العرب الضعفاء... والجيران الأقوياء
عبد الله خليفة الشايجي - الاتحاد الإماراتية 8/2/208
تثبت التطورات والمتغيرات المتلاحقة في منطقتنا المثخنة بالجراح والانقسامات والأطماع والاحتلال الخارجي والتشرذم والتفكك الداخلي أننا كعرب وعلى رغم إمساكنا بالعديد من أوراق القوة والضغط والموقع والموارد الطبيعية والطاقة وصناديق السيادة المهمة فيما يُعرف في علم الإستراتيجية بـ"القوة الناعمة" إلا أننا لم ننجح في استغلال قدراتنا وتوظيف إمكانياتنا الوفيرة، لتعوضنا عن النقص في القوة الصلبة والعسكرية. بل إننا لم ننجح حتى بعد عقود من "الثورات" والانقلابات والإنفاق العسكري والعسكرة في أن نشكل قوة عربية تردع أو تدافع عن كياننا الإقليمي ودولنا.
ولا يبدو أن صرخة وغضبة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الكويت وكلمته المعبرة التي لامست الجرح العربي الغائر وسط فرز واستقطاب وسياسة محاور، لقيت آذاناً صاغية وأذابت الفوارق بين المحورين التي صبغت المشهد العربي المفكك على نحو أغرى خصومنا بالتجرؤ علينا والاعتداء، وتقديم مشاريعهم على رقعتنا، وتعزيز مواقعهم ومصالحهم على حساب مصالحنا التي عجزنا نحن عن حمايتها أو الدفاع عنها. وقد كنا نأمل أن تؤسس كلمة خادم الحرمين بداية لنظام عربي جديد، وقد حذرنا فيها من أن "فرقتنا وانقسامنا وشتات أمرنا ما زالت عوناً للعدو الإسرائيلي، ولكل من يريد شق الصف العربي لتحقيق أهدافه الإقليمية على حساب وحدتنا وعزتنا وآمالنا".
وهذا هو كبد الحقيقة، فما يبرز في منطقتنا العربية اليوم هو ضعفنا وقوة الآخرين من حولنا. والآخرون المعنيون ثلاثة: إسرائيل، وإيران وتركيا، وهم في مجموعهم قد لا يصل تعداد شعوبهم وقدراتهم إلى نصف عددنا. وهم الأقل عدداً وعدة وانتشاراً وإمساكاً بأوراق القوة مقارنة معنا نحن العرب. ومع ذلك تبدو تلك الدول الثلاث كأنها هي الممسكة بمفاصل أزمات المنطقة من شرقها وشمالها ووسطها. وهي المبادرة والمتدخلة في شؤوننا. والمالكة للمشاريع والأجندات، والتي تسعى لتحقيق مشاريعها وطموحاتها على حساب أمننا القومي واستقرارنا. بينما نحن العرب نبدو لاهين منهمكين بمشاكلنا القُطرية، ويغيب عنا التخطيط الاستراتيجي لنغرق في صراعات جانبية وبينية ونتلهَّى بقضايا هامشية. وهذا مؤسف للغاية. فقد أصبح الوضع العربي في مجمله بائساً مترهلاًً ضعيفاً ينخره الفرز والتشتت على أساس سياسة المحاور.
واتساع الشرخ العربي هو النتيجة الإستراتيجية الكبيرة التي تكرست بشكل نافر في المشهد العربي اليوم. ولذا رأينا زحمة القمم التي شهدناها مؤخراً بين قمم وقمم مضادة، وتفاقم دور قوى إقليمية تسعى وتجهد لتكريس الانقسام الفلسطيني، وتعمل على التدخل في شؤوننا كعرب. والإشارة إلى إيران التي تطلق قمراً اصطناعياً، وتجهد في تخصيب اليورانيوم لتصل إلى القدرات النووية. وتنقل مشروعها إلى قلب العالم العربي من العراق إلى سوريا ولبنان وغزة. فيما نحن كعرب نقف متفرجين ومنقسمين و"القوى الإقليمية" أكانت إيرانية أم تركية أم إسرائيلية تتدخل في شؤوننا وتعبث في أمننا، لأنها أمِنت من بطشنا ولن يردعها ضعفنا وقلة حيلتنا، في غياب كلي لتوازن القوى الذي يعمل لمصلحة جيراننا الأقوياء.
وهناك الصعود القوي للعثمانيين الجدد بدخول تركيا بقوة إلى منطقتنا من خلال الطريقين الناعم والصلب معاً. وقد كسبت الكثير بغضبة رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان في "منتدى دافوس" وتقريعه لشمعون بيريز، وانسحابه أمام الشاشات العالمية من الندوة التي شاهدها ملايين العرب والعجم في كل مكان.
والراهن أن تدخلات إيران وتركيا وإثيوبيا تحرجنا، ونحن كعرب نقف عاجزين عن التأثير على مجريات الأوضاع في العراق وفلسطين والصومال. وتفضحنا بل تعرينا إسرائيل أكثر من خلال عربدتها وبلطجتها في المنطقة منذ عقود. ومؤخراً في حروبها واعتداءاتها على لبنان وغزة وفي اختطافها لسفينة الأخوة اللبنانية من المياه الإقليمية الدولية وضربها عرض الحائط بالقانون الدولي، وتحولها إلى دولة مارقة معتدية دون رادع أو موقف عربي يجبرها حتى على إعادة حساباتها. وإذا ما أوصل الناخب الإسرائيلي غداً زمرة المتشددين اليمينيين في انتخابات "الكنيست" من أمثال نتانياهو وليبرمان فستكون دائرة الاستهتار بنا كعرب قد استكملت حلقاتها. وما هذا سوى تأكيد آخر على فداحة الضعف الاستراتيجي العربي.
والسؤال الكبير عن حالنا -الذي يغني عن السؤال: متى يمكننا أن نوحد صفوفنا، ونتعلم من واقعنا؟ والأهم متى وكيف نحول الضعف إلى قوة ونستفيد في توظيف أوراق القوة الناعمة التي نملكها إلى قوة صلبة تسمح لنا بالمبادرة والتوحد فيما بيننا أولاً؟ ومتى نصل إلى مستوى الردع والدفاع عن حقوقنا بمشروع عربي يتصدى للمشاريع والقوى المنافسة والطامحة وخاصة من جيراننا الأقوياء؟ أسئلة ملحة تبقى برسم من يعنيهم الأمر!