لبننة الحركة الإسلامية
الجمعة 14 سبتمبر 2007
أنظر ايضــاً...
لبننة الحركة الإسلامية
أحمد الأيوبي – الشرق الأوسط 5/8/2007
يمكن اعتبار ظاهرة «فتح الاسلام» نموذجا فريدا من التركيبات الحركية ذات الاختلاط الفريد بين العنصر المخابراتي والعنصر الاسلامي (الجهادي تحديدا) الى درجة يمكن اعتبارها حالة نموذجية لاختراق النظام السوري للساحة الإسلامية.
فلا يمكن إنكار ان من بين عناصر «فتح الاسلام» مقاتلين اسلاميين خاضوا في العراق معارك مع الاحتلال الاميركي، وكانوا ينشطون في إطار دعم مقاومة هذا الاحتلال. لكن من الواضح ان هذا النموذج من المقاومة الاسلامية، بات يعرّض أصحابه للكثير من الاختراقات. ويمكن التحدث هنا عن «أبو مدين» الضابط في المخابرات السورية من مدينة معرة النعمان، الذي كلف بمهمة مرافقة شاكر العبسي بحيث تحول الى القائد الفعلي لهذه المجموعة داخل سورية، والتي تم توريط عناصرها في التحضير لعملية عسكرية ضد النظام، اكتشفتها أجهزته قبل وقوعها. لعله من المفارقة هنا ألا يتمكن من الفرار إلا شاكر العبسي وأبو مدين.
اعتقل العبسي في السجون السورية إثر فراره من الاردن وتورطه في اغتيال الدبلوماسي الاميركي فولي، وسجن ليخرج بعد حوالي ثلاث سنوات. ثم وسّع نشاطه داخل الاراضي السورية، وبدأ يخطط للقيام بعمليات ضد النظام، مما أحدث انشقاقاَ في صفوف المجموعات العاملة في إطار دعم المقاومة العراقية.
وقد أدى التباين حول الأولويات بين المجموعات الإسلامية الناشطة في سورية الى فرار المجموعة التي رفضت الصدام مع النظام الى الأراضي اللبنانية، ليقع 13 من أفرادها في أيدي القوى الامنية في ابريل (نيسان) 2006، وسميت حينها مجموعة الـ 13، وكانت منتظمة في إطار «القاعدة»، لكنها لم تمارس أي نشاط عسكري على الاراضي اللبنانية، يوحي بأنها تحمل توجها لإثارة الفوضى داخل لبنان.
دخل العبسي لبنان عبر الحدود البقاعية مع سورية، عبر مواقع حركة (فتح الانتفاضة)، لينظم عددا من الدورات التدريبية، وخاصة في معسكري حلوى وقوسايا، مرورا بمخيم برج البراجنة في بيروت، ليُدفع منه لاحقا الى شمال لبنان ويستقر في مخيم نهر البارد، حيث بدأ تجميع أنصاره، باسم «فتح الانتفاضة» قبل ان يستكمل سيطرته على مراكزها ومخازن أسلحتها وذخيرتها.
أما شهاب القدور (ابو هريرة) فقد حاول توريط «عصبة الانصار» في خيار المواجهة الداخلية مع القوى الامنية اللبنانية، لكنه لم يفلح، واصطدم بموقف صلب من العصبة، يقوم على أساس رفض إعطاء النظام السوري أية فرصة أو ذريعة للعودة الى التدخل في الواقع اللبناني، ومنه واقع المخيمات.
وعندما فشل القدور في تشكيل مجموعة ذات وزن في عين الحلوة، اتجه شمالا نحو مخيمي البداوي ونهر البارد، ليصبح المسؤول العسكري لحركة «فتح الاسلام».
إلا ان التقاطع الأخطر، يتمثل في التقاطع القائم بين «حزب الله» وحركة «فتح الاسلام»، وهو تقاطع قد يبدو للوهلة الاولى غير منطقي، لكن الوقائع تأتي لتؤكد تورط الحزب، وذلك من خلال محطتين مهمتين:
الأولى: محطة المجموعة التي تشكلت منها هذه الحركة في منطقة الضاحية الجنوبية، حيث أقام عناصرها باعتبارهم عمالا سوريين، لكنهم لم يلتزموا مستلزمات كونهم عمالا، فباشروا الاتصال بالناس ودعوتهم للعمل معهم، في مجالي الأمن والاستقطاب.
المحطة الثانية: هي رعاية «حزب الله» لزعيم مجموعة «أنصار الله» في مخيم عين الحلوة المدعو جمال سليمان، ورعاية هذا الاخير لشاكر العبسي ومجموعته.
وقد انشق جمال سليمان الضابط في حركة «فتح» في مخيم عين الحلوة عن هذه الحركة عام 1989 في وقت كان فيه السيد حسن نصرالله مسؤولا عسكريا عن إقليم التفاح، ثم أصبح على علاقة مباشرة مع العقيد بسام عبد المجيد (الذي أصبح اليوم وزيرا للداخلية في سورية)، لتنشأ علاقة ثلاثية وثيقة بين «حزب الله» وعبد المجيد وجمال سليمان. وفي إطار خطة «حزب الله» للتوسع أمنيا وسياسيا، أنشأ جمال سليمان في مخيم عين الحلوة جماعة سماها «انصار الله»، شكلت الامتداد الفلسطيني للحزب، ودخولا مباشرا في معادلة المخيمات.
وفي إطار عمله على خط العراق، واكب جمال سليمان المراحل المختلفة لتحرك شاكر العبسي، وحسب المعلومات المتوافرة، فان سليمان التقى العبسي قبل 20 يوما من بدء الاشتباكات في مخيم نهر البارد، في منزل أحد أقربائه وأبناء بلدته (عمقه)، وبرفقته المدعوان حمد وماهر العويد.
وهذه خلاصات أساسية:
ان التورط السوري أكثر من واضح في عملية إنشاء حركة «فتح الاسلام» من خلال عقد مسؤول «فتح الانتفاضة» في سورية ابو خالد العملة صفقة مع شاكر العبسي، تسمح له بالسيطرة على مراكز هذه الحركة ومواقعها وأسلحتها.
أما الباب الآخر للتورط السوري فهو وجود أبو مدين الضابط في المخابرات السورية الذي قتل في شقة شارع المئتين، وهو الذي حدد أهداف عملية عين علق، ووجه بوصلة الارهاب نحو المناطق والمواطنين المسيحيين في لبنان.
ان «حزب الله» مطالب بتوضيح هذه السلسلة من الالتباسات المريبة في علاقته بجمال سليمان.
ان مجموعة «فتح الاسلام» تمثل نموذجا جديدا وخطرا من الاختراق السوري للحالة الاسلامية، كونها استطاعت أن توجد التباسات طالما سعى النظام السوري الى خلقها في الاوساط الاعلامية والسياسية، وهي ترتكز على ان المسلمين السنة في لبنان وسورية هم مصدر الإرهاب وانهم لا يصلحون للحكم.
ومن الملابسات الخطرة التي خلفتها حالة «فتح الاسلام» هي عدم تمكن الكثير من الاسلاميين اللبنانيين، المتعاطفين خصوصا مع المقاومة في العراق، أو المتأثرين ببعض أجواء التشدد، من التمييز والتركيز على خطورة الاختراق السوري لمجموعة «فتح الاسلام» رغم كونه ظاهرا وجليا.
أخيرا، تفرض حالة «فتح الاسلام» فتح نقاش جريء حول واقع الحالة الاسلامية، وخصوصا السلفية منها، بحيث يتعين البحث في سبل إنقاذ السلفية من التطرف، ومن تطرف تنظيم «القاعدة» تحديدا، بعد ان نجحت هذه في الاستيلاء على جزء من المسمى عبر ما بات يعرف بـ«السلفية الجهادية».
وهذا لا يتم إلا بجهود جبارة تنقذ هذا التراث الاسلامي، بوجهيه التاريخي والمعاصر من ان يتحول الى مصطلح مواز للارهاب، كما هو الحال بالنسبة الى الكثير من المصطلحات والمقاصد الاسلامية الأخرى.
وبالعودة الى الواقع اللبناني، فان تجربة «فتح الاسلام» وما سبقها من تجارب تضع الاسلاميين في هذا البلد أمام تحد مستقبلي واقعي، وهو كيف يمكن قيام حركة إسلامية لبنانية تعمل في ظل الخصوصية اللبنانية، وتكون نموذجاً حضارياً لجميع الاسلاميين في المنطقة؟ وهنا ندخل في إطار مستلزمات لبننة الحركة الاسلامية، وهذا العنوان هو التحدي الأكبر والأفق المنتظر للعمل الإسلامي في بلاد الارز.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: