استقلال كوسوفو يقسم المسلمين في صربيا أيضا
الأحد 9 مارس 2008
استقلال كوسوفو يقسم المسلمين في صربيا أيضا
محمد م. الأرناؤوط - أستاذ التاريخ الحديث في جامعة آل البيت
الغد-  29/2/2008
 
يبدو أن المسلمين في صربيا لم يكن ينقصهم إلا مشكلة كوسوفو حتى يدفعوا ثمناً جديداً لوجودهم هناك وسط التجاذبات المحلية والإقليمية والدولية بشأن استقلال كوسوفو. والمسلمون في صربيا لهم تاريخ طويل نتيجة للحكم العثماني الطويل (حوالي أربعة قرون) وتوسع صربيا الحديثة بعد استقلالها في 1878 حيث شملت مناطق يسكنها الألبان والبشناق غير المرغوب بهم. ونتيجة لهذا الوضع فقد غدت بلغراد تحتضن الجامع الوحيد الذي بقي من العهد العثماني (بعد أن كان فيها عشرات الجوامع) بينما أصبح الثقل الكبير للمسلمين في الأطراف: في السنجق (البشناق) وفي وادي بريشيفو (الألبان) حيث يتواصلون أكثر مع المسلمين المجاورين لهم في البوسنة والجبل الأسود وكوسوفو.
ومع انهيار يوغسلافيا خلال 1991-1992م وإعلان استقلال كوسوفو من جانب واحد استقلت "المشيخة الإسلامية" في كوسوفو بدورها عن باقي يوغسلافيا.
 ونتيجة لذلك برز في بلغراد الشيخ حمدي يوسف سباهتيش إمام "جامع البيرق"، الذي أصبحت صربيا ميلوشيفيتش تعتبره "مفتي صربيا"، ولكن سلطة هذا "المفتي" لم تكن تتعدى كثيراً حدود بلغراد لأن المسلمين في السنجق (البشناق) كانوا يعتبرون مفتي البوسنة مرجعاً لهم، كما أن المسلمين في وادي بريشيفو (الألبان) يعتبرون مفتي كوسوفو مرجعاً لهم.
 ومع استقلال الجبل الأسود عن صربيا في آيار / مايو 2006م انقسم إقليم السنجق وسكانه المسلمون بين الدولتين، حيث ارتفعت نسبة المسلمين في الدولة الجديدة (الجبل الأسود) إلى حوالي 22% بينما انخفضت نسبة المسلمين في صربيا إلى حوالي 8% (حوالي 500 ألف من أصل 7 ملايين نسمة).
ونتيجة لهذا الانفصال بين صربيا والجبل الأسود أخذت تصدر في صربيا قوانين جديدة كان منها "قانون الكنائس والجماعات الدينية" الذي صدر في صيف 2006م. وقد نصّ هذا القانون على وجود هيئة أو جماعة دينية واحدة تمثل المسلمين أمام الدولة، كما هو الأمر مع الكنيسة الأرثوذكسية الصربية.
 ولكن المشكلة كانت في كيفية جمع وتمثيل المسلمين في هيئة هرمية واحدة ضمن الأوضاع الموجودة. فقد أدرك الشيخ حمدي يوسف سباهتيش أن المبادرة لانتخاب هيئة تمثيلية للمسلمين لن توصله إلى المنصب الذي هو فيه (مفتي صربيا)، لأن غالبية المسلمين يأخذون عليه تعاونه مع نظام ميلوشيفيتش وسكوته عما كان يجري في كوسوفو خلال 1998-1999.
ولذلك دعا بعض المسلمين المؤيدين له في بلغراد وجوارها إلى "مجلس" عقد في شباط / فبراير 2007م وأدى إلى إعلان تشكيل هيئة تمثيلية باسم "الجماعة الإسلامية لصربيا" واختيار ابنه محمد يوسف سباهتيش مفتياً لصربيا.
ولكن الغالبية المعارضة له (من البشناق والألبان) ردوا على ذلك بالدعوة إلى مجلس موسع في نوفي بازار عاصمة السنجق خلال آذار 2007م وحضره ممثلون عن المشيخات الإسلامية في الدولة المجاورة وانتهى إلى تشكيل هيئة جديدة باسم "الجماعة الإسلامية في صربيا" واختيار الشيخ معمر زوكورليتش مفتياً لصربيا.
وقد كان من الواضح أن مشاركة ممثلي المشيخات الإسلامية في البوسنة والجبل الأسود وكوسوفو ومكدونيا يعني اعترافاً مسبقاً بهذه الهيئة/ المشيخة الجديدة التي تمثل المسلمين في صربيا. ولكن المشكلة كانت في أن الدولة حسب القانون لا تعترف إلا بهيئة واحدة للمسلمين ورئيس واحد لها يحمل لقب "مفتي صربيا"، ولذلك فقد أجلت الاعتراف مع أن الشيخ زوكورليتش كان يمثل الغالبية وأصبح يحظى بقبول رسمي كممثل للمسلمين في صربيا من قبل الهيئات المماثلة في البلقان.
 ولكن هذا التأجيل لم يخف حقيقة أن الحكومة الصربية كانت تفضل "المفتي الصربي" يوسف سباهتيش الموالي لها على عكس "مفتي صربيا" معمر زوكورليتش الذي كانت تعتبره موالياً لسراييفو.
وقد جاءت الآن التطورات السريعة عقب إعلان الاستقلال في كوسوفو لتبرز أكثر هذا "الصراع على الإسلام" حسب تعبير د. رضوان السيد. فقد كان مفتي البوسنة د. مصطفى تسريتش يشارك في مؤتمر الدوحة عن "العالم الإسلامي والولايات المتحدة" حيث ظهر في قناة "الجزيرة" (18/2/2008) وعبّر عن دعمه لاستقلال كوسوفو، وهو ما ينسحب بطبيعة الحال على موقف "الجماعة الإسلامية في صربيا" التي يرأسها الشيخ معمر زوكورليتش "مفتي صربيا".
 ولكن بلغراد التي أطلقت حملة شاملة لعرقلة استقلال كوسوفو دفعت "مفتي صربيا" الآخر الشيخ محمد يوسف سباهتيش إلى موقف معاكس تماماً. وهكذا فقد صرّح الشيخ يوسف سباهتيش في اليوم التالي (19/2/2008) أن "الجماعة الإسلامية لصربيا" التي يرأسها "تندد بإعلان استقلال كوسوفو باعتباره من أعمال العنف السياسي الذي يمكن أن يعمق الخلافات بين شعوب العالم".
ولم يكتف الشيخ يوسف سباهتيش بذلك بل أوضح للصحافة الصربية أنه قد أرسل رسائل إلى كل الدول الإسلامية يناشدها عدم الاعتراف بكوسوفو. ومع هذا الموقف لا يملك المرء إلا أن يأسف لهذا التسييس لشؤون المسلمين.
 فقد كان من الواضح منذ البداية أن الحكومة الصربية تفضل أن يكون الشيخ يوسف سباهتيش "مفتي صربيا"، على الرغم من معارضة غالبية المسلمين في صربيا، لكي يكون في صفها في مثل هذه الحالة. ولا شك في أن هذا الموقف المتسرع للشيخ يوسف سباهتيش يكشف من ناحية عن الجهة التي تدعمه منذ البداية، ويؤشر إلى شرخ عميق في تمثيل المسلمين بصربيا.
فمع هذا الموقف تعمق الانفصال بين الجهتين/ الهيئتين اللتين تدعيان تمثيل المسلمين في صربيا مع أن المطلعين على الأوضاع هناك يعرفون ماذا تمثل كل جهة أو هيئة.
ومن هنا فقد كان من الملفت للنظر أن يقوم مراسل "الجزيرة" في بلغراد نور الدين بوزيان بلقاء الشيخ يوسف سباهتيش باعتباره "مفتي صربيا"، الذي تحدث بما شاء (22/2/2008) دون أن يشير إلى وجود مرجع آخر (الشيخ معمر زوكورليتش) يمثل غالبية المسلمين في صربيا، وقد يكون لديه ما يستحق الاستماع إليه.
 في مثل هذه الحالة وجود جهتين/هيئتين تدعيان تمثيل المسلمين في صربيا تعتبر الحكومة الصربية (وزارة الاديان) نفسها في حل من أمرها للاعتراف بوجود رسمي للمسلمين حسب القانون الجديد . وبعبارة أخرى فان المسلمين في صربيا، الذي عانوا بما فيه الكفاية في عهد ميلوشيفيتش، لاينقصهم الان أن ينقسموا وأن يختلفوا على من يمثلهم أمام الدولة لان الايام القادمة ( بما تحمل من تحديات) تحتم عليهم أن يكونوا جهة واحدة "أمام الدولة" وليس في "مواجهة الدولة".
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: