داود البصري
" السياسة " الكويتية – 26/10/2010
ثمة سؤال حرج وحائر ومقلق بات يؤرق الكثير من متابعي تعرجات ومسارات السياسة الكونية الاميركية وهو: هل ان مخططي سياسة واشنطن أغبياء, أم أنهم يتغابون? أم ماذا بالضبط? وطبعا هذا التساؤل يتعلق أساسا بارتكاب السياسة الاميركية سلسلة من الأخطاء الكارثية, والتي أهمها تسليم العراق أرضا وشعبا ومقدرات على طبق من ذهب ومجانا للنظام الإيراني الذي وجد في العراق المجال الحيوي المناسب للتمدد والانطلاق الإقليمي والقيام بمناورات واسعة فيه وحوله وبما يخدم في النهاية توجهات السياسة الإيرانية ويؤكد البعد الستراتيجي الكبير لساسة نظام الحرس الثوري في طهران.
والجواب عن السؤال بتقديري ليس صعبا بالمرة، بل انه واضح وضوح الشمس في رابعة النهار ويتلخص بكلمة "لا" مغلظة, فالخطأ وهوامشه والغباء ومشتقاته, لا وجود لها أبدا في عالم الستراتيجيا الأميركية الواسع والغامض والمجهول, بل أن ما هو موجود فعلا هو الخبث المبرمج والمخطط والمقترن بأدوات تنفيذ تعتمد على المراحل الزمنية وعلى المفاجآت السياسية في تحقيق أهدافها, وقيام الولايات المتحدة بكل ثقلها بدعم الجماعات الإيرانية الولاء في العراق وتسليمها السلطة واسباغ الحماية الاميركية على رجالها ومؤسساتها ليست عملية ساذجة, بل انها تنبع أساسا من تخطيط ستراتيجي بعيد المدى قد لا ندرك أهدافه الحقيقية اليوم لكنه بالمقابل يعبر عن خطط وتطلعات وترتيبات مستقبلية لا يمكن للعين الخبيرة التغاضي عن ملاحظة إرهاصاتها التكوينية وملامحها العامة.
ولعل المعلومات التي نشرها موقع "ويليكوكس" بشأن العمليات الأمنية والاستخبارية الاميركية في العراق ومنها تلك المتعلقة بدور رئيس الوزراء العراقي المنتهية صلاحيته وحزبه "الدعوة" في دعم وتشكيل فرق الموت المتنقلة ليست سوى جانب بسيط من الصورة الحقيقية لطبيعة تنظيم حزب "الدعوة" أو النسخة الشيعية لجماعة "الإخوان المسلمين", فهذا الحزب الذي تأسس في عصر سيادة الأفكار الاشتراكية واليسارية وكانت للمخابرات البريطانية وحتى الإيرانية السابقة "السافاك" أياد طويلة في تأسيسه ورعايته وتنظيمه ومن ثم دفعه لمقدمة الصفوف هو حزب طائفي فئوي ذات طبيعة فاشية, يعتمد جميع الوسائل لتحقيق أهدافه ولا يتورع عن ممارسة الإرهاب للوصول لمبتغاه, والقضية ليست مجرد اتهامات مرسلة ومواقف شخصية عدائية كما يحاول البعض وهو يسفه المقالات المنتقدة لذلك الحزب وأشباهه من الأحزاب الدينية والطائفية, بل انها حقائق ميدانية يساند مصداقيتها تاريخ المنطقة القريب الحافل بكل صيغ وصور الإرهاب الحقيقي الذي تمثله نشاطات ذلك الحزب.
لن أتكلم أنا ولن أعرب عن رأيي الخاص, بل سأترك الحرية للتاريخ الذي لا يجامل أحدا لكي نستعرض من خلال أحداثه القريبة, والتي عشنا جميع تفاصيلها ومنحنياتها بعضا ونتفا من النشاطات الإرهابية لحزب "الدعوة" في الشرق الأوسط, والذي أصاب في معظمها المصالح الاميركية في المنطقة بضرر جسيم, بينما نرى اليوم قادة الولايات المتحدة, وهم يدعمون قادة هذا الحزب ويوفرون الحماية اللازمة له, بل ويغضون النظر تماما عن أفعاله الإرهابية وتحالفاته الإيرانية في نسخته الجديدة المنقحة والمعدلة. وإليكم أيها السيدات والسادة حديث التاريخ وهو الذي لا يعرف المداهنة ولا النفاق, فتأملوا يا أولي الألباب.
لقد بدأ حزب "الدعوة" الإسلامية نشاطه العسكري العلني منذ أواخر عام 1979 حينما صدر قرار من إيران بضرورة إشعال الثورة الإسلامية في العراق والتي كان مخططا لها أن تغزو دول المنطقة, وخصوصا دول الخليج العربي, وفقا لبرنامج مكتب حركات التحرر في طهران, والذي قام بتوفير الدعم المادي واللوجستي وإصدار جوازات السفر الخليجية للعناصر المرتبطة بهم والإعداد لتفجير الساحة وقلب الأنظمة, وشهدت شوارع المدن العراقية وخصوصا في الجنوب اشتباكات مسلحة بين السلطة وعناصر الحزب أسفرت عن متابعات وملاحقات امنية وصلت لحدود التصفية الشاملة بعد أن عجز حزب الدعوة عن إسقاط السلطة ولاذ بإيران طلبا للنجاة خصوصا ولاسيما ان الأسلوب الأمني الذي اتبعه نظام صدام حسين في العراق كان قاسيا لا يعرف الرحمة بعد التشدد في تطبيق أحكام الإعدام وكانت المواجهة قاسية لم تراع الظروف الميدانية التي كانت تؤكد بعد إمكانية كسب المعركة ضد نظام البعث العراقي الذي كان شرسا وقويا وقتذاك.
وبعد الانسحاب صوب إيران لم تهدأ الماكينة التنظيمية للحزب والموجهة من طهران أساسا وجنحت صوب اللجوء لخيارات عمل عسكرية لا يمكن وصفها سوى بالإرهاب وحيث يسجل التاريخ ريادة حزب "الدعوة" في استعمال السيارات المفخخة كإحدى أهم وسائل الإرهاب الدولي الذي تعاظم في مرحلة الثمانينات من القرن الماضي, فكان حزب "الدعوة" هو أول تنظيم إرهابي استعمل الشاحنات المفخخة في أعماله العسكرية, والتي كان أهمها تفجير السفارة العراقية في بيروت في 18 ديسمبر عام 1981 والتي نفذها إرهابي عراقي تابع لحزب الدعوة اسمه "أبومريم" بشاحنة مفخخة وعن طريق تعاون استخباري بين المخابرات الإيرانية ولوجستي من المخابرات السورية التي كانت محتلة لبيروت, وقتذاك وكان من اعترف بتدبير تلك العملية هو تنظيم "الجهاد الإسلامي" والذي هو في حقيقته حزب الدعوة الإسلامية, وكان يشرف على تنفيذ تلك العملية الإرهابية الكبرى التي كانت تحولا في تاريخ تطور الإرهاب في المنطقة أحد قيادات حزب الدعوة الحاليين وعضو البرلمان العراقي الحالي السيد علي الأديب أو علي زندي الإيراني الجنسية والعقيد في الحرس الثوري الإيراني والمرشح لرئاسة الحكومة العراقية أيضا!
والغريب, بل المقرف, هو أن الوكيل الأقدم لوزارة الثقافة العراقية الحالي المدعو جابر الجابري وكان اسمه الحركي "أبومدين الموسوي" وهو أحد شعراء حزب "الدعوة" كان قد نشر قصيدة وقتها يشمت فيها بالشاعر العربي الراحل نزار قباني الذي فقد زوجته السيدة بلقيس الراوي في ذلك العمل الإرهابي ويقول مطلع قصيدة وكيل الوزارة المحترم "بلقيس أنت قتلتها...." أي أن عناصر "الدعوة" كانت تعتبر ذلك العمل الإرهابي ملحمة نضالية خالدة, طبعا كانت تلك العملية تحولا كبيرا في تاريخ العمل الإرهابي في الشرق الأوسط, ويقال بأن منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت قواتها تسيطر على المنطقة وقتذاك قبل الدخول الإسرائيلي تمتلك معلومات مفصلة عن الأطراف القيادية في حزب "الدعوة" التي نفذت تلك العملية.
ثم ظهر الدور الإرهابي الجديد لحزب "الدعوة" مع التفجير الانتحاري في قلب بغداد والموجه ضد وزارة التخطيط العراقية في يونيو عام 1982 بهدف القضاء التام على إمكانية عقد مؤتمر دول عدم الانحياز في بغداد ذلك العام والذي نقل لنيودلهي, وقد نفذ العملية هذه المرة تحالف الجماعات الطائفية المرتبطة بإيران والنظام السوري أيضا, فقد تم تجنيد المدعو "أبوبلال" من قبل حركة "المجاهدين العراقيين" التي تشرف عليها المخابرات السورية والإيرانية لتنفيذ تلك العملية وتم إدخال المتفجرات لبغداد كما تم تخليد الإرهابي بإطلاق اسمه على مكتب المجاهدين العراقيين في حي الأمين الدمشقي والذي كان السيد الوزير الحالي باقر صولاغ الحاج أبومحمد أحد قياداته الفاعلين, ثم جاء تفجير مبنى الإذاعة والتلفزيون في الصالحية ببغداد أيضا! وجميع تلك العمليات تمت بالشاحنات الانتحارية. أي أن أهل حزب "الدعوة" هم أول من أدخل الإرهاب الانتحاري السائد حاليا للمنطقة بدلالة التاريخ وليس الاتهامات العائمة.
في الكويت وبتاريخ لا يمكن أن ينسى وهو 12/12/ 1983 كانت الانعطافة الكبرى في تاريخ الإرهاب الإقليمي وحتى الدولي وحيث قام انتحاري من حزب الدعوة ومن أهل البصرة اسمه رعد مفتن عجيل بتفجير شاحنة مفخخة كان يقودها في مقر السفارة الاميركية القديم في بنيد القار صبيحة ذلك اليوم, والتي شهدت الكويت خلاله سلسلة من العمليات الإرهابية المتزامنة الأخرى في السفارة الفرنسية وبعض المنشآت الوطنية الكويتية, وحيث سقط العديد من القتلى الشهداء, ودخلت الكويت في واحدة من أكبر تحدياتها الأمنية في التاريخ الحديث وبما انعكس بشكل حاد على الأمن الإقليمي وحتى على الوضع الداخلي كان المنفذون من حزب الدعوة وفي طليعتهم القيادي الهارب جمال جعفر محمد الذي هو اليوم مستشار أمني وعسكري لفيلق القدس الإرهابي التابع للحرس الثوري وتم إلقاء القبض على المتورطين ولكن المحاولات الإرهابية لم تنقطع واستمرت سجالا وكانت أخطرها على الإطلاق محاولة اغتيال أمير الكويت الأسبق الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح في شارع الخليج العربي يوم 25/5/1985 وبالتكتيك السابق نفسه وهو السيارات المفخخة التي اعترضت موكب الأمير ولكنها فشلت في تحقيق هدفها, وكان المخطط لذلك أيضا هو جمال جعفر محمد وبقية العصابة في حزب الدعوة أو التنظيمات المنشقة عنه والحاملة لأفكاره وتراثه ومنطلقاته الآيديولوجية, وعاد الدعويون لتفجير الكويت أيضا وكان ذلك يوم 12/1/1987 وحيث انفجرت سيارة مفخخة خلف فندق "الميريديان" المخصص للضيوف من الإعلاميين في مؤتمر القمة الإسلامي في الكويت !
وطبعا لن نتحدث عن خطف الطائرات كـ"الجابرية" و"كاظمة" والتي وقف خلفها حزب الله اللبناني الذي هو على المنظومة الفكرية والمنهجية والولائية نفسها لحزب الدعوة, وأستمر الحال سجالا حتى الغزو العراقي للكويت, والذي بدل الكثير من عناصر وأدوات اللعبة الإقليمية والدولية وغير اتجاهات الصراع بشكل جذري وأسس لمرحلة جديدة ومختلفة تماما من التعاملات الديبلوماسية.
وبعيدا عن أي متبنيات أو عوامل فكرية وسياسية فإن ما ورد في الوثائق الاميركية حول نشاطات إرهابية مفترضة لحزب رئيس الوزراء العراقي المنتهية صلاحيته لا يمثل في حقيقة الأمر إلا النزر اليسير من تاريخ إرهابي حافل وموثق, إذ تظل الوثائق الاميركية التي يقال إنها سرية مجرد "شخابيط.. ولخبط لخابيط" وما خفي أعظم.