طباعيات الأردن
عزت سلطان – السجل 14/2/2008
عمان - عصر كل خميس تتوجه عشرات النساء إلى أحد بيوت عمّان العريقة في جبل عمان للاستماع إلى “خطبة” دينية أو “درس في الشريعة” مخصص “للنساء فقط” وذلك ضمن حلقات “تثقيفية” لتعريف المرأة بحقوقها وواجباتها في الإسلام، تضطلع بها مجموعة نسوية تعرف بـ” الطباعيات” هن امتداد لـ “القبيسيات” اللواتي اشتهرن في سورية.
التقليد الأسبوعي في عقد دروس الدين يتواصل في هذا المنزل منذ أكثر من 15 عاماً بموازاة دروس مشابهة في عدة بيوتات، تعقدها النساء المنضويات ضمن الجماعة النسوية التي تقودها فادية الطباع، الرائدة في العمل الإسلامي الدعوي.
الحضور في هذا التجمع النسوي المنظم مفتوح بلا شروط. ولكن الآنسة التي تعطي هذا الدرس يشترط أن تكون عضوة من “الصف الأول” في الجماعة.
فادية الطباع، التي تتحدر من أصول دمشقية، أنشأت نواة الطباعيات في ثمانينيات القرن الماضي، حين شكلّت جماعة صغيرة ما لبثت أن نمت بسرعة. عضوات الطباعيات يتميزن بارتداء “المانطو” أو الجلباب التركي، الأقصر عادة من الجلباب الإسلامي العربي الذي يغطّي الكاحلين.
ينتظم الاجتماع الأسبوعي في البيت المشار اليه لتلقي “درس دين” على يد إحدى الآنسات المخضرمات المقربات من “زعيمة” الجماعة.
هناك غموض يكتنف نشاطات وقواعد الانضمام لهذه الجماعة، تماماً مثلما الحال عند القبيسيات في سورية (نسبة إلى منيرة القبيسي التي أسست الجماعة هناك) والسحريات في لبنان نسبة إلى سحر حلبي و”بنات البيادر” في الكويت.
هذه التسميات تنحت خارج الجماعة. أما المؤسسات والأعضاء فلا يطلقون على جماعتهن أي تسميات.
تجانس في الاحتشام
يتجانس زي الطباعيات وهو “الترواك” الكحلي مع غطاء كحلي ترتدي تحته “الطبّاعية” ما يسمى ب”قمطة” والتي تشد الشعر تحت “الإيشارب”. من الإجباري أيضاً ارتداء جوربين نسائيين سميكين وحذاء أسود من دون كعب فضلاً عن سروال داخلي أبيض يمتد إلى الركبة.
ما ارتداء البنطال فممنوع داخل المنزل وخارجه لأن فيه “تشبهاً بالرجال”.
يقال إن رتبة “الطبّاعية” تعرف من لون منديلها. فكلما “تدرج اللون صوب الأسود اقتربت الطباعية من فادية الطباع”، بحسب إحدى مرتادات “بيت أبو شام”. ويحظر على الطبّاعية تشذيب الحاجبين أو استخدام مساحيق التجميل.
شروط صارمة
من القواعد الأساسية في الجماعة الابتعاد، قدر الإمكان، عن الاختلاط بالرجال، «عدم مصافحتهم، وتجنب الأكل في المطاعم أو حضور الحفلات المختلطة». على الفتيات أو النساء الراغبات في الانضمام إلى الجماعة الالتزام بقواعدها العامة، وإلا فإنهن يواجهن الطرد.
التعاطي في السياسة أو الحديث إلى الإعلام ممنوع تماماً في الجماعة التي تؤثر العمل السري والدعوة عبر حلقات الدين والعلاقات الشخصية، إذ تستسر آنسات داخل الحلقات أن هدفهن «دعوي خالص».
سعت السجل مراراً للقاء فادية الطباع، إلا أنه لم يتسن الوصول إليها. وذلك في إطار عدم الرغبة في الظهور في الإعلام.
تعد فادية الطباع إحدى المساهمات في مدرسة «الدر المنثور» في أم السماق التي تديرها جمعية التنمية والخدمات، التي تشكّل «الآنسات» غالبية معلماتها. مدرسة الإناث، المختلطة حتى الثالث ابتدائي، تركّز على تعاليم الدين وحفظ القرآن الذي تخصص له نصف ساعة كل صباح، بحسب طالبات تخرجن منها.
بهدف ضم أعداد أكبر من الفتيات إلى الجماعة، تركّز الآنسات «العتقيات» على ضرورة التمتع بالبشاشة والحبور لجذب الفتيات. كذلك تنظم الجماعة بكثرة حفلات دينية خاصة ومخيمات في الريف.
تعقد الحفلات بمناسبة دخول أعضاء جدد أو ارتدائهن الحجاب والترواك.
حلقات الدين والذكر ذات الحضور الكبير التي تعقد في منزل في جبل عمان أو منزل آخر في الرابية، هي المستوى الأول من مستويات «الدعوة». ثم تنتقل الفتيات والسيدات اللواتي يظهرن التزاماً بالتعاليم الدينية ومتطلبات الجماعة إلى ما يسمى «الدرس الخاص» الذي يعقد عادة في أحد بيوت الآنسات أو الفتيات اللواتي تقدمن في مراتب الدعوة، وذلك لحفظ القرآن وتسميعه وحفظ الأحاديث النبوية. ما يحصل خلال الدرس الخاص سري أيضا لأن «المجالس أمانات» ولأن الحديث عن «الإنجازات الدينية» يعتبر رياء و «يضيّع الأجر.»
إحدى السيدات التي تواظب على «درس الخميس» تقول إنها تستقي الكثير من المعلومات عن الدين والعبادات عبر حضور حلقات الدين وسؤال الآنسة عن تلك الأمور وأحكام الشريعة.
السيدة التي رفضت ذكر اسمها تضع حجاباً لكنها لا ترتدي المانطو. وتقول إن «الآنسات» لم يمانعن ذلك.
فتاة أخرى تقول إنها تعرفت على درس الخميس عن طريق صديقة «طباعية» في الجامعة.
الفتاة التي لا ترتدي الحجاب تقول إنها تحضر الدرس للمرة الثانية فقط، لأنها مهتمة بمعرفة معلومات أكثر وأحكام دينية من دون أن تضطر إلى ارتداء الحجاب- وهو قضية تركّز عليه جماعات أخرى في الجامعة.
إشراق في الجامعات
وفضلاً عن المدارس وحلقات الدين، تنشط عضوات الجماعة في الجامعات حيث يقمن بجذب الطالبات الجامعيات إلى دروسهن باستخدام البشاشة و«الصحبة». وتؤكد الآنسات في الدعوة أن الجامعات فرصة إما «للإشراق أو الاحتراق».
المقصود بالإشراق «الالتزام بالتعاليم الدينية والاحتراق هو مصاحبة الفتيان والابتعاد عن الدين».
يمتزن بتغليب الوسطية على الأحكام التي يلتزمن بها، ويتبعن بشكل رئيس المذهب الشافعي.
كما يتبعن القاعدة الدينية التي تقول إن الضرورات تبيح المحظورات، لذا فإنهن لا يمانعن العمل المختلط ضمن حدود الدين ويستخدمن «التكسي» ويتحدثن إلى الرجال «ضمن حدود الاحتشام.»
الخدمات البنكية محرمة على قاعدة أن الربا حرام فيما عدا البنوك الإسلامية. إذا اضطرت الطباعية إلى استخدام خدمات بنك معين فإنها تتبرع بالفوائد.
قيادات الطباعيات تنصح بزيارة الطبيبات وتجنب زيارة الأطباء من الرجال إلا في الحالات القصوى.
الغموض الذي يكتنف الحركة، الجلباب القصير، وما يروى عنها من اقترابها من الصوفية والسلفية، جعلتها محط انتقاد لدى جماعات أخرى كالأحباش والوهابيين. فيما تلتزم الحكومة الصمت إزاءها.
أول ظاهرة
محمد أبو رمان، المحلّل المختص بالجماعات الإسلامية، يرى أن الطبّاعيات هي أول ظاهرة دينية اجتماعية تأخذ بعداً نسوياً محضاً.
نشاطاتها وحلقات الدرس والاجتماعات التي تعقدها الجماعة لا تجد أي معارضة حكومية. لا بل إن أبا رمان يرى أن «السياسات الرسمية تشجع هذا النوع من التدين لأنه مناكف للتدين السياسي.»
ويقول:«في تقديري سياسة الحكومة في التعامل مع هذه الجماعات هو الحياد التام ما لم تستشعر الجهات الأمنية خطورة من هذه المجموعة».
ويقارن أبو رمان بين الطباعيات وجماعة الأحباش التي تم توظيفها سياسياً في مواجهة الإخوان المسلمين. إلى ذلك يرى أن «الدولة» الآن تعيد دراسة علاقتها بالأحباش الذين يناكفون المجموعات الأخرى، ويطمحون إلى الحكم بعكس الطباعيات اللواتي آثرن عدم الاشتغال بالسياسة.
وكان مثيراً أن وزير الأوقاف عبد الفتاح صلاح أبدى، رداً على سؤال لـ السجل عدم معرفته بهن.
موقف الإسلاميين
إبراهيم زيد الكيلاني، عضو جبهة العمل الإسلامي، ورئيس مجلس الفقهاء سابقاً، اعتبر أن الطباعيات داعيات يقمن الدعوة على أسس تجمع بين العقيدة الصحيحة وعقد الأخوة بينهن.
نحن في زمان كثر فيه الفساد والضلال، يضيف الكيلاني، والأخت فادية الطباع أنقذت كثيراً من الفتيات من التبرج والعري على الطريقة الغربية وألزمتهن التقوى، على طريقة القبيسيات في سورية.
ورفض الكيلاني أن يكون الغموض يلف الجماعة، مقراً بوجود آراء متعددة إزاءهن، «نظراً لأن هناك أموراً تلائم البعض هنا أو هناك، وأموراً أخرى لا تلائمهن، لكن موقفنا منهن إيجابي».
علم الاجتماع
من وجهة نظر علم الاجتماع، من حق كل جماعة أن يكون لها فكرها الخاص، بحسب الدكتورة ابتسام العطيات، عالمة الاجتماع. وترى أن الطباعيات محصورات في نشاطاتهن فيما بينهن، ولهن تفسير معين للدين.
وتشير الى أن التوجه نحو الدين والمحافظة والتفكير واللبس التقليديين، لم يبتدئ بفادية الطباع، لكنه ظاهرة بارزة في المجتمع. كما أن إقامة مدارس ورياض الأطفال والإشراف عليها ليس حكراً عليهن.
وتستبعد عطيات أن يكون للطباعيات تأثير سلبي على المجتمع يمكن أن ندق ناقوس التحذير من أجله، فكل اهتمامهن ينصب على الجانب الاجتماعي والتربوي وليس السياسي، ولا أظن أنهن يمكن أن ينتجن فكراً متطرفاً يؤدي إلى العنف.
بالمجمل تبدو الطباعيات جماعة نخبوية ناشطة في الشأن الديني والاجتماعي، لا معلومات عن أعدادهن، في حين أن التقديرات بالنسبة للقبيسيات في سورية تقول إنهن بلغن 70 ألف.