شكراً لمكتب التعبئة والتنسيق في الحرس الثوري الايراني
كتب حسن صبرا الشراع 24/12/2007
حتى لو نفى حزب الله ما أوردته جريدة ((الشرق الأوسط)) على لسان مصادر قريبة من مكتب ((التنسيق والتعبئة)) للحرس الثوري الإيراني في طهران، ((بسحب مسؤوليات)) القائد العام للجناح العسكري لحزب الله من الأمين العام حسن نصر الله، ومنحها بصورة مؤقتة إلى نائبه نعيم قاسم، فإن رمي الخبر الإيراني بهذه الطريقة يحمل دلالات وتبعات خطيرة جداً تبدو أهميتها أنها صادرة من منابع إيرانية بحتة، وهي من حيث الشكل والمضمون تحفـز على تقييم جديد قديم لطبيعة هذا الحزب على الأرض اللبنانية، وفي هذه المرحلة بالذات.
من حيث الشكل
يبدو الخبر الإيراني الخاص بفرقة من فرق الحرس الثوري الإيراني عبر الحدود، وهو حزب الله في لبنان تعبيراً عن أمر ما يتم داخل هذا الحرس في طهران، سواء كان صراعاً بين أجنحة الحرس، أو موقفاً معترضاً داخل هذا الحرس من قياداته على أداء قائد هذه الفرقة في لبنان (حسن نصر الله).
ومن حيث الشكل أيضاً، فإن إيراد الخبر (رغم نفيه) منسوباً إلى ((مكتب التعبئة والتنسيق)) في قرار داخلي للحرس الثوري الإيراني، هو توكيد لحقيقة عضوية موقع حزب الله داخل هذا التشكيل الميليشياوي، العسكري الإيراني، بحيث أن تغييراً بحجم إزاحة أمين عام حزب الله ذي المكانة اللبنانية والعربية والإسلامية غير المسبوقة لأي شخصية لبنانية أو عربية، إلا لكبار كبار راحلين، هو قرار تفصيلي داخلي في مؤسسة أمنية - عسكرية - ميليشياوية إيرانية، لا يحتاج حتى إلى قرار سياسي لا من قيادة الحرس مثلاً، ولا من وزارته، ولا من رئيس الجمهورية وطبعاً ليس من مكتب علي خامنئي حيث ما زال الأخير يمنح نصر الله صفة وكيله السياسي في لبنان، إلى جانب وكيله الشرعي الآخر محمد يزبك.
ومن حيث الشكل أيضاً فإن نفي الخبر في الزميلة السعودية الدولية نفسها لم يأت من أي مصدر إيراني آخر، بل من حزب الله نفسه، في توكيد بأن مصدر الخبر الإيراني لم يقابل بمصدر إيراني آخر ينفي، بل بنفي حزبي لبناني يعرف قبل غيره أن مكانته في لبنان أمر آخر مختلف تماماً عن مكانته داخل إيران.
فهو في لبنان قائد المعارضة اللبنانية التي تسيطر على قرار السلم والحرب في هذا الوطن، والتي تهدد بتقسيم البلد وتفتيته، والتي تحاصر حكومته وتقفل مجلس نوابه وتمنع انتخاب رئيس للجمهورية فيه، وتهدد أكثرية اللبنانيين بـ 30 ألف صاروخ وعشرات آلاف المسلحين المنشورين في مواقع مختلفة من مناطق لبنان تمهيداً للانقضاض على المؤسسات والمدن والقرى والأراضي والمواقع..
أما في إيران فإن حزب الله هو تفصيل صغير يقرر أمره ((مكتب تعبئة وتنسيق)) محدداً حجمه بما يسمح لمكتب ما داخل الحرس الثوري الإيراني بأن يخلع أمينه العام بكل الصفات التي له ومنحها.. ((تصوروا)، منحها لمسؤول آخر في هذه الفرقة الإيرانية عبر الحدود.
ومن حيث الشكل أخيراً، فإن عبارة منح موقع القائد العام للجناح العسكري لحزب الله في لبنان لنائب أمينه العام نعيم قاسم، وسحبه من الأمين العام حسن نصر الله توكيد لما يجهد أساتذة القانون (ومفردات القاموس) السياسي أنفسهم أمام تلامذتهم لشرحه ((qui donne or donne)) أي من يمنح.. يأمر.
شكراً لمكتب التنسيق والتعبئة في الحرس الثوري الإيراني.
أما في المضمون
1- فإن هذا إعلان رسمي إيراني لم يتم نفيه حتى الآن، بأن إيران الدولة الفارسية على بعد آلاف الكلمترات عن لبنان نجحت في إقامة دولة مستقلة، داخل الأراضي اللبنانية، من خلال إحدى فرقها المسلحة واسمها في لبنان حزب الله.
فهي تمول هذه الدولة بما يسمح لها بأن تقيم لها جيشاً مدججاً بالسلاح، ومؤسسات أمنية، ورعايات اجتماعية واقتصادية ومالية وتوجيهات ثقافية وإعلامية، وإلزامات وتكليفات فقهية لا علاقة لها بلبنان أو مصالحه بها، وهي وجدت فقط لخدمة المصالح الإيرانية البحتة.
2- وهذه الدولة الفارسية في إيران، مع نجاحها بإقامة دولة لها في لبنان نجحت أيضاً بأن يكون لهذه الدولة جمهور لبناني بحت، صحيح انه على المذهب الشيعي في الإسلام، لكنه جمهور لبناني يلتزم بقرارات حزب الله في طبيعته الفارسية، وفي تركيبته العضوية الكاملة في إحدى مؤسسات الدولة الإيرانية.
انه أمر مختلف تماماً عن التزام الحزب الشيوعي اللبناني مثلاً بقرارات وتوجيهات المكتب السياسي للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي السابق، حيث لم يكن للحزب الشيوعي في لبنان جمهور، بل أعضاء حزبيون فقط، ولم يكن هناك ارتباط عضوي لبناني بالحزب الشيوعي السوفياتي، ولم تكن العقيدة الشيوعية تحمل من القداسة ما يلزم شيوعيي لبنان بعبادتها كما في حال جمهور حزب الله في لبنان الذي يأتيه التكليف الشرعي من إيران عبر أمينه العام اللبناني الوكيل السياسي لولي الفقيه في إيران علي خامنئي أو من سيأتي بعده.. ويصبح تنفيذه أمراً شرعياً دينياً ذا طبيعة إلهية منسوبة إلى وضع ولي الفقيه الذي هو بحسب النظرية الإيرانية نائب الإمام (المهدي المنتظر) المعصوم هو وقراراته (رب غفرانك).
انطلاقاً من هذه الحالة، فإن جمهور حزب الله ينفذ أوامره وفق عقيدتي المال الممنوح والتكليف الشرعي، بما يجعل هذا الجمهور مرتبطاً بوعيه أو بدونه بالقرار الفارسي الذي يحدد لهذه الدولة في لبنان، ولمسؤوليها في فرقة الحرس الثوري التي تقوده، بغض النظر إذا كان هذا القرار مناسباً للبنان وأهله (ومن ضمنهم جمهور حزب الله) أم لا.. فهذا الجمهور بوعيه أو بدونه مرتبط بإيران من خلال أهم أمرين حاسمين في مسألة العصبية التي تنشىء الدول وهما العقيدة والتمويل.
وانسجاماً مع هذه الطبيعة - العضوية لجمهور حزب الله في لبنان، فإن رؤيتها لمختلف المسائل السياسية - الدينية - الثقافية وتبعات ذلك عسكرياً وأمنياً هي رؤية قد تتناسب مع رؤية بقية الجماهير اللبنانية، وقد تختلف معها تماماً بما يجسد وجود الدولة الفارسية في لبنان حاملة في توجهاتها بذوراً ((شرعية)) (بمعنى الحق) بما يسمح لها أن تقرر في هذا البلد ما تريد بمعزل عن جماهيره، وبطبيعة الحال من مؤسسات الدولة التي أسسها اللبنانيون وأقاموا لها الصروح الدستورية والسياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والتربوية..
وفي مثال تفصيلي وصارخ الدلالة أيضاً، فإن ولاء هذا الجمهور في أي مواجهة مثلاً بين المؤسسة العسكرية للبنان ممثلة بالجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وبين حزب الله (القوة المسلحة للدولة الفارسية في لبنان) هو لهذا الحزب وميليشياته التي شكلتها هذه الدولة إلى جانبه حتى لو أسمتها في مرحلة من المراحل المقاومة الإسلامية، حتى لو كانت مهمتها في مرحلة من المراحل مقاتلة إسرائيل لجعل إيران على حدود فلسطين.
في السياسة عملياً
فإن أمراً ما يجري بين قادة الحرس الثوري الإيراني وبين أحد أفرعهم في الخارج (لبنان عبر حزب الله) استدعت تسريب هذا الخبر، أو نفيه بما يؤكده في هذه المرحلة بالذات، خاصة مع تكاثر الكلام عن خلافات داخل هذه الفرقة (حزب الله) بين أمين عام الحزب حسن نصر الله وبين نائبه نعيم قاسم.
ومع ضآلة المعلومات المتسربة من داخل هذا الجسم الحديدي المسمى حزب الله، فإن أنباء سيطرة الأجهزة الأمنية على مؤسساته الشرعية والسياسية، حاسمة وتشير إلى أن لهذه الأجهزة رجالها والمدافعين عنها والمتبنين لوجهة نظرها داخل مؤسسات الحزب، بما يشير إلى ازدواجية على الأقل في اتخاذ القرار بحيث يمثل نصر الله جناحاً فيها ويمثل قاسم جناحاً آخر مدعوماً من هذه الأجهزة.
ومن يتابع تصريحات قاسم ونصر الله يجد تسابقاً بينهما في التصعيد السياسي والتهديد الأمني، بما يسمح بالقول أحياناً انه رسائل داخل الحزب، مزايدة أو استقطاباً، أو رسائل إلى قادة الحرس الثوري بمن يمثل مصالحه أفضل تمثيل.. أكثر من أن تكون رسائل داخل الوطن اللبناني نفسه.. بل إن هذا الداخل مقصود بالتهديد كتعبير عن قوة كل من هذين الجناحين وقدرته على تمثيل إيران تمثيلاً أقوى.
وفي هذا المضمار فإن هذا التصعيد هو تجسيد لمطلب وحالة إيرانية في نزاعها الإقليمي والدولي سواء تحت التهديد الأميركي - الصهيوني أو في مناخ الحوار الإيراني مع الولايات المتحدة وتمهيداً له بإظهار القدرة على امتلاك الأوراق المؤثرة وأهمها على الإطلاق ورقة الهيمنة على لبنان عبر فرقة الحرس الثوري فيه وهي حزب الله.
وفي الإطار السياسي العملي أيضاً، فإن لبنان كله دولة ومؤسسات وقوى حية من مختلف المناطق والطوائف والمذاهب، ومثقفين مدعوون إلى فهم جديد لطبيعة وجود حزب الله في لبنان مع هذا الجمهور الواسع الذي يحتضنه (بسبب عصبيتي التمويل والعقيدة).
لقد أصبح لدى لبنان كله مستمسك شرعي قانوني سياسي، صادر من إيران عن طبيعة اختراقها للوطن حتى بقوة لبنانية، وحتى بجمهور لبناني، يمكن مخاطبة العالم كله بشأنه، فهو اختراق إيراني رسمي لدولة ذات سيادة، عضو مؤسس في جامعة الدول العربية، عضو مؤسس في الأمم المتحدة، عضو مؤسس في المؤتمر الإسلامي، عضو مؤسس في الفرانكوفونية، وبقية المؤسسات الدولية وهو شريك إيران على الأقل في الأمم المتحدة والمؤتمر الإسلامي..
لا أحد يدعو إلى الشكوى ضد إيران، فلا فائدة من هذا الأمر، وطبعاً ليس بالإمكان مواجهتها، لكن حفظ الحق اللبناني في السيادة والاستقلال يستدعي أن يظهر لبنان حقه تحت عنوان اظهر حقك ولا تأخذه كمرحلة أولى إلى أن تستطيع أن تأخذه.