أوضاع سنة إيران التعليمية
السبت 17 يوليو 2010
أوضاع سنة إيران التعليمية

أوضاع سنة إيران التعليمية

[ هذه صفحات حول الواقع التعليمي الظالم للأقلية العربية في إيران، من كاتب متعاطف مع النظام الإيراني هو د. حسان عبدالله حسان في كتابه "الفكر التربوي الإمامي ، إيران نموذجاً"، وقام بنشرها مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي وهو مركز شيعي لبناني. الراصد]

 

    التعليم والمسألة القومية في إيران[1]

لا شك في أن مفهوم الأمن القومي لأي مجتمع لم يعد قاصراً على الجانبين العسكري والاقتصادي فقط، بمعنى لم تعد حماية المجتمع وأمنه يتوقفان على حماية الحدود وإشباع الحاجات المادية فحسب، بل أصبح من الأهمية بمكان تحقيق القدر نفسه بالنسبة للأمن الثقافي للمجتمع، هذا الذي يتحقق في حالة وجود تناسق وانسجام ثقافيين بين كل فئات وطبقات وعناصر المجتمع، "فجوهر الأمن في الحقيقة ينبع من وجود نظام متناسق للمعتقدات والمبادئ المشتركة في المجتمع، وهذه العناصر هي الأساس الحقيقي للأمن"[2].
ويؤكد "الباحثون والسياسيون" ـ أيضاً ـ على خطورة "الاضطراب الثقافي" للمجتمع وآثاره على بنائه وتماسكه، ويذكر حسن روحاني: "إن مسألة الانقسام الاجتماعية والثقافية من الأمور والمهمة والخطيرة، فتلك الانقسامات في المجتمع تجعله يواجه تهديدات أمنية أكثر من المجتمعات الأخرى التي تتميز بالتمسك والانسجام الثقافي الذي يعد أحد مصادر الأمن الداخلي"[3]، ويرى مدحت حماد "استحالة تحقيق الأمن استناداً لعامل القدرات العسكرية وحده. حيث من اللازم تضامن وتكامل كل القدرات ـ العسكرية والاقتصادية والدينية والثقافية لضمان الأمن القومي"[4]

 

ويبرز التعليم كأحد أهم أدوات التشكيل الثقافي من خلال وظيفته الرئيسة والتقليدية في نقل التراث الثقافي من جيل إلى جيل، وتحقيق ما يسمى بثقافة وطنية مشتركة لجميع أبناء المجتمع، ويطلق على هذه العلمية "التربية الثقافية"، حيث إن التعليم يقدم البرامج المختلفة التي تعبر عن مقومات النشاط العقلي، أو الاجتماعي في المجتمع، هذه المقومات هي المنيع المشترك الذي ينهل منه الإنسان الآراء والأفكار والقيم الثقافية، مما يؤكد قيم الانتماء إلى مجتمع واحد.
  

 

1 ـ المسألة القومية في إيران:

 

 

   الباحث في هذه القضية يجب أن يطرح سؤالاً هو: هل هناك مسألة قومية في إيران؟ وهذا السؤال يجعلنا نبحث في الوضع الديموغرافي الديني للوقوف على طبيعة هذه القضية وأبعادها:

  أ ـ التصنيف الديمغرافي للسكان:
يبلغ عدد السكان في إيران حوالي 67 مليون نسمة عام (2001)
تتوزع حسب المجموعات العرقية الآتية[5]:
ـ المجموعة الفارسية، وتشكل 51%.
ـ المجموعة التركية، وتشكل 2%.
ـ المجموعة الكردية، وتشكل 7%.
ـ المجموعة العربية، وتشكل 3%.
ـ المجموعة اللُّرِيَّة، وتشكل 2%.
ـ المجموعة البلوشية، وتشكل 2%.
ـ مجموعة الجيلاكي والمازندارني، وتشكل 8%.
ـ المجموعة الآذرية، وتشكل 24%.
 
أما المجموعات الدينية فتتضمن[6]:
ـ مجموعة المسلمين، وتشكل 59.9%
ـ مجموعة المسيحيين، وتشكل 17%
ـ مجموعة الزرادشت، وتشكل 7% ـ مجموعة اليهود وتشكل 5%
ـ سائر الأديان (مثل الأرمن والشوريين وغيرهما) ويشكلون0.16%
 
أما المجموعات المذهبية فتشمل[7]:
ـ المذهب الشيعي ويمثل 91% من المسلمين.
  المذهب السني ويمثل 8.7% من المسلمين. [ هذه النسبة غير صحيحة بتاتاً سنة ايران تتراوح نسبتهم بين 25-30% من سكان إيران، فبحسب قول الكاتب أن سنة إيران هم العرب والكراد والبلوش والتركمان فإن مجموع هذه القليات بحسب ما اورده 14% من سكان إيران!! الراصد]

 

وباندماج المجموعة المذهبية مع المجموعة العرقية يتضح لنا الشكل التالي:
المذهب السني (الأعراق الغالبة)
العرب ـ الأكراد ـ البلوش ـ التركمان
المذهب الشيعي (الأعراق الغالبة)
الفرس ـ أعراق أخرى
من خلال العرض السابق يتضح أن الوضع الديموغرافي الديني في إيران يتسم بالإثنية، الأمر الذي يترتب عليه عدم وجود تجانس لغوي ـ ديني ـ عرقي بين السكان، لذلك سعت إيران منذ عهد بهلوي إلى بث القومية الفارسية، كما سعت أيام الدولة الصفوية لتعميم المذهب الشيعي الاثنى عشري، "وقد سعى الشاه لتغيير أسماء مختلف المدن لتمجيد ملوك (الفرس) قبل الإسلام والأبطال الأسطوريين، وكذلك سعى لتخليص اللغة الفارسية من الكلمات العربية بقدر الإمكان"[8].
ولقد ساعد وجود المجموعات الدينية المذهبية، وكذا الثقافات المختلفة على تعميق الهوة الاجتماعية، كما شارك تنوع اللغات في الانغلاق على الذات في ما بين أصحاب اللغة الواحدة والعرق الواحد، وساعدهم على ذلك اختيار الأقاليم الخاص بسكنهم داخل الدولة الإيرانية، وأصبحوا أشبه "بدويلات داخل دولة واحدة أو "غيتو" لكل جنسية تعيش في إيران"[9]:
فعاش الفرس وقبائل بختيار والقشقائيين والعرب واللر في الهضبة المركزية. وتوزعت مجموعات من البلوش والأفشار والعرب في الصحاري الجنوبية الشرقية، وعاشت في المناطق الشمالية الغربية قبائل الشهسوان والأكراد ومعهم الأرمن والآشوريون المبعثرون في قرى صغيرة، وانتشر التركمان والأكراد والتيموريون والبلوش والطاجيك والجمشيديون في المناطق الشمالية[10]. إن هذه الصورة العرقية/ الدينية/ الجغرافية توحي بنتيجة مؤداها "انعدام الوحدة الجنسية واللغوية بين سكان إيران"[11].
وعلى الرغم من أن الثورة الدستورية عام 1906، ثم الثورة الإسلامية عام 1979 قد حاولا حماية حقوق كافة المواطنين الإيرانيين على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم، وذلك من خلال النصوص الدستورية وخطب الزعماء والقادة، إلا أن البعض يرى أن هناك سيطرة للقومية الفارسية على جميع القوميات الأخرى وسيطرة للمذهب الشيعي على كافة المذاهب والعقائد الأخرى، بما قد يؤثر على قيم المواطنة وحقوقها*

.

 

ونستعرض في ما يلي أبعاد المسألة القومية في إيران وهو البعد الثقافي ولاسيما في ما يتصل بـ "الحالة العربية كنموذج"*.
 

2 ـ البعد الثقافي في المسألة القومية:

  نعتمد على المدخل الثقافي في بحث المسألة القومية في إيران، وذلك لأنه يتناسب مع قضيتنا الرئيسة "التعليم"، ونبدأ من الدستور الإيراني، الذي ينص على أن "اللغة الرئيسية للتعامل سواء في مجال التعليم أو المكاتبات الرسمية والوثائق والصحافة والإعلام هي اللغة الفارسية، وعلى الرغم من أن هذه المادة تشمل ـ أيضاً ـ جواز استعمال اللغات المحلية والقومية الأخرى في المجالات السابقة، إلا أنها تبقى نصاً يتعارض مع الواقع الفعلي في المؤسسات الثقافية والتعليمية"[12]، كما نص قانون عام 1366 هـ ش (1987م) الخاص بأهداف ووظائف وزارة التربية والتعليم على ما يلي[13]:
1 ـ وزارة التربية والتعليم مسؤولة طبقاً للمادة الثانية عشرة من الدستور عن تقديم مادة الفقه الإسلامي والتربية الدينية في المناطق التي يسكنها أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى، طبقاً لمذاهبهم الفقهية المختلفة.
2 ـ للأقليات الدينية ـ طبقاً للمادة الثالثة عشرة ـ الحق في تدريس المقررات الدينية الخاصة بهم، تحت إشراف وزارة التربية والتعليم.
تبدو "المسألة العربية نموذجاً" واضحاً لهذا التعارض بين "النص" و "الواقع" منذ عهد الشاه رضا بهلوي "حيث عمل منظروا عهد الشاه على "تفريس" القوميات الإيرانية الأخرى ومنها العرب في خطة مبرمجة طويلة الأمد، لجعل المجتمع الإيراني أحادي اللغة، ذي ثقافة فارسية واحدة، وقد استمر منظرو التفريس على النهج ذاته في عهد" محمد رضا بهلوي" حيث سببوا صدمات وعاهات لا تعوض في جسم الثقافة ولغات القوميات الإيرانية غير الفارسية. وقد استمر هذا النهج بشكل أو بأخر بعد قيام الثورة الإيرانية"[14].
وهذه المشكلة أكثر وضوحاً بالنسبة لعرب الأهواز حيث ينشأ الطفل العربي ومنذ سن السابعة على لغة ليست هي لغة أمة وأبيه، مما يسبب اضطراباً في هوية المواطن في تلك المناطق، وقد ترتب على ذلك مجموعة من الآثار السلبية أبرزها ما يلي:
ـ وجود أزمة هوية: حيث لا تجيد الجماهير وحتَّى العديد من المثقفين لا اللغة العربية ولا الفارسية.
ـ شهدت هذه المنطقة ـ الأهوازـ انخفاضاً في المستوى الدراسي، أصبحت على أثره في المركز الثالث والعشرين بين المحافظات الإيرانية.
ـ ارتفاع نسب التسرب في المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية.
ـ ارتفاع نسب الأمية بين النساء العربيات اللواتي تقع أعمارهن بين 45 ـ 70 عاماً، حيث تصل إلى 90% وبين سائر الشرائح النسائية تبلغ 60 ـ70% كما ترتفع ـ أيضاً نسب الأمية بين الرجال.
ـ نشوء التمييز العنصري ضد الناطقين باللغة العربية[15].
ـ ترتبط عملية "التفريس" بقضية تكافؤ الفرص ـ لا سيما في مجال العمل، حيث تُشترك إجادة اللغة الفارسية في الأعمال الحكومية.
ـ حرمان المناطق العربية من فرص الإصدارات الثقافية، مثل: الصحف، والكتب... إلخ.
ـ وانخفاض نسب المتعلمين والخريجين العرب على المستوى المتوسطي والجامعي.
ـ انعدام الأبحاث الاجتماعية والانثروبولوجية عن هذه المناطق للتعرف على مشاكلها وقضاياها[16].
ومن الناحية أخرى أشار تقرير وكالة الأخبار الطلابية في إيران ـ ايسنا ـ إلى "أن التعليم أصبح منحصراً في الأغنياء، حيث إن العدالة التعليمية مرتبطة بالعدالة الاجتماعية، تحقيق الثانية يؤدي إلى تحقيق الأولى، وعدم الحصول على فرص متساوية في التعليم ناتج عن عدم الحصول على عدالة اجتماعية في المجتمع، وفي دراسة أخرى حول تحديد المستوى الاجتماعي للطلاب في جامعة طهران أشارت إلى أن حوالي 5.52% من إجمالي الطلاب ينتمون إلى طبقات اجتماعية متوسطة وأعلى ومرتفعة جداً، بينما 5.47% ينتمون إلى طبقات اجتماعية منخفضة"[17]، وإن كانت هذه النسبة تشير إلى اقتحام الطبقات الاجتماعية المنخفضة الجامعات الكبرى في إيران، إلا أنها تشير ـ أيضاً ـ إلى عدم تمثل النسبة الاجتماعية العادلة للطبقات الاجتماعية في التعليم الجامعي، كما أن طهران تقطن بها الطبقة الرأسمالية من البازار (التجار) وكذلك أبناء الوزراء وكبار رجال الدولة، مما جمل النسبة غير متكافئة مع تمثيل المجتمع الإيراني، وفي جانب العدالة العرقية، أشارت الدراسة السابقة إلى "أن حوالي 63% من طلاب جامعة طهران ينتمون إلى الأصل الفارسي، 2.16% إلى أصل تركي، 5.9% إلى أصل كردي، 7.3% إلى أصل لري، 6.3% إلى أصل كيلاكي، 6.2% إلى أصل مازندراني"[18]، ونشير هنا ـ أيضاً ـ إلى تفوق المجموعة الفارسية على تمثيلها في المجتمع الإيراني والتي تصل إلى حوالي 51% من إجمالي السكان، بينما يختفي تماماً الطلاب ذوو الأصول العربية في جامعة طهران، وهو ما يفسر تراجعاً واضحاً للسياسات المعلنة حول اهتمام عملية التنمية بالمجتمع الإيراني ككل، وعدم التمييز لأية أسباب عرقية أو مذهبية أو أخرى، وهو ما يفقد العدالة التعليمية جانباً آخر من مؤشراتها في النظام التعليمي الإيراني المعاصر.
ويعد الوضع التعليمي للأقليات القومية مؤشراً مهماً لحالة الأقليات القومية والمذهبية بصفة عامة التي تُفقد المجتمع الإيراني فعالية مشاركة هذه الفئات والقطاعات المهمة في تنمية المجتمع، ويُرجع بعض المحللين ذلك إلى[19]:
1 ـ عدم تطبيق مواد الدستور الخاصة بقضية الأقليات القومية، كما أن هذه المواد التي وردت تحت عنوان الأقليات ضئيلة جداً مقارنة بما ورد في القانون الدولي بشأن الأقليات.
2 ـ انخفاض تمثيل الأقليات في مجلس الشورى الإسلامي جعل من الصعب امتلاك الأقليات قوة مؤثرة في اتخاذ القرارات ووضع السياسات القومية.
3 ـ ليس لدى الأقليات أي دور في مؤسسات هامة، مثل مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومجلس صيانة الدستور، والمجلس الأعلى، للأمن القومي. ومن الملاحظ أنه بالرغم مما تم إدراجه في الدستور بشأن الأقليات، إلا أنها مازالت محرومة من فرصة المساواة مع مختلف المواطنين في تولي مناصب عليا أو هامة أو حتى العضوية في بعض المؤسسات والهيئات، وبات عمق التمييز جلياً بالنظر إلى أعداد هذه الأقليات في القوات العسكرية والشرطة ووزارة الاستخبارات.


[1] - الجزء الثاني ، ص 208- 217.
[2]) ـ سعيد إسماعيل: الأمن التربوي العربي، القاهرة، عالم الكتب، سلسلة قضايا تربوية رقم (3)، ص15.
[3]) ـ حسن روحاني: "الأمن العام والأمن القومي والتحديات المحيطة"، مختارات إيرانية، القاهرة، السنة الثالثة، العدد 35، يونيو 2003، ص 42.
[4]) ـ مدحت حماد: "الأمن القومي الإيراني" في: التقرير الاستراتيجي الإيراني السنوي 2001، القاهرة، 2002، ص39. 
[5]) ـ عصام عبد الشافي: "أهل السنة في إيران"، في : مختارات إيرانية، القاهرة، السنة الثالثة، العدد 31، فبراير 2003، ص7.
[6]) ـ جمهوري إسلامي إيران: تعليم وتربيت دختران، مصدر سابق، ص64.
[7]) ـ عبد العال الديربي: "السياسة السكانية في إيران وتحديات التنمية "مختارات إيرانية، القاهرة، السنة الثالثة، العدد 36، يوليو 2003، ص 64.
[8]) ـ بيجمان يوسف زاده: "مستقبل القومية الإيرانية"، مختارات إيرانية، القاهرة، السنة الرابعة، العدد 37، اغسطس 2003، ص 43.
[9]) ـ آمال السبكي: تاريخ إيران السياسي بين ثورتين (1906 ـ 1979)، مرجع سابق، ص12.
[10]) ـ المصدر نفسه، ص12.
[11]) ـ ب.د كلارك: سكان إيران: دراسة في التغير الديموغرافي، الكويت، الجمعية الجغرافية الكويتية، د.ت، ص11.
*) ـ لمزيد من التفصيل حول التكوين الإثنى في إيران انظر: نيفين مسعد:"ورقة عمل حول صنع القرار في إيران"، المستقبل العربين بيروت، العدد 265، مارس 2001، ص84.
*) ـ حيث يوجد في إيران ما يقرب من 10 ملايين قارئ للعربية ويمثل العرب كما أسلفنا حوالي 3% من السكان الإيرانيين.
[12]) ـ الجمهورية الإسلامية في إيران: دستور الجمهورية الإسلامية، مصدر سابق، ص35.
[13]) ـ أحمد صافي: سازمان وقوانين آموزش وبرورش إيران، مصدر سابق، ص 278 ـ 279.
([14] ـ يوسف عزيزي: إيران الحائرة بين الشمولية والديمقراطية، بيروت،
[15]) ـ يوسف عزيزي: إيران الحائرة بين الشمولية والديمقراطية، مصدر سابق، ص114.
[16]) ـ جابر أحمد: "المسألة القومية في إيران"، راء كاركر، طهران، العدد 170، 2002، ص2 ـ 3.
[17]) ـ أحمد رضا روشن: "عدالت آموزشي، زير مجموعة مهمي أز عدالت اجتماعي است"، مصدر سابق، ص11.
[18]) ـ المصدر نفسه، ص12.

[19]) ـ هيئة التحرير: "الأقليات القومية والتنمية السياسية"، في: مختارات إيرانية، السنة الخامسة، العدد50، أعسطس 2004، ص49.  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: