حماس وإيران: جدلية الحليف والتبيع
محمد العواودة
في مقاله " غزة...حقيقة المطلوب والمعروض "، الذي نشرته الجزيرة نت في 10/2/2009، حاول فهمي هويدي فك شبهة تبعية السياسية الحمساوية لإيران، وقدم الأدلة على استقلالية القرار الفلسطيني الحمساوي عن الرؤية الإيرانية، ووضعها في إطار التحالف.
فيرى هويدي، أن ثمة أسطورة قد راجت أثناء الحرب الأخيرة في غزة، وهي :أن المعركة استهدفت التصدي للنفوذ الإيراني، وهو ما يعتبره إشاعة اسرائلية، أرادت بها أن تحقق إسرائيل أهداف، الأول: تشويه صورة المقاومة وتصويرها بحسبانها أداة في يد إيران ، والثاني استنفار العالم العربي الذي تتوجس بعض أنظمته من إيران ، ومن ثم الإيحاء أن العدو الحقيقي للعرب هو إيران لا إسرائيل ، والثالث تصفية الحسابات الإسرائيلية مع إيران ، وهو ما تعتبره الدولة العبرية اكبر تحد لها ،خصوصا في ظل استمرارها في مشروعها النووي .
ويرى هويدي أن هذه المقولة لم تفرق بين الحليف والعميل، وأن الذين يرددونها لا يعرفون أو يجهلون أن حماس رفضت الاشتراك في مؤتمر الفصائل الذي دعت إليه طهران أثناء انعقاد مؤتمر " أنا بوليس "ما عكر صفو العلاقات بين الطرفين لبعض الوقت ، كما أنها - حماس- رفضت الملاحظات الإيرانية على اتفاق التهدئة الذي تم في يونيو/حزيران الماضي وهي الملاحظات التي حملها المبعوث الإيراني ، الذي وصل إلى دمشق على طائرة خاصة آنذاك ، وقيل له صراحة أن حماس حريصة على استمرار تحالفها مع إيران ، لكنها اشد حرصا على استقلال قرارها .
أصاب هويدي القول، بأن إسرائيل قد سعت في حربها على غزة إلى تضخيم العداء لإيران في البعد العربي في الأزمة الأخيرة، وبالتالي التخويف من المقاومة الإسلامية، والتغطية على العدوان، ولكن هل يعني ذلك عدم وجود هواجس وتوجسات مخيفة وحقيقة من المشروع الإيراني، بمعزل عن التحليل المقارن الذي يرتبط بالدعاية الاسرائلية، أو حتى الأمريكية ؟ ، فقد يكون من الصواب القول أيضا، أن ربط التخوف من إيران بالدعاية الإسرائيلية، لا ينفي بالضرورة التماس مخاوف عربية من إيران، حيث يتفجر سؤال احتلالها لأرض عربية، وسؤال العلاقة العقدية، والنوايا الاستراتيجية.
أما بالنسبة لاستقلال القرار الحمساوي، الذي يدلل عليه فهمي هويدي برفض حماس المشاركة في اجتماع الفصائل في طهران، ورفض ملاحظات المبعوث الإيراني، فإن السياق التاريخي المعاصر الذي يشخص الرؤية الإيرانية في البعد الفلسطيني يأبى أن يعطي حماس صك براءة بسهولة بهاتين النقطتين من الشك الذي يساور الكثيرين بارتباطها بالرؤية الإيرانية، حيث يكشف السياق التاريخي أن إيران لا تقيم تحالفات مجانية مع أطراف فلسطينية، دون أن يكون ذلك في خدمة مصالحها أولا وأخيرا.
عندما أطلق الخميني في ذات العام الذي انتصرت فيه الثورة سنة 1979 مشروع " تحرير القدس "، وقسم الأمة الإسلامية على هذا ألاساس إلى فسطاطين: فسطاط المنافقين، وهو فسطاط الدول التي تقيم علاقات مع " الشيطان الأكبر " وتتعامل مع إسرائيل " من خلف الكواليس " ، وفسطاط المؤمنين ، وهو الفسطاط الذي يعمل من اجل القدس ، حاول تكليف منظمة التحرير أن تتبؤ راس الجسر لتصدير شعارات الثورة في فلسطين ، وهو الأمر الذي رفضته المنظمة لما اعتبرته مساس في القرار الفلسطيني المستقل ، وتكريس للتبعية الإيرانية وسيادة منطق ولاية الفقيه على فلسطين، فكان التصنيف الإيراني جاهزا ، بنقل عرفات من فسطاط المؤمنين الى فسطاط المنافقين .
شكلت حرب الخليج الأولى قطيعة سياسية وعقدية بين العرب وإيران، ومنظمة التحرير بخاصة، واختلطت شعارات الثورة الإيرانية بعضها ببعض، وأصبح فسطاط المنافقين هو فسطاط المؤمنين ، والعكس صحيح أيضا، بالنظر إلى المصلحة الإيرانية ، التي أدخلت الدولة التي تحتل القدس ضمنيا في محور المؤمنين ، عندما قبلت منها دعما لوجستيا وحربيا من " وراء الكواليس "ضد فسطاط المنافقين العربي .
التلون المذكور في السياسة الإيرانية، يشي بالضرورة عن سؤال المضمرات والنوايا الإيرانية تجاه العرب ومنظمة التحرير بخاصة، ويدفع إلى وجاهة التشكيك في تصريحات مشعل، بالدعوة إلى مرجعية فصائلية بديلة عن منظمة التحرير، بالنظر إلى السياسة الإيرانية التي حاولت خطف القرار الفلسطيني في السابق وتؤكده بعض سياساتها اليوم.
أدخلت حماس إذن نفسها في معمعة الشك الذي يربطها بإيران الرؤية وليس بإيران الحليف، حيث لا يسهل تبرئتها من ذلك بالنقطتين اللتين ذكرهما هويدي، لأنه لا فرق أن يرفض الأستاذ خالد مشعل الدعوة الفصائلية من طهران، ويترجم مضامينها من دمشق بالدعوة إلى طار شرعي فصائلي بديل عن منظمة التحرير، ولا فرق أن يرفض ملاحظات المبعوث الإيراني للتهدئة من دمشق ، ويترجمها على ارض الواقع في غزة ، فلمصلحة من يجري السعي في هذا الاتجاه ؟ ومن المستفيد منه ؟، وفي المقابل ، لمن تجري مصحلة تحريم خامنئي التطوع لنجدة غزة ؟ وهي الفتوى التي اخذ بها حزب الله ؟ في حين يهدي مشعل النصر لإيران ؟
حماس عنوان كبير في المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال، إلا أن التدافع السياسي مع عنوان كبير آخر للشرعية الفلسطينية، ادخلها مرغمة في الثقب الإيراني الأسود في ظل بعض السياسات الإقليمية والدولية التي سعت إلى محاصرة الحركة أو تحجيمها، حيث باتت عقبة كأداء في طريق السلام الذي أصبح في المنظور العربي والاقيلمي والدولي خيارا استراتيجيا لحل المشكلة الفلسطينية.
باختيار حماس، أن تكون إيران عمقها الاستراتيجي، فقد اختارت معروضا سياسيا وعرا محفوفا بالشبهات، قد لا تجدي معه رسائل التطمين التي تبعثها حماس بعد كل خطاب ناري من طهران أو دمشق، بل، ولا يخرجها من الثقب الأسود الذي وضعت نفسها فيه، ويعفيها من خوض جولة جديدة من السيناريوهات الأكثر تراجيدية، إلا التقاط الموجة البراغماتية، التي تدفعها إلى المصالحة الوطنية، وتعطي بعض الأمل لأيتام وأرامل وثكلى غزة.