الظاهرة الإسلامية بين الاستيعاب والاستغلال
الأحد 9 مارس 2008
الظاهرة الإسلامية بين الاستيعاب والاستغلال
د. رضوان السيد - الاتحاد الاماراتية 1/2/2008
 
الباعث على كتابة هذه المقالة هو النقاشات التي دارت في المؤلَّفات والمجلات السياسية والاستراتيجية خلال الشهور الماضية بشأن الظاهرة الإسلامية، وتفسيراتها وطرائق التعامُل معها. والواقع أنّ الحرب على الإرهاب والبادئة عشية 11 سبتمبر 2001 رهنت الإسلامَ كلَّه بين متطرفين ومعتدلين لعدة سنوات. وعندما بدا أنّ السياسات التي خيضت المواجهات على أساسٍ منها فشلت أو تتجه للفشل، كما كان الأمر في العراق وأفغانستان وفي طرائق التعامُل مع إيران، بدأت المراجعات الناقدة والأُخرى المصمِّمة تتصارعُ لإعادة رسم السياسات. وكان من ذلك كتاب "زاكاري لوكمان" عن "الاستشراق الأميركي الجديد"، وكتاب "غراهام فوللر" عن "الإسلام السياسي". وفي الجهة المقابلة كتاب "والي نصر" عن "صحوة الشيعة".
وفي الشهر الماضي عاد كلٌّ من "والي نصر" و"تقية" لقراءة النهوض الشيعي في مجلة "الشؤون الخارجية الأميركية"، كما عاد "فوللر" لقراءة الظاهرة الإسلامية في مجلة "السياسة الخارجية الأميركية" أيضاً. والدراسات هذه كلّها ليست دراساتٍ نظرية، أي تهدفُ للتشخيص الصحيح والفهم الصحيح لدى الأكاديميين وحسب؛ بل إنها بعد المراجعة السريعة تتجه لاقتراح السياسات التصحيحية أو التأكيدية.
ويمكن القول هنا إنّ البحوث التي ذكرْناها هي بمجملها، وبغضّ النظر عن استنتاجاتها المتضاربة، بحوثٌ نقديةٌ أو بحوثُ مُراجعة. وهذا يعني أنها جميعاً تستظهر خَطَلاً في فهم الإدارة الأميركية للظاهرة الإسلامية، وتريدُ منها أن تصحّح أو تنقّح سياساتٍ ثبت عدمُ جدواها، أو أنها تُرتّبُ خسائر على الولايات المتحدة والغرب. وهذا النقد الجذري أو الراديكالي هو ما يذهبُ إليه كلٌّ من لوكمان وفوللر؛ في حين يذهب نصر وتقية إلى أنّ المطلوبَ هو التنقيح والتدقيق بالنسبة لإيران وللشيعة.
يقول لوكمان في كتابه عن "الاستشراق الأميركي والسياسات"، إنه اعتنق أُطروحة "صِدام الحضارات"، ولذلك فقد اعتبر أنّ الأصولية الإسلامية إنما قامت على كراهية الغرب لأسبابٍ حضارية، أي الحرية وأسلوب الحياة، ويختفي ذلك وراء السؤال غير البريء: لماذا يكرهوننا؟ ووجهةُ نظر لوكمان ثم فوللر (في كتابه: الإسلام السياسي، وفي مقالته بمجلة السياسة الخارجية: "ماذا لو لم يكن إسلامٌ في العالم اليوم؟") أنّ الإحياء الإسلاميَّ لا فرقَ فيه بين السنة والشيعة، وأنه لا يتأسَّسُ على كراهية الغرب، بل هو في الصيغة الأصلية عودةٌ للهوية والذاتية تحت وطأة عواصف الحداثة. وهو في عمليات المراجعة والإحياء اصطدام ولا شكَّ بالسياسات الغربية والأميركية التي تتعرض للاستقلال والحريات والكرامة والمصالح.
وقد حدث الانفجار (في الثوران الأصولي، وفي الثورة الإسلامية بإيران) بين الطرفين نتيجةَ إصرار الإدارات الأميركية والغربية وباتجاهين: اتجاه تغليب أساليب القوة والاستقواء في تثبيت المصالح، واتّجاه الدعوى العريضة فيما يُعرف بصنع الديمقراطية في أذهان وبلدان المتطرفين والمستبدين. وشواهدُ لوكمان على ذلك أساليب التشخيص والإدراك منذ مطلع الثمانينيات في الولايات المتحدة، والتي صارت سياسات قادها "المحافظون الجُدُد" في إدارتي ريغان وبوش، واستناداً إليها شُنّت الحرب على الإرهاب (حرب الأفكار وحرب العسكر)، وأُسقط نظاما الحكم في كل من أفغانستان والعراق، وحوصرت أكثر الأنظمة العربية والإسلامية، وجرى تبنّي المقاربة الإسرائيلية للصراع مع العرب والفلسطينيين وإيران.
وقد جلبت الحرب الثقافية والأمنية والعسكرية الأميركية والغربية الدمار والخراب في بلدان العرب والمسلمين، كما أنها نشرت حالةً من عدم الأمان والتوتر في المجتمعات الغربية أيضاً، وانعكس ذلك في صورة توتراتٍ شاملةٍ بين الإسلام (بصيغتيه السنية والشيعية) والغرب. ويمضي فوللر (وهو في الأصل ضابط في وكالة المخابرات المركزية، والآن أستاذ بجامعة فانكوفر، كندا) بعيداً في تأمليته، فيسأل نفسه وقارئه: ماذا لو لم يكن الإسلام يسودُ الشرق الأوسط في الماضي والحاضر؟ ويجيب بأنّ المسألة مسألة الاستعمار والإمبريالية. فلو ظلَّ المشرق مسيحياً، لغزاه الصليبيون لأنه أرثوذكسي أو سرياني وليس كاثوليكياً. ثم لو كان الشرق في الأزمنة الحديثة مسيحياً، فهل ينجو من الاستعمار ومن سياسات القوة للاستيلاء على النفط والموارد؟.
أما والي نصر وتقية فهما أستاذان أميركيان من أصل إيراني. وهما منزعجان من السياسات الأميركية تجاه إيران. ويقترحان تغييراً في تلك السياسات؛ لكنْ على أساس فهمٍ آخَر يشبه فهم المحافظين الجدد. ذلك أنّ الشيعة بالذات ليسوا خصماً للولايات المتحدة؛ بل خصومُ الولايات المتحدة هم السنة! وتأتي تلك الخصومة لأنّ السَلَفية المتشددة قويةٌ في صفوفهم، وهي تكره الغرب والغريب، وتقول بالإسلام الطهوري. وقد عانت الأقليات الشيعية في عالم الإسلام السني من الاضطهاد والتمييز من المتشددين والحكومات الاستبدادية. لذلك فإن الأميركيين والشيعة يلتقون على مُعاداة السنة الحاكمين والمسيطرين والمتشددين. فمن مصلحة الشيعة لكي يتحرروا أن تنتشر الديمقراطية التي يريد الأميركيون نشْرَها. ومن مصلحة الأميركيين أن يكون لهم أصدقاء وحلفاء في عالم الإسلام.
وإيران الشيعية دولةٌ قويةٌ وناهضةٌ، والتحالُفُ معها مُفيدٌ، وما حصل حتى الآن من نزاعٍ معها إنما كان سببُهُ الخُمينية والسياسات الأميركية البطيئة الفهم والإدراك. وقد زالت الخمينية، وزالت الأوهام الأميركية بشأن إمكان قهر إيران، فتهيأت الأرضية للقاءٍ جديدٍ على غير الأُسُس التي حصل عليها التلاقي أيام الشاه! وهناك شواهدُ في الفكر الشيعي، داخل إيران وخارجها، على الاتجاهات الجديدة والديمقراطية والمنفتحة. ولن ينسى الشيعةُ للأميركيين أنهم خلّصوهم من "طالبان" وصدَّام حسين وأنهم يكافحون "القاعدة"، ثم هم ينصرون التوجهات الديمقراطية المُنقذة للأقليات الشيعية من الاضطهاد في العالم الإسلامي.
سياسة صدام الحضارات والحرب على الإرهاب... توسع الهوة وتزيد الخراب وتذكي التطرف... وتضع المسلمين جميعاً في مواجهة السياسات الأميركية!.
ينطلق الاتجاهان الجديدان للمراجعة إذن من فشل السياسات الأميركية في الشرق الأوسط والعالَم الإسلامي عامة. لكنْ في حين ينظر كلٌّ من لوكمان وفوللر إلى الظاهرة الإسلامية بشكلٍ شمولي، ينظر تقية ونصر إليها من وجهة نظر الصراع بين السنة والشيعة وإمكان استغلال ذلك لصالح الولايات المتحدة، وهو أمرٌ لم يحصُلْ حتى الآن. فهما يريدان من الولايات المتحدة والغرب التقرب من إيران (والشيعة) ووضْعهما في مواجهة العرب والمسلمين الآخَرين، فتستفيد أميركا من ذلك، ويستفيد الشيعةُ والإيرانيون. أمّا لوكمان فيتجاهلُ هذا الأمر كلَّه، ويعتبر العلة في جماعات المصالح بالولايات المتحدة واللوبيات؛ فهؤلاء عملوا في الغالب على ما اعتقدوه مصلحةً لإسرائيل (وفي مواجهة العرب وإيران على حدٍ سواء). وكانت النتيجةُ من وراء هذا الاستشراق الجديد (من تلامذة برنارد لويس، مثل أمرسون وبايبس وكريمر)؛ إساءة العلاقة بين عالم الإسلام والغرب، والإضرار بمصالح سائر الأطراف في العالمين العربي والإسلامي، ووضع إسفين بين الغربيين والمسلمين في ديار هجرتهم واستقرارهم. وأمّا فوللر فلا يرى مشكلاتٍ بارزةً بين السنة والشيعة، وعلى أيِّ حالٍ لا أحد من الطرفين يعتبر نفسَه حليفاً للغرب أو أقرب إليه. والثوريون الإسلاميون الإيرانيون لا يقلُّون مواجهةً للاعتداءات الأميركية والإسرائيلية عن الثوريين الإسلاميين السُنّة.
فالقضيةُ هي في الموقف من الإسلام والمسلمين على اختلاف فئاتهم ومذاهبهم. فالدين الإسلامي دينٌ عالميٌّ، ومعتنقوه يكادون يكونون خُمس سكّان العالم. وقد مضى زمان مقولة "فَرِّق تَسُدْ" البريطانية الأَصْل. كما مضى الزمان الذي كان ممكناً فيه إبادةُ هذا الشعب أو ذاك، أو هذا الدين أو ذاك. فلا بد من الاعتراف المتبادَل بين الغرب والمسلمين، ولا بد من الاعتراف بالحرية والاستقلال والمصالح. أما ممارسة صدام الحضارات والحرب على الإرهاب... فإنها حَرِيّةٌ أن توسع الهوة وتزيد الخراب، وتدفع لظهور أجيالٍ جديدةٍ من المتطرفين العنيفين، وهي كلُّها أمورٌ حصلتْ حتى الآن، فأهدرت طاقات وفُرَصاً وإمكانيات، ووضعت المسلمين جميعاً في مواجهة السياسات الأميركية، ونشرت الاضطراب في أنحاء واسعة من العالم.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: