جولة الصحافة\العدد التاسع والستون ربيع الأول 1430هـ
التفوق التكنولوجي الإيراني على العرب .. المعاني والدلالات
الخميس 26 فبراير 2009
التفوق التكنولوجي الإيراني على العرب .. المعاني والدلالات
 د. أسامة الشرقاوي - موقع لواء الشريعة 15 / 2 / 2009
 
نقلت وسائل الإعلام مؤخرًا بعض الأنباء التي تفيد بإطلاق إيران قمرًا صناعيًّا من أراضيها؛ بغرض إجراء بعض الأبحاث العلمية، وتُعد تلك المحاولة لإطلاق قمر صناعي إيراني هي الثالثة من نوعها في عمر الجمهورية الإيرانية القصير، ومن المعلوم أن إيران تمتلك أحدث قاعدة لإطلاق الأقمار الصناعية على مستوى الشرق الأوسط بعد الكيان الصهيوني؛ وهو ما يدل على مدى التطور العلمي والتكنولوجي الذي وصلت إليه في مجالات البحث العلمي.
وبالطبع فليست هذه هي المرة الأولى التي يُكشف فيها النقاب عن جهودها الحثيثة في مجال البحث العلمي، فقد سبقتها مرات عديدة أعلن فيها النظام الإيراني عن نجاحه في تطوير عدد من الصواريخ بعيدة المدى، والقادرة على حمل رءوس نووية، وقد شهدت التجارب التي أُجريت بنجاح هذه الجهود.
وبعيدًا عن تحليل هذه الأنباء، ورؤيتها على أنها محاولة جديدة للتمدد الشيعي في المنطقة، وممارسة التجسس على الدول المجاورة، فلا ينبغي أن تمر علينا تلك الجهود مرور الكرام، بل لابد من وقفة نتأمل من خلالها بعض المعاني والدلالات، ولعل من هذه الدلالات ما يلي:
أولًا: لعل أول ما يثير الدهشة في التجربة الإيرانية، أن هذه الجمهورية الشيعية قد وُلدت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، وخاضت حربًا طويلة دامية إبَّان نشأتها استمرت قرابة ثماني سنوات، وفقدت فيها معظم قدراتها العسكرية، إلا أنها استطاعت أن تتعافى سريعًا من آثار تلك الحرب الطاحنة؛ وتمكنت في أقل من عشرين عامًا أن تصل إلى تلك المرحلة من القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي، وذلك في الوقت الذي خاضت فيه بعض الدول آخر حروبها قبل قيام النظام الإيراني، ورغم ذلك فهي ما زالت تراوح مكانها في مضمار البحث العلمي والتقدم التكنولوجي.
وهذا يثبت أن المحن والنكبات ليس شرطًا أن تكون عائقًا في سبيل نهضة الأمم، بل قد تمثل قاعدة انطلاق نحو التقدم، تمامًا كما فعلت اليابان بعد هزيمتها الساحقة في الحرب العالمية الثانية؛ حيث استطاعت تجاوز المحنة والارتقاء إلى مصاف الدول المتقدمة.
ثانيًا: استطاعت إيران إنجاز هذه النهضة العسكرية والتكنولوجية في ظل عزلة دولية شبه كاملة، واضطهاد سياسي واقتصادي من قِبَل أمريكا وحلفائها في الغرب، ورغم عدم تلقيها أية مساعدات أو معونات خارجية، وهو ما يبرز بوضوح أهمية الاعتماد على الموارد الذاتية والقوى الوطنية المخلصة في صناعة النهضة والتقدم، ويعيد إلى الأذهان ذكريات التجربة الماليزية الفريدة، التي استطاعت التخلص من ربقة البنك الدولي وشروطه المتعسفة إثر أزمتها الاقتصادية في تسعينيات القرن الماضي، واعتمدت على مواردها البشرية وقوتها الذاتية؛ لتصبح بعد ذلك إحدى النمور الآسيوية المعروفة في عالم الصناعة والاقتصاد.
ولعل هذا يطرح تساؤلًا مشروعًا حول جدوى الاعتماد على المساعدات الدولية المشروطة دائمًا، ومدى تأثير الدوران المستمر في فلك أمريكا وحلفائها على الانطلاق الحقيقي نحو فضاء النهضة والتقدم، وخصوصًا عندما نلاحظ تعثر جهود البحث العلمي والتقني في تلك الدول، التي تعتبرها أمريكا أقرب حلفائها في المنطقة، وتخصص لها معونة سنوية دائمة، مقارنة بالنظام الإيراني وغيره من الأنظمة.
ثالثًا: رغم الخلاف العقائدي بين الشيعة في إيران وبين أهل السنة الذين يمثلون معظم الدول العربية، وعلى الرغم من التحفظات التي يبديها بعضنا حول النظام السياسي الإيراني، إلا أن من الإنصاف أن نعترف بأن النظام السياسي في إيران ـ رغم مساوئه ـ أكثر انفتاحًا وحرية من كثير من النظم الأخرى في المنطقة، ويكفيه أنه قد استطاع إرساء مبدأ التداول السلمي للسلطة، في الوقت الذي يستمر فيه الزعيم الأوحد على كرسي الحكم في بعض البلدان لأكثر من ثلاثة عقود، ولا يتم تداول حقيقي للسلطة إلا في إحدى حالتين: إما الوفاة أو الوراثة.
ومن البدهي أننا لسنا بصدد إطراء النظام الإيراني، وإسباغ كلمات المدح والثناء عليه، وليس هذا هو المقصود من هذه الكلمات، إلا أن أهم ما يجب علينا إدراكه من خلال التجربة الإيرانية ـ بغض النظر عن مواطن الخلاف معها ـ هو أن النهضة العلمية والتكنولوجية لا ترتبط أساسًا بوصف الدولة، أو لغتها، أو جنسيتها، وإنما تعتمد في المقام الأول على توفر الإرادة السياسية الصادقة للنهوض والتقدم لدى قادتها، واعتمادها المنهج العلمي المنظم في السلوك والتفكير، ومدى حرص نخبها السياسية والثقافية على بث روح الجد والمثابرة والإتقان في نفوس أبناء المجتمع، بدلًا من شغلهم بقضايا هامشية تافهة لا تؤدي إلا إلى مزيد من الفرقة والتشتت والانقسام.
وختامًا، لعل هذه الأخبار الواردة إلينا من أقصى المشرق العربي تكون حافزًا لنا لمراجعة النفس، وتعلم فقه بناء الأمم والحضارات، وإتباع سنن الله تعالى الكونية في قيام الدول وارتقائها، فليس من الصواب أن نمكث داخل ذواتنا، والعالم من حولنا يموج بكثير من المتغيرات، وما لم نحاول مواكبة تلك التغيرات المتسارعة؛ فلن يكون غريبًا أن يتجاوزنا الزمن، ونصبح طي النسيان.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: