موقف إيران من احتلالين
د. محمد الأرناؤوط - الغد الأردنية 10/4/2009
النزاع الاذربيجاني الارمني جزء من الصراع الدولي على المنطقة وخاصة إذا عرفنا أهمية أذربيجان كدولة منتجة ومصدرة للبترول. قبل أيام استضاف مركز دراسات العالم الاسلامي في جامعة آل البيت سفير جمهورية اذربيجان في عمان د. يلمان أراسلي، ليتحدث عن بلاده وعلاقاتها مع دول المنطقة والأردن بطبيعة الحال. وتجدر الاشارة هنا إلى أن د. اراسلي من الجيل الدبلوماسي المخضرم، إذ اشتغل في وزارة الخارجية خلال السنوات الأخيرة للاتحاد السوفيتي ثم عين سفيرا لأذربيجان بعد استقلالها في 1991 في المملكة العربية السعودية حيث خدم 12 سنة، قبل أن يأتي إلى عمان في صيف 2006 مع إفتتاح السفارة الاذربيجانية في عمان.
وقد أشاد السفير بالتطور الكبير للعلاقات بين بلاده والأردن خلال هذه السنوات الثلاثة حتى أنه تم التوقيع حتى الآن على 27 اتفاقية للتعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية الخ. وفي محاضرته التي عرّف فيها بأذربيجان عبر التاريخ وصولا إلى اعلان الاستقلال الاول في 1918 واعلان الاستقلال الثاني في 1991 ، توقف السفير عند محطتين مهمتين: تقسيم أذربيجان في 1812 خلال الصراع الايراني الروسي على المنطقة والنزاع العسكري بين أذربيجان وأرمينيا خلال 1991-1994. وعلى حين أن نهر اراسي اتخد في 1812 خطا لتقسيم أذربيجان، مما جعل حوالي نصف المواطنين ضمن الدولة القاجارية/الايرانية ونصفهم الآخر ضمن روسيا القيصرية، فإن النزاع العسكري الأخير بين أذربيجان وأرمينيا على إقليم ناغورني كاراباخ جعل أرمينيا بدعم من قوى اقليمية تحتل 20% من أراضي أذربيجان وتشرد حوالي مليون أذربيجاني من بيوتهم.
ويعترف السفير هنا بأن هذا النزاع الاذربيجاني الارمني جزء من الصراع الدولي على المنطقة وخاصة إذا عرفنا أهمية أذربيجان كدولة منتجة ومصدرة للبترول والغاز، وهو ما يساهم في امتداد أو استمرار النزاع من دون أي حل في الأفق. فالسفير يقول بمرارة بأن مجلس الأمن اتخد أربعة قرارات حول هذا النزاع العسكري خلال 1991-1994، ومنها ما يطالب بسحب القوات الأرمنية من الأراضي التي احتلتها ولكن لم تطبق هذه القرارات بسبب "ازدواجية المعايير" كما يقول السفير. وكانت جهود الوساطة الاوروبية قد أثمرت عن تشكيل ما سمي "مجموعة مينسك" التي تضم روسيا (المؤيدة لأرمينيا) والولايات المتحدة (المؤيدة لاذربيجان) وفرنسا التي يفترض أن تكون محايدة. ولكن السفير يقول إن هذه المجموعة تصر على عدم اللجوء للقوة لاسترداد الاراضي المحتلة والاستمرار بالجهود الدبلوماسية حيث أن المجموعة "تؤيد ما يتوصل إليه الطرفان". ولكن ما تعرضه ارمينيا على اذربيجان لا يسمح لاي قيادة اذربيجانية أن تقبل به وتبرره أمام المولاة والمعارضة في بلادها، وهذا يعنى ترك الامور على ما هي عليه "حتى ينضب النفط"!
وفي المداخلات التي جرت حول المحاضرة كان هناك أكثر من سؤال عن موقف الدول المجاورة والدول الاسلامية من هذا النزاع الاذربيجاني الارمني. وفي هذا السياق كان هناك توقف وتساؤل عند الموقف الإيراني الذي يدعم الجانب الارميني. فأذربيجان دولة اسلامية بنسبة 93% من المسلمين (منهم 50 % من الشيعة) ما يفترض بـ "جمهورية إيران الاسلامية" أن تتخد موقفا مؤيدا لاذربيجان بعد العدوان التي لحق بها وأدى إلى احتلال 20% من اراضيها.
وفي هذا الاطار أثير التساؤل عن ازدواجية ايران فيما يتعلق بالاحتلالات، اذ انها تعارض "الاحتلال الاسرائيلي" للاراضي الفلسطينية وتجيّش كل إعلامها وأنصارها في المنطقة في سبيل ذلك طالما انه يخدم سياستها في المنطقة، ولكنها لا تعارض "الاحتلال الارمني" للأراضي الأذربيجانية ولا تساعد الأذربيجانيين كما تساعد الفلسطينيين على "تحرير" أراضيهم. وبعبارة أخرى فهي مع "المقاومة" و"التحرير" في فلسطين ضد "الاحتلال الاسرائيلي" وليست معها في اذربيجان ضد "الاحتلال الأرمني".
أما السبب وراء هذا الموقف المزدوج فقد يتشعب ولكنه يشمل أمرين مهمين على الأقل. أما الأول فهو علاقة المصالح المتبادلة مع روسيا المؤيدة لأرمينيا، وأما الثاني فهو قلق إيران لأي استقرار وازدهار لأذربيجان لأن أكثر من نصف الشعب الاذربيجاني يعيش ضمن اذربيجان الايرانية التي هي امتداد لاذربيجان الام. فاستقرار وازدهار جمهورية أذربيجان ذات الامكانيات الهائلة يعني فيما يعنيه تطلع الاذربيجانيين في شمال ايران إلى الدولة الأم طالما أن "جمهورية ايران الاسلامية" تعترف باسلامهم فقط (على المذهب الشيعي) وليس بقوميتهم وحقوقهم الثقافية وحرياتهم الأخرى.