ومسَميّات أخرى
السبت 18 أغسطس 2007
ومسَميّات أخرى
فهمي هويدي - مجلة العربي نيسان 1983م
 
نحن بحاجة لأن نعيد النظر في مصطلحات قاموس حوارنا، إذا أردنا له أن يتصل وثمر، ولا يتحول إلى حوار طرشان! وإذا كنا نعاني من غيبة الحوار ـ كقاعدة ـ عن حياتنا العقلية، فإنه في الحدود الضيقة قد يتاح لنا أن نمارس فيها هذا الحوار، يجب أن ندقق في لغة خطابنا، حتى لا نستخدم كلمات ومصطلحات فقدت قدرتها على التعبير فضلا عن التوصيل.
فنحن نتداول كلمات مثل ليبرالية وعلمانية وسلفية وتقدمية وعصرية، ويمين ويسار، وفي ذهن كل منا معنى مختلف لكل كلمة، الأمر الذي يهدر قيمة المصطلح، ويفسد عليه وظيفة ورسالته.
وقد مررت مؤخرا بتجربة من هذا النوع، إذ نشر لي "العربي" استطلاعا عن منطقة "الهونزا" في أقصى شمال باكستان (عدد ديسمبر 82)، أعربت في مقدمته عن الأسف لأني وجدت أغلب أهل المنطقة من أتباع الطائفة الإسماعيلية، الذين لم أجد في قراهم مسجدا واحدا يذكر فيه اسم الله، وقال لي بعض كبارهم أنهم يتجهون بقبلتهم ـ عبر قلوبهم ـ إلى حيث يقيم إمامهم في أحدى ضواحي باريس، وذلك أفضل عندهم من التوجه بالحركات ـ مثلنا ـ إلى قبلة مبنية من الحجر في مكة!.. أدهشني وصدمني ما سمعته، فلم يزد ما كتبته في التعبير عن مشاعري على استخدام كلمة "الأسف"، في حين أن الأمر يحتمل وقد يستوجب ما هو أكثر.
لكن ما رأيته وسمعته لم يكن المفاجأة الوحيدة، إذ ما أن تم النشر حتى فوجئت بما هو أغرب وأدهى. فقد قال لي استاذ جامعي كبير المقام، قرأ ما كتبته، إن هذا الأسف الذي عبرت عنه، قد يرضي المسلمين "المتشددين"، في حين أنه يزعج ـ كثيرا ـ المسلمين "الليبراليين"! لم أصدق إذني، فسألته مستفهما عما يقصده، فكررها على مسامعي قائلا إن المسلمين الليبراليين لا يكترثون بمثل تلك الأمور التي عبرت عن أسفي لافتقادها، ثم أضاف ناصحا: كفانا تزمتا يا أخي!!
عقدت الدهشة لساني، فقلت: يبدو أن الليبرالية عند البعض يمكن أن تقودنا إلى درجة يصبح معها الشرك إحدى شعب الإيمان!
ثم توالت ردود الفعل. وتلقيت خطابات من بعض القراء الذين توحى خطاباتهم بأنهم إسماعيليون ـ من القطر السوري في الأغلب ـ تعاتبني على تلك الكلمة الوحيدة واليتيمة التي ذكرتها بقلب كسير. ولم يكن في ذلك غضاضة، أن يعترض أي قارئ على ما يكتبه الكابت، إنما الذي أزعجاني حقا، هو تلك الحجج التي استخدمها المعترضون في رد ما كتبت. فقد قال أحدهم أنني كشفت أوراقي، ففيما تنبئ كتاباتي عن خط "عصري" و "تقدمي" إذا بي أسقط "القناع" وأسجل بيدي اعترافا بأنني رجعي التفكير، متشبث بالشكليات والمظاهر. وسأل آخر: كيف تدعو إلى العقلانية والتركيز على مضمون الإسلام ومقاصد الشريعة، وتروج لفكرة التجاوز عن القشور والتفاصيل، ثم تخرج علينا بثياب أخرى، رأينا فيها التعصب (!) والتعلق بتلك القشور والتفاصيل!
وفي أحدى الندوات التي شهدتها ببيروت، قدم أحد الاساتذة المغاربة بحثا بعنوان "قراءة في الخطاب السلفي" تدعو في مجملها إلى ضرورة التحلل من كافة "قيود" ذلك الخطاب السلفي، لأنها تمثل في رأيه العائق الأساسي للتقدم. وسألته: هل يعد القرآن الكريم داخلا ضمن الخطاب السلفي، فامتنع عن الرد، وقال أنه أوضح مقصده في الورقة المقدمة ـ وكان مضمون الورقة يوحي للأسف ـ أيضا! ـ بأن كتاب الله في عرف صاحبنا، مصنف ضمن ذلك الخطاب المطلوب الغاؤه.
وكان ذلك اكتشافا جديداً بالنسبة لي، أعقبه اكتشاف لفريق أكثر "اعتدالا" ـ ! ـ يخرج القرآن من دائرة التراث ويكتفي بالأحاديث النبوية ـ في حين أن ثمة فريقا ثالثا ـ تصورناه الأوحد ـ يقصد بالتراث اجتهادات الفقهاء وحدهم.
 
 
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: