دورات إيرانية لصقل شخصية الصدر على غرار نصرالله
وإعادة بناء «جيش المهدي» على غرار حزب الله
المحرر 23/2/2008
أكدت مصادر حوزوية معتدلة من مؤسسة الإمام الخوئي الدينية لـ«المحرر العربي» أن حوزة قم الإيرانية الدينية الساعية لتفريس الحوزة العربية الأُم في كل من النجف وكربلاء، تعمل حالياً على دفع الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر الى واجهة الأحداث ورهن مستقبل الحوزة الناطقة التي أسسها والده الراحل محمد صادق الصدر بتحركاته، شرط تمرد مقتدى على الحوزة الصامتة التي يمثلها المرجع الفارسي «علي السيستاني» الذي بات يهدد بصمته المطبق مستقبل المرجعية الفارسية من جهة، ومشروع إيران برمته الذي يتخذ من العراق منصة انطلاق صوب المنطقة والعالم الإسلامي. المشروع حسب المصادر الخوئية أطلقت عليه طهران اسم «المرجعية الشابة الفتية»، ويتضمن تهيئة الصدر الثالث دينياً عبر إعادة صقل شخصيته وتلميع دوره الحوزوي لإيصاله الى مصاف القيادات الشيعية البارزة التي تجمع بين مزايا عدة دينياً وسياسياً وقبلياً، تحقيقاً لجعل الصدر يتمتع بـ«كاريزما» مشابهة لتلك التي يتمتع بها أمين عام حزب الله اللبناني حسن نصر الله، بسبب انكشاف أوجه المشروع الإيراني الساعي الى إيصال قيادات فارسية الى القيادة الهرمية لمشروع الهيمنة الإيراني الذي يعتبر الواجهات والحوزات الدينية بمثابة حلقة الوصل التي تكمل الهلال الشيعي. ويسعى المشروع الإيراني الى تبني واجهات وقيادات حوزوية عربية على غرار مقتدى الصدر الذي حرص أكثر من نظرائه الإيرانيين على تعزيز النفوذ الفارسي داخل العمق العراقي، ولهذا استقر رأي نظام الملالي في طهران على اعتماد الصدر وكيلاً له في العراق، لتحقيق غايات عدة أهمها:
1- تشويه سمعة المرجعيات العربية بغية تسويق الاتهامات المباشرة لها من قبل المحيط العربي، حسب توجيهات الثورة الإسلامية ومؤسسها وقائدها الحالي. أي دفع أجواء المنطقة الى المزيد من الاحتقان والصراع بين القيادات العربية والفارسية.
2- اقتداء المرجعية العربية الشيعية بنظيرتها الفارسية سياسياً ودينياً، ومن ثم إلحاق الحوزة العربية بالفارسية واعتبارها أحد ملاحقها الفقهية، بدل بقاء الحوزة العربية مهيمنة على مصادر القرار الحوزوي في العالم الإسلامي.
3- زيادة التطرف الإسلامي بين صفوف المسلمين المعتدلين ممن يتبعون المذاهب الأربعة (الحنفية والشافعية والمالكية والحنبلية).
4- تحويل إيران الى حاضنة لكافة التيارات الإسلامية والعلمانية المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، وتقديم الدعم الإيراني اللوجستي لها لمواصلة مناهضتها واشنطن وتل ابيب سياسياً وعسكرياً، بهدف تحويل تلك الأطراف الى محطات تساهم في نشر النفوذ الفارسي في المنطقة. 5- إزالة حاجز الصمت الذي يحول دون التقاء مصالح إيران الآنية والمستقبلية مع مصالح قوى عربية وغربية (دينية وعلمانية) سُنية ومسيحية، مناهضة لواشنطن، بهدف رهن مستقبلها بمشروع الهيمنة الإيراني في المنطقة والعالم أجمع.
تجذير النفوذ الفارسي
يعتمد مشروع الهيمنة الإيراني على اقتناص الفرص للنفاذ الى ساحات تشهد صراعات بين شرائح مجتمعاتها، كما هو الحال في القارة الأفريقية والساحات الفلسطينية - العراقية - اللبنانية، لانقسام الرأي بين مكونات تلك الساحات بين رافضٍ لأي وجود إيراني وبين مرحبٍ به. ولهذا السبب إرتأت القيادة الإيرانية السياسية والدينية تأسيس واجهات ثقافية تعمل في الخفاء على نشر التشيع الفارسي، للهيمنة على الشارع العربي بواقع خدمي يسهل عملية التفريس المقنع لذلك الشارع، من خلال استثمار الانقسام في الرأي. الصدر الثالث لبى نداء طهران محاولاً الوصول الى مراتب آيات الله في طهران، معتكفاً على غرار بعض المراجع الحوزوية - العربية الفارسية - لإكمال دراسته الفقهية، كما يحاول احتكار الدعم اللوجستي الإيراني المقدم لواجهات عراقية واسعة دينية وسياسية، لمزاحمة غريمه الشاب عمار الحكيم (الوريث السياسي والديني لخلافة والده عبد العزيز الحكيم في رئاسة المجلس الأعلى وتفرعاته). كما يحاول مشروع الصدر، الهيمنة على الساحة العراقية برمتها بدعم إيراني عبر مشاريع حوزوية منها تأسيس واجهات ومؤسسات دينية ذات طابع ثقافي خدمي - خيري، لسحب بساط هيمنة «مؤسسة شهيد المحراب» التابعة للمجلس الأعلى على الشارع العراقي والتي أسسها الحرس الثوري الإيراني ورهن مسؤولية قيادتها بالحكيم الإبن.
قلة خبرة مقتدى الصدر الحوزوية، رهنت مسؤولية الإشراف الفقهي على مؤسساته الثقافية وعلى رأسها «مؤسسة الغدير الثقافية» بالمرجع الفارسي السيد كاظم الحسيني الحائري (مرشد التيار الصدري الروحي بعد الصدر الثاني والد مقتدى)، والذي يدير التيار الصدري وجيشي المهدي والإمام الحجة من خلف كواليس حوزة قم التي يتخذها مقراً لإقامته ونشر نفوذه في المنطقة منذ عقد السبعينات. كما يعود سبب قلة ظهور الحائري إعلامياً، وميدانياً في ساحتي النجف وكربلاء الدينيتين، لتخوفه من التصفية الجسدية على يد غرمائه من آل الحكيم الذين باءت محاولاتهم لاغتياله سابقاً بالفشل الذريع، وكان آخر ظهور علني له في الساحة النجفية قبل عامين حين توسط حشوداً مليونية من التيار الصدري شكلت حاجزاً منيعاً أمام أي محاولة لاستهدافه من الحكيم الأب والإبن، ولذلك يقوم الحائري بتحريك خيوط التيار الصدري من حوزة قم بتنسيق مباشر مع مؤسسة الإمام الخوئي. توجيهات الحائري الى الصدر وقاعدته الشعبية أكدت على ضرورة احتواء عراقيين مناهضين لإيران وتوظيفهم في مؤسسة الغدير الثقافية، عبر ضمهم اليها رغم انحدار البعض منهم من المذهب السني وآخرين من الديانتين المسيحية والصابئية، إضافة الى استعمال أسلوب الإغراء المادي، حيث أغدق الحائري عبر وسطاء صدريين أموالاً طائلة على بعض العراقيين المختلفين مع إيران دينياً ومذهبياً، بل والرافضين كل الرفض لمزيد من تمددها في الشارع العراقي، ولكنهم من الرافضين أيضاً لبقاء قوات الاحتلال الأميركي في العراق، ولذلك تقتضي الظروف التحالف آنياً معهم. كما يرمي المشروع عبر تعزيز دور مؤسسة الغدير الثقافية حسب إدعاء الحائري الى بناء الإنسان العراقي بعيداً عن ديانته أو طائفته أو عشيرته. في حين لم تستطع المصادر الحوزوية المعتدلة تصور الطريقة التي ستتم بها عملية تحويل تيار إسلامي متشدد كـ«التيار الصدري» جميع أفراده من طائفة واحدة الى مؤسسة ثقافية مختلطة تجمع كافة الديانات والطوائف والقوميات العراقية المتعددة، خصوصاً بوجود «جيش المهدي» الذي ترى فيه بعض القوى العراقية الدينية والعلمانية قوة طائفية ترتكب المجازر، خصوصاً لدوره في الأحداث التي تلت تفجير مرقدين دينيين للشيعة في سامراء العام 2006.
التوقعات السلبية
في ظل ما تقدم طرحت المصادر المذكورة التوقعات والنتائج السلبية والإيجابية التالية:
1- احتمال ظهور «جيش شيعي جديد» من رحم جيشي المهدي، سينقلب على الأخطاء السابقة أو يستفيد منها، في ظل وجود مرجعية دينية حوزوية مقتدرة بوزن الحائري قادرة على ضبط إيقاع الصدريين على غرار حزب الله اللبناني بقيادة حسن نصر الله.
2- ظهور جيش المهدي مجدداً بـ«حلة جديدة» أكثر انضباطاً وتحت سيطرة الصدر الكاملة، بلباس جديد موحد، مع أسلحة نظامية تحت قيادة مركزية مناطقية في مدينة الصدر والنجف، واقليمية في حوزة قم، مع منظومة إستخباراتية تراقب عن كثب تصرفات الخارجين عن الخط الصدري.
3- سيحاول جيش المهدي النأي بنفسه عن جيش الإمام الحجة الأكثر منه نفوذاً في الساحة العراقية كون الأخير الخاضع للنفوذ الإيراني المباشر يمثل نواة ألوية وزارتي الدفاع والداخلية العراقيتين، بالإضافة لتشكيلات أخرى منه موزعة بين صفوف وزارة الأمن الوطني التي يتزعمها الوزير شيروان الوائلي، وأخرى منضوية تحت لواء مستشارية الأمن الوطني التي يتزعمها موفق الربيعي.
4- لن يظهر جيش المهدي وهو في حالة يرثى لها بسبب الملاحقات الأميركية القانونية، بل سيظهر مدججاً بالسلاح الثقيل والمتوسط كي يوصل رسالة قوية للأميركيين والقوات العراقية المنحدرة من البيشمركة الكردية وميليشيا بدر الفارسية، بأن جيش المهدي قد أصبح نسخة طبق الأصل عن حزب الله اللبناني.
5- عودة وزراء ونواب الكتلة الصدرية الى الحكومة ومجلس النواب بالتزامن مع عملية ظهوره العسكري الجديدة، على أن تكون عودة المسؤولين الصدريين الى العملية السياسية بفكر أكثر تطوراً وانفتاحاً، كي يجسدوا دور وزراء ونواب حزب الله في تعطيل قرارات الحكومة العراقية التي لا تتوافق وتوجههم.
6- قيادة بعض فصائل ميليشيا المهدي قد يتم إسنادها بعد ظهوره الجديد الى قادة لبنانيين من حزب الله، كي تكون وطأتهم أخف على الشارع العراقي برمته، من قادة صدريين مناطقيين أُميين لا يعرفون القراءة والكتابة من خريجي السجون.
7- سيؤدي ظهور التيار الصدري بهيئة منضبطة على غرار حزب الله اللبناني الى الإطاحة بهيبة ومكانة «البيت الشيعي» الذي أسسه «أحمد الجلبي»، بذريعة لم شمل الأحزاب والواجهات الدينية والعلمانية الشيعية تحت مظلة البيت الشيعي المدعوم من قبل طهران وواشنطن.
8- إمكانية الفشل ستلازم مصير تحركات الصدر الجديدة، المرهونة بحجم قدرة الإقناع الصدري على إبعاد قادة ميليشيا المهدي المناطقيين عن القتل الطائفي اليومي، وعن عمليات السرقة والنهب المنظم لنفط الجنوب العراقي، المتساوقة مع عمليات الاستحواذ على ممتلكات السنة والمسيحيين بذريعة الانتقام الطائفي، والتي لن تسمح لجيش المهدي المشوّهة سمعته وصورته بسبب تلك الأفعال الشنيعة بتقمص دور فصيل من فصائل المقاومة الشعبية الوطنية.
9- تنظر المصادر الحوزوية المعتدلة الى عملية تجييش أو عسكرة الشارع العراقي عموماً والشيعي خصوصاً بذريعة مقاومة الاحتلال بحذر شديد، لأن تحول الجيوش الشعبية الى مؤسسات حقيقية، كما هو الحال في لبنان، يقود لتأسيس دويلات مناطقية انفصالية داخل دول مؤسساتية، ما سيقود في النهاية الى انهيار الدولة الرسمية ونشوء دويلات بديلة خاضعة لنفوذ خارجي.
10- ظهور جيش المهدي مجدداً بحلة جديدة على غرار حزب الله في لبنان سيزيد من شعبية الصدر وأنصاره وتحديداً بين فقراء الشيعة، الذين يرهنون ولاءهم للصدر بفعالية توفيره الأمن للسكان المحليين، وبهذا ستبقى مناطق نفوذ الصدريين كمدينة الصدر في بغداد- الرصافة، ومدينة الشعلة في الكرخ، وفي النجف، محصنة وستحل مكانة دويلة الصدريين الدينية المناطقية محل هيبة الدولة العراقية، وبالتالي بقاء سلاح الصدريين المنفلت بأيديهم من دون قدرة القرارات النيابية العراقية على نزعه ولو بالقوة.