الأحزاب الشيعية والمرجعية في العراق ولبنان
الخميس 10 يناير 2008
الأحزاب الشيعية والمرجعية في العراق ولبنان
الدكتور فؤاد إبراهيم28 / 12 / 2007م (كاتب شيعي سعودى)- موقع راصد الشيعي
حققت فتوى السيد محمد كاظم اليزدي في مطلع القرن العشرين والقائلة بأن «عمل العامي بلا احتياط أو تقليد باطل» ذروة المجهود التراكمي للفقيه الشيعي على امتداد عشرة قرون، أي بحسب العقيدة الشيعية منذ بدء الغيبة الكبرى للإمام المهدي عام 329هـ. أسست الفتوى لسلطة الفقيه الشيعي على المستويين الديني ـ الاجتماعي والديني ـ السياسي، وبذلك أرست الفتوى لعلاقة دينية شديدة الإحكام بين فئتين: «المجتهدين» و«المقلّدين»، فبينما بقيت النجف الأشرف بحوزتها الدينية التقليدية حاضنة لمرجعية عليا كرّست انشغالاتها الذهنية والمدرسية في تبليغ الأحكام الفقهية العبادية، فيما اجترحت قم بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 درباً آخر ينزع نحو تخويل الفقيه سلطة إضافية اكتسبت أهميتها من خلال أطروحة ولاية الفقيه كما نظّر لها الإمام الخميني منذ كان في منفاه بالنجف الأشرف عام 1969.
وبمعنى ما، جسّدت المرجعية في تمظهراتها الاجتماعية والسياسية إطاراً سلطوياً نهائياً، يخترق المجال الحيوي للفرد والمجتمع معاً، ويفضي إلى إعادة إدراج الجمهور الشيعي في صيغ تحالفية تتوسل بإملاءات فقهية صارمة، تسمح بتعزيز سلطة الفقيه ونفوذه الاجتماعي والسياسي. وإجمالاً، حظي الفقيه الشيعي بسلطة روحية وسياسية واجتماعية على مقلّديه، وساهم المنجز الثوري الإيراني في ترسيخ تلك السلطة.
بالنظر إلى العمل السياسي في الفضاء الشيعي، شهد القرن الماضي تجارب حزبية شيعية انطلقت خارج عباءة المجتهد الشيعي، بل خضعت تلك التجارب تحت تأثيرات تجارب حزبية أو حركية سنية، مثل حزب التحرير في الأردن والإخوان المسلمين في مصر. في واقع الأمر، أن الحوزة الشيعية في النجف ممثلة في مرجعها الأعلى «الحكيم والخوئي مثلاً» نأت بنفسها وأتباعها عن الانخراط في العمل السياسي، اعتقاداً منها بأن السياسة تنطوي على مصادر تهديد بالغة الخطورة على الحصن الحوزوية. الموقف السلبي التسليمي للحوزة الشيعية قابله حراك سياسي مدني ناضل من أجل تحريك الساكن الشيعي عبر قنواته التقليدية «الحوزة ومشتقاتها»، ولكن دون جدوى، مما اضطر الناشطين الشيعة المتأثرين بالأدبيات الحركية السنية للاستعانة بالطبقة الثانية في النظام المراتبي الحوزي، طمعاً في اختراق المجال الحيوي لسلطة المرجع، في محاولة لاستقطاب قدر من التأييد الشعبي، وهو ما قامت به حركة ما يسمى بالنهضة أو الشباب المسلم التي تأسست كأشكال بدائية للعمل الحزبي الشيعي في بداية الأربعينيات من القرن الماضي.
إن أول اختبار جدّي للعمل الحزبي الشيعي يمكن الوقوف عنده كان في عام 1958 حين استيقظت المرجعيات الشيعية في النجف وكربلاء على ارتطامات متواصلة للموج الشيوعي الذي تسلل إلى داخل الحوزة، واختطف عدداً من رجالها. وكرد فعل، عقدت المرجعيات الشيعية العليا «السيد محسن الحكيم، والسيد مهدي الحسيني الشيرازي» لقاءً عاجلاً أسفر عن صدور الفتوى المشهورة «الشيوعية كفر وإلحاد»، وفي محاولة للتصدي لما أطلق عليه بـ «المد الأحمر» وردت فكرة العمل الحزبي، في سياق قناعة طارئة بأن سرّ نجاح المد الشيوعي يكمن في تنظيمه، ولابد من مجابهته بنفس الأداة. بيد أن الاتفاق على سلاح المواجهة لم يكفّ الخلاف على من يحمله، والمدى الاجتماعي والسياسي الذي يمكن بلوغه.
تباينت وجهات النظر حول علاقة المرجعية بالعمل الحزبي في هذا اللقاء، وبخاصة بعد أن أوكل الحكيم والشيرازي إلى الطبقة الثانية المؤلّفة من أبنائهم والمقرّبين الحميميين منهم أمثال السيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الصدر والسيد محمد مهدي الشيرازي وآخرين.
وهنا ينشق الجدل عن افتراق حقيقي مازلنا حتى اليوم نعيش تموّجاته على خلفية سؤال العلاقة بين المرجعية والعمل الحزبي. فبينما قرّرت المرجعية طواعية النأي عن أي عمل حزبي علني مع الاكتفاء بتوفير الغطاء الشرعي لها، نزع، في المقابل، اتجاه السيد محمد مهدي الشيرازي وإخوانه وأتباعه إلى انضواء الحزب داخل فضاء العمل المرجعي، فيما أعلن عن ولادة حزب الدعوة عام 1958 باستقلالية سياسية شبه تامة عن سلطة المجتهد.
تمظهرات الخلاف بين أفراد الطبقة عكسها كتاب السيد حسن الشيرازي «اغتيل عام 1979» بعنوان «كلمة الإسلام» الصادر سنة 1963. يعقد الشيرازي في كتابه مقارنة بين ثلاثة أنواع متضاربة من الحركات: الفردية والعلمائية والحزبية. وخلص إلى أن القيادة السياسية في المجتمع الإسلامي موكولة إلى مرجع التقليد، إسقاطاً للعقيدة الشيعية القائلة بأن القيادة نابعة من الإرادة الإلهية ومن جوهر الإسلام. فيما كان المرجع السيد محمد الشيرازي يميل «قبل المرحلة الإيرانية» للاعتقاد بأن الأحزاب الإسلامية موجّهة لتدمير المشروع الإسلامي فكرياً.
سنلحظ خلال سيرورة حزب الدعوة منذ نشأته وحتى تشظيه في نهاية الألفية الثانية، أن الانشقاقات الحاصلة في داخله كانت تتم على خلفية مشروعية العمل الحزبي منظوراً إلى تمثّل ولاية الفقيه أو المرجعية، وحتى الانشقاق الأول الذي قاده السيد سامي البدري، الذي برز كقائد لجناح حزب الدعوة في منطقة الكرادة الشرقية في بغداد خلال عامي 1965 ـ 1966 كان يدور حول انخفاض حصة العلماء في القيادة إلى جانب اختراق الأفكار السنيّة لأدبيات الدعوة.
الانسحابات المتواصلة من هرم القيادة الدعوية منذ انسحاب السيد محمد باقر الصدر والأخوين السيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الحكيم عام 1962، ثم فقيه الدعوة السيد محمد كاظم الحائري عام 1988 وصولاً إلى انسحاب قائد حزب الدعوة الشيخ محمد مهدي الآصفي وعدد من العناصر القيادية في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، أحدثت ـ الانسحابات هذه ـ ارتجاجات عنيفة في بنية الحزب وأعادت إحياء مقولة «حزب الأفندية» التي لاحقت الحزب منذ ولادته.
مثّل سقوط بغداد في التاسع من أبريل 2003 حدثاً إنقاذياً لحزب الدعوة بعد مسلسل الانفلاشات المتواصلة في بنيته التنظيمية، وكان انتقاله إلى العراق بعد سقوط الدولة فيه انفراجاً حقيقياً على المستويين السياسي والحزبي. عاد الحزب للإبحار في مياهه الإقليمية دون عبء الرعاية الخارجية، وبعيداً عن مركز جاذبية ولاية الفقيه التي رهنت نشاطاته السياسية خلال عقدين من الزمن وخلخلت شبكته التنظيمية. كان انتقالاً تاريخياً عبره الحزب بقليل من العناء وبكثير من المكاسب، فقد دخل إلى الساحة العراقية بمجده القديم ووصل إلى سنام السلطة السياسية بعامل خارجي، وفي الوقت ذاته بمباركة مرجعية غير مكلفة سياسياً ودينياً وشعبياً. فمرجعية النجف ممثلة في السيد علي السيستاني ليست مناصرة لأطروحة ولاية الفقيه، بل تمثّل امتداداً للخط المرجعي التقليدي الذي يكتفي بولاية حسبية تقتصر على فئات اجتماعية بأوضاع خاصة مثل القصّر والأيتام أو مصالح عامة مثل الأوقاف. لاشك أن قدرة الدولة على فرض منطقها، بالنظر إلى أن مشروع الدولة العراقية حالياً منجز خارجي لم تشارك المرجعية الشيعية فيه، سمحت للحزب الشيعي العمل في مساحة مناورة محررة من سلطة الفقيه، الذي بدا هو الآخر متسامحاً إلى حد كبير بموجب رؤيته الفقهيه الخاصة وكذا خصائص ذاتيه غير مغفولة.
تجربة الدولة العراقية الجديدة تعكس وجهاً جديداً للعمل الحزبي الشيعي يتناقض كلياً مع التجربة الإيرانية التي أطلقت سلطة الفقيه إلى خارج فضائها الجغرافي بحسب فحوى «ولاية أمر المسلمين»، التي تخوّل الفقيه، نظرياً على الأقل، سلطة على أتباع المرجعيات الشيعية الأخرى، وهي سلطة عابرة للحدود. وتنبىء التجربة الحزبية الشيعية الوليدة في العراق عن انحسار تدريجي لظل ولاية الفقيه، مع إبقاء المرجعية الشيعية كمظلة روحية وتوحيدية بالغة الضرورة في حوادث كبرى مثل تفجيرات مرقدي الإمامين الهادي والعسكري في سامراء.
وبطبيعة الحال، فإن تجربة التيار الصدري هي الأخرى تلفت إلى إمكانية تطوّر عمل سياسي مشتق من داخل الحوزة أو من المجتمع الديني الشيعي ولكنه غير خاضع لتأثيرات ولاية الفقيه، مع دعوى الارتباط المفتعل بين تيار مقتدى الصدر وإحدى المرجعيات الشيعية المغمورة، مثل السيد محمد كاظم الحائري. وفي واقع الأمر، أن السيد مقتدى الصدر هو المرجعية الحقيقية بالمعنى السياسي والروحي.
في لبنان، تمثل حركة أمل التي نشأت كمقاومة مدنية ذات أبعاد اجتماعية وسياسية بالدرجة الأولى، نموذجاً لكائن حزبي شيعي غير متصاهر بنيوياً أو فقهياً مع المرجعية الشيعية، وإن مثّلت قيادة السيد موسي الصدر للحركة رمزاً دينياً وشعبياً. ومنذ اختفاء الصدر في نهاية السبعينيات، لم تواجه حركة أمل بقيادة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري إشكالية مشروعية العمل السياسي، وفيما أشعلت الحرب الأهلية أسئلة عديدة حول المصير البيولوجي للجماعات المتنازعة، فإن سؤال المشروعية من بين أسئلة أخرى لم يكن مطروحاً، ولا ننسى خاصية الفضاء اللبناني في كونه مفتوحاً على علائقية شديدة المرونة مع دواخله، إن على مستوى العمل الحركي أو مستوى التحالفات الداخلية أو مستوى العمل السياسي الوطني، وبالتالي فإن إشكالية رجل الدين والأفندي التي أثيرت بكثافة في العراق لم تكن واردة في لبنان، إلى جانب نشأة حركة أمل المدينية وابتعادها عن معاقل التشيع التقليدي الذي جعلها في مأمن من الخضوع لامتحان التواشج المرجعي. وبطبيعة الحال، فإن ولادة حزب الله في عام 1985، بعد ثلاث سنوات على الاجتياح الإسرائيلي للبنان، لم تستكمل إلا بعد أن قضمت من الحصة التنظيمية لحركة أمل، ليس كناتج إشكالي عاشته الأخيرة حول مشروعية ولا مشروعية العمل السياسي بقدر ما هو نتاج لتحول داخلي، ترجمه مشروع المقاومة لا مشروعيتها.
ارتباط حزب الله بأطروحة ولاية الفقيه، وامتثاله لمملياتها وإن أخذ طابعاً دينياً إلا أنه يتغذى على أجندة سياسية غير مكتومة، بما يدرجه في شكل تحالف سياسي، مع التذكير بشيخوخة حركة أمل وترهّل شبكتها التنظيمية وفقدانها المبادرة المرتبطة بمعترك نضالي لافت. في كل الأحوال، إن تآكل الجسد التنظيمي لحركة أمل ليس ناشئاً عن افتقارها للغطاء المرجعي، وإن حرصت قيادة الحركة على تنشيط قنوات التواصل مع الرموز الروحية الشيعية في لبنان وخارجه، ولكن تآكلها عائد لغياب قيادة كاريزمية من عيار السيد موسى الصدر، أو قيادة منجز مثل السيد حسن نصر الله.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: