صفقة أميركية ـ إيرانية لتفويض طهران برعاية
حقوق الشيعة في العالم العربي
رياض علم الدين -الوطن العربي 2/1/2008
هل يكون العام 2008 عام انتصار "الهلال الشيعي" وإنجاز "الصفقة الكبرى" بين واشنطن وطهران؟! هذا السؤال الذي يبدو غريباً ومستغرباً، بالنسبة للكثير من المراقبين الذين ما زالوا يراهنون على انفجار الصراع الأميركي ـ الإيراني للهيمنة على المنطقة. بدأ يحتل منذ أسابيع، صدارة النقاشات الدائرة في كواليس العديد من العواصم الكبرى ومراكز الدراسات ومؤسسات صنع القرار حتى داخل الولايات المتحدة.
وفي معلومات "الوطن العربي" أن الانطباع العام المسيطر حالياً في هذه المؤسسات هو أن الحرب الأميركية ـ الإيرانية التي كانت منتظرة في العام 2007 لم تؤجل فقط بل إنها لم تعد واردة.
ويبدو أن الذين كانوا ما زالوا يراهنون على الانفجار الكبير قبل إبريل "نيسان" المقبل كموعد أخير قبل دخول إدارة بوش حمى الانتخابات الرئاسية قد بدأوا بإعادة النظر في حساباتهم على ضوء مفاجأة التقرير الاستخباري الذي أصدره 16 جهازاً أمنياً أميركياً في الثالث من ديسمبر "كانون الأول" الماضي ومنح إيران شهادة براءة من البرنامج النووي العسكري، والعارفون بخفايا وخلفيات وتداعيات إصدار هذه التقرير واستحقاقاته يؤكدون أنه جاء ليشكل انعطافه 180 درجة في الصراع بين "محور الشر" و"الشيطان الأكبر" وأنه نقل العلاقات الإيرانية ـ الأميركية من المواجهة المحتمة إلى الحوار المفتوح على ما يصفه البعض بأنه "صفقة كبرى" بدأت مؤشراتها تظهر بوضوح منذ ما قبل صدور التقرير الاستخباري، وراحت تتزايد وتتضح أكثر بعده عبر ظهور مستجدات ومفاجآت كلامية وميدانية تصب في خانة تبني سيناريوهات "الصفقة" وانقلاب المحاور والمعادلات.
ويبدو أن تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية في الأيام الماضية لم تفاجيء سوى "حلفاء واشنطن" الذين توقفوا مطولاً عند ما قالته رايس عن أن واشنطن "لا تملك أعداء دائمين" ما يعني حتماً أنها لا تملك "حلفاء دائمين" مشيرة إلى أن الإدارة الأميركية التي كانت حتى أيام قليلة تطلق التهديدات ضد إيران وتسرب سيناريوهات الضربة العسكرية، لم تعد تضع على طهران سوى شرط واحد هو "تعليق تخصيب اليورانيوم" ـ وليس وقفه ـ وبعدها فإن رايس جاهزة للقاء نظيرها الإيراني منوشهر متقى "في أي مكان وزمان وللحديث في أي موضوع يشاء".
وجاءت تصريحات رايس هذه لتزيد من مؤشرات الصفقة الكبرى والاستعداد الأميركي لها وهي مؤشرات كان معدو التقارير الاستخبارية قد بدأوا برصدها من خلال تتبع سلسلة مفاوضات سرية نشطت مؤخراً بين واشنطن وطهران رغم إلغاء الموعد الرسمي لجولة مفاوضات الثامن عشر من ديسمبر "كانون الأول" في العراق.
وفي معلومات "الوطن العربي" أن الزيادة المفاجئة التي قامت بها رايس إلى العراق في ذلك التاريخ كانت تهدف حسب تقارير استخبارية لعقد "لقاء تاريخي" مع نظيرها الإيراني يكرس لعودة الحوار المباشر بين البلدين بعد 29 عاماً من القطيعة... لكن تراجع الإيرانيين عن إعلان "تعليق التخصيب" رغم مبادرة الروس بافتتاح المجال أمامهم عبر تسليمهم اليورانيوم المخصب مصحوباً بتصريحات روسية وأميركية حول عدم حاجة طهران إلى التخصيب.
ورغم ذلك تؤكد مصادر استخبارية أوروبية مطلعة لـ "الوطن العربي" أن المفاوضات السرية بين الأميركيين والإيرانيين لم تتوقف، وتكشف عن ثلاث جولات مفاوضات على الأقل قد حصلت في الأسابيع الماضية واحدة في جينيف "سويسرا" وثانية في فيينا "النمسا" وثالثة في الجزائر.
الصفقة الكبرى والهلال الشيعي
وتصيف هذه المصادر أن الجانب الإيراني قد استغل هذه المفاوضات لإطلاق ما بات يعرف بعرض "الصفقة الكبرى" مع الأميركيين، ووضع كل القضايا والمطالب الإيرانية على الطاولة وهي مطالب تجاوزت النووي والعراق إلى إسرائيل ودور إيران الإقليمي ومشروعها لفرض هيمنتها على المنطقة، من خلال المطالبة بموافقة أميركية على تسميتها وصية على الشيعة وحامية لحقوقهم حسب ما كشف خبير أمني غربي مطلع على خفايا هذه الاتصالات.
وفي معلومات هذا الخبير أن إيران استغلت التقرير الاستخباري ونتائجه من أجل تسريع عملية الانتقال إلى المراحل التالية من مطالبها التوسعية وتطلعات النفوذ والهيمنة. ويفند الخبير هذه الخطة الإيرانية بقوله إن الصراع الأميركي ـ الإيراني كان منذ البداية يشمل سلسلة ملفات كانت تتخفي خلف الملف النووي. فبالإضافة إلى الخلاف النووي كانت طهران تسعى للحصول على ضمانات أمنية أميركية من أجل عدم إطاحة النظام وعدم شن حرب ضدها. وكذلك كانت تبحث عن "ضمانات" لدورها في العراق ولتكريس حكم الشيعة وعدم عودة السنة إلى السلطة وعدم إقامة عراق قوى عسكرياً قادر على تهديدها في المستقبل.
والملف الثالث كان مطلب إيران كممثل وراع للشيعة في العالم العربي وضامن لحقوقهم، أما الرابع فهو ملف الاعتراف بالدور الإقليمي المهيمن لإيران في المنطقة، وهو ملف يعتبر الإيرانيون أنه مرتبط بملف الاعتراف الأميركي بدور إيران في "حماية الشيعة".
ويضيف الخبير أن وثيقة المالكي ـ بوش التي منحت ضمانه إيرانية بالوكالة، لبقاء الأميركيين في العراق وبناء قواعد دائمة كانت الصفقة الأولى التي أفسحت المجال أمام الخوض في الصفقة الكبرى، ويقول: إن هذه الصفقة قد تمت بعدما أبلغ الأميركيون الإيرانيين صراحة في أغسطس "آب" الماضي أن "واشنطن ليست في وارد الانسحاب من العراق، وإذا كانوا راغبين في إفساح المجال للحوار بين البلدين فعليهم تجاهل الرهان على انسحاب أميركي من العراق والتعامل مع هذا الوجود كأمر واقع دائم والانطلاق منه لفتح صفقة جديدة".
وعلى ضوء ذلك أعادت طهران النظر في استراتيجية "المواجهة" مع أميركا في العراق، وأعدت وثيقة التفاهم بين بوش والمالكي على أساس أن يكفل الأميركيون بقاء السلطة في بغداد في يد الشيعة ومنع حصول أي "انقلاب سيء" عليها.
وفي رأى هذا الخبير أن ما يدعيه الأميركيون بأن طهران لم ترد على إيجابيات التقرير الاستخباري بمبادرة إيجابية حول تعليق النووي هو ادعاء خاطئ إذ يؤكد أن التقرير جاء رداً على وثيقة المالكي ـ بوش، ولذلك يعتبر الخبير أن حسم الخلاف حول العراق بوثيق التفاهم، وحسم الخلاف على "النووي" بشهادة البراءة وما تعنيه من إلغاء لذريعة الحرب وإسقاط النظام قد أفسحت المجال للخوض في وثيقة تفاهم إيرانية ـ أميركية شاملة هي حالياً محور المفاوضات السرية الدائرة بين الطرفين.
ويبدو أن البند الجديد من "وثيقة التفاهم" هذه يشمل حالياً حقوق الشيعة ودور إيران في "رعاية" الشيعة في عدة دول عربية وهو ما يعرف بـ "الهلال الشيعي" وتؤكد المصادر المطلعة أن طهران قد تعمدت فرض معادلة الهلال الشيعي كأمر واقع في مفاوضاتها مع الأميركيين بما ينقض ما كان سائداً حتى الآن بأن المشروع الأميركي أعد لمناهضة المشروع الإيراني لإقامة هلال شيعي يمتد من طهران إلى بيروت مروراً بالعراق .... والبحرين.
البحرين و"الحرة"!
ويؤكد هذا الخبير أن ما يجري في لبنان منذ أشهر وما جرى في البحرين في الأسبوع الماضي هو امتداد لمشروع الهلال الشيعي الذي استأنفته إيران وفق النموذج العراقي والتوافق مع الأميركيين حوله، وكان لافتاً للمراقبين أن طهران لجأت إلى الإسراع في فتح ملف الشيعة في أكثر من بلد دفعة واحدة في موازاة تسارع خطوات التقارب مع الولايات المتحدة بما يكشف عن حرص واضح على وضع هذا الملف ضمن عرض "الصفقة الكبرى".
وفي الوقت الذي كان منتظراً أن تكتفي إيران بكشف أوراقها في لبنان فقط عبر الدفع نحو إقامة الدولة الشيعية على أنقاض الدولة اللبنانية الساقطة في الفراغ الرئاسي فوجئ المراقبون باندلاع التظاهرات الشيعية في البحرين في رسالة تهديد واضحة للاستقرار في الخليج، ورسالة تعويم لنظرية الهلال الشيعي، فما حصل في البحرين بدا مثيراً لريبة المراقبين من أهدافه الحقيقية ،إذ أن التظاهرات قد حصلت في ذكرى أحداث تعود إلى أوائل التسعينيات متجاهلة كل الإصلاحات التي تحققت في السنوات الأخيرة على صعيد المطالب الشيعية، والتي أوصلت إلى البرلمان كتلة شيعية تعد 17 نائباً من أصل أربعين.
أعدت في طهران ووفق خطة موضوعة سلفاً، إذ توقف المراقبون عند سرعة تركيز "المعارضة الشيعية" على مزاعم بوجود كتائب فدائيي صدام في صفوف القوات الخاصة في إشارة واضحة إلى "تجنيس عراقيين سنة"!
أما الخبراء الأمنيون فقد استعادوا التقارير التي كانت قد صدرت منذ أكثر من شهرين وتتحدث عن قيام إيران بتجنيد المئات من شيعة البحرين وإرسالهم إلى معسكرات في "قم" و "طهران" لتدريبهم على حرب الشوارع والعصابات والعصيان المدني إضافة إلى إرسال العشرات من شيعة البحرين إلى معسكرات لحزب الله في البقاع اللبناني، حيث جرى تدريبهم على هذه العمليات على أيدي خبراء من الحرس الثوري وحزب الله الذي كان يدرب في الوقت نفسه الآلاف من عناصره على تنظيم التظاهرات ووسائل إسقاط حكومة السنيورة ومواجهة الفراغ...
وكان لافتاً للمراقبين أن تظاهرات البحرين قد انطلقت بعد أيام قليلة من رفض وزير خارجية طهران منوشهر متقى المشاركة في منتدى الأمن الإقليمي الذي عقد في المنامة وحضره وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، وتذرع الإيرانيون يومها بخلاف مع البحرين حول تشغيل مستشفى بتمويل إيراني... لكن زيارة متقى حصلت بعد أسبوع من التظاهرات وانتهت إلى توقيع مذكرتي تفاهم تتضمنان خمسين بنداً من التعاون في مجالات الطاقة والغاز والصناعة والتجارة والاقتصاد والمصارف... وتوثيق العلاقات مع مملكة البحرين المجاورة التي ما زال العديد من المسؤولين الإيرانيين يتعمد الإشارة إلى أنها "جزء من إيران"!
وكشفت مصادر أميركية مطلعة على المفاوضات السرية بين طهران وواشنطن أنها فوجئت هذه المرة ببرودة رد الفعل الأميركي على التهديد الإيراني الواضح لدولة حليفة تؤوي مقر الأسطول الخامس، مذكرة بأن أحداث 1992 قد حصلت بعد أقل من عام على اتفاق مقر الأسطول الخامس! وهذه المرة لم توجه الخارجية الأميركية تحذيرات لمواطنيها في البحرين ولم تعلن التعبئة في قواتها... وأكثر من ذلك توقفت هذه المصادر عند مشاركة تلفيزيون "الحرة" الأميركي في حملة دعم حقوق الشيعة وتخصيصه برنامج "ساعة حرة" ـ للمرة الأولى ـ لاستضافة كل رموز المعارضة الشيعية والمدافعين عن حقوق الشيعة في البحرين... وذلك بعد أقل من ثلاثة أشهر على شن الكونجرس حملة ضد هذا التلفزيون الأميركي لاتهامه بإجراء مقابلة مع حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله مما أدى إلى إطاحة مدير القناة!!
وفي رأي هذه المصادر أن هذا التحول الذي ظهر عبر تلفزيون "الحرة" يعكس الانقلاب الحاصل في العلاقات الأميركية ـ الإيرانية والإستراتيجية الأميركية الجديدة في المنطقة، ويؤكد بأن "وثيقة التفاهم" التي يجري الإعداد لها والتفاوض حولها بين طهران ودمشق ذات أبعاد إقليمية تتجاوز العراق إلى البحرين وحتى لبنان.
"سلة" لبنان ـ إيرانية..
ففي معلومات هذه المصادر أن الخطة الإيرانية التي ظهرت عبر تظاهرات الشيعة في البحرين هي نفسها التي تخفيها أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان وشروط المعارضة التي يقودها حزب الله، وفي رأي أحد هؤلاء الخبراء أن "سلة التفاهمات" التي وضعها حزب الله باسم المعارضة كشروط لانتخاب العماد سليمان هي في الواقع جزء من "سلة التفاهم الكبرى" التي تسعى إيران للتفاوض حولها مع الأميركيين، والشراكة التي يطالب بها الشيعة في لبنان هي في صلب هذه المطالب الإيرانية التي دخلت مرحلة المطالبة بحقوق الشيعة وفق النموذج العراقي. وفي الحالة اللبنانية لوحظ أن آخر التقارير تضع أزمة الفراغ الرئاسي في إطار "الصفقة الكبرى" وضمن التوافق على رسم معادلة جديدة تقود تدريجياً إلى إسقاط اتفاق الطائف والدخول في عملية إعادة نظر في تقاسم السلطة.
ويشير أحد التقارير إلى أن ما يجري الحديث فيه حول مستقبل لبنان هو نموذج عراقي بالفعل، بحيث يقود إلى سيطرة الشيعة على الحكومة المركزية على الطريقة العراقية ووزاراتها الحساسة وخصوصاً الدفاع والداخلية بما يضن اختراق حزب الله للمؤسسات العسكرية والأمنية على طريقة دمج "فيلق بدر" في العراق بالقوات الرسمية.... وضمن النموذج العراقي نفسه الذي تبناه الإيرانيون تعمل طهران على تسويق مشروع "فيدرالية الأقاليم" في لبنان على طريقة فيدرالية إقليم الجنوب التي يرعاها عبد العزيز الحكيم، فتكون حصة الشيعة في لبنان السيطرة على الدولة المركزية وعلى دويلة كبيرة كما في العراق. وفي أي حال، بات مؤكداً بالنسبة للعديد من عواصم القرار الدولي ومؤسسات البحث والدراسات أن الصيغة اللبنانية في شكلها الحالي قد سقطت وأن الأشهر المقبلة ستشهد مرحلة تصعيدية في اتجاه التمهيد لصيغة جديدة تصر إيران على أن تكون لحساب الشيعة وتعمل حالياً على التفاوض في شأنها مع الأميركيين.
ولهذا لم يكن مفاجئاً أن العديد من مؤسسات البحث المهتمة بالوضع اللبناني قد بدأت منذ أسابيع في دراسة وإعداد سيناريوهات جديدة لنظام سياسي جديد في لبنان تتميز كلها بطرح فكرة الفيدرالية وإعادة النظر في المحاصصة وتقاسم الصلاحيات بين المذاهب والطوائف... لكن المفاجأة هي من أن العديد من المراقبين المطلعين يعتبرون أن عملية إعادة رسم خريطة المنطقة لا تجري هذه المرة لحساب واشنطن وعلى حساب طهران بل إن بعضهم يصل إلى حد الحديث عن استعداد إيراني وعرض جدي للقيام بمهمة إعادة رسم خرائط المنطقة شرط أن يكون "الهلال الشيعي" محورها! فهل يكون 2008 عام انتصار "الهلال الشيعي" بضوء أخضر أميركي أم أنه سيكون عام انقلاب التحالفات وتقلب المواقف واستمرار طباع بوش حتى اليوم الأخير من عهده تاركاً الكرة في الملعب الإيراني كما هي منذ أكثر من شهرين مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات ومفاجأت خطيرة تنتظر المنطقة من الآن وحتى الربيع المقبل على الأقل؟!.