البعد الأيديولوجي في العلاقات السعودية-الإيرانية
الأثنين 20 يوليو 2009

الفصل الثامن من كتاب "إيران والخليج: البحث عن الاستقرار"

تأليف صالح المانع - صفحة 223-243

  

 وكان اندلاع حرب الخليج الأولى-بين العراق وإيران-هو نتيجة حتمية للتناقضات القائمة بين قطبين يمثلان نوعين مختلفين تماما من أنظمة الحكم، وبينهما صراعات إقليمية وحدودية، وتاريخ حافل بتدخلات كل منهما في شؤون الأقليات لدى الطرف الآخر. كل ذالك يبرر كيف اعتبرت الخلافات الإقليمية الأخرى مجرد عامل ثانوي في هذه الحروب الدامية والمكلفة. وقد طغت ذكريات هذه الصراعات على القضايا الإقليمية والايدولوجية الأخرى القابلة للانفجار، والتي أدت إلى التنافس الايدولوجي بين إيران والمملكة العربية السعودية خلال العقد الماضي.

   ويحاول التحليل التالي أن يدرس تطور السياسة الخارجية ضمن إطار المؤسسات الدينية المتوازية والمتنافسة، التي تديرها مجموعتان متنافستان من العلماء، تتمسكان بالقيم الإسلامية الشاملة، وتؤثران في السياسة الخارجية لدولتيهما، وإن ظلتا أسيرتين للشكوك والمعتقدات العدائية في بعض الأحيان.

 

 كما هو معروف فان أي بحيرة صغيرة ضحلة تعكس المد والجزر بسرعة ووضوح، وكذالك كان الخليج العربي على الدوام يعكس حالات المد والجزر في النفوذ العسكري للقوى العربية والإيرانية.  وعلى مر التاريخ، تعاملت إيران-سياسيا واقتصاديا- مع السواحل الغربية العربية للخليج، فقد مد حكام عمان نطاق نفوذهم في القرن السابع عشر ليشمل مساحة صغيرة من الأراضي الإيرانية المطلة على الخليج، وأقاموا مستعمرات تابعة لهم امتدت شرقا حتى إقليم السند (باكستان). 

وقام نادر شاه خلال حكمه باحتلال مسقط لمدة أربع سنوات بين عامي 1738 و1741. ثم قام شاه إيران في فترة السبعينات بإرسال 35.000 جندي لمحاربة المتمردين الماركسيين في منطقة ظفار جنوب سلطنة عمان. وتشكل منطقة الخليج مركزا تجاريا هاما بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ 1980، حيث كانت موانئ دبي والشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة تمثل بابا خلفيا مهما، يمكن عن طريقة نقل البضائع الغربية المحظورة إلى إيران.

  وبنجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، نشأ في طهران نوع جديد من العلاقات والسياسات تجاه المملكة العربية السعودية ودول الخليج، لم يأخذ شكل الحماس الثوري فحسب، بل اتخذ شكل وجهة نظر ذات طبيعة خاصة وتبشيرية أحيانا تحاول استخدام هيكل الدولة كآلية لطرح موقف أيديولوجي في الداخل، وفي المنطقة المتاخمة لإيران مباشرة على حد سواء.

 

نشأة الجمهورية الإسلامية

تنزع بعض الثورات الإسلامية و"التقليدية" في الشرق الأوسط _التي تنجح في إقامة دولة_ لأن تستند على عقد ديني/عسكري بين أهل السيف (الحكام) وأهل القلم (العلماء). ويؤدي هذا التحالف بين القائد العسكري –والسياسي لاحقا- وبين رجل الدين إلى إضفاء الشرعية السياسية على الدولة، ويضع الأيديولوجيا في إطار دينامي أو في حالة من الغليان،  ليس فقط لتوسيع النطاق المذهبي، بل أيضا لتدعيم هياكل الدولة ومؤسساتها ومد نفوذها إلى نطاق سياسي أكبر وأشمل.

وبعقد تحالف ديني وسياسي ناجح بين محمد بن سعود – مؤسس أسرة آل سعود الثانية الحاكمة- ومحمد بن عبد الوهاب عام 1744، أمكن إقامة دولة مزدهرة في منطقة نجد في القرن الثامن عشر.  وتعتبر المملكة العربية السعودية اليوم امتدادا لهذه الدولة،  حيث تطبق الأنظمة والايدولوجيا نفسها، وتلتزم بالعقد نفسه الذي ربط آل سعود بآل الشيخ محمد عبد الوهاب أو بأحفاده.

وفي النصف الثاني من القرن الخامس عشر جرت في إيران عملية مشابهة لبناء الدولة، على أساس تحالف ناجح بين رجال الدين الشيعة – المنتمين إلى القبائل التركمانية- وأسرة الصفويين الحاكمة. ونجح هذا التحالف عام 1501 في إقامة واحدة من أوائل الدول الشيعية في الشرق الإسلامي.

كما نجح هذا التحالف في حمل معظم قاطني الهضبة الإيرانية وأجزاء من العراق على اعتناق المذهب الجعفري. وتوسع حكم الصفويين بمرور الزمن في اتجاه الشرق إلى أن وصل إلى شمال الهند وتركستان. وبحلول العقود الأولى لحكم آل قاجار في إيران (1785-1925) باتت طبقة رجال الدين الشيعة على درجة من القوة والثراء،  حررتهم من الوصاية السياسية التي اتسم بها عصر الصفويين (1501-1722)، بل مكنتهم من الحصول على استقلالهم الذاتي.

كانت الخطوة المنطقية التالية هي تأكيد هيمنة طبقة رجال الدين على الدولة، عبر بسط سلطتهم الدينية على الساحة السياسية. فقد نجح الخميني في رحلته الطويلة،  ليس فقط في إقامة دولة شيعية، وإنما في إقامة دولة شيعية ثيوقراطية، يمسك فيها رجال الدين بكل مقاليد الحكم، ويفرضون قوانين الدولة،  ويديرون معظم مؤسساتها.

أما بالنسبة إلى جارتها المملكة العربية السعودية، فقد اكتفى العلماء  – بما لهم من صلاحيات دينية وأيديولوجية مميزة في نطاق المجتمع المدني، علاوة على حصتهم من المكاسب الاقتصادية المتحققة من الثروة النفطية -  بالقيام بدور ثانوي، يلي في درجة الأهمية دور قادة الدولة السياسيين.

وأضفى العلماء ثوب الشرعية على الدولة وعلى الفتاوى في أوقات التغيرات أو الأزمات الشديدة.  وأصبحت الشريعة هي المرجع في الحكم،  وشكلت أحكامها القانون الأساسي للدولة. وشهدت المملكة فترات تنافس بين الرموز القائمة والجماعات الفتية الهامشية المنادية بالصحوة الإسلامية،  التي سعت إلى تحدي دور العلماء الثانوي في الهيكل السياسي،  لكن هذه الجماعات ظلت هامشية بسبب النزعة البراجماتية لدى طائفة العلماء.

وبرغم هذا، تحققت مطالب هذه الجماعات وتم استيعابها في النظام، ضمن إطار القوانين القائمة، ودون إعطاء عناصرها بالضرورة ثقلًا سياسيًا كبيرًا،  مما أدى إلى استعدائهم، وربما إبعاد البعض منهم عن الساحة السياسية والدينية الرئيسة. أما في إيران، إبان فترة حكم آل بهلوي، فلم ينصت الشاه إلى النداءات العديدة التي طالبت بإجراء إصلاحات دينية، وسعى _ بدلًا من ذلك _ إلى فرض سياسة الإكراه على المؤسسة الدينية والطبقات الاجتماعية الأخرى. في حين أن المؤسسة الدينية في المملكة العربية السعودية – برغم كونها أقل تنظيمًا وأقل عدداً من حيث الكوادر – ظلت أثناء فترة بناء الدولة تتمتع بوضع متميز من الناحيتين الاقتصادية والأيديولوجية.   

 

 ومن خلال الآيديولوجيا (أي العقيدة الإسلامية) نشأ إحساس بالمشاركة غير المباشرة لدى النخبة الجديدة_ من خلال الوظائف المكلفين بأدائها _ ولدى أبناء المجتمع القبلي.  وجرى أيضا استيعاب الطبقة المتوسطة ذات التعليم الديني داخل إطار الخدمة المدنية ،  إلى الحد الذي شغل فيه خريجو المعاهد والجامعات الدينية ما يقرب من ثلث عدد الوظائف المتاحة في البيروقراطية السعودية،  خلال السنوات العشر الماضية .

وهكذا استوعبت المشاركة – إما عن طريق الوظائف وإما عن طريق الإيديولوجيا – طبقة متعددة الأبعاد تضم النخبتين التقليدية والجديدة . وجرى تأكيد دور العلماء الإرشادي عندما هبت رياح الصحوة الدينية على هذه النخبة المتعلمة الجديدة . ومع تزايد التعقيد في بنية المجتمع،  أصبحت المشاركة في الإيديولوجيا مرادفا للمشاركة السياسية السلبية .

ومع تعاظم دور البيروقراطية في استيعاب شرائح أكبر من المجتمع أصبحت المشاركة الوظيفية – ضمن أمور أخرى – بديلا للمشاركة السياسية . واتسم هذا الدور المتعاظم للبيروقراطية بأهمية كبرى في عملية توزيع خيرات الدولة الغنية وخدماتها. وعموماً،  فقد اصطبغ تطور البيروقراطية بهيمنة الايدولوجيا وسيطرة المؤسسات الدينية،  التي أصبحت حارساً للسلوكيات الأخلاقية العامة، ومهيمناً على العديد من المسؤوليات المهمة في المجتمع،  مثل سياسات تعليم الإناث على مستوى المراحل التعليمية كلها،  بدءاً من المرحلة الابتدائية وانتهاء بالجامعة.

وتركت حركة الحصوة الإسلامية – التي طالت معظم دول العالم العربي، وإيران في فترة الثمانيات – بصماتها على المتمرسين من النخبة الجديدة، الذين بدأوا في إتباع الاتجاه الشعبي السائد ، بتبني إيديولوجيا شبه دينية،  جعلتهم أكثر قبولاَ لدى شرائح المجتمع التقليدية ،  وأدت إلى طمس الخلافات القائمة بين الجماعات الدينية الجديدة ودراسي أصول الدين القدامى . لكن المنافسة بين القدامى والجدد – من هذه النخبة – لم تحسم دون وقوع مناوشات،  مثل ما حدث حول حقوق المرأة ، وما دار إثر وصف مؤيدي المدرسة التحديثية في الأدب بالهرطقة .

والتماثل بين إيران ما بعد الثورة والمملكة العربية السعودية يبدو مدهشاً للغاية، إذ يطرح كلا النظامين السياسيين نموذجاً معينا ًللدولة الإسلامية، ويشتركان في تمسكهما بالقيم الإسلامية العامة، وفي كون الشريعة الإسلامية القانون الأساسي للدولة، ولرجال الدين في كليهما دور بارز في تنظيم المجتمع وتوجيهه. ويؤدي "مجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في كلتا الدولتين دور الشرطة الدينية الساهرة على التأكيد من الالتزام الكامل بأوامر الشريعة الإسلامية وحرفية نصوصها .

وتقوم المؤسسة الدينية في كلتا الدولتين بتوجيه العملية التعليمية ،  وخاصة بالنسبة للإناث . وللصفوة من رجال الدين دور هام – برغم ثانويته – في وضع الهيكل التنظيمي للبعاث الدبلوماسية وتعيين موظفيها . ومع أن آيات الله يحكمون اليوم سيطرتهم الكاملة على معظم الوزارات  والمؤسسات الحكومية في إيران، فإن العلماء في المملكة العربية السعودية يكتفون بوضع المعايير السلوكية للمجتمع، وبعض اللوائح التنظيمية الخاصة بالدولة، مع الاحتفاظ بحق الاعتراض على أية تشريعات يرون أنها تتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية .

وخلاصة القول إن هياكل سلطة العلماء في إيران سارت – عبر التاريخ – في مسارات متوازية مع هياكل سلطة الدولة، أما في المملكة العربية السعودية فقد كانت جزءاً من سلطة الدولة.

 

 

 

إن الدور الشامل للدين في إيران والمملكة العربية السعودية لم يؤثر فحسب في الطبيعة شبه الثيروقراطية للنظام السياسي،  بل أثر أيضا ً في السياسة الخارجية وصبغها بصبغة معينة. ولوجود الحرمين الشريفين على أراضيها،  فقد اعتزت المملكة العربية السعودية بقيادتها للدول الإسلامية، وكافحت من أجل تنسيق السياسات الخارجية لكثير من الدول الإسلامية، وتعبئة الرأي العام في هذه الدول لدعم القضايا العربية، مثل دعم الحركة الوطنية الفلسطينية،  والدعوة إلى عودة القدس إلى السلطة الفلسطينية، ودعم المجاهدين في أفغانستان،  وتقديم الدعم الإنساني والسياسي لمسلمي البوسنة مؤخراَ .

واتبعت السياسة الخارجية السعودية وسيلتين لإدارة هذه السياسة الإسلامية؛ الأولى رسمية عن طريق رعايتها المباشرة لـ "منظمة المؤتمر الإسلامي"، والثانية غير رسمية، من خلال المنظمات غير الحكومية مثل "رابطة العالم الإسلامي"، التي تقدم أعمال الإغاثة الإنسانية للمجتمعات الإسلامية المعدمة في أفغانستان وأفريقيا،  كما تعمل في مجال الأنشطة المرتبطة بالدعوة الإسلامية . وهناك منظمة ثالثة _ ربما أكثر أهمية_ وهي "مؤتمر (مجمع) الفقه الإسلامي"، وهي منظمة غير حكومية تعقد اجتماعاتها السنوية في مكة المكرمة قبل موسم الحج،  لمناقشة القضايا الدينية الكبرى التي تواجه العالم الإسلامي .

ويشكل هذا المؤتمر (المجمع) منبراَ للعلماء والفقهاء والشيوخ الأفاضل من جميع أنحاء العالم،  بهدف إصدار الفتاوى الخاصة بالقضايا الحيوية التي تواجه الأمة الإسلامية. ومن خلال هذا الثالوث من المنظمات الإسلامية _ الحكومية وغير الحكومية _تمكنت المملكة العربية السعودية من تدعيم منزلتها بين دول العالم الإسلامي، وانتهاج سياسات لها تأثيرها في العالم الإسلامي، الأمر الذي عزز من دورها الإقليمي وسياساتها الإقليمية .

وفي ظل هذه الخلفية وهذا الوعي بوجود خلافات مذهبية وفلسفية تباعد بين الدولتين،  حاولت إيران _منذ قيام الثورة _تحدي الموقع القيادي المهيمن للمملكة العربية السعودية. ومع أن إيران ما زالت عضواَ كامل العضوية في "منظمة المؤتمر الإسلامي"، إلا أنها ارتأت مقاطعة معظم اجتماعات المنظمة. ولم تشارك إلا في اجتماعات مختارة عندما كان لهذه الاجتماعات تأثير في اهتماماتها الأمنية. وهذا ما حدث عندما دُعيت الدول الإسلامية عام 1980 إلى اجتماع "لاهور" لوزراء خارجية  منظمة المؤتمر الإسلامي، من أجل مناقشة إستراتيجية المنظمة في كيفية التعامل مع الغزو السوفيتي لأفغانستان .

وعندما نجح العراق عام 1982 في كسب تأييد بعض قطاعات الرأي الإسلامي الرسمي لوجهة نظرة من الحرب الدائرة مع إيران،  قررت الأخيرة إنهاء مقاطعتها لاجتماعات المنظمة بصفة مؤقتة، وشاركت في الاجتماع الثاني عشر لوزراء الخارجية، الذي عُقد في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1982 في مدينة نيامي عاصمة النيجر. وعندما أصبح الانسحاب السوفيتي من أفغانستان وشيكاً في كانون الأول/ ديسمبر 1988 ارتأت إيران ضرورة إحياء دورها المستقل – لأسباب مذهبية بحتة أحياناً – من أجل الوقوف إلى جانب مصالح بعض الجماعات الفدائية داخل صفوف المجاهدين،  الأمر الذي أدى تقريباً إلى انهيار الوحدة الهشة لحكومة المجاهدين المؤقتة.

وبدلاً من تزعّم المنظمات الحكومية الرسمية المتاحة لها، ناضلت إيران في عهد الخميني، لتتزعم وترعى بعض جماعات الصحوة الداعية إلى الوحدة الإسلامية،  رغم اقتصار عضويتها – إلى حد كبير – على أبناء الطائفة الجعفرية. وهكذا استمرت إيران في دعمها لحزب الله في لبنان، وحزب الدعوة في العراق، وجماعة خط الإمام في الكويت .

وأصبح تهديد الوضع القائم في دول الخليج المجاورة السمة المميزة للجمهورية الإسلامية الإيرانية وأسلوب عملها. ولذالك ، ظلت مثل تلك الدعوات – المنادية بتحقيق الوحدة الإسلامية – مثار شك وريبة،  فقد دأب نظام طهران على استخدام سياسة الترهيب والترغيب مع الدول المجاورة،  ليبعدها عن العراق أثناء الحرب. ولذالك، فإن الطبيعة الأيديولوجية للثورة ورسالتها الأيديولوجية تم توظيفها بطريقة فعالة – أثناء فترة حكم الخميني – لخدمة المصالح الأمنية العليا للدولة.

 

 

 

 

 

 

ترك الصدع التاريخي الذي حدث في العالم الإسلامي – بين المدارس الفقهية السنية الأربع، والمدارس الشيعية الثلاث الكبرى – ظلالا سوداء في قلب كل مسلم. وقد حاول آية الله الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية" التوفيق بين المذهبين الإسلاميين.  فسعى للتقليل من شأن الخلافات المذهبية وتجاهلها، وحاول استرضاء أغلبية المسلمين عن طريق الاعترافات بالإسهامات الكبيرة التي قدمتها الإمبراطورية العثمانية للأمة الإسلامية، وإن كان قد رفع أئمة الشيعة إلى منزلة التقديس، متجاوزاً بذالك منزلة الرسل. واتضح إيمانه بـ "الاصطفائية" (نظرية لاهوتيه تؤمن بأن الخلاص مقصور على النخبة فقط) في استخدامه للرموز والأحاديث التي وردت على لسان النبي محمد، صلى الله عليه وسلم،  والأئمة الأثنى عشر وعلى رأسهم الإمام علي كرم الله وجهه.

إلا أنه بمجرد استلام آية الله الخميني مقاليد الحكم،  تخلى على ما يبدو عن دعوته للوحدة الإسلامية، فالدستور الإيراني لعام 1979، والتعديلات التي أجريت عليه في شهر آب/ أغسطس 1989، لم تلتفت إلى الحقوق الدينية والسياسية لأبناء الطوائف غير الجعفرية في إيران، وبالذات للأكراد الحنفيين،  والتركمان والبلوش المالكيين. ويرى كثير من المراقبين في منطقة الخليج أن هذا التجاهل المتعمد لم يكن في صالح قضية الوحدة الإسلامية .

خلال العقد الماضي صدر عدد من الكتب في العالم الإسلامي، ترفض أن يتحدث الخميني باسم الأمة الإسلامية. وقد غلبت النبرة الخطابية على بعض هذه الكتب،  ولكن البعض الأخر تناول الأسس النظرية للفكر الشيعي بالتشكيك. ومن أمثلة ذلك ما تعرض له كتاب الكليني – تحت عنوان "الكافي" – من انتقادات، فقد اعتُبر رمزاً لـ "الغلو" لأنه يضفي على الأئمة هالة من الغموض والقداسة. ومن ثم فقد وُصفت مثل هذه الكتب بأنها كتب بدع وهرطقة، وأنها تحريف للقرآن الكريم. وإذا كانت الغيرة الدينية هي التي دفعت بعض هؤلاء الكتاب،  فإن البعض الآخر كان وراءه دوافع سياسية . جدير بالذكر أن عدد هذه الكتب لم يتجاوز 21 كتاباً منذ عام 1979.

في الوقت ذاته بدأت مجموعة صغيرة من الكتاب في مصر تدعو إلى فتح حوار بين علماء الشيعة وعلماء السنة،  وكان من بينهم الكاتب علي عبدالواحد وافي الذي ألف كتاب "بين الشيعة والسنة" عام 1983، ودعا إلى عقد تسوية تاريخية بين علماء المذهبين. ولم تكن هذه الدعوة جديدة، إذ دعا نادر شاه ( 1688_1747) إلى الأمر ذاته، عندما جمع علماء السنة والشيعة في مدينة النجف عام 1743،  داعياً إلى عقد اتفاقية دينية جديدة بين المذهبين،  يمتنع علماء الشيعة بموجبها عن سب أبي بكر وعمر وعن الغلو (اعتبار الإمام علي في منزلة تقارب منزلة النبوة).

وكان الدافع وراء محاولة نادر شاه التاريخية المذكورة هو تحقيق مخطط إمبراطوري، إذ كانت الاختلافات المذهبية سبباً في انقسام قيادته العسكرية إلى فئتين. ويبدو أن هذه التسوية التاريخية قد انتهت باغتيال نادر شاه بعد ذالك بأربع سنوات.

 

 

 

ولقيت فتوى الشيخ شلتوت معارضة مجموعة من علماء السنة، من بينهم العالم الإسلامي السوري محب الدين الخطيب، الذي بنى نقده على أساس أن أبرز أربعة مؤلفات في فقه المذهب الشيعي – " الكافي " للكليني ،  و"السرائر" للحلّي، و"الإرشاد" لابن النعمان، و"المسائل الناصرية " للسيد المرتضى – تسيء للخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وادّعى أن بعض هذه النصوص – خاصة مؤلف "الكافي" – لا يمكن اعتبارها جزءاً من الفقه الإسلامي،  لأنها ترفع الأئمة إلى منزلة الرسل. بل ذهب الخطيب إلى أبعد من ذالك،  إذ نظر إلى مقولة الطوسي – بأن القرآن الكريم قد حُذفت منه "سورة الولاية" التي تنص على حق الإمام علي في الولاية – باعتبارها "كفراً مبيناً" .  

والاتجاه الذي تبناه محب الدين الخطيب ضد محاولة إيجاد تطابق بين "نظامين متعارضين للإيمان" – في الكتاب الذي نشر للمرة الأولى عام 1960 – عاود الظهور مرة أخرى في كتابات إبراهيم الجبهان بالمملكة العربية السعودية ، وإحسان إلهي ظهير بباكستان، ومحمد مال الله بمصر (كان يدرس في مصر لكنه من البحرين. الراصد). ومضى كل هؤلاء الكتاب على الخط نفسه الرافض لإقامة حوار مع علماء الشيعة، إلا بعد أن يطهر الشيعة تعاليمهم وكتاباتهم من النقائص التي ألصقوها بالصحابة. وكان إحساس إلهي ظهير سيء الحظ فدفع حياته ثمناً لإثارة هذه القضايا في باكستان.

أما محاولات علماء الشيعة التوفيق بين منهجهم التقليدي ومنهج علماء السنة فيبدو أنها دفعت العالم العراقي الكبير، آية الله محمد باقر الصدر، إلى إعادة تقييم عداء الشيعة التقليدي لمعاوية بن أبي سفيان. وبرغم انتقاده سياسات معاوية وتوجهه السياسي، فقد أسند إليه الفضل في إنقاذ الدولة الإسلامية في فترة اتسمت بالتقلبات والشكوك. وربما يكون هذا التفسير الجديد للتاريخ من قبل الصدر – طبقا لما أورده شبلي ملاط – قد خدم هدفاً سياسياً للمعارضة العراقية في بحثها عن مدخل إلى قلوب السنة في العراق.

ثم كتب أبو الحسن موسى الموسوي – وهو عالم إيراني مستقل – عرضاً نقدياً لكتب الفقه الشيعي التقليدي. ففي كتابه بعنوان "الشيعة والتصحيح " دعا علماء الشيعة إلى تنقيح مراجعهم من كل أوجه الدنس التي وصموا بها صحابة النبي صلى الله عليه وسلم،  وإلى تنقية المذهب من كل البدع والممارسات المنافية لتعاليم الإسلام الحقة. وأخيراُ، أصدر آية الله علي خامنئي، المرشد الروحي لإيران، فتوى في 14 حزيران/ يونيو 1994 تحرم عادة تعذيب النفس التي يمارسها الشيعة عند إحياء ذكرى عاشوراء،  ندماً  على تخاذلهم في نصرة الإمام الحسين. وأعتبر خامنئي هذه الممارسات بعيدة عن الدين ولا تليق بالمسلم الورع.

  

 ذكر هنري كيسنجر في إحدى كتاباته عام 1961، أن الدول ذات الدوافع الأيديولوجية تميل إلى تطبيق سياسة خارجية نشطة ذات مخططات كبرى، من العسير تحقيقها، كما تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام العالمي القائم.

وقد انتهجت إيران ـ  كدولة ثورية ـ سياسة خارجية ذات مخططات كبرى منذ عام 1979 ففضلاً عن تحديها التوزيع الحالي للقوة والثروة في النظام العالمي، سعت إلى كسب تأييد الجماهير الإسلامية من خلال إيماءات رمزية، مثل إصدار الفتوى بحق سلمان رشدي، وتحدي شرعية نظم الحكم القائمة بالدول الإسلامية.

وجنحت النظرة الثنائية تجاه العالم ـ التي تحكم أفكار آية الله الخميني ـ إلى تقسيم العالم قسمين: المستضعفين والمستكبرين. وانسحبت هذه النظرة على العالم الإسلامي أيضاً، فدعت إلى التمييز بين الإسلام الشعبي، وبين ما يعرف بالإسلام الرسمي. ولم يكن آية الله الخميني مهتماً بالضرورة بمعرفة أثر مثل هذه النظرة على الصدع التاريخي بين السنة والشيعة الأمامية (إحدى مدارس الشيعة الكبرى)، ولكن الواضح أن الخميني ـ من خلال إطاره الثنائي ـ كان ينظر إلى دول الخليج كحليف لقوى "المستكبرين" .

كان سعي الخميني إلى استخدام الدين كمحدد لسياسته الخارجية تجاه دول الخليج أحد أبرز العوامل في محاولة تحدي الشرعية الإسلامية لهذه الدول كما اصطبغ رد فعل تلك الدول بالأسلوب ذاته. فقد دعا الخميني إلى وضع المدينتين الإسلاميتين المقدستين،  مكة المكرمة والمدينة المنورة، تحت سيادة إسلامية مشتركة. كما طالب رئيس وزرائه موسوي عام 1984 بإرسال "قوات من كافة الدول الإسلامية" إلى مكة والمدينة.

ولكن هاشمي رفسنجاني ـ رئيس مجلس الشورى آنذاك ـ سحب تصريح موسوي في نهاية تلك السنة. ومع ذلك نظمت الحكومة الإيرانية في كانون الثاني/ يناير 1988 مؤتمراً عقد في لندن، للدعوة إلى نزع السيادة السعودية عن الحرمين الشريفين.

ونظراً للاحتجاج الشديد على مثل هذا التدخل في الشؤون الداخلية للمملكة العربية السعودية، عدّل الناطقون الرسميون الإيرانيون من أسلوبهم الدعائي، فأصدر حجة الإسلام حسن روحاني،  نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) تصريحاً في 31 أيار/ مايو 1994 بعد موسم الحج، دعا فيه إلى قيام الدول الإسلامية بإدارة موسم الحج "، وأضاف أن إيران مستعدة لإرسال متطوعين إلى مكة المكرمة لإدارة موسم الحج".

 ورفض الشعب السعودي مثل هذه الموقف من جانب الحكومة الإيرانية، كما رفض مخططاتها ودعايتها المغرضة. ووجدت الحكومة السعودية في اقتراحات القادة الإيرانيين هذه تهديداً لسيادتها ووحدتها، التي لم تبلغها إلا بعد رحلة تاريخية طويلة وشاقة، بدأت منذ انعقاد المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة عام 1926 .

وبهدف زعزعة الصورة الايجابية التي اكتسبتها المملكة العربية السعودية في العالم الإسلامي، بدأت القيادة الإيرانية بالفعل في وضع سياسة منظمة لإثارة القلاقل أثناء موسم الحج، وهي القلاقل التي أفرزتها ـ جزئياً ـ الخلافات القائمة بين البلدين حول المعنى الرمزي للحج. ولم تقتصر هذه القلاقل على المسيرات السلمية فحسب، بل شملت أحياناً وقوع صدامات عنيفة مع قوات الشرطة أودت بحياة البعض . وقد أدى هذا السلوك بالخميني أحياناً إلى تقديم اعتذاره عن أفعال بعض الحجاج الإيرانيين،  ولكن الحملة لم تتوقف طيلة حياته.

واتُهمت إيران في عدد من المرات بتهريب كمية ضخمة من المتفجرات أثناء موسم الحج، كما حدث عام 1987،  في حين أدت الصدامات التي وقعت بين الحجاج الإيرانيين وحجاج الدول الإسلامية الأخرى إلى وفاة ما يقرب من 400 شخص في مكة المكرمة، منهم 275 إيرانياً، و42 من دول أخرى، و85 من رجال الشرطة السعودية. ونتيجة ذلك،  قاطعت إيران موسم الحج لمدة عامين وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع المملكة، وقام عملاء إيرانيون بتفجير قنابل حقيقية في مكة المكرمة عام 1989 . وبربط هذه الأحداث بأعمال العنف الأخرى الموجهة ضد الدبلوماسيين السعوديين ـ في فترة الثمانينيات ـ لا بد أن يخرج المرء بمحصلة مؤداها أن إيران كانت تسعى إلى تخويف القيادة السعودية، وتحدي مرجعيتها الإسلامية وإدارتها لشعائر الحج.

 

رد فعل المملكة العربية السعودية

تتمسك المملكة العربية السعودية ـ مثلها في ذلك مثل إيران ـ بالعقيدة الإسلامية في سياساتها مع سائر الدول الإسلامية الأخرى. وقد سعت المملكة إلى تحديد العدد الإجمالي للحجاج، وحددت نصيب إيران بما لا يزيد على 55.000 حاج سنوياً، بعد أن زاد عددهم الفعلي من 74.963 عام 1979 إلى 157.195 حاج عام 1987،  خاصة بعد أن تعمد بعض الحجاج الإيرانيين إثارة القلاقل للسلطات الأمنية السعودية،  وإزعاج حجاج دول العالم الإسلامي الأخرى.

وسعت المملكة إلى كسب تأييد المؤتمر السابع عشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية الذي عقد في عمان عام 1987،  ونجحت في ذلك بالفعل، إذ تبنى المؤتمر صيغة محددة يتم بمقتضاها تحديد عدد الحجاج بمعدل واحد لكل ألف نسمة من إجمالي عدد سكان أي دولة  إسلامية. ولاقت هذه الصيغة تأييداً كبيراً من جانب الدول الإسلامية وأعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي، إذ وفرت على هذه الدول احتياطيات ضخمة من العملة الصعبة. وساهمت هذه الصيغة الجديدة ـ بالنسبة للمملكة ـ في تخفيف الضغط عن خدمات الإسكان التي تقدمها للحجاج بشكل مجاني، كما أدت إلى تحسين عملية المحافظة على استتباب الأمن أثناء موسم الحج .

وبسعي المملكة وراء كسب تأييد الدول الأخرى الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، نجحت في تأكيد سلطتها بوصفها "خادمة الحرمين الشرفيين"،  وفي إعلاء مكانتها المتميزة في العالم الإسلامي. وقد يكون هذا النجاح الدبلوماسي الواضح ـ علاوة على حادثة الحرم المكي عام 1987 ـ هو ما دفع الحكومة الإيرانية إلى اتخاذ قرارها المتطرف بمقاطعة موسم الحج عامي 1988 و 1989. ومع ذلك ظل عملاء إيران يحرضون على رفع راية التحدي في مكة المكرمة، مما قد يكون انعكاساً لإحساس النظام الإيراني بالعزلة، أو محاولة إرغام دول الخليج العربية على تقديم المعونات المادية لإيران لمساعدتها في تنفيذ برنامج الإعمار بعد الحرب.

سعت المملكة العربية السعودية أيضاً إلى كسب الدعم السياسي من جانب المؤسسات التقليدية في العالم الإسلامي، مثل الأزهر الشريف في مصر،  والجماعة الإسلامية في الهند. وهكذا استمرت المنافسة لكسب ود الرأي العام الإسلامي، لا سيما علماء المسلمين. وبرغم قدرة كلا الطرفين على تقديم المعونات المادية للجمعيات والمدارس الخيرية الإسلامية في جميع أنحاء العالم النامي والمتحضر، إلا أن المملكة تنفرد وحدها بالقدرة على دعوة المسلمين الأتقياء من كل مذهب لزيارة الأماكن المقدسة في مكة والمدينة.

وبرغم ما سبق،  خفت حدة التنافس بين الدولتين نتيجة لاتخاذ القيادة السعودية مبادرات ـ بين الحين والآخر ـ لإثبات حسن نواياها تجاه إيران، ففي الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الإسلامي التاسع لوزراء الإعلام في الدول الإسلامية، الذي عقد بجدة في تشرين الثاني/ أكتوبر 1988 ، أعرب العاهل السعودي عن آماله في "مشاركة إخواننا الإيرانيين مشاركة كاملة في أعمال المؤتمر في المستقبل القريب" .

وبعد أقل من شهرين قام عملاء تابعون لجماعة "جند العدالة " ـ وهي إحدى الجماعات الفدائية اللبنانية الموالية لإيران ـ باغتيال الدبلوماسيين السعوديين صالح المالكي وأحمد العمري، في بانكوك وكراتشي على التوالي، ويذكر أن المملكة كانت تحاول منذ عام 1985 جذب طهران لإقامة حوار دبلوماسي، على مستوى وزراء الخارجية.

هذا وقد تعاونت إيران ـ من جانبها ـ مع المملكة العربية السعودية في مفاوضات تحديد حصص إنتاج النفط أثناء اجتماعات دول الأوبك، وفي مكافحة تهريب المخدرات. كما عملت الدولتان بشكل وثيق مع بعضهما البعض،  حتى في أحلك أوقات الحرب الإيرانية ـ العراقية، لإنقاذ الحياة النباتية والحيوانية في منطقة الخليج من الأخطار البيئية الناتجة عن تسرب بقع الزيت. وبرغم هذا التعاون العملي ظلت الخلافات الأيديولوجية والمذهبية حاجزاً كبيراً، يحول دون مضي العلاقات بشكل طبيعي بين هاتين الدولتين الإسلاميتين.

 

 طرأ تغير كبير على العلاقة بين المملكة العربية السعودية وإيران في أعقاب الغزو العراقي للكويت. فقد ساهم موقف إيران الحيادي من الصراع في التخفيف من حدة توتر العلاقات السعودية ـ الإيرانية، بل بدأت العلاقة بين الدولتين تعكس مؤشرات ودية في فترة ما بعد الحرب.

ولأول مرة منذ عقد كامل، اجتمع ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بالرئيس رفسنجاني في داكار عاصمة السنغال، في كانون الأول/ ديسمبر 1990. واتفقت الدولتان على إعادة فتح سفارتيهما في الرياض وطهران، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفراء، اعتباراً من 2 آذار/ مارس 1992.

وقامت الرياض وطهران بمناقشة مستقبل العراق بعد الإطاحة المفترضة بالحكومة الحالية. وخفت حدة الحملات الإعلامية العدائية المتبادلة، وقامت مجموعات من الحجاج الإيرانيين بتنظيم مظاهرات سلمية في مكة المكرمة والمدينة المنورة عام 1991 ،  الأمر الذي لم يكن معهوداً منذ عام 1980 .

وأصبحت إيران مثل مصر ـ ومثل تركيا إالى حد ما ـ مستفيداً أساسياً من حرب الخليج الثانية، إذ زادت ترسانة أسلحتها بدرجة كبيرة، بعد أن صادرت 150 طائرة حربية عراقية وصلت إليها أثناء العمليات الحربية. واستأنف الرئيس رفسنجاني مشاركة بلاده في المحافل الإسلامية الدولية مثل منظمة المؤتمر الإسلامي، وتلقت المؤسسات والجامعات الإيرانية منحاً وقروضاً من البنك الإسلامي للتنمية. ويبدو أن ما عجزت إيران الثورة عن تحقيقه من خلال دعم مختلف الجماعات والمنظمات المنشقة ،  أفلحت في تحقيقه من خلال المداولات الدبلوماسية للمؤتمر الإسلامي .

وأثناء انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي السادس في داكار في كانون الأول/ ديسمبر 1990، استطاعت إيران أن تنال شرف تمثيل المجموعة الإسلامية الآسيوية. وسعى رفسنجاني أثناء انعقاد المؤتمر إلى تصعيد حدة التوتر بين المملكة العربية السعودية وصديقيها السابقين، اليمن والسودان. وقام بعد انتهاء المؤتمر بزيارة كلتا الدولتين وطرح مبادرتين متوازيتين، تتمثل أولاهما في إقامة علاقات رسمية مباشرة،  أما الأخرى فتتمثل في إجراء اتصالات غير رسمية مع الأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية المتعاطفة مع إيران.

ولم تمنع الخلافات المذهبية مع السودان مثل هذا التوجه،  فكل من اليمن والسودان في أمس الحاجة إلى النفط والأسلحة والى حليف خارجي. ويمكن لإيران ـ على المدى القصير ـ أن تسد بعض هذه الاحتياجات،  لكنها ـ على المدى البعيد ـ لن تستطيع أن تقترب من مستوى المعونات السابقة التي كانت المملكة تقدمها لهما. وسرعان ما أدرك اليمن هذه الحقيقة، فبادر الى التقرب من جارته في الشمال مرة أخرى.

لكن الأسلوب العدواني الذي اتبعه رفسنجاني مع بقية دول الخليج لم يحظ بقبول المملكة العربية السعودية، ففي صيف عام 1992 استعرضت إيران عضلاتها أمام دولة الإمارات العربية المتحدة،  باحتلالها لجزيرة أبو موسى. وصاحب هذا الموقف العدواني ظهور مؤشرات أخرى على التسليح،  وهو الأمر الذي ثبت من خلال المشتريات الإيرانية الكبيرة للأسلحة المتطورة من روسيا، ومن ضمنها طائرات مقاتلة وثلاث غواصات، علاوة على المعدات اللاّزمة لاستئناف برنامجها النووي .

 

 ولم ينجح الاجتماع في الإعلان عن تشكيل حكومة في المنفى، ولكنه أدى إلى توحيد صفوف الجماعات والمنظمات والشخصيات المختلفة داخل جبهة مناوئة لنظام صدام حسين. والأهم من ذالك، أن زيارة الحكيم عززت الأسلوب البراجماتي الجديد للمملكة،  حيث قبلت فكرة قيام نظام مستقبلي في بغداد، يشارك فيه رجال الدين الشيعة بنسبة كبيرة. ونجحت المقابلات التي أجراها الحكيم ـ أثناء زيارته للرياض ـ في تقليل المخاوف من سعي إيران لإقامة دولة تابعة لها في العراق بعد رحيل صدام حسين. 

 

التطورات منذ عام 1990

بدأ شهر العسل ـ الذي ساد العلاقات السعودية ـ الإيرانية في شهر آب/أغسطس  1990، وأتاح للدولتين المتنافستين الفرصة لدراسة القضايا ذات الاهتمام المشترك بدرجة أعمق، لتحديد مجالات التعاون المحتمل. وعاد هذا الأسلوب بالنفع على كلتا الدولتين، بعد أن أصبحت العوامل الايديولوجية لا تشكل عائقاً امام سياسة تسوية الخلافات.

وظلت المملكة العربية السعودية تواقة إلى تطبيع علاقاتها مع جارتها الشرقية. ومع أن هذه العلاقات لن تكون بالمستوى الجيد الذي كانت عليه فيما مضى ـ في عهد الشاه السابق ـ إلا أن المملكة كانت ترى أن منطقة الخليج قد عانت ويلات حروب كثيرة وأنها في أمس الحاجة إلى بيئة مستقرة .

أما إيران فكانت تواقة إلى عقد تسوية مؤقتة مع جيرانها العرب في منطقة الخليج . وكما يحدث مع أي دولة أخرى لا يصادف تخطيط وإدارة السياسة الخارجية سبلا ممهدة دائماً . فقد تعرض رفسنجاني ونظامه لضغوط من جماعتين قويتين داخل إيران،  إحداهما جماعة "القوميين" الرافضين لسياسة الخميني التي أهملت الاستعداد العسكري وكانوا يحلمون ببناء دولة إيرانية قوية.

ولم يكتف القوميون للسعي إلى تحديث الأسطول الإيراني وقوات البرية الإيرانية فحسب، بل مارسوا بعض الاستفزازات ضد الدول المجاورة، وسادت المنطقة كلها حالة من القلق الشديد إزاء توسيع إيران احتلالها لجزيرة أبو موسى عام 1992، وما تلا ذالك من الاستيلاء على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى بقرار من البرلمان الإيراني، في نيسان/ أبريل 1993.

ويبدو أن ميزان القوى داخل إيران ـ الذي ظل متأرجحاً منذ وفاة الإمام الخميني ـ قد استقر بحلول عام 1993 لصالح المرشد الأعلى علي خامنئي وحلفائه المحافظين، على حساب الرئيس رفسنجاني وجماعته البراجماتية، وبرغم رجحان كفة خامنئي وجماعته،  إلا أن رفسنجاني كان مصمماً على أن يثبت للعناصر المحافظة، أن إقامة علاقات أفضل مع المملكة العربية السعودية من شأنها تحسين الاقتصاد الإيراني .

وقام رفسنجاني في شهر أيلول/ سبتمبر 1993 بمحاولات جادة للتقارب مع القيادة السعودية، بهدف مساعدة إيران في زيادة حصة إنتاجها في منظمة أوبك، وأجرى اتصالا هاتفيا بالعاهل السعودي في 27 أيلول/ سبتمبر، وتبادلت الدولتان لمدة قصيرة سلسلة من الإتصالات الدبلوماسية.

وأسفرت المشاورات عن موافقة المملكة العربية السعودية ـ داخل أوبك ـ على زيادة مستويات الإنتاج بالنسبة للكويت وإيران، وتجميد حصص الإنتاج بالنسبة للمملكة ودولة الإمارات العربية المتحدة. ونتيجة ذلك، ارتفعت حصة الإنتاج اليومي بالنسبة لإيران بمعدل 260000 برميل يومياً .

وفي المقابل، كان الفهم السائد في "أبو ظبي" و"الرياض" أن إيران قد أصبحت أخيراً على استعداد لتسوية نزاعها مع دولة الإمارات حول الجزر بالطرق السلمية، وعن طريق المفاوضات الثنائية. وقام وزير الخارجية الإيراني علي ولايتي بزيارة المملكة العربية السعودية، وأعلن أثناء زيارته لدولة قطر في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 1993 أنه حمل دعوة رسمية للملك فهد لزيارة إيران،  وأن العاهل السعودي قد قبلها . وبدا أن ذلك هو ذروة شهر العسل، وكانت الدولتان على وشك عقد تسوية تاريخية تضع حداً لمعظم القضايا الجوهرية محل الخلاف .

ولكن شيئاً من هذا لم يحدث،  إذ لم ترق هذه الأنباء لبعض قطاعات الرأي العام الإيراني،  وخاصة المتشددين منهم. ونظم مائة إيراني مسيرة داخل جامعة طهران للاحتجاج على توجيه الدعوة. وبدأت بعض الشخصيات الدينية في التهجم على المملكة العربية السعودية وقادتها على صفحات الصحف الإيرانية. وكانت الحملة الإعلامية ـ التي جاءت بعد أسابيع قليلة فقط من تقديم التنازلات السعودية لإيران في اجتماع فيينا ـ بمثابة إهانة للملكة. وصدر بيان سعودي في 16 آذار/ مارس 1993 أعرب بوضوح عن عجز المملكة عن فهم السياسات الإيرانية المتضاربة.

وساءت العلاقات أكثر فأكثر نتيجة قرار الحكومة الإيرانية المفاجئ بعدم طرح قضية الجزر للنقاش، أثناء جولة المفاوضات المقرر عقدها في طهران أوائل شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1993 ، بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران. وهكذا نُسفت المفاوضات عشية انعقاد الاجتماع المقترح، وأحست المملكة العربية السعودية أن إيران قد أساءت فهم سياسات المملكة الوفاقية تجاهها، وأن إيران فسرتها على أنها دليل ضعف،  ولذالك غيرت المملكة موقفها واتخذت موقفاً أكثر صرامة .

واتضح هذا الموقف السعودي الصارم أثناء موسم الحج عام 1994 ،  حيث خفضت المملكة العدد المسموح به من الحجاج الإيرانيين، فقد كانت حصة إيران من الحجاج 55.000 حاج، طبقاً للصيغة التي تبنتها منظمة المؤتمر الإسلامي. وكانت المملكة تسمح ـ منذ عام 1990 ـ لضعف هذا العدد بتأدية مناسك الحج. ولكن نظراً لنقص الوحدات السكنية والأعمال الإنشائية الجارية في الحرمين المكي والنبوي،  تبنت المملكة سياسة جديدة ـ في موسم الحج لعام 1994 ـ بألا يزيد العدد على 55.000 حاج، وفقاً للحصة المخصصة لإيران. وأعلن وزير الداخلية السعودي أيضاً حظر تنظيم مسيرات سياسية أو توزيع أي منشورات أو مطبوعات سياسية في الأماكن المقدسة أثناء موسم الحج .

ورفضت القيادة  الإيرانية هذا التخفيض وسعت إلى زيادة عدد حجاجها المسموح لهم بدخول المملكة. وادعى الإيرانيون أن لديهم أكثر من 170.000 طلب للحج على قائمة الانتظار،  وأن الدول الإسلامية الأخرى لم تستنفد حصتها المتفق عليها في منظمة المؤتمر الإسلامي، وأن إيران ـ على حد قول آية الله خامنئي ـ يجب أن تُعطى لها امتيازات أكبر في هذه المسألة .

وقام السعوديون من جانبهم بزيادة عدد التأشيرات الصادرة للحجاج الإيرانيين إلى 65.000 تأشيرة، إلا أنهم التزموا بقرارهم المعلن من قبل،  بعدم السماح لرئيس بعثة الحج الإيرانية في مكة المكرمة بتنظيم المسيرات الجماعية أو عقد التجمعات .

وأوضح السعوديون أن تجمع مثل هذا العدد الهائل من الحجاج الإيرانيين ـ أو بعض منهم ـ في شوارع  مكة الضيقة، من شأنه أن يؤدي إلى إعاقة حركة السير والخدمات داخل المدينة المقدسة، خاصة قبل نفرة الحجيج من مكة المكرمة إلى منى وعرفات. وانزعجت قطاعات أخرى من الشعب السعودي ـ ومعظمها من الحنابلة المحافظين ـ من عزم آية الله خامنئي على بناء ضريح للإمام الخميني في المدينة المنورة، الأمر الذي ينافي تعاليم الحنابلة. ولذا، لاقت السياسات السعودية الأخيرة تجاه إيران بعض التأييد الشعبي .

وربما يكون رد الفعل الإيراني تجاه الأسلوب السعودي الجديد قد حقق ـ عملياً ـ بعض النتائج الإيجابية . فبرغم استمرار الحملة الإعلامية المغرضة ضد المملكة العربية السعودية،  أصدر آية الله علي خامنئي ـ المرشد الروحي الإيراني ـ أوامره بإلغاء مسيرات الحجاج المزمعة، وبدأ في تخفيف حدة موقفه تجاه المملكة.

 ودعا خامنئي في خطابه إلى الأمة الإيرانية في 23 أيار/ مايو 1994 ـ بمناسبة عيد الأضحى المبارك ـ إلى عقد جولة جديدة من المفاوضات مع المملكة العربية السعودية،  للوصول بمسألة حصة إيران من الحجاج إلى مستوى مرض للطرفين. وردد الدعوة نفسها متشدد  آخر هو آية الله يزدي رئيس المحكمة العليا . ولقي هذا التغير في الموقف الإيراني ـ من جانب خامنئي ويزدي ـ انتقاداً حاداً من أتباعهما،  وخاصة على صفحات جريدة "كيهان" وغيرها من الصحف الإيرانية. وبدا لبعض الوقت أن سياسة إيران تجاه المملكة العربية السعودية قد أصبحت قضية سياسية داخلية. وبالإضافة إلى ذالك، دفعت الضغوط الاقتصادية رئيس مجلس الشورى وزير الداخلية السابق علي أكبر ناطق نوري،  إلى الدعوة لتطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى .

  

 

صالح المانع: حصل صالح المانع على درجة الدكتوراة في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا عام 1981،  قام بعهدها بالتدريس، وعين كوكيل لإحدى كليات جامعة الملك سعود بالرياض في المملكة العربية السعودية،  وظل بها إلى جانب عمله كمستشار لوزارة المالية والاقتصاد الوطني السعودية، كما عمل أستاذا ً زائراً بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بالعاصمة الأمريكية واشنطن،  ومستشاراً لمعهد أبحاث نزع السلاح التابع للأمم المتحدة بجنيف، في مشروع ضبط التسلح بالشرق الأوسط .  

 

وبرغم تعاظم الترسانة العسكرية في إيران، فإن علاقتها بالمملكة العربية السعودية لم تتأثر، وإن اتسمت بقدر أكبر من الهشاشة. وفي ربيع عام 1992 بدا وكأن هناك تنسيقاً في سياسات كلا الدولتين تجاه جماعات المعارضة العراقية، إذ قامت المملكة العربية السعودية بدعوة رئيس حزب الدعوة العراقي ـ الشيخ محمد باقر الحكيم المقيم في طهران ـ للمشاركة في لقاء جماعات المعارضة العراقية المنعقد في الرياض في شهر شباط/ فبراير.

 

الغزو العراقي للكويت وأثره في المنافسة الأيديولوجية

 

أثر الصدع الأيديولوجي في السياسة الخارجية

 

وجرت محاولة أخرى للتسوية على يد جمال الدين الأفغاني ومريديه في مصر،  الذين سعوا في نهاية القرن الماضي إلى إقامة دولة إسلامية موحدة تتجاوز الانتماءات الخاصة والمذهبية. وجرت محاولة ثالثة في عام 1959 على يد الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر، الذي أصدر – بإيعاز من جمال عبد الناصر – فتوى تقضي باعتبار الشيعة الأثنى عشرية المذهب الخامس للتشريع الإسلامي،  وأباح لعلماء الأزهر الاستناد في فتاواهم إلى كتب الفقه الجعفرية.

 

العوائق المذهبية

 

نشأت في إيران ما بعد الخميني – على ما يبدو – سياسة خارجية إيرانية ذات مسارين، يضم كل منهما آراء متعارضة في الغالب مع الآخر. ويرتكز المسار الأول،  الذي تنادي به العناصر المحافظة الموالية للخميني، على النظرية التقليدية – الثورية ،  بينما يرتكز الثاني على المفهوم الدبلوماسي التقليدي، القائم على علاقة الدول ببعضها البعض. وما زال المنطق الثوري يجد متنفساً له على المستوى الإقليمي،  الأمر الذي قد يعوق سياسات الدولة التقليدية في بعض الأحيان. ومع نضج الثورة قد تنضج مثل هذه الوسائل .

 

أثر الدين في السياسة الخارجية

 

كانت معظم الجماعات السياسية النشطة في المملكة العربية السعودية صغيرة الحجم. وكان لزعماء القبائل وعلماء الدين جذور عميقة في المجتمع على مر التاريخ. وسعت الدولة الجديدة الى صهر الصفوة التقليدية من رجال الدين وزعماء القبائل داخل بوتقة النظام السياسي، من خلال عملية تمدين المجتمع. وأدت المعيشة في المدن إلى نشوء علاقة مباشرة بين أبناء المجتمع القبلي والسلطة الدينية. وحتى عندما عرضت النخبة من الشباب المتعلم الطموح خدماتها على الدولة،  أمكن صهرهم بسهولة داخل بوتقة البيروقراطية المتنامية .

 

الخلفية التاريخية

 

شغل كثير من المحللين السياسيين الغربيين، على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية منذ قيام الثورة في إيران، بالحرب الإيرانية-العراقية ثم بالغزو العراقي للكويت، وغالبا ما كانوا ينظرون إلى العلاقات الإيرانية- السعودية كنتاج ثانوي لهذه الحروب الإقليمية. بينما يرى محللون آخرون أن التنافس الدائر بين الدولتين ما هو إلا انعكاس للصدام بين القوميتين العربية والفارسية. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: