"، "كنس أرضية غرفة المعيشة – بكامل زينتها أو من دونها ـ ليس بالعمل الذي يحتاج إلى تفكير أو طاقة كبيرة لازمة لكي تشكل تحدياً لكامل قدرات المرأة... لقد أدرك الرجل على مدى العصور أن ما يميزه عن الحيوان هو قوة عقله التي تمكنه من الإتيان بفكرة أو برؤية ما فيقوم بتشكيل المستقبل ليتناسب معها، وعندما يكتشف ويبدع ويشكل مستقبلا يختلف عن ماضيه، يصبح رجلاً، أحد بني الإنسان".
إلا أن الحركة النسوية المتحررة (الليبرالية) تخلت بعد ذلك عن نقطة البداية المتسمة بإصدار الأحكام التقديرية لصالح تقديم "خيارات" متعددة للنساء. والحديث عن الخيارات ناتج عن محاولات الناس تحاشي استعمال كلمة "إجهاض"، كما أن هذه "الخيارات" زودت الحركة النسوية بحل لا يمكن مقاومته لتفادي النزاعات حول مسألة بقاء المرأة في البيت من أجل الأمومة. تستطيع المرأة أن تعمل وأن تبقى في البيت وأن تنجب عشرة أطفال أو لا تنجب أحداً أن تتزوج أو تظل عزباء. يعتبر كل ذلك جزءاً من الحركة النسوية طالما كان خياراً للمرأة. (لقد أصبح مفهوم الاختيار مسيطراً لدرجة أنه عندما تركت تشارلوت وظيفتها، تحت ضغط زوجها الأول الذي لا يطاق، جعلها مؤلفو مسلسل "الجنس والمدينة" تصرخ قائلة: "إنني حرة في خياري! إنني حرة في خياري!).
والجماعات الأكثر تطرفاً ضمن الحركة النسوية هي وحدها التي تعرضت لموضوع العلاقة بين الجنسين داخل البيت، ووضعت لها حلولا غير مثمرة مثل الاشتراكية أو الانفصالية. نحن على علم بحكاية الاشتراكية. وأما الانفصالية فلقد اصطدمت وجها لوجه مع موضوع الزواج من الجنس الآخر وبإعادة إنتاج الذات، ناهيك عن الكلام عن كسب لقمة العيش من وظيفة غير وظيفة بيع الكتب في محل تابع للحركة النسوية. وعلى حد قول أليس إيكولز مؤرخة الحركة النسوية " بدلاً من مواجهة موضوع الخضوع و التبعية في الحياة العائلية ، التزمت الحركة النسوية في منظمة النساء الوطنية بالنضال من أجل دمج النساء في الحياة العامة".
وبغض النظر عما كانت عليه الحركة النسوية من عظمة، بمجرد أن تراجعت إلى أيديولوجية الجنس (من حيث الذكورة والأنوثة) داخل العائلة. ولم تستطع الحركة النسوية القول، "إن القيام بالأعمال المنزلية ورعاية الأطفال ضمن نواة الأسرة Nuclear Family  ليس بالمجتمع وليس بذي قيمة محترمة من الناحية الاجتماعية. ويقتضي العدل ألا يكون قاصرا على النساء على أساس الجنس مع التضحية بإمكانية حصولهن على المال والسلطة والاحترام".
تعتقد خمسون في المائة ممن استطلعت آراؤهن و 62% من الحاصلات على الماجستير من جامعة هارفاد والـ 85% من عرائس صحيفة "التايمز" بأنهن قمن "باختيار" حياتهن على أساس الجنس من حيث الذكورة والأنوثة. ما لا يعلمنه هو أن الحركة النسوية، وبالتواطؤ مع المجتمع التقليدي، أحالت مسألة العائلة المنقسمة على أساس الجنس إلى النساء لكي يمارسن الاختيار. حتى مع وجود جميع دور الرعاية النهارية في العالم، لا يزال الاختيار الشخصي محكوماً بسياسة المجتمع، ومعظم ما تبقى هو ثورة ترك العمل.
3 ـ ما العمل إذن؟
هاهو التحليل الأخلاقي للحركة النسوية الذي تجاهله الاختيار:العائلة جزء ضروري من الحياة ـ بما فيها من مهام متكررة، وغير منظورة، وبدنية ـ ولكنها تسمح بفرص من أجل الرخاء الإنساني الكامل أقل مما تسمح به المجالات العامة، كالعمل في التجارة أو الحكومة. هذا المجال الأقل رخاء ليس بالمسؤولية الطبيعية والأخلاقية للنساء فقط، ولذلك، فإن اقتصار ذلك على النساء هو أمر غير عادل. كما أنه ليس من العدل أن تلزم المرأة نفسها بذلك. وبعبارة أخرى، وكما قال مارك توين Mark Twain ، "إن رجلا يختار عدم القراءة هو بنفس الدرجة من الجهل كرجل لا يستطيع القراءة".
والنقاد على صواب في شيء واحد؛ فموضوعات الـ "نيويورك تايمز" السخيفة لا تغير من الأمر شيئا. أما داود Dowd ، والتي قد تمتلك قدرات كثيرة لكنها ليست بالفيلسوف السياسي، تختتم مقالها بالتساؤل عما إذا كان الوضع سيتغير بحلول العام 2030. ويظل اليساريون يحدوهم الأمل في أن يصدر الجمهوريون قانون رعاية الطفل، الذي يحتمل أن يبقى لما بعد 2030 بكثير. وفي كلتا الحالتين، لن نستطيع الانتظار تلك الفترة الطويلة. فإذا كان لنجاح النساء أية أهمية، فعلى الحركة النسوية الاعتراف بأن وضع العائلة في العام 2005 هو الوضع نفسه الذي كان عليه مكان العمل في العام 1964 ووضع حق الانتخاب في العام 1920. وكما هو الحال النسبة لحق العمل وحق الانتخاب، فإن الحق في حياة مزدهرة، تشمل الحياة العائلية ولكنها لا تقتصر عليها، لن يجد حلاً من خلال لغة حق الاختيار.
والنساء اللاتي يرغبن في ممارسة الجنس وإنجاب الأطفال مع القيام في نفس الوقت بعمل جيد في وظائف ممتعة بحيث يتمكن أحيانا من ممارسة سلطة اجتماعية، هن في حاجة إلى إرشاد، ويحتجن ذلك بشكل مبكر. والخطوة الأولى ببساطة هي البدء بالحديث عن الرخاء والازدهار، وبذلك تكون الحركة النسوية قد بدأت تعود لجذورها الأولى. وقد يثير هذا غضب البعض، ولكنه سيقرع جرس الإنذار قبل أن ينتهي الأمر بالجيل القادم في الوضع نفسه الذي نحن عليه الآن. الخطوة التالية، على الحركة النسوية أن تبدأ بتقديم حلول لتطبقها صغار النسوة على عاتقهن وليس مجرد حق اختيار أو أحلام طوباوية. دفع النساء للخروج من الدور التقليدي لهن ليس بالأمر الهين. ويتطلب الأمر قواعد ـ قواعد كتلك التي في كتاب "القواعد The Rules" الذي كان مثار استهزاء وسخرية على نحو واسع، والذي لم يكن أبدا عن المواعيد الغرامية وإنما عن تعديل السلوك.
وهنالك ثلاث قواعد: استعدي بالمؤهلات اللازمة للحصول على عمل حيد، وتعاملي مع العمل بجدية، ولا تضعي نفسك في موضع غير متكافئ من حيث الموارد والإمكانات عند الزواج.
وفترة الاستعداد تبدأ في الجامعة. ومن المؤسف أن يرى المرء أن الفتيات يضعن حدا لخياراتهن في العمل في الحياة العامة في وقت مبكر جدا هو مرحلة الجامعة، ولكنهن في الواقع يفعلن ذلك. العيب الأول يتمثل في منهج الآداب والدراسات الإنسانية والثقافية العامة، الذي تجيده النساء، ويتخرجن منه بأعداد أكبر من الرجال. فعلى الرغم من أن العديد من الناس الناجحين بدؤوا بدراسة تلك المواد، فإن الهدف من تعليمها ليس التأهيل للوظيفة باستثناء عدد صغير جداً من الوظائف الأكاديمية.
وهكذا، فالقاعدة الأولى هي أن تختاري تعليمك الجامعي وعيناك على أهداف المهنة التي ستعملين بها. ويجب على منظمات الحركة النسوية أن تصدر كل عام دراسة حول أكثر فرص العمل شيوعاً لحاملي الدرجة الجامعية، إضافة إلى معدل الدخل المتوقع على مدى الحياة لكل فئة من الوظائف، والمواصفات اللازمة لتلك الوظائف. والمهم هنا هو مساعدة الفتاة على أن ترى أنه من الممكن أن تدرس تاريخ الأدب، ولكن مع إدراك واقعي بأنها ستحتاج في يوم قريب إلى استثمار دراستها اللآداب في إعالة نفسها وعائلتها. وعلى مثل هذه الدراسة مطالبة الفتيات بأن يخترن أفضل ما يتناسب معهن ويرشدهن إلى أفضل أنواع التعليم التي تتفق مع قدراتهن واستعداداتهن ....، على الدراسة أن تقدم مسارات دراسية واقعية للنساء، لمساعدة الراغبات في العمل في وظيفة أمين متحف، رغم افتقارهن للعبقرية الفنية، في عدم الوقوع في براثن الإحباط المهني وتحاشي حل مشاكلهن الوظيفية بالزواج.
وبعد الجامعة يأتي التدريب على أعمال الوظيفة أو التعليم المستمر. والعديد من عرائس صحيفة "التايمز" ـ وكذلك العرسان ـ عملوا بالفعل عند إنهاء تعليمهم. وإليكم هذه الحكاية حول الفارق بينهما: تقابل الزوجان من خلال العمل في شركة وكلاهما محامٍ. وبعد سنوات قليلة، تحول الرجل من العمل في قانون التجارة الدولية إلى العمل في عالم الأعمال والتجارة الدولية أما المرأة فقد تركت العمل كليا، وقالت لي: "لقد قالوا لي إن كلية الحقوق يمكن أن تدربك لأي شيء، ولكنها لا تؤهلك للدخول في عالم التجارة والأعمال، وكان علي أن أدخل كلية إدارة الأعمال"، أو كان عليها الانسحاب والتنحي جانباً ومشاهدة زوجها المحامي يستغل سنوات عمله الأولى للاستعداد للتحول إلى عمل له علاقة بذلك. لقد افترض كل عريس من عرسان صحيفة "التايمز" أن عليه أن ينجح في عالم الأعمال، وفي الحقيقة حاول كل منهم ذلك. وبالمقابل، كان الطابع المشترك بين النساء اللواتي قابلتهن عبارة عن مثالية الاعتداد بالنفس حول أنواع الوظائف الفكرية، والمتميزة والمرموقة اجتماعيا، والخالية من المناورات السياسية والتي تستأهل حضورهن الذي لا يقدر بثمن. وهكذا، فالقاعدة الثانية هو: على النساء التعامل مع السنوات الأولى بعد الجامعة كفرصة للاندماج في الحياة العملية ذات الطابع الرأسمالي والاستعداد للإنتاج الجيد، الذي سيتعامل معه حينذاك بجدية.
أفضل الطرق للتعامل مع العمل بجدية هي الوصول إلى المال. فالمال هو المؤشر على النجاح في اقتصاد السوق؛ وعادة ما ترافقه السلطة، ويساعد حامله على استخدام هذه السلطة، بما في ذلك استخدامها داخل الأسرة. ودون استثناء تقريبا، فإن النساء اللواتي تركن العمل تخرجن بالدرجة الجامعية نسها كأزواجهن تقريبا، ومع ذلك، ففي مرحلة ما اتخذت النساء قرارا نحو الاتجاه الأقل مالا. وكانت المثالية جزءا من المشكلة: فالمثالية على درب المهنة أو المستقبل الوظيفي عادة ما تؤدي إلى العمل التطوعي، أو إلى وظيفة تشبه العبودية من وظائف الخدمة الاجتماعية، وقد يكون ذلك عملا جيدا لكنه لا يدر عليك مالا. والخطأ الآخر هو تغيير الوظيفة عدة مرات، ودون استثناء، لقد غيرت العرائس اللواتي تركن العمل وظائفهن أكثر مما فعل العرسان. ليس هناك شيء اسمه وظيفة مثالية كاملة، فلقد كانت رغبة كوندوليزا رايس أن تكون عازفة بيانو،...
إذ1 كنت ناجحة في عملك فأنت في وضع يسمح لك بالتعامل مع المشروع الثالث: الأسرة المنجبة للأطفال. والقاعدة التي تحكم هذا الموضوع هو ألا تتحملي أكثر من حصتك العادلة من نوبة العمل الثانية. وإذا كان هذا يبدو قاسيا وخاليا من التعاطف فعليك بالاطلاع على الدراسة التي أصدرها مركز سياسة العمل ـ الحياة. تشعر ما لا يقل عن 40% من النساء المتزوجات والمتعلمات تعليماً عالياً بأن أزواجهن يمثلون عبئا عليهن لا يقارن بما يقدمونه من مساعدة في المنزل. وفقا لما ورد كتاب فيليس مون وباتريشا رولينج "الهالة السرية للمهنة" يزداد عمل المرأة في المنزل بعد الزواج بنسبة 17% بينما يتناقص عمل الرجل بنسبة 33%". وليس هناك واحد من بين عرسان صحيفة "التايمز" من النوع الذي يمكث في البيت. العديد منهم ينتظر يوم الاثنين بفارغ الصبر، ولم يأخذ أي من عرسان "التايمز" مجرد إجازة أبوة قصيرة عند ولادة أطفالهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكن تحاشي هذا الروتين الممل؟ والجواب هو: إما بالعثور على زوج عنده من السلطة الاجتماعية أقل مما عندك أو بالعثور على زوج ملتزم بأيديولوجية المساواة بين الجنسين. عليك اختيار الطريق الأسهل. أولاً، تزوجي من هو أقل منك سلطة. لا تظنين أن هذه خطوة طائشة، فإن كنت مخلصة في تحقيق أهدافك الوظيفية وترغبين في رجل يساندك في ذلك، فأنت تعملين ما عمله الرجال على مدى العصور: مراهنة آمنة. توصي رونا ماهوني في كتابها "نحن نخدع أنفسنا: الأطفال وكسب الرزق، والقدرة على المساومة Kidding Ourselves Babies, Breadwinning and Bargaining Powwer”الصادر في العام 1995، توصي بالعثور على زوج متعاون، إما بالزواج من رجل أصغر سنا أو أكثر فقرا، أو رجل في وضع يستوجب الاعتماد على الغير، مثل فنان جائع. وبما أن المال هو علامة المكانة والسلطة، فمن الصعب إقناع النساء بالزواج ممن هو أفقر منهن. وهكذا، إليك قاعدة أسهل: تزوجي رجلاً أصغر منك سنا أو أكبر منك بكثير. عند صغار السن إمكانية الظهور بمظهر أزواج المكانة العالية. والرجال الأكبر بكثير مستقرون بما فيه الكفاية بحيث لا يكونون مضطرين للعمل الشاق أو لساعات طويلة، وفي الأعم والأغلب يمتلكون قدرا كافيا من المال لاستئجار من يساعد في القيام بالأعمال المنزلية اللامحدودة. وبالمقارنة، فالرجال الأكبر بقليل ومن ذوي الدخول العالية هم الأكثر خطورة، ولكن حتى الارتباط بشريك مماثل تماما محفوف بالمخاطر أيضا. وإذ كان كلاكما في بداية مرحلة الحصول على إحدى الوظائف المرموقة في الوقت الذي تنجبون به أطفالا، فإن أحدكما سيضطر إلى التنازل. حتى أكثر المحامين إخلاصاً وتفانيا في العمل ومع وجود مربية تبذل قصارى جهدها لأطفالهم سيمرون بأسابيع لا يستطيع أي منهم العودة للمنزل في غير أوقات النوم. ومن المرجح عند حصول مثل ذلك الوضع، أن تتنازل المرأة عن طموحاتها وإمكاناتها المهنية.
من المحتمل أن يكون الزواج من رجل متسامح ومتحرر هو السبيل الأفضل. وبعد كل شيء، يبرر المحافظون عدم المساواة داخل العائلة بأسلوبين: "تلك إرادة الله" و "التكوين البيولوجي قضاء وقدر". ويعتقد معظم الرجال (ومعظم النساء)، ومنهم المتسامحون والمتحررون أن المنزل هو من مسؤولية النساء لكنهم على الأقل يشعرون بالحساسية حيال ذلك.
وإن كنت قد تدبرت أمورك بعناية ودقة بالزواج ممن هو أصغر منك سنا أو كنت قد عثرت على شخص لم تفسده أيديولوجية الجنس (الذكورة والأنوثة)، فأنت في وضع يمسح لك بمقاومة القيام بأكثر من حصتك العادلة تجاه العائلة. وحتى عند ذلك فعليك أن تكوني يقظة. وتأتي الصفقات السيئة على هيئتين: اقتصادية واقتصاد منزلي. الإغراء الاقتصادي يتمثل في أن تتكفل الزوجة العاملة بتكاليف رعاية الأطفال، فإذا قرر زوجان أن ينجبا طفلا وكان دخل المرآة 50 ألف دولار في السنة ودخل زوجها 100ألف دولار في السنة، وكانت تكاليف مربية الطفل 30 ألف دولار في السنة، سيجد الزوجان أن ما يتبقى من دخل الزوجة بعد دفع 40% كضرائب هو 30 ألف دولار وهو ما يكفي لدفع رابت المربية فقط، وبذلك من الأفضل لها أن تبقى في البيت. ولكن هذا يتجاهل على نحو تام بأن كلا البالغين شريك في الأمر ويتجاهل الدخل المستقبلي المفقود، والسلطة، والأمن للمرأة التي تركت عملها. فبدلا من ذلك، عليهم احتساب مجموع دخل الوالدين السنوي وهو 150 ألف دولار وما يتبقى منه بعد الضرائب هو 90 ألف دولار. وبعد دفع راتب مربية بدوام كامل، يتبقى لهما 60 ألف دولار للوفاء بتكاليف حياتهم.
والفخ الذي ينصبه الاقتصاد المنزلي يحاول استغلال المعرفة الأنثوية المتفوقة وحرص الأنثى المتميز على النظافة والصحة العامة. فالحل إذن هو الادعاء بالجهل وعدم المحافظة على النظافة. عليك ألا تعرفي مكان الزبدة أبداً. "أين الزبدة؟" هي الجملة التي تبدأ بها صيغة نورا إيفرون الشهيرة المتكررة عن الزواج. حيث يسأل الرجل فيها عن مكان الزبدة وهو ينظر مباشرة إليها في الثلاجة. حقيقة، صيغة "أين الزبدة؟" تعني: ضعي الزبدة على خبزي المحمص، واشتري الزبدة، وتذكري متى ستنفد الزبدة. وبذلك تصبح الخطوة التالية هي أن تتركي وظيفتك في مكتب المحاماة لأنك مشغولة جدا بإدارة شؤون الزبدة. ولو أن النساء لم يبدأن بلعب دور مديرة المنزل، سيكون البيت قذرا، إلا أن حقائق العالم المادي ستتفوق على الاستعانة بأيديولوجية الجنس (كذكورة وأنوثة). فإما أن يقوم الطرف الراشد الآخر في العائلة بدور إيجابي فعال أو سينمو الأطفال ولديهم منظومة مناعة قوية.
إذا كانت هذه الوصفات غير مناسبة للعائلة، فإليك القاعدة الأخيرة: انجبي طفلا واحدا. ولكن لا تنجبي اثنين. تقول جوديث ستاتدمان تاكر في موقع حركة الأمهات على الإنترنت Mothers, Movement Online : إن النساء اللواتي يتركن العمل من أجل تربية الأطفال يفعلن ذلك عادة بعد ولادة الطفل الثاني فقط، حيث يضغط الطفل الثاني على مهارات الأم التنظيمية، ويضاعف الطلب على الحصول على المواعيد، ويرفع تكاليف التعليم والسكن بشكل كبير، ويدفع بالعائلة إلى السكن في الضواحي. لكن المدن، بما تملكه من إمكانات الوجبات السريعة من المطاعم الصينية وغير ذلك، هي مكان أفضل للأمهات العاملات. صحيح أنك لو اتبعت هذه القاعدة فإن مجتمعك سيبدأ بالتناقص من حيث عدد أفراده. ولكن إذا ساءت الأمور إلى حد كبير، فمن يعلم ما التداعيات التي ستنجم عن ذلك؟ ورغم كل ذلك، لم يكن النظام الفرنسي الذي يتباهى برعاية الطفل سوى رد فعل على معدل الإنجاب الألماني المتفوق.
4 ـ لماذا نعير الأمر كل هذا الاهتمام؟
تبدو عرائس صحيفة "التايمز" اللواتي يتمتعن بالامتيازات ـ وأزواجهن ـ سعيدات. فلماذا إذن نعير ما يفعلنه أي اهتمام؟ وفي النهاية فإن معظم الناس ليسوا أغنياء وبيض البشرة وأسوياء جنسيا، ولا يستطيعون ترك العمل إن هم أرادوا ذلك.
ونحن نهتم بالأمر لأن ما تفعله النساء يلحق الضرر بهن، وبالتأكيد بالمجتمع برمته، ويمكن محاكاته على نحو واسع، حتى من قبل أناس لا يقومون بالإعلان عن زواجهن في صحيفة "التايمز" أبداً. هذا الأمر الأخير يدعى "تأثير المنظومة regime effect"، ويعني أنه حتى لو لم تترك النساء وظائفهن للبقاء مع أسرهن، فهن يعتقدن بأنه من الواجب عليهن تركها ويشعرن بالإثم إن لم يفعلن ذلك. لقد خلق تأثير المنظومة المذكورة غموضا حول الهالة السرية الأنثوية، أيضا.
وأما بالنسبة للمجتمع، فالنخب تزود طبقات صناع القرار بالعمالة ـ كأعضاء مجلس الشيوخ ومحرري الصحف، والعلماء والباحثين، ورجال الأعمال وصانعي السياسات، ودارسي السياسة. وإذا كانت الطبقة الحاكمة تتكون في معظمها من الذكور فإن ذلك كفيل بأن يوقع الحكام في أخطاء ينتفع منها الذكور، إن بسبب الجهل بالموضوع أو عدم المبالاة. وتظهر الدراسات الإعلامية أن وجود أنثى واحدة ضمن طاقم برنامج تلفزيوني، يرفع نسبة النساء على الشاشة من 36% إلى 42%. فعالم فيه 84% من المحامين من الذكور مع 84% من مساعديهم من الإناث هو مكان مختلف عن عالم تحتل فيه النساء مواقع السلطة الاجتماعية. فكر فيما سيؤول إليه وضع مدينة أمريكية كبيرة يشكل البيض 86% من رجال الشرطة فيها. وإذا كانت الشخصيات النموذجية التي هي مثل أعلى لا قيمة لها، فلماذا نهتم بساندرا داي أوكونور Sandra Day o , Connor([8])  وحتى لو كان عدد النساء اللواتي فقدان مراكز السلطة عند مستوى معين يعني فقدان الأمل بالتغيير. فهل يعني ذلك أنه لن يكون هناك أكثر من امرأة واحدة في المحكمة العليا أبداً؟
والأسوأ من ذلك، أن هذا السلوك يضلل كل أنثى بالمعلومات التي تقول إنها لن تصبح حاكمة أبداً. وقد وصفت شيرلي تيلجمان رئيس جامعة برنستون الصورة الذاتية للجامعات الراقية على نحو مثالي عندما أخبرت طلاب السنة الأولى في العام الماضي بأنهم سيكونون قادة الأمة، ومن الواضح أنها لم تكن تفكر في الزوجات اللواتي يقمن بأدوار هامشية فقط من أجل إظهار تميز أزواجهن. فلماذا يقوم المجتمع بإنفاق الموارد على تعليم النساء مقابل عائد معدله 50% فقط من الأهداف المنصوص عليها؟ وقد نشرت صحيفة "اتحاد المحافظين الأمريكيين" لي العام 2004 عموداً ينصح أصحاب الأعمال بالابتعاد عن توظيف مثل تلك النسوة وإلا فهم يجازفون بالإفلاس. والمعلومات السيكولوجية الجيدة، تثبت أنه كلما عوملت النساء باحترام، ازدادت طموحاتهن. والعكس بالعكس. ثورة ترك العمل هي في حقيقة الأمر رجوع إلى الوراء.
وأخيراً، هذه الخيارات سيئة للمرأة بشكل فردي. فالحياة الطيبة لبنى الإنسان تشمل المعيار الكلاسيكي الذي يتمثل في استغلال المرء لقدراته على الكلام والتفكير بطريقة حكيمة، والمطلب الليبرالي بامتلاك الفرد لاستقلال ذاتي كاف لتوجيه حياته، وكذلك معيار مذهب المنفعة الذي يقضي بعمل ما هو نافع أكثر مما هو ضار في هذا العالم. وبالقياس على هذه المعايير التي تم اختبارها على مدى الزمن، ستعيش أمهات الطبقة العليا المتعلمات تعليماً مكلفاً حياة أقل من أقل من ذلك. ففي فجر الحركة النسوية، شبهت مُنَظِّرتان أيديولوجية الجنس (من حيث الذكورة والأنوثة) بنظام الطوائف الاجتماعية. وإذا ما تبنينا رؤيتهن، من بصيرتهن، ستحمل بنات الطبقة العليا معظم عبء العمل الذي يرتبط دائماً بالطبقات الدنيا: الكنس وتنظيف فضلات الجسم. وبعد أقل من أسبوعين من صفعة يالي Yalie، نشرت "التايمز" قصة عن أمهات يقمن بتدريب أطفالهن على استعمال الحمام من خلال مراقبة الأطفال بيقظة لظهور مؤشرات على التغوط على مدى 24 ساعة في اليوم 7 أيام في الأسبوع. لقد أصبحن بمحض إرادتهن من طبقة المنبوذين.
عندما قرعت بيتي فريدان جرس الإنذار الذي أحيا الحركة النسوية بعد أربعين سنة من حصول النساء على حق الانتخاب، تحدثت عن حياة لها هدف ومعنى، حياة أفضل وأخرى أسوأ، ولقد قطعت النساء مرحلة طويلة نحو السقف الزجاجي الذي حد من احتمالات وفرص النجاح خارج البيت، أما الآن فالسقف الزجاجي يبدأ في البيت، مع أنه من الأصعب تحطيم سقف هو السقف نفسه الذي يقع فوق رأسك أيضا، إلا أنه لا يوجد خيار غير ذلك.


([1])  ـ الحركة النسوية feminism: هي نظرية المساواة بين الجنسين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وسنستعمل هذا المصطلح في هذه المقالة للدلالة على التنفيذ العملي لتلك النظرية وعلى القائلين بها كذلك ـ المترجم.
([2])  ـ المقصود بذلك المصطلح هو وجود سقف شفاف غير منظور يحول دون وصول بعض ـ الأقليات العريقة والنساء بشكل خاص ـ إلى المراكز الوظيفية العليا في كبريات الشركات والمؤسسات، وكأن هناك سقف يمنعهم من ذلك ـ المترجم.
([3])  ـ مجموعة من ثامني جامعات في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة وتعتبر من الجامعات العريقة وهي: جامعات براون، وكولوبيا، وكورنيل، ودارتموث، وهارفارد، وبرنستون، وبنسيلفانيا، وبيل. وسميت بهذا الاسم LVY, والكلمة تعني نبات اللبلاب، حيث يغطي هذا النبات المباني القديمة للجامعات ـ المترجم.
([4])  ـ من الشائع هذه الأيام أن يعمل بعض موظفي الشركات من بيوتهم دون الذهاب لمكان العمل، ويتم الاتصال بينهم وبين الشركات التي يعملون بها لتقديم ما قاموا بعمله من خلال وسائل التواصل الحديثة كالكمبيوتر والفاكس والتلفون ـ المترجم.
([5])  ـ أكبر شبكة سياسية في الولايات المتحدة تنادي بالمساواة بين الجنسين وتسعى إلى ترشيح وإيصال أكبر عدد ممكن من النساء للكونغرس وللمجالس التشريعية المحلية للحلول محل الجناح اليميني المتشدد ـ المترجم.
([6])  ـ وول ستريت: شارع ضيق في مانهاتن بنيويورك يعتبر قلب المركز المالي الأمريكي وكان قد احتوى على المكان الدائم لبورصة نيويورك، وأصبحت كلمة وول ستريت تعني أسواق المال ـ المترجم.
([7])  ـ تصنيف تصدره مجلة "فورتشن Fortune" بأكبر 500 شركة عامة في الولايات المتحدة حسب أصول وأرباح هذه الشركات، وكمصطلح يشير إلى كبريات الشركات والمؤسسات في الولايات المتحدة ـ المترجم.
([8])  ـ أول امرأة تعمل كقاضية في المحكمة العليا بالولايات المتحدة. ولقد احتلت ذلك المركز في العام 1981 وتقاعدت عن العمل اعتبارا من أول يوليو 2005 للعناية بزوجها المريض. كان لأوكونور صوت مؤثر على قرارات المحكمة في السنوات الأخيرة، ولقد اختارتها مجلة "فوريس Forbes" في العام 2004 كرابع شخصية في أمريكا وكسادس أقوى شخصية في العالم ـ المترجم.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: