إنى للبيت عائدة
الجمعة 28 يوليو 2006
إني للبيت عائدة!
بقلم: ليندا هيرشمان
ترجمة: د. جعفر جميل أبو ناصر
مراجعة: د. شعبان عبد العزيز عفيفي
الثقافة لعالمية ـ العدد 136 ـ مايو 2006
( هذا المقال يكشف عن جوهر فكر الحركة النسوية ، وما تعانيه من فشل في الغرب ، كما يقدم الحلول لتجاوز الأزمة !! ولكن بأفكار ساذجة و مصادمة للعقل والفطرة ، ولكن للأسف " لتتبعن سنن من كان قبلكم ..." الراصد )
ترى المؤيدات للحركة النسوية (choice feminsm)([1]) أن البقاء في البيت مع الأطفال هو مجرد خيار إضافي بالنسبة لهن، ومن العجيب أن معظم الرجال نادراً ما يلجأون إلى هذا "الاختيار"، فأي نوع من الخيارات هو بالضبط؟
1ـ حقيقة النخبة النسوية
نصف النساء الثريات، والأكثر امتيازات، والأرقى تعليماً في الولاية المتحدة يفضلن البقاء في البيت مع أطفالهن بدلاً من العمل في اقتصاد السوق. وعندما نشرت صحيفة "النيورك تايمز" في شهر سبتمبر مقالا خاصا تناولت فيه بعض جوانب هذا الموضوع تحت عنوان "العديد من النساء في الجامعات العريقة يتجهن نحو مهنة الأمومة" أثار هذا الموضوع جدلا كبيراً في أروقة الإنترنت، هذا الجدل لم يخل من النوادر والردود التهكمية. وكان جاك شيفر من مجلة "سليت slate" قد اتهم "التايمز" باستخدام "كلمات مراوغة" وبنشر الموضوع نفسه تقريبا، وهو "ثورة اختيار ترك العمل The opt-out Revolution" ـ كل بضع سنوات، ومؤخرا، كل بضعة أسابيع.
وبعد شهر من تلك الصفعة Mareen Dowd  الخفيفة، استشهدت الصحفية مورين داود، وهي الأنثى الوحيدة بين كتاب الأعمدة الثابتة في "التايمز" بمقال "الجامعة العريقة" في مشاركتها بمسلسل "التايمز" المستمر بمقالة وعنوانها "ماذا على الفتاة المعاصرة أن تفعل؟" وموضوعها أن على النساء التخلي عن "الحركة النسوية وحتى ترك العمل". وقد أثارت مقالة الجامعات غضبا شديدا وانتقادات لدرجة أن "التايمز" اضطرت لنشر توضيح على موقعها في شبكة الإنترنت قالت فيه إن الأسلوب الذي اتبعته الكابتة كان أسلوب طالبة صحافة حينذاك.
لا تزال هناك مشكلة واحدة فقط: وهي أن هناك حقيقة مهمة في قصة ترك العمل، برغم أنها صدرت في صحيفة الـ "نيويورك تايمز".
لقد عثرت على هذه الأخبار قبل ثلاث سنوات عندما كنت أقوم ببحث لتأليف كتاب عن الزواج في فترة ما بعد ظهور الحركة النسوية، فوجدت أن الحركة النسوية بين النخبة المتعلمة، الوريثات من الناحية المنطقية لأجندة تفويض مزيد من السلطة للنساء، قد فشلت في تحقيق أهدافها إلى حد كبير فهناك عدد قليل من النساء في أروقة السلطة، وبقي الزواج على حاله دون تغيير جوهري. وعدد النساء في الجامعات يزيد على عدد الرجال، ولكن بعد أكثر من جيل بعد الحركة النسوية، لا يقترب عدد النساء في الوظائف الممتازة من عدد الرجال.
فما السبب في ذلك؟ الجواب الذي اكتشفته ـ وهو جواب لا ترغب قيادات الحركة النسوية ولا النساء أنفسهن في مواجهته ـ هو أنه إذا كانت الحياة العامة قد تغيرت، بشكل غير مثالي، لتفسح مجالا للنساء بين النخبة، فإن الحياة الخاصة تزحزحت وبصعوبة. ويكمن السقف الزجاجي([2]) الحقيقي في المنزل.
وبنظرة إلى الوراء، يبدو من الواضح أنه كان مقدرا للعائلة التي لم تكتمل إعادة بنائها أن تبزغ من جديد بعد مرور عاصفة التغيير الاجتماعي للحركة النسوية. وبعد الإندفاعة الأصلية نحو معالجة كل شيء في حياة النساء، حولت الحركة النسائية تركيزها نحو كسر أبواب بنية السلطة العامة، ولم يكن ذلك بالعمل الهين. ففي بداية الأمر، كان من الشائع وجود محلفين من الذكور، وجامعات عريقة Lvy League([3]) للذكور، وإعلانات توظيف مقصورة على جنس واحد (الرجال)، وأصحاب أعمال يميزون بين الجنسين، وتحرش بزميلات العمل. وكنتيجة لجهود الحركة النسوية ـ ولتوجهات اقتصادية أكبر ـ ارتفعت نسبة النساء، وحتى الأمهات، في الوظائف بدوام كامل أو نصف دوام على نحو كبير خلال الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن العشرين.
لكن نسبة التقدم تباطأت بعد ذلك، فتوقفت أرقام الإحصاء الرسمي لجميع الأمهات العاملات عند مستوى معين حوالي العام 1990 وتناقصت بشكل بسيط منذ العام 1998. وفي المقابلات التي أجريتها، قالت النسوة اللواتي يمتلكن ما يكفي من المال بقدر يسمح لهن بترك العمل إن "خيارهن" هو ترك العمل. وتخفي كلماتهن حقيقة هامة مفادها أنه لم يتغير شيء من الاعتقاد السائد بأن النساء هن المسؤولات عن تربية الأطفال والعناية بالمنزل وذلك بعد عدة عقود من تأثير الحركة النسوية على مكان العمل، أضف إلى هذا الدليل الجيد أن أماكن عمل الطبقة العالية أصبحت كثيرة المتطلبات. وإذا تم مزج كل ذلك مع الحملة الثقافية المحافظة الناجحة التي تطالب بتعزيز الأدوار التقليدية لكلا الجنسين فإن ذلك كفيل بالقضاء على الحركة النسوية.
من لا تعجبه الرسالة يهاجم المعلومات المكونة لها. صحيح، إن "التايمز" أسست قصة الجامعة على دراسة مشكوك في مصداقيتها وعلى عدد من المقابلات الصحفية. كما أنه ليس من الضروري منح شهادة اعتماد لكتاب داود، الذي أخذت منه مقالتها، والذي يبدو أنه يقوم بشكل رئيس على تجربة حياتها مع المواعيد الغرامية السيئة ومع البريد الإلكتروني من زملائها المراسلين الصحفيين في "التايمز"، لكي يتساءل المرء عما إذا كانت كل هذه الضجة لا تعني أن هناك شيئا مهما يتفاعل في المناورات السياسية حول الجنس (الذكورة والأنوثة).
ما الدليل الذي يفي بالغرض على نحو جيد؟ دعنا نبدأ بك. أنت أيتها القارئة المتعلمة والغنية، إن كنت سيدة في الثلاثينيات أو الأربعينيات من العمر وأماً لأطفال، ما عملك؟ وأنتم أيها الأزواج، ما الذي تعمله بناتكم المتزوجات الأمهات؟ لقد وجهت هذا السؤال لعدد لا حصر له من النساء والرجال. وفي الشريحة السكانية التي تتكون من المتعلمين الأغنياء، تنصرف النساء عن مهنهن من أجل العناية بالبيت والأطفال، أما اللواتي يعملن من بين من قابلت من النساء فيعملن نصف دوام، وهذا لن يوصل أحدا إلى المراكز العليا في الإدارة. وفيما يلي بعض الأدلة الإضافية: خلال التسعينيات من القرن العشرين، قمت بتدريس مقرر عن المقايضة بين الجنسين في جامعة محترمة. وفي كل سنة، كنت أستعرض مع الطلبة بعد انتهاء التدريس المردود المتدني للعمل على رعاية الأطفال، وسألت كيف يتوقع الطلاب الجمع بين العمل ورعاية الأطفال. وتحدثت نصف الطالبات على الأقل عن الحياة بنصف دوام home based work  أو العمل من البيت([4]). أما الذكور فتوقعوا من شريكات حياتهم أن يقمن برعاية الأطفال. وعندما قمت بسؤال الشباب كيف سيوفقون بين ذلك الاحتمال وبين ما يبديه السوق من قلة احترام واضحة لرعاية الأطفال، أصيبوا بالارتباك، وعندما تحولت نحو النساء اللواتي تحدثن قبل ذلك، كان ردهن، الوحيد هو: "لكنها هي التي اختارت ذلك".
وحتى رونالد كوز Ronald Coase ، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في العام 1991، يستشهد بالمثل القائل "مجموعة النوادر والحكايات تشكل معلومات". وبهذا، كم من هذه النوادر والحكايات يحتاج الأمر لتصبح معلومات؟ أنا ـ بصفتي عضوا في المنظمة الوطنية للنساء Women (NOW) National Organiztion for ، وأحد المانحين للائحة إميلي EMILY, s List([5])، وأستاذاً في الدراسات النسوية ـ لم أشرع في البحث لأصل إلى شيء من هذا. فلقد عثرت على هذا الموضوع، وأنا بصدد التخطيط لتأليف كتاب، عندما حدث وأن شاهدت شارلوت في المسلسل التلفزيوني "الجنس والمدينة Sex and the City" وهي تعاني بشدة من أجل أن تنشر إعلانا عن موعد زواجها في صفحة "طراز حياة يوم الأحد Styles Sundae" بصحيفة "النيويورك تايمز"، قلت لنفسي: وهل توجد عينة أفضل من عرائس صفحة "طراز حياة يوم الأحد" المتعلمات تعليماً راقيا والمرموقات اجتماعياً حوالي العام 1996؟ وعند الزواج، كان من بين هؤلاء نائبة رئيس للاتصالات بالعملاء، وطبيبة اختصاصية في الجهاز الهضمي، ومحامية، ومحررة، ومديرة تسويق. وفي عامي 2004.2003، اقتفيت أثرهن واتصلت بهن. قابلت حوالي 80% من الإحدي والأربعين امرأة اللواتي أعلن عن زواجهن على مدى ثلاثة أيام أحد مختلفة من العام 1996. ولكن في الأربعين من العمر، جامعيات، وذوات مهن ناجحة: ومن هو أكثر احتمالا منهن في الانتفاع من وعود الحركة النسوية بالفرص؟ تصوروا كم كانت دهشتي عندما وجدت جميع من تزوجن في اليوم الأحد الأول تقريبا باقيات في البيوت مع أطفالهن. هل يشكل ذلك شذوذاً إحصائيا؟ لا، فقد وجدت النتيجة نفسها ليوم الأحد التالي، وليوم الأحد الذي يليه.
وتسعون في المائة من العرائس اللواتي عثرت عليهن قد أنجبن أطفالاً. ومن الثلاثين اللواتي أنجبن الأطفال، خمس فقط يعملن بدوام كامل، وخمس وعشرون، أو 85%، لا يعملن بدوام كامل. ومن هؤلاء اللواتي لا يعملن دواماً كاملاً. عشر فقط يعملن نصف دوام ولكن غالباً في مجال بعيد جداً عن مهنهن السابقة ، ونصف النساء المتزوجات والأمهات لأطفال لا يعملن بالمرة .
وهناك ما هو أكثر من ذلك. ففي العام 2000، قامت مايرا هارت الأستاذ بكلية إدارة الأعمال في جامعة هارفارد بعمل مسح للنساء خريجات أعوام 1981، 1986، و1991 فوجدت أن 38% فقط من الإناث اللواتي حصلن على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من هارفارد يعملن بدوام كامل، كما أن مسحا قام به مركز سياسة العمل والحياة Center For Work- Life Policy  في العام 2004 لحوالي 2.443 امرأة من حاملات درجات الماجستير أو البكالوريوس في تخصصات محترمة جدا أظهر أن 43% من هؤلاء النسوة أمهات الأطفال قد أخذن إجازة من العمل، لأسباب عائلية بشكل رئيسي. ويقول رتشارد بوزنر، القاضي في محكمة الاستئناف الفيدرالية، والأستاذ المساعد في جامعة شيكاغو أحياناً، يقول: "تؤكد مقالة "التايمز" ما يعرفه كل من له علاقة بهذه المؤسسات التعليمية (كليات الحقوق المتميزة) منذ وقت طويل، وهي أن نسبة من الطالبات الإناث أعلى بكثير من نسبة الطلبة الذكور ستنسحب من القوة العاملة للرعاية بأطفالهن".
ما العدد المطلوب من النوادر والحكايات لكي تصبح معلومات؟ أظهر إحصاء العام 2000 تراجعا في نسبة أمهات الأطفال الرضع اللواتي يعملن بدوام كامل أو نصف دوام أو يبحثن عن عمل. بدءا من 31% في العام 1976، ارتفعت النسبة كل سنة تقريباً حتى العام 1992، ووصلت لنسبة 58.7% في 1998، ومن ثم بدأت بالتراجع ـ إلى 55.2% في العام 2000، وإلى 54.6% العام 2002، وإلى 53.7% العام 2003. وأظهرت الإحصاءات التي نشرت حديثا تراجعا أكثر وصل إلى نسبة 52.9% في العام 2004، وحتى النسبة المئوية للأمهات العاملات مع أطفال ليسوا في سن الرضاعة تراجعت بين عامي 200.2003، من 62.8% إلى 59.8%.
والنساء المتعلمات تعليما جامعيا يعملن أكثر من غيرهن، إلا أن إحصاء العام 2002 يثبت أن الدرجات الجامعية والمهنية لا ترفع من نسبة المشاركة في قوة العمل أكثر مما ترفعه سنة جامعية واحدة. وعندما يكون أطفالهن في سن الرضاعة (أقل من سنة واحدة)، فإن 54% من الإناث الجامعيات لا يعملن بدوام كامل (يعمل 18% منهن نصف دوام و 36% لا يعملن أبدا) وحتى من بين هؤلاء اللواتي ليس لديهن أطفال في عمر الرضاعة، فإن 41% منهن لا يعملن بدوام كامل (يعمل 18% منهن نصف دوام و23% لا يعملن أبدا).
يتحاور الاقتصاديون حول معنى البيانات والمعلومات، حتى إنهم يذهبون لغاية التأكيد على أن هناك المزيد من الأمهات العاملات. ويقولون إن مكتب الإحصاء قد غيّر تعريف كلمة "عمل" قليلا في العام 2000،حيث دخل الاقتصاد في مرحلة ركود، فكان التناقص في نسبة النساء من دون أطفال موازياً للركود الاقتصادي. ومع ذلك، فحتى لو لم يكن هناك تناقص بل كان مجرد توقف عند مستوى معين، فإن هذا لا يمثل فقدانا لقيمة ما في الوقت الحاضر ولكنه يمثل مفقدانا للأمل في المستقبل ـ فقدانا للأمل في أن يستمر دور النساء في المجتمع في التنامي.
ما زالت المساجلات عاجزة عن تفسير سبب غياب النساء عن أماكن العمل المتميزة. لو كانت النساء صامدات في عالم الأعمال، والمحاماة، والتعليم الأكاديمي العالي، بعد مرور ثلاثين سنة على قيام الحركة النسوية بملء المدارس المتميزة بالنساء، لأصبحت أماكن العمل المتميزة الآن ملأى بالنسبة نفسها من النساء كذلك، ولكنها ليست كذلك. وقد شكلت الإناث ما نسبته 40% من خريجات كليات الحقوق على مدى عقود مضت ـ كما حدث خلال هذه العقود توسع هائل في المدارس وفي الشركات. ومع أن الإناث لن يشكلن نسبة 40% من العاملين في مجال القانون حتى العام 2010، ففي العام 2003، شكلت الإناث نسبة 16% فقط من شركاء مكاتب المحاماة الرئيسية، حسب ما أوردته جمعية المحامين الأمريكية. ومن المهم أن تأخذ بعين الاعتبار أن أماكن العمل المتميزة مثل مكاتب المحاماة قد توسع حجمها خلال السنوات نفسها التي تزايدت بها نسبة الخريجات الإناث، مما يجعلك تتوقع توظيفا للإناث أعلى مما يشير إليه معدل الخريجات. لقد خرّجت مدرسة إدارة الأعمال في جامعة هارفارد دفعات بلغت نسبة الإناث فيها حوالي 30%. ومع ذلك، تشكل الإناث نسبة 10.6% فقط من مديري شركات "وول ستريت Wall Street "([6])، ومجرد تسع إناث بوظيفة رئيس تنفيذي في شركات "فورتشن Fortune 500 "([7])، وتشكل الإناث 20% من هيئة التدريس عند عميد مدرسة إدارة الأعمال في جامعة هارفارد والتي امتدح عميدها فضائل الانقطاع عن العمل في برنامج "ستون دقيقة" التلفزيوني.
من المحتمل أن يكون مكان العمل متميزا ومعادياً للحياة العائلية، ولكن لو وظفت الشركات كل محامية ليس لديها أطفال، لكن ذلك وحده كافيا لرفع نسبة الإناث الشريكات في مكاتب المحاماة إلى أكثر من 16% خلال ثلاثين سنة، كما أنه من الممكن أيضا أن تستثني النساء أنفسهن طوعيا من التنافس على الوظائف المتميزة والاكتفاء بوظائف أقل مركزا واقل دخلا، وعلى النساء تحمل تبعات قراراتهن. الادعاء بعدم وجود علاقة بين التناقص من 40% في كليات الحقوق إلى 16% من الشركاء في مكاتب المحاماة الكبيرة وبين ترك نصف الأمهات خريجات الجامعات المهنية لوظائف ساعات العمل الكامل عند الإنجاب لعدة سنوات، أو تحولهن لوظائف أقل درجة، هو ادعاء لا يقبله العقل.
ولا علاقة لهذا بالرعاية النهارية للأطفال. فنصف العرائس في "صحيفة التايمز" تركن العمل قبل إنجاب الطفل الأول. ولقد عبر نصفهن على الأقل خلال المقابلات التي أجريت معهن عن أملهن في أن لا يعدن إلى العمل أبداً. ولا خطط واقعية للعمل عند أي منهن. والأهم من ذلك. كانت النساء في حالة اغتراب عن العمل عندما تركنه أو على الأقل غير ملتزمات بحياة العمل. وقالت إحداهن، وهي تحمل درجة الماجستير في إدارة الأعمال، إنها لن تستطيع أبدا أن تفهم لماذا يتكالب الرجال على الحصول على صفقات في مكان العمل الذي فصلت منه. وقالت وهي مستغرقة في التفكير: "إنها مجرد نقود". فلم يكن مستغربا، أنه عندما عرض عليهن أصحاب العمل وظائف بنصف دوام، لم يكنَّ متحمسات بقبول ذلك.
2ـ فشل "الخيار النسوي"
ما الذي يجري؟ معظم النساء يأملن في الزواج وإنجاب الأطفال. وإذا ما قاومن المسؤوليات الأنثوية التقليدية المتعلقة بتربية الأطفال والعناية بالمنزل، والتي أسمتها آرلي هوكتشيلد Arlie H0chschild  "نوبة العمل الثانية" فإن ذلك يعني بدء الاستعداد للمنازلة. لكن النخبة النسوية لا تقاوم التقاليد، ولم تر أي من العرائس اللواتي مكثن في البيوت واللواتي أجريت مقابلة معهن أن نوبة العمل الثانية غير عادلة؛ ويوافقن على أن الأعمال المنزلية هي من صميم عمل المرأة. وكما قالت إحدى العرائس المحاميات في تفسير قرارها بترك المهنة بعد خبرة أربع سنوات: "كان علِّي التخطيط للزواج". وأخرى، وهي خريجة إحدى الجامعات العريقة وتحمل درجة الماجستير، قالت بلغة علم الإدارة: "هو (الزوج) رئيس الإدارة التنفيذي وأنا رئيسة الإدارة المالية.عليه كسب الأموال وعلَّى أن أقرر كيف أنفقها". إنه عملهن، وعليهن القيام به على أكمل وجه. "نحن كلنا هنا مشغولات بطبخ فطيرة التفاح" كان رد إحداهن لتفسر ترددها في ترك بناتها من أجل إجراء المقابلة، كما وصفت رئيسة الإدارة المالية أنشطتها المنزلية قائلة: "إنني أصطحب ابنتي (ذات الثلاث سنوات) إلى جميع المتاحف الكبرى، ونذهب لحضور فصول في مدارس صغار الأطفال".
يؤكد المحافظون على ترك العمل يثبت "فشل" الحركة النسوية لأنها كان متشددة جدا، ولأن النساء لم يرغبن فيما قدمته تلك الحركة. وفي الواقع، إذا كان نصف وريثات الحركة النسوية أو أكثر (85% من النساء في عينتي هن من صحيفة "التايمز") لا يأخذن العمل مأخذ الجد، ذلك لأن تلك الحركة لم تكن متشددة بما فيه الكفاية؛ فلقد غيرت مكان العمل ولكنها لم تغير الرجال، والأهم من ذلك، لم تغير العلاقة بين الرجل والمرأة بشكل جوهري.
لقد بدأت الحركة متشددة بالفعل. ففي دعوتها الأصلية للاستعداد للنضال، شبهت بيتي فريدان العمل المنزلي بالحياة الحيوانية، وقالت في كتابها "الهالة السرية الأنثوية The Feminine Mystique"، "كنس أرضية غرفة المعيشة – بكامل زينتها أو من دونها ـ ليس بالعمل الذي يحتاج إلى تفكير أو طاقة كبيرة لازمة لكي تشكل تحدياً لكامل قدرات المرأة... لقد أدرك الرجل على مدى العصور أن ما يميزه عن الحيوان هو قوة عقله التي تمكنه من الإتيان بفكرة أو برؤية ما فيقوم بتشكيل المستقبل ليتناسب معها، وعندما يكتشف ويبدع ويشكل مستقبلا يختلف عن ماضيه، يصبح رجلاً، أحد بني الإنسان".
إلا أن الحركة النسوية المتحررة (الليبرالية) تخلت بعد ذلك عن نقطة البداية المتسمة بإصدار الأحكام التقديرية لصالح تقديم "خيارات" متعددة للنساء. والحديث عن الخيارات ناتج عن محاولات الناس تحاشي استعمال كلمة "إجهاض"، كما أن هذه "الخيارات" زودت الحركة النسوية بحل لا يمكن مقاومته لتفادي النزاعات حول مسألة بقاء المرأة في البيت من أجل الأمومة. تستطيع المرأة أن تعمل وأن تبقى في البيت وأن تنجب عشرة أطفال أو لا تنجب أحداً أن تتزوج أو تظل عزباء. يعتبر كل ذلك جزءاً من الحركة النسوية طالما كان خياراً للمرأة. (لقد أصبح مفهوم الاختيار مسيطراً لدرجة أنه عندما تركت تشارلوت وظيفتها، تحت ضغط زوجها الأول الذي لا يطاق، جعلها مؤلفو مسلسل "الجنس والمدينة" تصرخ قائلة: "إنني حرة في خياري! إنني حرة في خياري!).
والجماعات الأكثر تطرفاً ضمن الحركة النسوية هي وحدها التي تعرضت لموضوع العلاقة بين الجنسين داخل البيت، ووضعت لها حلولا غير مثمرة مثل الاشتراكية أو الانفصالية. نحن على علم بحكاية الاشتراكية. وأما الانفصالية فلقد اصطدمت وجها لوجه مع موضوع الزواج من الجنس الآخر وبإعادة إنتاج الذات، ناهيك عن الكلام عن كسب لقمة العيش من وظيفة غير وظيفة بيع الكتب في محل تابع للحركة النسوية. وعلى حد قول أليس إيكولز مؤرخة الحركة النسوية " بدلاً من مواجهة موضوع الخضوع و التبعية في الحياة العائلية ، التزمت الحركة النسوية في منظمة النساء الوطنية بالنضال من أجل دمج النساء في الحياة العامة".
وبغض النظر عما كانت عليه الحركة النسوية من عظمة، بمجرد أن تراجعت إلى أيديولوجية الجنس (من حيث الذكورة والأنوثة) داخل العائلة. ولم تستطع الحركة النسوية القول، "إن القيام بالأعمال المنزلية ورعاية الأطفال ضمن نواة الأسرة Nuclear Family  ليس بالمجتمع وليس بذي قيمة محترمة من الناحية الاجتماعية. ويقتضي العدل ألا يكون قاصرا على النساء على أساس الجنس مع التضحية بإمكانية حصولهن على المال والسلطة والاحترام".
تعتقد خمسون في المائة ممن استطلعت آراؤهن و 62% من الحاصلات على الماجستير من جامعة هارفاد والـ 85% من عرائس صحيفة "التايمز" بأنهن قمن "باختيار" حياتهن على أساس الجنس من حيث الذكورة والأنوثة. ما لا يعلمنه هو أن الحركة النسوية، وبالتواطؤ مع المجتمع التقليدي، أحالت مسألة العائلة المنقسمة على أساس الجنس إلى النساء لكي يمارسن الاختيار. حتى مع وجود جميع دور الرعاية النهارية في العالم، لا يزال الاختيار الشخصي محكوماً بسياسة المجتمع، ومعظم ما تبقى هو ثورة ترك العمل.
3 ـ ما العمل إذن؟
هاهو التحليل الأخلاقي للحركة النسوية الذي تجاهله الاختيار:العائلة جزء ضروري من الحياة ـ بما فيها من مهام متكررة، وغير منظورة، وبدنية ـ ولكنها تسمح بفرص من أجل الرخاء الإنساني الكامل أقل مما تسمح به المجالات العامة، كالعمل في التجارة أو الحكومة. هذا المجال الأقل رخاء ليس بالمسؤولية الطبيعية والأخلاقية للنساء فقط، ولذلك، فإن اقتصار ذلك على النساء هو أمر غير عادل. كما أنه ليس من العدل أن تلزم المرأة نفسها بذلك. وبعبارة أخرى، وكما قال مارك توين Mark Twain ، "إن رجلا يختار عدم القراءة هو بنفس الدرجة من الجهل كرجل لا يستطيع القراءة".
والنقاد على صواب في شيء واحد؛ فموضوعات الـ "نيويورك تايمز" السخيفة لا تغير من الأمر شيئا. أما داود Dowd ، والتي قد تمتلك قدرات كثيرة لكنها ليست بالفيلسوف السياسي، تختتم مقالها بالتساؤل عما إذا كان الوضع سيتغير بحلول العام 2030. ويظل اليساريون يحدوهم الأمل في أن يصدر الجمهوريون قانون رعاية الطفل، الذي يحتمل أن يبقى لما بعد 2030 بكثير. وفي كلتا الحالتين، لن نستطيع الانتظار تلك الفترة الطويلة. فإذا كان لنجاح النساء أية أهمية، فعلى الحركة النسوية الاعتراف بأن وضع العائلة في العام 2005 هو الوضع نفسه الذي كان عليه مكان العمل في العام 1964 ووضع حق الانتخاب في العام 1920. وكما هو الحال النسبة لحق العمل وحق الانتخاب، فإن الحق في حياة مزدهرة، تشمل الحياة العائلية ولكنها لا تقتصر عليها، لن يجد حلاً من خلال لغة حق الاختيار.
والنساء اللاتي يرغبن في ممارسة الجنس وإنجاب الأطفال مع القيام في نفس الوقت بعمل جيد في وظائف ممتعة بحيث يتمكن أحيانا من ممارسة سلطة اجتماعية، هن في حاجة إلى إرشاد، ويحتجن ذلك بشكل مبكر. والخطوة الأولى ببساطة هي البدء بالحديث عن الرخاء والازدهار، وبذلك تكون الحركة النسوية قد بدأت تعود لجذورها الأولى. وقد يثير هذا غضب البعض، ولكنه سيقرع جرس الإنذار قبل أن ينتهي الأمر بالجيل القادم في الوضع نفسه الذي نحن عليه الآن. الخطوة التالية، على الحركة النسوية أن تبدأ بتقديم حلول لتطبقها صغار النسوة على عاتقهن وليس مجرد حق اختيار أو أحلام طوباوية. دفع النساء للخروج من الدور التقليدي لهن ليس بالأمر الهين. ويتطلب الأمر قواعد ـ قواعد كتلك التي في كتاب "القواعد The Rules" الذي كان مثار استهزاء وسخرية على نحو واسع، والذي لم يكن أبدا عن المواعيد الغرامية وإنما عن تعديل السلوك.
وهنالك ثلاث قواعد: استعدي بالمؤهلات اللازمة للحصول على عمل حيد، وتعاملي مع العمل بجدية، ولا تضعي نفسك في موضع غير متكافئ من حيث الموارد والإمكانات عند الزواج.
وفترة الاستعداد تبدأ في الجامعة. ومن المؤسف أن يرى المرء أن الفتيات يضعن حدا لخياراتهن في العمل في الحياة العامة في وقت مبكر جدا هو مرحلة الجامعة، ولكنهن في الواقع يفعلن ذلك. العيب الأول يتمثل في منهج الآداب والدراسات الإنسانية والثقافية العامة، الذي تجيده النساء، ويتخرجن منه بأعداد أكبر من الرجال. فعلى الرغم من أن العديد من الناس الناجحين بدؤوا بدراسة تلك المواد، فإن الهدف من تعليمها ليس التأهيل للوظيفة باستثناء عدد صغير جداً من الوظائف الأكاديمية.
وهكذا، فالقاعدة الأولى هي أن تختاري تعليمك الجامعي وعيناك على أهداف المهنة التي ستعملين بها. ويجب على منظمات الحركة النسوية أن تصدر كل عام دراسة حول أكثر فرص العمل شيوعاً لحاملي الدرجة الجامعية، إضافة إلى معدل الدخل المتوقع على مدى الحياة لكل فئة من الوظائف، والمواصفات اللازمة لتلك الوظائف. والمهم هنا هو مساعدة الفتاة على أن ترى أنه من الممكن أن تدرس تاريخ الأدب، ولكن مع إدراك واقعي بأنها ستحتاج في يوم قريب إلى استثمار دراستها اللآداب في إعالة نفسها وعائلتها. وعلى مثل هذه الدراسة مطالبة الفتيات بأن يخترن أفضل ما يتناسب معهن ويرشدهن إلى أفضل أنواع التعليم التي تتفق مع قدراتهن واستعداداتهن ....، على الدراسة أن تقدم مسارات دراسية واقعية للنساء، لمساعدة الراغبات في العمل في وظيفة أمين متحف، رغم افتقارهن للعبقرية الفنية، في عدم الوقوع في براثن الإحباط المهني وتحاشي حل مشاكلهن الوظيفية بالزواج.
وبعد الجامعة يأتي التدريب على أعمال الوظيفة أو التعليم المستمر. والعديد من عرائس صحيفة "التايمز" ـ وكذلك العرسان ـ عملوا بالفعل عند إنهاء تعليمهم. وإليكم هذه الحكاية حول الفارق بينهما: تقابل الزوجان من خلال العمل في شركة وكلاهما محامٍ. وبعد سنوات قليلة، تحول الرجل من العمل في قانون التجارة الدولية إلى العمل في عالم الأعمال والتجارة الدولية أما المرأة فقد تركت العمل كليا، وقالت لي: "لقد قالوا لي إن كلية الحقوق يمكن أن تدربك لأي شيء، ولكنها لا تؤهلك للدخول في عالم التجارة والأعمال، وكان علي أن أدخل كلية إدارة الأعمال"، أو كان عليها الانسحاب والتنحي جانباً ومشاهدة زوجها المحامي يستغل سنوات عمله الأولى للاستعداد للتحول إلى عمل له علاقة بذلك. لقد افترض كل عريس من عرسان صحيفة "التايمز" أن عليه أن ينجح في عالم الأعمال، وفي الحقيقة حاول كل منهم ذلك. وبالمقابل، كان الطابع المشترك بين النساء اللواتي قابلتهن عبارة عن مثالية الاعتداد بالنفس حول أنواع الوظائف الفكرية، والمتميزة والمرموقة اجتماعيا، والخالية من المناورات السياسية والتي تستأهل حضورهن الذي لا يقدر بثمن. وهكذا، فالقاعدة الثانية هو: على النساء التعامل مع السنوات الأولى بعد الجامعة كفرصة للاندماج في الحياة العملية ذات الطابع الرأسمالي والاستعداد للإنتاج الجيد، الذي سيتعامل معه حينذاك بجدية.
أفضل الطرق للتعامل مع العمل بجدية هي الوصول إلى المال. فالمال هو المؤشر على النجاح في اقتصاد السوق؛ وعادة ما ترافقه السلطة، ويساعد حامله على استخدام هذه السلطة، بما في ذلك استخدامها داخل الأسرة. ودون استثناء تقريبا، فإن النساء اللواتي تركن العمل تخرجن بالدرجة الجامعية نسها كأزواجهن تقريبا، ومع ذلك، ففي مرحلة ما اتخذت النساء قرارا نحو الاتجاه الأقل مالا. وكانت المثالية جزءا من المشكلة: فالمثالية على درب المهنة أو المستقبل الوظيفي عادة ما تؤدي إلى العمل التطوعي، أو إلى وظيفة تشبه العبودية من وظائف الخدمة الاجتماعية، وقد يكون ذلك عملا جيدا لكنه لا يدر عليك مالا. والخطأ الآخر هو تغيير الوظيفة عدة مرات، ودون استثناء، لقد غيرت العرائس اللواتي تركن العمل وظائفهن أكثر مما فعل العرسان. ليس هناك شيء اسمه وظيفة مثالية كاملة، فلقد كانت رغبة كوندوليزا رايس أن تكون عازفة بيانو،...
إذ1 كنت ناجحة في عملك فأنت في وضع يسمح لك بالتعامل مع المشروع الثالث: الأسرة المنجبة للأطفال. والقاعدة التي تحكم هذا الموضوع هو ألا تتحملي أكثر من حصتك العادلة من نوبة العمل الثانية. وإذا كان هذا يبدو قاسيا وخاليا من التعاطف فعليك بالاطلاع على الدراسة التي أصدرها مركز سياسة العمل ـ الحياة. تشعر ما لا يقل عن 40% من النساء المتزوجات والمتعلمات تعليماً عالياً بأن أزواجهن يمثلون عبئا عليهن لا يقارن بما يقدمونه من مساعدة في المنزل. وفقا لما ورد كتاب فيليس مون وباتريشا رولينج "الهالة السرية للمهنة" يزداد عمل المرأة في المنزل بعد الزواج بنسبة 17% بينما يتناقص عمل الرجل بنسبة 33%". وليس هناك واحد من بين عرسان صحيفة "التايمز" من النوع الذي يمكث في البيت. العديد منهم ينتظر يوم الاثنين بفارغ الصبر، ولم يأخذ أي من عرسان "التايمز" مجرد إجازة أبوة قصيرة عند ولادة أطفالهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكن تحاشي هذا الروتين الممل؟ والجواب هو: إما بالعثور على زوج عنده من السلطة الاجتماعية أقل مما عندك أو بالعثور على زوج ملتزم بأيديولوجية المساواة بين الجنسين. عليك اختيار الطريق الأسهل. أولاً، تزوجي من هو أقل منك سلطة. لا تظنين أن هذه خطوة طائشة، فإن كنت مخلصة في تحقيق أهدافك الوظيفية وترغبين في رجل يساندك في ذلك، فأنت تعملين ما عمله الرجال على مدى العصور: مراهنة آمنة. توصي رونا ماهوني في كتابها "نحن نخدع أنفسنا: الأطفال وكسب الرزق، والقدرة على المساومة Kidding Ourselves Babies, Breadwinning and Bargaining Powwer”الصادر في العام 1995، توصي بالعثور على زوج متعاون، إما بالزواج من رجل أصغر سنا أو أكثر فقرا، أو رجل في وضع يستوجب الاعتماد على الغير، مثل فنان جائع. وبما أن المال هو علامة المكانة والسلطة، فمن الصعب إقناع النساء بالزواج ممن هو أفقر منهن. وهكذا، إليك قاعدة أسهل: تزوجي رجلاً أصغر منك سنا أو أكبر منك بكثير. عند صغار السن إمكانية الظهور بمظهر أزواج المكانة العالية. والرجال الأكبر بكثير مستقرون بما فيه الكفاية بحيث لا يكونون مضطرين للعمل الشاق أو لساعات طويلة، وفي الأعم والأغلب يمتلكون قدرا كافيا من المال لاستئجار من يساعد في القيام بالأعمال المنزلية اللامحدودة. وبالمقارنة، فالرجال الأكبر بقليل ومن ذوي الدخول العالية هم الأكثر خطورة، ولكن حتى الارتباط بشريك مماثل تماما محفوف بالمخاطر أيضا. وإذ كان كلاكما في بداية مرحلة الحصول على إحدى الوظائف المرموقة في الوقت الذي تنجبون به أطفالا، فإن أحدكما سيضطر إلى التنازل. حتى أكثر المحامين إخلاصاً وتفانيا في العمل ومع وجود مربية تبذل قصارى جهدها لأطفالهم سيمرون بأسابيع لا يستطيع أي منهم العودة للمنزل في غير أوقات النوم. ومن المرجح عند حصول مثل ذلك الوضع، أن تتنازل المرأة عن طموحاتها وإمكاناتها المهنية.
من المحتمل أن يكون الزواج من رجل متسامح ومتحرر هو السبيل الأفضل. وبعد كل شيء، يبرر المحافظون عدم المساواة داخل العائلة بأسلوبين: "تلك إرادة الله" و "التكوين البيولوجي قضاء وقدر". ويعتقد معظم الرجال (ومعظم النساء)، ومنهم المتسامحون والمتحررون أن المنزل هو من مسؤولية النساء لكنهم على الأقل يشعرون بالحساسية حيال ذلك.
وإن كنت قد تدبرت أمورك بعناية ودقة بالزواج ممن هو أصغر منك سنا أو كنت قد عثرت على شخص لم تفسده أيديولوجية الجنس (الذكورة والأنوثة)، فأنت في وضع يمسح لك بمقاومة القيام بأكثر من حصتك العادلة تجاه العائلة. وحتى عند ذلك فعليك أن تكوني يقظة. وتأتي الصفقات السيئة على هيئتين: اقتصادية واقتصاد منزلي. الإغراء الاقتصادي يتمثل في أن تتكفل الزوجة العاملة بتكاليف رعاية الأطفال، فإذا قرر زوجان أن ينجبا طفلا وكان دخل المرآة 50 ألف دولار في السنة ودخل زوجها 100ألف دولار في السنة، وكانت تكاليف مربية الطفل 30 ألف دولار في السنة، سيجد الزوجان أن ما يتبقى من دخل الزوجة بعد دفع 40% كضرائب هو 30 ألف دولار وهو ما يكفي لدفع رابت المربية فقط، وبذلك من الأفضل لها أن تبقى في البيت. ولكن هذا يتجاهل على نحو تام بأن كلا البالغين شريك في الأمر ويتجاهل الدخل المستقبلي المفقود، والسلطة، والأمن للمرأة التي تركت عملها. فبدلا من ذلك، عليهم احتساب مجموع دخل الوالدين السنوي وهو 150 ألف دولار وما يتبقى منه بعد الضرائب هو 90 ألف دولار. وبعد دفع راتب مربية بدوام كامل، يتبقى لهما 60 ألف دولار للوفاء بتكاليف حياتهم.
والفخ الذي ينصبه الاقتصاد المنزلي يحاول استغلال المعرفة الأنثوية المتفوقة وحرص الأنثى المتميز على النظافة والصحة العامة. فالحل إذن هو الادعاء بالجهل وعدم المحافظة على النظافة. عليك ألا تعرفي مكان الزبدة أبداً. "أين الزبدة؟" هي الجملة التي تبدأ بها صيغة نورا إيفرون الشهيرة المتكررة عن الزواج. حيث يسأل الرجل فيها عن مكان الزبدة وهو ينظر مباشرة إليها في الثلاجة. حقيقة، صيغة "أين الزبدة؟" تعني: ضعي الزبدة على خبزي المحمص، واشتري الزبدة، وتذكري متى ستنفد الزبدة. وبذلك تصبح الخطوة التالية هي أن تتركي وظيفتك في مكتب المحاماة لأنك مشغولة جدا بإدارة شؤون الزبدة. ولو أن النساء لم يبدأن بلعب دور مديرة المنزل، سيكون البيت قذرا، إلا أن حقائق العالم المادي ستتفوق على الاستعانة بأيديولوجية الجنس (كذكورة وأنوثة). فإما أن يقوم الطرف الراشد الآخر في العائلة بدور إيجابي فعال أو سينمو الأطفال ولديهم منظومة مناعة قوية.
إذا كانت هذه الوصفات غير مناسبة للعائلة، فإليك القاعدة الأخيرة: انجبي طفلا واحدا. ولكن لا تنجبي اثنين. تقول جوديث ستاتدمان تاكر في موقع حركة الأمهات على الإنترنت Mothers, Movement Online : إن النساء اللواتي يتركن العمل من أجل تربية الأطفال يفعلن ذلك عادة بعد ولادة الطفل الثاني فقط، حيث يضغط الطفل الثاني على مهارات الأم التنظيمية، ويضاعف الطلب على الحصول على المواعيد، ويرفع تكاليف التعليم والسكن بشكل كبير، ويدفع بالعائلة إلى السكن في الضواحي. لكن المدن، بما تملكه من إمكانات الوجبات السريعة من المطاعم الصينية وغير ذلك، هي مكان أفضل للأمهات العاملات. صحيح أنك لو اتبعت هذه القاعدة فإن مجتمعك سيبدأ بالتناقص من حيث عدد أفراده. ولكن إذا ساءت الأمور إلى حد كبير، فمن يعلم ما التداعيات التي ستنجم عن ذلك؟ ورغم كل ذلك، لم يكن النظام الفرنسي الذي يتباهى برعاية الطفل سوى رد فعل على معدل الإنجاب الألماني المتفوق.
4 ـ لماذا نعير الأمر كل هذا الاهتمام؟
تبدو عرائس صحيفة "التايمز" اللواتي يتمتعن بالامتيازات ـ وأزواجهن ـ سعيدات. فلماذا إذن نعير ما يفعلنه أي اهتمام؟ وفي النهاية فإن معظم الناس ليسوا أغنياء وبيض البشرة وأسوياء جنسيا، ولا يستطيعون ترك العمل إن هم أرادوا ذلك.
ونحن نهتم بالأمر لأن ما تفعله النساء يلحق الضرر بهن، وبالتأكيد بالمجتمع برمته، ويمكن محاكاته على نحو واسع، حتى من قبل أناس لا يقومون بالإعلان عن زواجهن في صحيفة "التايمز" أبداً. هذا الأمر الأخير يدعى "تأثير المنظومة regime effect"، ويعني أنه حتى لو لم تترك النساء وظائفهن للبقاء مع أسرهن، فهن يعتقدن بأنه من الواجب عليهن تركها ويشعرن بالإثم إن لم يفعلن ذلك. لقد خلق تأثير المنظومة المذكورة غموضا حول الهالة السرية الأنثوية، أيضا.
وأما بالنسبة للمجتمع، فالنخب تزود طبقات صناع القرار بالعمالة ـ كأعضاء مجلس الشيوخ ومحرري الصحف، والعلماء والباحثين، ورجال الأعمال وصانعي السياسات، ودارسي السياسة. وإذا كانت الطبقة الحاكمة تتكون في معظمها من الذكور فإن ذلك كفيل بأن يوقع الحكام في أخطاء ينتفع منها الذكور، إن بسبب الجهل بالموضوع أو عدم المبالاة. وتظهر الدراسات الإعلامية أن وجود أنثى واحدة ضمن طاقم برنامج تلفزيوني، يرفع نسبة النساء على الشاشة من 36% إلى 42%. فعالم فيه 84% من المحامين من الذكور مع 84% من مساعديهم من الإناث هو مكان مختلف عن عالم تحتل فيه النساء مواقع السلطة الاجتماعية. فكر فيما سيؤول إليه وضع مدينة أمريكية كبيرة يشكل البيض 86% من رجال الشرطة فيها. وإذا كانت الشخصيات النموذجية التي هي مثل أعلى لا قيمة لها، فلماذا نهتم بساندرا داي أوكونور Sandra Day o , Connor([8])  وحتى لو كان عدد النساء اللواتي فقدان مراكز السلطة عند مستوى معين يعني فقدان الأمل بالتغيير. فهل يعني ذلك أنه لن يكون هناك أكثر من امرأة واحدة في المحكمة العليا أبداً؟
والأسوأ من ذلك، أن هذا السلوك يضلل كل أنثى بالمعلومات التي تقول إنها لن تصبح حاكمة أبداً. وقد وصفت شيرلي تيلجمان رئيس جامعة برنستون الصورة الذاتية للجامعات الراقية على نحو مثالي عندما أخبرت طلاب السنة الأولى في العام الماضي بأنهم سيكونون قادة الأمة، ومن الواضح أنها لم تكن تفكر في الزوجات اللواتي يقمن بأدوار هامشية فقط من أجل إظهار تميز أزواجهن. فلماذا يقوم المجتمع بإنفاق الموارد على تعليم النساء مقابل عائد معدله 50% فقط من الأهداف المنصوص عليها؟ وقد نشرت صحيفة "اتحاد المحافظين الأمريكيين" لي العام 2004 عموداً ينصح أصحاب الأعمال بالابتعاد عن توظيف مثل تلك النسوة وإلا فهم يجازفون بالإفلاس. والمعلومات السيكولوجية الجيدة، تثبت أنه كلما عوملت النساء باحترام، ازدادت طموحاتهن. والعكس بالعكس. ثورة ترك العمل هي في حقيقة الأمر رجوع إلى الوراء.
وأخيراً، هذه الخيارات سيئة للمرأة بشكل فردي. فالحياة الطيبة لبنى الإنسان تشمل المعيار الكلاسيكي الذي يتمثل في استغلال المرء لقدراته على الكلام والتفكير بطريقة حكيمة، والمطلب الليبرالي بامتلاك الفرد لاستقلال ذاتي كاف لتوجيه حياته، وكذلك معيار مذهب المنفعة الذي يقضي بعمل ما هو نافع أكثر مما هو ضار في هذا العالم. وبالقياس على هذه المعايير التي تم اختبارها على مدى الزمن، ستعيش أمهات الطبقة العليا المتعلمات تعليماً مكلفاً حياة أقل من أقل من ذلك. ففي فجر الحركة النسوية، شبهت مُنَظِّرتان أيديولوجية الجنس (من حيث الذكورة والأنوثة) بنظام الطوائف الاجتماعية. وإذا ما تبنينا رؤيتهن، من بصيرتهن، ستحمل بنات الطبقة العليا معظم عبء العمل الذي يرتبط دائماً بالطبقات الدنيا: الكنس وتنظيف فضلات الجسم. وبعد أقل من أسبوعين من صفعة يالي Yalie، نشرت "التايمز" قصة عن أمهات يقمن بتدريب أطفالهن على استعمال الحمام من خلال مراقبة الأطفال بيقظة لظهور مؤشرات على التغوط على مدى 24 ساعة في اليوم 7 أيام في الأسبوع. لقد أصبحن بمحض إرادتهن من طبقة المنبوذين.
عندما قرعت بيتي فريدان جرس الإنذار الذي أحيا الحركة النسوية بعد أربعين سنة من حصول النساء على حق الانتخاب، تحدثت عن حياة لها هدف ومعنى، حياة أفضل وأخرى أسوأ، ولقد قطعت النساء مرحلة طويلة نحو السقف الزجاجي الذي حد من احتمالات وفرص النجاح خارج البيت، أما الآن فالسقف الزجاجي يبدأ في البيت، مع أنه من الأصعب تحطيم سقف هو السقف نفسه الذي يقع فوق رأسك أيضا، إلا أنه لا يوجد خيار غير ذلك.


([1])  ـ الحركة النسوية feminism: هي نظرية المساواة بين الجنسين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وسنستعمل هذا المصطلح في هذه المقالة للدلالة على التنفيذ العملي لتلك النظرية وعلى القائلين بها كذلك ـ المترجم.
([2])  ـ المقصود بذلك المصطلح هو وجود سقف شفاف غير منظور يحول دون وصول بعض ـ الأقليات العريقة والنساء بشكل خاص ـ إلى المراكز الوظيفية العليا في كبريات الشركات والمؤسسات، وكأن هناك سقف يمنعهم من ذلك ـ المترجم.
([3])  ـ مجموعة من ثامني جامعات في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة وتعتبر من الجامعات العريقة وهي: جامعات براون، وكولوبيا، وكورنيل، ودارتموث، وهارفارد، وبرنستون، وبنسيلفانيا، وبيل. وسميت بهذا الاسم LVY, والكلمة تعني نبات اللبلاب، حيث يغطي هذا النبات المباني القديمة للجامعات ـ المترجم.
([4])  ـ من الشائع هذه الأيام أن يعمل بعض موظفي الشركات من بيوتهم دون الذهاب لمكان العمل، ويتم الاتصال بينهم وبين الشركات التي يعملون بها لتقديم ما قاموا بعمله من خلال وسائل التواصل الحديثة كالكمبيوتر والفاكس والتلفون ـ المترجم.
([5])  ـ أكبر شبكة سياسية في الولايات المتحدة تنادي بالمساواة بين الجنسين وتسعى إلى ترشيح وإيصال أكبر عدد ممكن من النساء للكونغرس وللمجالس التشريعية المحلية للحلول محل الجناح اليميني المتشدد ـ المترجم.
([6])  ـ وول ستريت: شارع ضيق في مانهاتن بنيويورك يعتبر قلب المركز المالي الأمريكي وكان قد احتوى على المكان الدائم لبورصة نيويورك، وأصبحت كلمة وول ستريت تعني أسواق المال ـ المترجم.
([7])  ـ تصنيف تصدره مجلة "فورتشن Fortune" بأكبر 500 شركة عامة في الولايات المتحدة حسب أصول وأرباح هذه الشركات، وكمصطلح يشير إلى كبريات الشركات والمؤسسات في الولايات المتحدة ـ المترجم.
([8])  ـ أول امرأة تعمل كقاضية في المحكمة العليا بالولايات المتحدة. ولقد احتلت ذلك المركز في العام 1981 وتقاعدت عن العمل اعتبارا من أول يوليو 2005 للعناية بزوجها المريض. كان لأوكونور صوت مؤثر على قرارات المحكمة في السنوات الأخيرة، ولقد اختارتها مجلة "فوريس Forbes" في العام 2004 كرابع شخصية في أمريكا وكسادس أقوى شخصية في العالم ـ المترجم.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: