ماء النار
الخميس 10 يناير 2008
ماء النار!
سميح المعايطة   الغد 2/1/2008
في الذاكرة العربية والعراقية مواعيد وأيام أصبحت خاصة بالقضية العراقية. فالأيام الأخيرة من كل عام أصبحت موعدا لذكرى إعدام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهو إعدام تجاوز أبعاده السياسية، ولم يذكره الناس باعتباره تم في عهد الاحتلال الأميركي فحسب، بل جاء مناسبة ليشير إلى حجم النفوذ الفارسي والعقلية الثأرية، ويحمل شهر نيسان ذكرى احتلال بغداد، أما آذار فيحمل في يومه العشرين بداية الحرب والعدوان.
مع مرور السنوات يقل التوقف عند الذكريات والمواعيد، لكن من المؤكد أن واقعا صعبا ومريرا أصبح أهم من الذكريات الرقمية. وقائع أنتجت تحالفات وفكرا وانقسامات، حتى لو غادر الاحتلال فإن هذه الوقائع أصبحت جزءا من تضارب الجسد العراقي، ولا ندري إن كانت هذه التضاريس قابلة للتغيير.
في اليوم الأخير من العام الماضي جمعنا بعض الأصدقاء مع احد قادة المقاومة العراقية، الذي تحول مع مجموعة كبيرة من القوى إلى ما يسمى بـ"مجالس الصحوة" التي أسستها العديد من قوى المقاومة والعشائر السنية؛ وضمّت مجموعات من المقاتلين لحماية مناطق العرب السنة، التي تعرضت للاستهداف الطائفي، هذه المناطق التي فقدت أمنها، بخاصة بعد أن تم تشكيل القوى الأمنية والعسكرية العراقية على أساس طائفي وبغياب أي توازن.
أهم ما في حكاية مجالس الصحوة أنها عبرت عن تحول في القناعات والأولويات لدى العديد من القوى التي كانت تمارس المقاومة ضد الاحتلال الأميركي. وهذا ما أشرتُ إليه من تضاريس جديدة في جسد الدولة العراقية. فقوى المقاومة، كما يقول احد قادتها، كانت تقاتل نوعين من الاحتلال؛ الأول هو الاحتلال الأميركي والثاني الاحتلال الفارسي بأدواته من القوى العراقية التي تتبع لطهران، ومحصلة المراجعة كانت قناعة هذه القوى أن الخطر الفارسي وعمليات التطهير الطائفي هي الخطر الأول الذي يجب مواجهته.
وكما يقول هذا القائد فإنّ الاحتلال الأميركي خطر، لكنه يزول بزوال جيش الاحتلال، أما الخطر الإيراني فهو - كما يقول- خطر على الهوية العربية للدولة العراقية، ولهذا تحولت القناعات، فكانت مجالس الصحوة، التي جسدت حالة أمنية لحماية مناطق السنة بالتعاون مع الجيش الأميركي.
قامت فكرة مجالس الصحوة على التعاون مع الأميركيين لحماية المناطق السنية من الاستهداف الطائفي وتوفير الأمن لسكانها في ظل تزايد النفوذ الإيراني.
من يقرأ ويسمع عن مجالس الصحوة وأرضيتها السياسية والفكرية قد يقبل بالفكرة أو يرفضها، وهذا أمر طبيعي، لكن علينا أن نتوقف عند المكاسب التي تحققت للاحتلال الأميركي الذي وجد المناصرة عند قدومه من قوى شيعية وسنية فتحت له الأبواب ومنحته "شرعية!"، وقامت بعض القوى والميليشيات الشيعية بالتعاون مع إيران بمحاولة تغيير هوية الدولة العراقية والقيام بعمليات استئصال طائفي، ومحصلة هذا فائدة أخرى للاحتلال الأميركي الذي مدت له العديد من قوى المقاومة السنية يدها لتحول أوّلوياتها من مقاومة المحتل إلى حماية نفسها وإنشاء قوى أمنية مهمتها الأساسية حماية مناطق العرب السنة وتوفير الأمن لها.
الاحتلال عندما يدخل أي دولة مثل "ماء النار" الذي يصيب وجها بالتشوه والألم، ولإزالة التشوه نحتاج إلى جراحة تصنع تشوهات من نوع جديد، وتصبح الجراحة والقبول بالتشوه الجديد من وجهة نظر أصحابها ضرورية، بل يدافعون عنها.
انه الاحتلال الذي مهما تحدثنا عن مأزقه فإنه صنع أيضا مأزقا للآخرين، وهو في بحثه عن مصالحه يبدل صداقاته وعلاقاته ومعادلاته. احد قادة مجالس الصحوة ذكر معلومة اعتبرها من انجازات فكرة الصحوة وهي عودة المهاجرين من أبناء بعض مناطق بغداد إلى بيوتهم، وذكر أنّ قرابة (100) ألف من الأشقاء العراقيين قد عادوا إلى بلادهم من الذين تواجدوا في الأردن، وهذه المعلومة إذا تأكدت فإنها تشير إلى أمر هام سواء ارتبط بمجالس الصحوة أو غيرها.
"نحن أدرى بظروفنا" و"نحن الذين نكتوي بالنار ويُقتل أبناؤنا على البطاقة الشخصية"؛ هذه بعض العبارات التي استمعت إليها، وبعض الزملاء، في تبرير القناعات الجديدة التي أفرزت فكرة مجالس الصحوة. أما نحن الذين في الخارج فسيقبل بعضنا بمبررات رجال الصحوة، وسيرفضها بعضنا، على قاعدة رفض أي تعاون مع الاحتلال، أو رفضا لقناعة أهل الصحوة بأن الخطر الإيراني اكبر من خطر الاحتلال الأميركي.
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: