هل يتحول العراق إلى منطقة نفوذ إيرانية؟
مختارات إيرانية (العدد84) يوليو 2007
خالد السرجاني - كاتب متخصص في الشئون الإيرانية والتركية
تتعدد التحليلات التي ترى أن العراق أصبح ساحة للنفوذ الإيراني، خاصة مع سيطرة الشيعة العراقيين على العملية السياسية، ومعظم التشكيلات الشيعية الممثلة في الحكومة ذات طابع ديني له صلة سابقة بإيران مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة وتيار مقتدى الصدر، يضاف إلى ذلك أن الولايات المتحدة أجرت حوارات مع إيران فيما يتعلق بالعراق وأشركتها في معظم الاستحقاقات المتعلقة بها، أنها تتعامل معها باعتبارها طرفا رئيسيا فيما يتعلق بهذا الأمر وهذا السلوك الأمريكي لم يكن ليحدث لو لم تكن الولايات المتحدة مقتنعة بأن إيران لاعب رئيسي في مجريات تطور الوضع بالعراق، يضاف إلى ذلك أن معظم المحللين المتابعين للشأن الإيراني يرون أن هناك ارتباطا كبيرا بين ما يحدث في العراق من تطورات وبين المصالح الوطنية الإيرانية، فمن يقرأون التاريخ يعرفون أن ا لعراق ظل على الدوام منطقة صراع بين الدولة الصفوية الفارسية ا لشيعية التي تعد إيران امتدادا لها في الوقت الراهن حتى ولو تغيرت التسميات، والإمبراطورية العثمانية السنية التي تمثل تركيا الامتداد الحقيقي لها في الوقت الراهن، من هنا لا يستطيع أي محلل سياسي أن يتجاهل أن ما سوف يحدث في العراق من تطورات سوف يؤثر سواء بالسلب أو بالإيجاب على إيران ومصالحها الإقليمية خاصة في وقت تسعى فيه إلى أن تكون دولة مركزية في نظام إقليمي يعاد تشكيله في الوقت الراهن، والمجمع عليه أن إعادة التشكيل هذه سوف تنطلق من صورة العراق وما سوف تؤول إليه أوضاعه الداخلية والإقليمية، من هنا لا يستبعد أي من هؤلاء المراقبين أن تسعى إيران لأن تكون الدولة الجديدة في العراق تابعة لها ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الأمر لم يتحقق حتى الآن ذلك أن الوجود الأمريكي المباشر في العراق يحول دون تحقيق هذا الأمر، ولكن إيران تسعى لأن يصبح العراق الجديد بعد رحيل الولايات المتحدة منطقة نفوذ لها وهي تحسب السيناريوهات المتوقعة في العراق من أجل معرفة أيها يحقق مصالحها الوطنية.
فيكاد يتفق المحللون والخبراء على أن هناك سيناريوهات متعددة لصورة العراق في المستقبل منها اثنين متشددين وبينهما ثالث مثالي ومعتدل حسبما يرى المتخصصون، ويرى هؤلاء أن هذا السيناريو المعتدل يتمثل في قيام دولة عراقية تعددية من الناحية السياسية وديمقراطية تكون نموذجا يحتذى لدول المنطقة فيما يتعلق بتطبيق الديمقراطية، خاصة تلك التي تعاني من وجود تعددية سياسية وثقافية أو مذهبية أو طائفية. وفي رأي معظم المهتمين بعلاقة إيران بالعراق فإن هذا هو السيناريو الأسوأ بالنسبة لإيران لأنه سوف يدفع الشعب الإيراني للمطالبة بدولة أكثر ديمقراطية لا يسيطر عليه رجال الدين، والذي سوف يزيد من شرعية مطالبهم هو أن رجال الدين في العراق سيكونون راضين عن هذا الوضع بما يعني ضمنا خطأ التصور الذي يسعى رجال الدين في إيران إلى تسييده لدى المواطنين من أن حكمهم هو الوحيد القائم على أساس سليم من الدين. وفي هذا الصدد لابد من الإشارة إلى الخلاف الذي برز في ثمانينات القرن الماضي بين مرجعيات كل من النجف وقم حول نظام ولاية الفقيه وكان الرأي السائد لدى مرجعيات النجف هو أن هذا النظام ليس الوحيد الصحيح لدى الشيعة وإنما هناك صور أخرى للحكم تتوافق مع صحيح الدين وفقا للمذهب الشيعي. ومن هنا فليس خافيا أن العراق الديمقراطي التعددي ليس هو النظام الذي يحقق المصالح الوطنية الإيرانية، يضاف إلى ذلك أن مثل هذا العراق سوف تكون له علاقات قوية مع دول الحوار الجغرافي له ومع الخارج بما يعني أنه لن يكون هناك سوى حد أدنى من التنسيق بينه وبين إيران في مرحلة ما بعد استقراره في الوقت الذي تريد فيه إيران نظاما يحقق لها الحد الأعلى من التنسيق خاصة وأنها تواجه مخاطر دولية وإقليمية متعددة. إما السيناريوهان الآخران اللذان يعتبرهما معظم المراقبين إيجابيان لإيران فهما قيام دولة شيعية في العراق، واستمرار الفوضى الحالية لأطول فترة ممكنة.
1ـ سيناريو الدولة الدينية الشيعية:
فيما يتعلق بالسيناريو المتعلق بالدولة الشيعية بالعراق فهو السيناريو الذي يرى الكثيرون أنه سيحول العراق إلى دولة تابعة لإيران ومنطقة نفوذ لها. لكن هناك تصورين لهذا السياريو الأول هو أن يتحول العراق بكاملة إلى دولة يسيطر عليها الشيعة، والثاني هو أن يتم تقسيم العراق إلى ثلاثة دويلات تكون واحدة منها شيعية في الجنوب. وفيما يتعلق بهذين السيناريوهين الفرعيين فإن الثاني أي أن تكون هناك دويلة شيعية في الجنوب، هو الوحيد الذي يحقق المصالح الإيرانية على أساس أن هذه الدويلة سوف تكون خالصة للشيعة بما يعطي لرجال الدين فرصة لتطبيق نفس النموذج الإيراني حتى تواجه المصاعب الدولية والإقليمية التي ستواجهها. وهذا الأمر سيجعلها تتنازل عن بعض المزايا الروحية والسياسية من أجل أن تضمن رضاء إيران وتنسيقها معها.
ونأتي للسيناريو الفرعي الآخر وهو دولة شيعية على كامل أرض العراق، فهو من الناحية الظاهرية لا يحمل أية خطورة على المصالح الإيرانية، ولكنه في عمقه يحمل هذا الأمر بما يعني أن القيادة الإيرانية لا يمكن أن ترتاح إليه. ولكن وقبل الإشارة إلى هذه السلبيات لابد من الإشارة إلى أن دولة شيعية عراقية على كامل أرض العراق لن تكون شبيهة بأي حال من الأحوال لإيران. فرجال الدين إن كانوا سيلعبون دورا في السياسة فهو لن يكون بالكثافة التي سيمارسها رجال الدين في إيران ولكن أقصى ما يمكن أن يكون عليه دورهم هو مراجعة القوانين قبل صدورها، ولن يتطور إلى ما هو عليه في إيران فيما يتعلق بقصر العمل السياسي فقط عليهم، أو على من يؤمنون بالنظام ولاية الفقيه، فالتعددية الثقافية والعرقية والمذهبية في العراق سوف تفرض آلياتها وتوازناتها، ولن يستطيع رجال الدين في العراق أن يكرروا نفس النموذج السياسي لكنهم في الوقت نفسه لن يعدموا فرض آليات أخرى للتدخل تجعل العراق دولة دينية لهم دور قوي في صنع القرار بها.
ويمكن إجمال سلبيات العراق الذي يسيطر عليه الشيعة في الآتي: فمن جهة، فإن إيران ليس بها في الوقت الراهن مرجعية شيعية في وزن آية الله علي السيستناني، وبالتالي فإنها يمكن أن تفقد ما لديها من وزن معنوي لدى الشيعة، ويمكن أن يصبح السيستناني مرجعية دينية رسمية وموحدة لدى الشيعة في العالم، ومن جهة ثانية، فإن النموذج السياسي المطروح للعراق في الوقت الراهن يختلف جذريا عن النموذج الإيراني الذي يسيطر عليه رجال الدين، الأمر الذي قد يفتح الباب في إيران نفسها للمطالبة بتعديل نظام الحكم ليسمح بالمشاركة السياسية لمن هم من خارج المؤسسة الدينية، ولن يستطيع المؤسسة الدينية الإيرانية مواجهة هذه المطالبات بالقول أن النظام الإسلامي يتطلب ذلك، لأن رجال الدين العراقيين لم يعترضوا على النظام السياسي الأكثر انفتاحا في العراق. ومن جهة ثالثة، فإن مدينة النجف العراقية لما لها من مكانة دينية قد تسحب البساط من مدينة قم الإيرانية، وهو الأمر الذي يمكن أن تكون له تأثيرات متعددة على الوزن الإقليمي والدولي والروحي لإيران. وإذا كانت إيران تسعى لأن تكون دولة الشيعة، فإن التطورات التي يشهدها العراق تنبئ بأن تحوله إلى مجرد دولة شيعية فقط، وبالتالي لن يكون هو المرجع والملاذ الوحيد للشيعة في المنطقة وبالتالي في العالم.
ومن جهة رابعة فإن إيران، وإن كانت تسعى لتصدير نموذجها السياسي لدى شيعة العالم الإسلامي، سواء الأقليات أو الدول التي يعد فيها الشيعة أكثرية عددية لكنها ليست حاكمة، إلا أن هذا النموذج يتطلب من أجل تطبيقه صورة ما من التمرد والثورة والسعي لقلب أنظمة حاكمة.
فالنموذج العراقي سيقدم خياراً آخر لهذه الأقليات أو الأكثرية الشيعية وهو يتطلب صورة أخرى من المطالبات ودرجة ما من درجات النضال السلبي غير العنيف، بل وقد يقنع الشيعة بالاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها والمطالبة بتطبيق ديمقراطية تعددية وتمثيل سياسي يشيد بها حدث في العراق، وعلى هذا فإن إيران لن تظل كما هي الآن النموذج الذي يحج إليه الشيعة من أجل تطبيقه.
ففي مواجهة صورة الملالي أصحاب العمائم الذين يحكمون في إيران أصبح الشيعة حول العالم يرون سياسيين عراقيين من الشيعة، لا يستطيع أن يقول أي شخص أنهم علمانيون، يتصدرون المشهد ويحتلون أعلى المناصب السياسية، وينجحون في أداء دورهم، ولا يثيرون المشكلات مع دول الجوار أو العالم الخارجي حتى ولو كان رجال الدين لهم دور في مراجعة القوانين أو كانوا يحكمون من وراء ستار، وعلى الشيعة وبالتالي الاختيار بين النموذجين المعتدل والمتشدد، وحتى إن كان هذا الأمر سوف يكون لصالح إيران، فإن ذلك سيكون بعد جدل شديد داخل المجتمعات الشيعية، الأمر الذي يعني أن إيران لم تعد هي النموذج الوحيد بالنسبة لشيعة العالم، خاصة الدولة العربية.
نأتي إلى أبرز سلبيات هذا السيناريو العراقي بالنسبة لإيران، وهو أنه سيبعد احتمال أن يكون هناك هلال أو مثلث شيعي تلعب فيه إيران الدور المركزي، الأمر الذي يجعل منها دولة إقليمية مركزية على حسب ما تقوله تحليلات متعددة انطلاقاً من تداعيات الغزو الأمريكي للعراق الذي أسفر عن سقوط نظام صدام حسين "السني" والذي يجعلنا نستبعد هذا الاحتمال هو أن شيعة العراق الذين سوف يتصدرون المشهد السياسي في المرحلة المقبلة في العراق، يدركون أن علاقاتهم بالولايات المتحدة مهمة وحيوية خلال سنوات إعادة الأعمار، ويدركون في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة لديها خيوط متعددة للسيطرة على العملية السياسية في العراق، إضافة لذلك، فهم يريدون استمرار العراق الموحد في إطار نظام فيدرالي، وليس تقسيم العراق إلى دويلات على أساس عرقي أو مذهبي، وهذا الأمر يجعلهم يقدمون تنازلات للأكراد، حتى يظلوا داخل العراق الموحد، وسوف يظل وزير خارجية العراق كرديا، بما يحول دون التنسيق مع إيران، وسوف يظل الأكراد يضعون (فيتو) على المزيد من التعاون مع إيران مطالبين بدولة مدنية تعددية بما يحد من طموحات الشيعة في المزيد من التنسيق مع إيران، ناهيك عن الدخول في محاور أو تحالفات معها. أي أن الحدث العراقي لن يمثل خطوة متقدمة لدور إيراني إقليمي مركزي، وإنما على إيران أن تسعى إلى تطويق آثاره السلبية على محاور داخلية وإقليمية متعلقة بها.
2 ـ سيناريو الفوضى:
أما السيناريو الكبير الثاني فهو استمرار الفوضى القائمة في العراق لفترة طويلة من الوقت، ونعتقد وفقا لمؤشرات متعددة أن هذا هو السيناريو الأكثر تحقيقا لمصالح إيران سواء الداخلية أو الإقليمية أو الدولية. فهذا الوضع يستخدمه الملالي والطبقة الحاكمة في إيران من أجل تأكيد أن هناك مخاطر تواجه دولتهم، وهو ما يعن ضرورة إيقاف أية أصوات مطالبة بالديمقراطية أو الانفتاح أو الحرية، بما يزيد من قبضة الطبقة الحاكمة على المجتمع، فضلا عن ذلك فإن هذا الوضع دفع القوى الدولية المناهضة لإيران لأن تطلب معاونتها في وقف الفوضى السائدة في العراق، وبموجب هذه الطلبات أصبحت هناك آمال لدى إيران بأن تنجو ببرنامجها النووي، وتراجعت أية فرص أو إمكانيات لأن تقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وأصبحت إيران قبلة العالم فيما يتعلق بمساعدتها على حل المعضلة العراقية التي تسبب أزمة للدول التي شاركت في التحالف الدولي الذي خاض الحرب عام 2003.
يضاف إلى كل ما سبق أن إيران تدرك أن نتائج ما يحدث في العراق حاليا ستكون هي تأسيس نظام إقليمي جديد تسعى إليه الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا والدول الأوروبية على أن يكون وجود إيران هامشيا فيه، وإيران ليس لديها في الوقت الراهن أية أوراق للعب في هذا الأمر سوى العراق من خلال علاقاتها بأطراف داخلية وما يمكن أن تقوم به من خلال هذه الأطراف لوقف الفوضى الضاربة هناك، وإيران تدرك بالطبع أن انتهاء الفوضى في العراق حتى وإن ساعدت فيه سوف يدفع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين إلى الالتفاف إليها مرة أخرى وتطويقها سواء بالعمل العسكري أو من خلال إجراءات سياسية أو اقتصادية أو الاثنين معا، وهو ما يعني أنه كلما دامت الفوضى في العراق وقتا أطول كلما حقق ذلك مصالحها الإقليمية وساعد على فتح منافذ أمام نظامها السياسي للتحرك والمناورة والاستقرار.
والمتابع للسلوك الإيراني إزاء العراق في الفترة السابقة سوف يلاحظ أن إيران بتعاملها الحالي مع الشأن العراقي، لا تسهم في إعادة الاستقرار للعراق، وهذا بالطبع يحقق المصالح الاستراتيجية الإيرانية حسبما ذكرنا من قبل، فهي لا تريد أن تساهم في تهدئة الأجواء لصالح المشروع الأمريكي في العراق، وهذا المشروع يتطلب بديهيا أن تظل العلاقات متوترة بين سنة العراق وشيعتها، وتستطيع إيران أن تصبح رقما صعبا في المعادلة السياسية في العراق، إذا ما تركت ورائها الخلافات المذهبية وسعت إلى تضييق الفجوة بين الشيعة والسنة في العراق. وهذا الأمر لا يضمن لها فقط أن تكون طرفا في المعادلة العراقية وإنما قد تقوم بممارسات تغضب شيعة العراق من أجل استمرار دورها في العراق والمنطقة. وهو ما يعني أن إعادة الاستقرار يمكن أن تكون لها تكاليف باهظة على إيران أن تدفعها.
من كل ذلك نستطيع القول أن إيران سوف يكون تدخلها في العراق لوقف الفوضى بحساب ومن أجل الوقف الوقتي فقط وليس الوقف النهائي، حتى تعود الفوضى مرة أخرى ويتطلب الوضع الاستعانة بها مرة أخرى. هكذا دواليك، وذلك حتى يظل المجتمع الدولي يحتاج لها باستمرار، وهذا الأمر يعني في التحليل الأخير أن إيران أمام وضع يتطلب مهارة وحذق من صناع السياسة بها ودرجة هائلة من المناورة لدى المنوط بهم تنفيذ هذه السياسة، أي أن أي مستقبل للعراق سوى هذا السيناريو لن يمثل خطوة متقدمة لدور إيراني إقليمي مركزي، وإنما على إيران أن تسعى إلى تطويق آثاره السلبية على محاور داخلية وإقليمية متعلقة بها. والأمر الذي لا شك فيه هو أن مراكز صنع القرار في إيران تدرك هذا الأمر ولابد من أنها أعدت عدتها من أجل مواجهته، فكافة التحليلات ترى أنها الأكثر استفادة مما حدث في العراق، أي أنها الأكثر استفادة من الفوضى الضاربة فيه حتى اللحظة الحالية. من المهم الإشارة إلى أن إيران قد تساهم في إجراءات متعددة الأطراف من أجل إعادة الاستقرار في العراق ولكن ذلك سيكون مشروطا بما ستحصل عليه من مكاسب سياسية إقليمية ودولية وعلى رأس هذه المكاسب إنهاء التهديدات الأمريكية لها نهائيا وغض الطرف عن برنامجها النووي مع وضع شروط صارمة لكي يخصص هذا البرنامج للأنشطة السلمية فقط.