عقلاء الشيعة لماذا لا ينبذون ثقافة كراهيةالصحابة؟
بسام ناصر - صحيفة السبيل الأردنية - 13/04/2009
الخلافات بين السنة والشيعة في جوانبها العقائدية،وأبعادها التاريخية المعقدة، خلافات حقيقية وجوهرية، ولا يمكن القفز عليها أوالتغافل عنها، ومن يحاول عدها واعتبارها خلافات ثانوية فرعية لا يدرك طبيعة تلكالخلافات، كما أنه لا يصلح في هذا المقام تقديم الإجابات السهلة عن الأسئلة الصعبةالشائكة، فسياسة اللقاءات الدبلوماسية والبروتوكولية، لا تجدي نفعا في هذا الملفالإشكالي الوعر، ويبدو أن بعض اتجاهات أهل السنة لا تقدر حجم الخلافات الجذرية،وتحاول دائما التهوين من ذلك.
نظرا لاستحكام تلك الخلافات وتجذرها في البنيةالذهنية والمعرفية لكلا الطرفين، مع تغذيتهما الدائمة لخطاب متشدد يسعى للتأجيجوالتصعيد، وإشعال نار الفتنة، فان مطلب التقريب بين المذهبين بعيد المنال، بل هوإلى الاستحالة أقرب وأدنى، لذا فان كثيرا من العقلاء يدعون إلى ما يمكن تسميته "بفقه التعايش"، بحكم المواطنة والجغرافيا. إلا أن تلك الدعوة (التعايش) تتحطم علىصخرة ذلك الخطاب المتشدد الذي ينتهجه علماء وخطباء شيعة، من أبرز عناوينه ثقافةكراهية الصحابة.
ثمة خطب ودروس عديدة (مسجلة وموثقة) لشيوخ وخطباء شيعة، تغذيتلك الثقافة وترسخها بقوة في العقل الجمعي الشيعي، مُعلية من شأنها وكأنها ركن منأركان العقيدة، التي لا يتم إيمان المؤمن إلا بتبني مفرداتها، ودوام ذكرها، حتىيُخيل لمن يسمتع إلى ذلك الخطاب المتشنج المبغض للصحابة الكرام (رضي الله عنهم)، أنكثيرا من الصحابة هم قوم غلاظ القلوب، جفاة الطباع، لا يحفظون الحقوق ولا يرعونها،قد خانوا وصية نبيهم، وتمردوا على رغبته، واقتحموا على ابنته فاطمة (رضي الله عنها) بيتها، واعتدوا عليها، وكسروا ضلعها.
أحد أولئك المتحدثين (ياسر الحبيب) يعقدمجلسا (تجريميا) لإثبات أن عائشة (رضي الله عنها) اقترفت جريمة تسميم الرسول صلىالله عليه وسلم، مستشهدا على ذلك بأدلة من مصادر أهل السنة ليصل إلى التصريح بحكمهعليها أنها الآن في جهنم! أورد ذاك المتحدث حديث عائشة ـ وهو في الصحيحين وغيرهما ـأنها قالت لَدَدْنا (اللدود هو وضع الدواء في جانب فم المريض من غير اختياره) رسولالله صلى الله عليه وسلم في مرضه، وجعل يشير إلينا لا تَلُدَّوني، قال: فقلناكراهية المريض بالدواء، فلما أفاق قال: "ألم أنهكم أن تلدوني"، فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "لا يبقى منكم أحد إلا لُدَّ وأنا أنظر إلا العباس فإنه لميشهدكم".ماذا يقول علماء أهل السنة في شرح هذا الحديث؟ ذكر الحافظ ابن حجر في سببكراهيته صلى الله عليه وسلم للد مع أنه كان يتداوى قولا يرى أنه كره ذلك لأنه تحققأنه يموت في مرضه، ومن حقق ذلك كره له التداوي، ثم تعقبه قائلا: وفيه نظر والذييظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقق، وإنما أنكر التداوي لأنه غير ملائم لدائهلأنهم ظنوا أن به ذات الجنب فداووه بما يلائمها ولم يكن به ذلك كما هو ظاهر في سياقالخبر..
وشرحوا قوله عليه الصلاة والسلام "لا يبقى منكم أحد إلا لُدَّ" ـ وفقعبارة ابن حجر ـ "أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا فكان ذلك تأديبا لا قصاصا ولاانتقاما"، لكن صاحبنا المتحدث يذهب مذهبا رديئا في قراءة هذا الحديث، ويوظفه توظيفاأيديولوجيا يجعل من الصحابة مجموعة قتلة متآمرين، فالقصة عند صاحبنا تتلخص في أنذلك "اللدود" الذي تحدثت عنه عائشة ما هو إلا سمُّ، تآمرت عائشة وحفصة على إعطائهإياه، بتدبير أبويهما، ليتعجلا من التخلص من الرسول، ليخلو الجو لهما!.
يا الله! أهكذا تفكر العقول "المريضة"؟ فما أدرى صاحبنا أن ذلك العلاج كان سما، ومن أين لهذلك؟ وكيف قام بنسج خيوط المؤامرة وعملية توزيع الأدوار بين الشيخين وابنتيهما؟ منيراجع كتب الشيعة المعتمدة (كبحار الأنوار للمجلسي وغيره من المصادر) يجد أن القومقد أجمعوا أمرهم، وعقدوا عزمهم على أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات مسموما،ويعتقدون أن عملية اغتيال بشعة قد تمت لرسول الإسلام على أيدي أقرب أصحابه إليه (أبو بكر وعمر وابنتيهما عائشة وحفصة)!
تلك الصفات والتوصيفات كفيلة باثارة كلألوان وصور الحقد والكراهية، وتأجيج نار البغض لأولئك الصحب الكرام، وتجعل من لعنهموشتمهم قربة وطاعة يتقربون بها إلى الله (وهو شائع ومتداول في كثير من المنتدياتوغرف البالتوك الشيعية)، الأمر الذي يضع عقلاء الشيعة الداعين إلى التقارب والتعاونوالتعايش أمام تحديات حقيقية وجوهرية، فكيف يتحقق كل ذلك في أجواء ومناخات تشيع تلكالثقافة المدمرة المفسدة؟