استقالوا من السياسة فهربوا إلى زوايا التصوف
الخميس 10 يناير 2008
استقالوا من السياسة فهربوا إلى زوايا التصوف
حسين الرواشدة - الدستور 17-12-2007 
 
 لا توجد لدينا – في الأردن - جماعات صوفية ناشطة ، لكن يبدو أن الأعوام القليلة الماضية شهدت إقبالا من قبل الشباب المتدين على التصوف ، الأمر الذي أعاد لحلبات الذكر ، بفرقها وشيوخها وطقوسها المختلفة ، نوعا من الحضور ، ليس هذا فحسب ، ولكننا شهدنا أكثر من إعلان عن مهرجانات حظيت برعاية رسمية وقدمت فيها أناشيد ووصلات غنائية صوفية ، مما يذكرنا بالعصور التي كان فيها للمتصوفة ، بأشعارهم وموالدهم ومواسم سماعهم ، بصمات واضحة في الحياة الثقافية والاجتماعية ، وحراك واسع في المجتمع.
لسنا في وارد الحكم على تجربة المتصوفة ، واستعراض المناخات التاريخية والسياسية التي أفرزتهم ، أو - حتى - الإشارة إلى الأدوار الايجابية والسلبية التي اتسمت بها ممارساتهم (دعك من تصوراتهم وأفكارهم) ومدى أثرها على المجتمع والدين أيضا ، ولكننا - بدافع الفهم فقط - نريد أن نتساءل عن سر انسحاب بعض الشباب المتدين من مهادات العمل الإسلامي ، بمفهومه الحركي والسياسي ، ومن إغراءات الوعي الذي مثله ما كان يسمى بالصحوة الإسلامية ، إلى مهادات التصوف وإغراءات العرفان بما يرافقهما من اعتزال السياسة ، وربما العمل ، ومن العزلة عن المجتمع وهمومه والزهد في الحياة وقطع الصلة بالدنيا لإدامتها مع الآخرة فقط.
لدي - بالطبع - العديد من الأسباب التي استأذن في تحريرها هنا ، منها:خيبة الشباب المتدين بما قدمته الحركات والجماعات المحسوبة على العمل السياسي والدعوي الإسلامي من انجازات ، وشعورهم بالإحباط من الدور الذي يمكن أن يقوموا به في مثل هذه الظروف المعقدة التي انزوى فيها الفعل الإسلامي بعيدا عن جماهيره (لا تسأل عن الأسباب والمبررات؟) ، ومنها أن هذه الحركات فشلت في استقطاب هؤلاء الشباب ولم ينجح خطابها في الوصول إليهم ناهيك من التأثير بهم ، ومنها - أيضا - أن الحروب التي أعلنت تحت لافتة مواجهة التطرف أو الإرهاب ، والمضايقات التي بدأت تتصاعد ضد ما يسمى بالإسلام السياسي أقنعت هؤلاء الشباب بالبحث عن ملاذات دينية آمنة ، تحفظ تدينهم وتبعدهم عن دوائر الشكوك ومصائر المحنة المتوقعة ، ومن الأسباب - أيضا - أن الطلاق الذي أشهره كثير من الشباب ، المتدين وغير المتدين على السياسة ، وعزوفهم عن ممارستها والمشاركة فيها قد ساهم في إلجاء المتدينيين منهم إلى التصوف (دعك الآن من التطرف الذي انحاز له البعض) ، كخلاص فردي أولا ، وكاحتجاج على الواقع وهروب منه ثانيا ، كما الجأ غير المتدينين إلى البحث لدى أحزاب الطرب واللعب واللهو بأنواعه عما يمكن أن يملأ عليهم فراغهم.
من الأسباب أيضا أن الإغراءات الروحية التي يقدمها المتصوفة دفعت بعض الشباب إلى التجربة والمغامرة ، ولكنهم حين سلكوا الطريق وذاقوا عرفوا ، وأرادوا أن يزدادوا..ولا شك بان الذين عرفوا التصوف - كتجربة - يدركون ما تقدمه هذه المهادات الدينية الروحية من مضامين وما تستخدمه من أدوات للاستقطاب والتغلغل في وعي المريدين وإدامة حضورهم وشهودهم لملء الزوايا. أخشى ما أخشاه -مع الاحترام للتجربة الصوفية ودورها النضالي ضد الاستعمار والتربوي والجمالي أيضا - أن تكون ظاهرة انسحاب الشباب المتدين إلى الزوايا دليلا على فشلنا في تحريرهم من العزلة واليأس والخوف ، وعلى عجز أحزابنا ومؤسساتنا السياسية عن إطلاق واستثمار طاقاتهم ودمجهم في العمل بأنواعه ، وعلى استغراقنا - جميعا - في البحث عن مخرج من أزماتنا وواقعنا ، بالهروب إلى الغيب أو المجهول ، أو - حتى - بعمارة الآخرة على حساب عمارة الدنيا.
بين التصوف والتطرف
حسين الرواشدة - الدستور
استطرادا لمقالة نشرت في هذه الزاوية قبل عطلة العيد حول الشباب الذين استقالوا من السياسة فهربوا إلى زوايا الصوفية ، وردتني العديد من الرسائل والمهاتفات التي تعلق على المسألة من وجهات نظر مختلفة ، وأنا - هنا - استأذن في نشر بعض ما تضمنته من ملاحظات.
إحداها من أستاذ في فلسفة الجمال والتصوف يرى أن الصوفية نهضت بدور هام في عالمنا العربي والإسلامي ، سواء من جهة التربية التي يتلقاها المريدون من شيوخهم ، أو من جهة إبراز الجمال في فكرنا الإسلامي الذي اتسم - للأسف - بالمبالغة في الجدية والتجهم والاهتمام بالجلال على حساب الجمال ، لكنه يشير إلى مخاوف كثيرة من وراء هذا الهروب ، من أبرزها أن يكون تعبيرا عن اليأس والإحباط اللذين يشعر بهما الشباب المتدين بسبب الانسدادات السياسية والاجتماعية التي تعاني منها مجتمعاتنا ، أو أن يكون انسحابا إلى مهادات العزلة والانفصال عن المجتمع احتجاجا أو رفضا لما يحدث فيه ، والشباب هنا لا يفهمون من التصوف إلا ما يسد الفراغ الذي يشكون منه ، وبالتالي فان تصوفهم مجرد مغامرة مؤقتة أو تجربة عابرة لا يكتب لها الاستمرار ، ويرى أن التشجيع على التصوف من قبل بعض الحكومات جاء بدافع محاربة التطرف أو المفاهيم الجهادية التي تأثر بها الشباب في العقود الأخيرة ، وقد غاب عن البعض أن التربية الصوفية التي تقوم على فكرة الجهاد النفسي - أصلا - قادرة على إنتاج جيل مستعد للتضحية ، وبان التجربة الصوفية في الجهاد - سواء في ليبيا أو السودان أو شمال أفريقيا ولاحقا العراق - أثبتت أن لدى المتصوفين الاستعداد لمواجهة المحتلين أكثر من غيرهم من أتباع الحركات والجماعات التي تعمل تحت لافتة الإسلام السياسي.
ملاحظة أخرى من احد القراء يقول فيها أن الشباب المتدين أصبح أمام خيارين: التطرف أو التصوف ، وكلاهما يعبر عن منهج من الغلو بشكل أو بآخر ، والأفضل أن ننهض بخطاب إسلامي معتدل ومتوازن يفسح المجال أمام الشباب لتصريف طاقاتهم والتعبير عن أنفسهم والمشاركة في مجتمعاتهم ، ويضيف بان تجارب الجماعات والحركات الإسلامية لم تنجح في جذب جمهور الشباب ، وبان ثمة مبالغة عند الحديث عن إقبال المتدينين على زوايا التصوف ، فاغلبهم استقال من السياسة ومن هذه الجماعات والحركات أيضا ، وهو يخشى أن يكون التطرف - بأحزابه المختلفة - قد اصطادهم.
ملاحظة ثالثة من شاب دخل إلى عالم التصوف منذ نحو سنة بعد أن ظل عاطلا عن العمل خمس سنوات يقول فيها: إن أدبيات الصوفية التي تقوم على الزهد والتقشف وتطهير النفس من شهوات الدنيا قد جذبته ، وانه اقتنع أخيرا أن أفضل وآمن طريق هو الطريق الذي يعبده المشايخ المتصوفون لمريديهم حتى يصلوا إلى الجنة ، وهي - كما يضيف - الدار الباقية التي يتمناها كل مسلم ، وقد شعرت ولأول مرة في حياتي بالراحة النفسية وبعلاقاتي القوية مع الخالق عز وجل ، وما دمت - والكلام ما زال للقارئ العزيز - لم احصل في هذه الدنيا على أي شيء كنت أتمناه فلماذا اخسر الآخرة أيضا ، ثم ما لي والسياسة وما لي وهذه العوالم المتناقضة..؟؟ أنا أريد أن ارضي الله واعمل لآخرتي فقط.
ملاحظة أخرى وردت من أستاذ في الشريعة يرى فيها أن صور التدين المغلوط والمغشوش انتشرت في مجتمعاتنا الإسلامية وتجد من يشجعها أيضا ، وهي تعبر عن أزمة فكرية واجتماعية نعاني منها ، ويضع مسؤوليتها على الخطاب الديني والسياسي والفكري والتربوي الذي أنتجته النخب ، لكنه يضيف بان الطلب المتزايد على الإسلام - وهو في تصاعد - وتمدد حالة التدين - وهي تختلف عن الصحوة - لم يقابلهما عرض مناسب للإسلام ولا قنوات متاحة لتصريف طاقات الشباب ، مما أفسح المجال لبروز طبقة أو"نخب" استثمرت هذا الطلب وحاولت أن تتعامل معه بمنطقها وبما يخدم أهدافها ..الخ ، وينصح القائمين على إنتاج خطابنا الإسلامي تحديدا بتوجيه الشباب وإقناعهم بحقيقة الإسلام ، دين العمل والمشاركة والإنتاج والاعتدال ، وعمارة الآخرة مرورا بعمارة الدنيا أولا ، وعندها سيكون أمام الشباب الوعي اللازم للاختيار بدل أن يجدوا أنفسهم أمام خياري: التطرف أو التصوف فقط.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: