فقرات مهمة من كتاب : حِلفُ المصَالِح المُشتَرَكة 2
الخميس 19 نوفمبر 2009

 

التعاملات السرّية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة (2-2)

تأليف د. تريتا بارزي

تمهيد: هذا هو ( الفصل 20) من كتاب تريتا بارزي الكاتب الإيراني/ الأمريكي رئيس المجلس الوطني الأمريكى الإيراني والمدرس بجامعة هوبكنز بالولايات الأمريكية المتحدة، ونهدف من من هذا تقديم لب هذا الكتاب القيم والذي يتناول تاريخ العلاقات بين مثلث أمريكا إسرائيل إيران، والتحولات السياسية ومستقبل العلاقات.

ليكون القارئ المسلم والعربي على اطلاع متجدد بالدراسات الرصينة حول الموضوع من مصادر تحسب على أعضاء المثلث نفسه! الراصد

 

مواجهة المستقبل، مواجهة الحقيقة

"من الذي يهيمن على الشرق الأوسط؟ إيران أم الولايات المتحدة؟"

وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر، 29/5/ 2006

تحولت المنافسة بين إسرائيل وإيران منذ انتهاء الحرب الباردة، إلى عثرة في طريق تحقيق العديد من الأهداف الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط. فقد عملت كلتا الدولتين على تقويض السياسات الأميركية التي رأت كل منهما بأنها تصبّ في مصلحة الدولة الأخرى. فعلى سبيل المثال، عملت إيران على إفشال العملية السلمية لمنع الولايات المتحدة من تشكيل ما خشيت طهران من أنه سيكون شرق أوسط يتمحور حول إسرائيل ويعتمد على عزلة مطوّلة تُفرض على إيران. بدورها، عارضت إسرائيل المحادثات التي كانت تجري بين الولايات وإيران، مخافة أن يمنح تقاربٌ أميركي إيراني طهران أهمية استراتيجية كبيرة بواشنطن على حساب إسرائيل لأن إيران دولة قوية يمكنها تقاسم العديد من المصالح العالمية مع الولايات المتحدة، على الرغم من إيديولويجاتهما المتضاربة.

يمكن أن تستفيد الولايات المتحدة من إيران قوية تخدم كحاجز يحول دون وصول الصين إلى مصادر الطاقة في الخليج العربي وحوض قزوين، كما سبق أن خدمت كحاجز في وجه الاتحاد السوفياتي قبل انهيار الشيوعية. لقد خشيت إسرائيل من إيران قوية، وتملك ترسانة صاروخية، وربما نووية لا يمكن لها ولا يمكن لواشنطن التأثير كثيراً فيها. في حين شعر العديد بإسرائيل أن الدولة اليهودية لا تستطيع منافسة إيران على المستوى الاستراتيجي ـ بدلالة قيمتها بالنسبة إلى الولايات المتحدة ـ جادل آخرون بأن العلاقة الخاصة التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة لا تعتمد على المصالح الاستراتيجية، ولكنها تعتمد على شكل من أشكال التجانس، كما يشرح شلومو بروم من مركز يافي للدراسات الاستراتيجية. ويضيف: "إنها تعتمد على حقيقة أن شريحة واسعة من السكان بالولايات المتحدة تدعم إسرائيل: اليهود، واليمين المسيحي، وغيرهم. إنها تعتمد على القيم المشتركة".

لم تتغلب إسرائيل ولا إيران ـ ولا الشرق الأوسط بأكمله ـ على الهزة الجيوسياسية التي ضربت المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. يعود سبب خوف إسرائيل وإيران من نظام جديد في الشرق الأوسط يفيد الطرف الآخر إلى افتقار المنطقة إلى قاعدة جيوسياسية لنظامها الواهي. وعودة الحديث عن إيجاد توازن جديد ومستقر يجدد المنافسات الإقليمية ويذكّيها. فالأمر لا يقتصر على تعذر استيعاب نتائج انهيار الاتحاد السوفياتي وحسب، بل وعلى عدم معرفة النتائج الكاملة للهزيمة التي أنزلتها أميركا بطالبان والعراق حتى ذلك الحين. لزيادة الأمور سوءاً، سعت واشنطن إلى إقامة نظام يتناقض مع التوازن الطبيعي عبر السعي إلى احتواء إيران وعزلها، وهي التي تعتبر من أقوى الدول في المنطقة. حتى لو أمكن تشكيل نظام مصطنع يعتمد على إقصاء عملاق إقليمي مثل إيران، لن يتمكن هذا النظام من الوقوف على رجليه، وسيبقى هذا النظام صامداً طالما أن الولايات المتحدة مستعدة للاستثمار في بقائه.

لم يكن سبب اندلاع الصراع بين إيران وإسرائيل الاختلافات الإيديولوجية التي بينهما، كما أنه ليست حماستهما الإيديولوجية هي التي تبقيهما حيتين اليوم. لكن ذلك لا يعني بالتأكيد أنه لا أهمية للإيديولوجيات في هاتين الدولتين. ففي الحد الأدنى، يتسبب الخطاب السياسي الناتج عن هذه الإيديولوجيات في جعل إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة. فوجهات النظر المعادية للصهيونية يتبنّاها أغلب المسؤولين الإيرانيين، ولكن ليس كلهم. غير أن تأثير التوجّه الإيديولوجي للمسؤولين في رسم السياسة الخارجية الإيرانية مسألة مختلفة تماماً. تزامنت كافة التحولات الجوهرية في العلاقات الإسرائيلية الإيرانية مع التحولات الجيوسياسية وليس الإيديولوجية، فبدأ الشاه الابتعاد عن إسرائيل بعد أن باتت إيران تملك من القوة ما يمكّنها من تحييد الخطر العربي، وعقد صداقات مع الدول العربية من موقع قوة. في تلك المرحلة، ازداد ميل إيران إلى النظر إلى علاقتها بإسرائيل على أنها عبء أكثر منها رصيد. غير أن فشل الشاه في الفوز بدعم العرب لموقعه القيادي ـ وهو فشل يعود جزئياً إلى روابطه الوثيقة بإسرائيل ـ دفع الثوريين إلى البحث عن صيغة أخرى لرأب الصدع العربي الفارسي من خلال الإسلام السياسي. وأدّى ذلك التوجّه إلى زيادة حاجة طهران إلى معارضة إسرائيل، بالرغم من استمرار روابطها السرية بالدولة اليهودية.

حدث التحول الأسوأ والأكثر دراماتيكية في العلاقات الإسرائيلية الأميركية في مستهل التسعينيات، مع انتهاء الحرب الباردة وهزيمة العراق في حرب الخليج. المثير للسخرية أن الحماسة الإيديولوجية بإيران تراجعت بحدة في تلك السنين. ففي حين أنه كان في السياسة الخارجية الإيرانية مكونة إيديولوجية دائماً، كانت الإيديولوجية تُترجَم إلى سياسة عملانية في ما يتعلق بإسرائيل فقط عندما تقترن بمصلحة استراتيجية، كما كان عليه الحال في حقبة ما بعد الحرب الباردة. يشرح محسن ميردمادي الذي ترأس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الإيراني في أواخر التسعينيات الأمر بالقول: "الإسرائيليون يعارضون فكرة أن تلعب إيران دوراً هاماً، أو تكون القوة الأولى في المنطقة. ونتيجة لذلك، نجد أنهم يعارضون حدوث تطور بإيران. وبالتالي فهذا صراع بيننا وبين إسرائيل. ولو نظرنا إليه من زاوية إيديولوجية، سنظل في حالة عداء مع إسرائيل".

عندما كانت المصلحة الإيديولوجية تتصادم مع المصلحة الاستراتيجية، كما حصل في الثمانينيات، كانت الاعتبارات الاستراتيجية تتفوق باستمرار. بالنسبة إلى الإيرانيين، هذا ليس تناقضاً وإنما إحدى حقائق الحياة البسيطة. لذلك لا ينظر الحكام بإيران إلى الإيديولوجية كحقيقة مطلقة، وهو ما اعترف به الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني في خطبة جمعة عندما قال" "عمدنا إلى اتخاذ تدابير غير مناسبة أو لم نعمد إلى اتخاذ أي تدابير؛ وعمدنا إلى تأخير صناعة القرار. إن إيديولوجيتنا تتميز بالمرونة، وفي وسعنا اختيار منفعتنا الذاتية وفقاً للإسلام". في مناسبة أخرى، رفض رفسنجاني الفكرة التي تقول بأنه ينبغي أن تستند السياسة الخارجية الإيرانية إلى المبادئ الإيديولوجية بحيث يتوجب على الدولة أن تتصرف بما يتفق ومهامها التي يوجبها الإسلام، بصرف النظر عن النتائج التي ستنجم عن ذلك. "إن وضع الدولة في خطر على أساس أننا نتصرف على أساس إسلامي عمل غير إسلامي". استناداً إلى نائب وزير الخارجية السابق عباس مالكي، لم تعد السياسة الخارجية الإيرانية إيديولوجيةً منذ زمن طويل، "فالإيديولوجية تعني أنه يتعين علينا تبنّي سياسات تناصر المسلمين في كل العالم. أجل، يمكننا القول إننا نناصر المسلمين في كافة أنحاء العالم... ولكننا لا ندعم المسلمين الشيشان. إذا كانت الإيديولوجية المحرّك الأول للسياسة الخارجية الإيرانية، إذاً يتعين على إيران أن تفعل ذلك. ولكن إيران لم تفعل ذلك". بقدر ما قد يرغب القادة الإيرانيون في متابعة أهدافهم الإيديولوجية، ما من قوة في السياسة الخارجية الإيرانية أكثر غلبة من الاعتبارات الجيوسياسية.

يقرّ العديد من كبار صنّاع السياسة بتل أبيب بهذه الحقيقة، بالرغم من أن الخطاب الإسرائيلي يشير إلى العكس، ويجادلون بأن طموحات إيران لا علاقة لها بالطبيعة الإسلامية لنظام الحكم فيها. يقول باري روبن، مدير مركز البحوث العالمي للشؤون الدولية بالقدس (غلوريا): "إن ما كان يعتبر طموحاً مستنداً إلى القومية لدى الشاه أصبح لدى من خلفوه طموحاً موازياً مستنداً إلى راديكالية إسلامية غالباً ما خدمت ببساطة كقناع رقيق للقومية". والمرحلة الأخيرة، كما يسمّيها الإسرائيليون. التي وصلت إليها السياسة الخارجية الإيرانية لا تختلف كثيراً عن السياسة التي كانت متَّبعة في عهد الشاه. وقال لي إيرانيّ مسنّ بإسرائيل بصراحة: "الفرس يريدون الهيمنة! لطالما كانوا كذلك، وسيبقون دائماً كذلك".

عندما يتمعن المرء قليلاً، يجد أنه حتى انتقادات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الحادّة لإسرائيل تحرّكها دوافع استراتيجية. وهو قام بأمر قلّة من القادة الإيرانيين قاموا به قبله؛ التشكيك في المحرقة النازية. (كان الرئيس السابق محمد خاتمي حريصاً على تجنّب هذه المبالغات). قال أحمدي نجاد أمام حشد في خريف العام 2005. بمنطقة زهيدان الواقعة في جنوب شرق إيران: "اليوم، أوجدوا خرافة باسم المحرقة النازية وقدّموها على الله، والدين، والأنبياء. إذا كنتم (الأوروبيون) قد ارتكبتم هذه الجريمة الشنعاء، فلماذا ينبغي على الشعب الفلسطيني المظلوم أن يدفع الثمن؟ أنتم (الأوروبيون) الذين يتوجب عليكم دفع التعويض". وعلى الفور، أصدر مجلس الأمن الدولي بياناً أذان فيه تعليقات الرئيس الإيراني. ومن غير المفاجئ أن الأوروبيين شعروا بالغضب الشديد، وهددوا بالانضمام إلى الولايات المتحدة في تبنّي موقف أشدّ قسوة من إيران. فوجئت إيران بردة الفعل الدولية القوية، مما أشعل جدالاً داخلياً حادّاً داخل الحكومة، لأن تعليقات الرئيس أغضبت المفاوضين الإيرانيين المكلّفين بالموضوع النووي والذين كانوا يجرون محادثات دقيقة مع الأوروبيين منذ العام 2003 حول البرنامج النووي الإيراني. هذا الخطاب أضعف العمل الدقيق المتزن الذي قاموا به لتجنّب إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن وللدفاع عن حق إيران بتخصيب اليورانيوم.

جادل المعسكر المحيط بأحمدي نجاد بأنه ينبغي على إيران توسيع دائرة الصراع وجعل إسرائيل جزءاً جوهرياً وبارزاً في الجدال الدولي حول البرنامج النووي الإيراني، لأن معالجة هذا الموضوع بمعزل عن القضايا الأخرى لا يفيد سوى الغرب. لكن بتوسيع أفق الجدال، ستجد إيران الأدوات اللازمة للدفاع عن موقفها. في الحد الأدنى، جادل معسكر أحمدي نجاد بأنه ينبغي تكبيد إسرائيل ثمناً لأنها جعلت البرنامج النووي الإيراني مصدر قلق دولياً واسعاً ولأنها أقنعت واشنطن بتبنّي سياسة أكثر تشدداً في هذه المسألة. ويوافق معارضو أحمدي نجاد في المعسكر الأكثر اعتدالاً على ضرورة وضع إسرائيل في موقف دفاعي وتوسيع النقاش، ولكنهم يختلفون عن المعسكر الأول بشكل واضح بشأن الطريقة المثلى لبلوغ تلك الأهداف. وبالاستناد إلى مسؤول إيراني رفيع المستوى، آثر الأشخاص المقرّبون من أحمدي نجاد إثارة مسائل تمكنت إسرائيل من حسمها على مدى العقدين السابقَين: شرعية إسرائيل وحقها في الوجود، وحقيقة المحرقة النازية، وحق اليهود الأوروبيين بالبقاء في قلب الشرق الأوسط. وجادل بأن هذا النهج سيردد صدى الشارع العربي الساخط ويظهر عجز الأنظمة العربية الموالية لأميركا والتي ستشعر بالضغط والإحراج.

وكما فعلت إيران في مستهل الثمانينيات، سعت هنا أيضاً إلى تحييد الحكومات العربية الموالية للغرب في المنطقة عبر مخاطبة الشارع العربي. فإذا جرى عرض حالة الجمود في الموضوع النووي على أنها اعتداء أميركي إسرائيلي على إيران الإسلامية التي نهضت لدعم الفلسطينيين، سيكون من المستحيل على الحكومات العربية ـ بصرف النظر عن مدى كراهيتها لطهران ـ الوقوف في وجه إيران لأن ذلك سيجعلها تبدو بأنها تقف إلى جانب إسرائيل. كانت تلك خدعة إيرانية قديمة، والإسرائيليون على دراية تامة بها بالرغم من عدم قدرتهم على القيام بالكثير لمواجهتها. يقول شلومو بن عامي، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق: "في رأيي، تبقى هذه، حتى بالرغم من الموضوع النووي، الغاية الرئيسية للخطاب الناري لأحمدي نجاد. إذا كان الخطاب المطروح في الشرق الأوسط خطاباً عربياً، سيتم عزل إيران. لكن في حال كان إسلامياً، ستحتل إيران موقعاً ريادياً. وإذا أضفنا إلى ذلك دعوى حماية إيران والثورة الإيرانية، يتبين لنا لماذا سعوا طوال الوقت إلى معارضة العملية السلمية".

عارضت الأصوات الأكثر اعتدالاً بطهران هذا النهج بسبب الصعوبات التي تكهنوا بأنه سيوجدها للمساعي الدبلوماسية الإيرانية في الموضوع النووي. وهم آثروا أسلوب خاتمي الذي اعتمد على إثارة مسألة معاناة الشعب الفلسطيني وعدم استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات على صعيد الأراضي، مع تجنب القضايا الساخنة مثل حق إسرائيل في الوجود أو المحرقة النازية، وجادلوا بأن رفع الخطاب إلى مثل هذه المستويات سيفشل ويدفع دولاً رئيسية مثل روسيا والصين إلى الانقلاب على إيران. في هذا السياق، جرى تداول جزء من هذه النقاشات علناً على صفحات الجرائد الإيرانية. فقد نشرت صحيفة الشرق الإصلاحية اليومية التي أغلقها أحمدي نجاد بعد أن انتقدته علناً، مقالة افتتاحية انتقدت فيها إنكار الرئيس للمحرقة النازية. ركّز الكاتب على حجتين؛ المحرقة النازية ليست قضية تعني إيران، وأنه بدلاً من قلب الطاولة على رؤوس أعداء إيران، لن تعمل تصريحات أحمدي نجاد سوى على زيادة الأمور سوءاً بالنسبة إلى إيران.

غير أن الذي غاب عن الجدال الداخلي بطهران على نحو ملفت للنظر كان الدوافع والعوامل الإيديولوجية التي تثيرها إيران علناً لتبرير موقفها من إسرائيل. فلم يأتي أحد على ذكر الإسلام أو معاناة الشعب الفلسطيني في النقاشات. وبدلاً من ذلك، بدت بنود الجدال ونتيجته ذات طبيعية استراتيجية صرفة. فقد هدف المعسكران إلى إعطاء إيران زمام المبادرة في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتجنّب مواجهة المصير الذي واجهه العراق عندما ظلت واشنطن من العام 1991 ولغاية الغزو في العام 2003 تسيطر بدرجة كبيرة على مجرى الأحداث. مع أن النظام لم يتوصل إلى إجماع على كيفية حل المسألة، منع آية الله كافة المسؤولين الإيرانيين من تكرار الملاحظات العنيفة حول المحرقة في الوقت الحالي؛ وهو ما كان مدعاة للإحباط بالنسبة إلى أحمدي نجاد.

لا يزال هذا القرار ساري المفعول. فعندما زار أحمدي نجاد نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول 2006، أثار الصحافيون الغربيون مسألة جرائم المحرقة. لكن بدلاً من تكرار ملاحظاته السابقة، حوّل أحمدي نجاد السؤال إلى جدال مختلف: معرفة ما إذا كان ينبغي على الفلسطينيين دفع ثمن الجرائم التي ارتكبتها ألمانيا النازية، ولماذا يُعتبر التشكيك في المحرقة جريمة في بعض البلدان الأوروبية. كما وجه أحمدي نجاد سؤالاً إلى أندرسون كوبر من محطة سي أن أن فقال: "إذا حصل هذا الأمر، فأين حصل؟ السؤال الأساسي هو أين. والمكان ليس فلسطين. [إذاً]، لماذا تُستخدم المحرقة النازية ذريعة لاحتلال الأراضي الفلسطينية؟" ثم دعا إلى إجراء المزيد من البحوث في هذا الموضوع مع تجنّبه بالكامل الاعتراف بحقيقة المحرقة أو تكرار وصفه السابق لها بأنها خرافة. لكن حتى بدون تكرار ملاحظاته السابقة، أظهر أحمدي نجاد كيف أن في وسعه إضعاف منافسيه بسهولة بطهران عبر إثارة غضب المراقبين الغربيين.

رجال دين نوويون؟

يتعين معالجة حالة الجمود في موضوع البرنامج النووي الإيراني في هذا السياق أيضاً. كما أن العداوة الإسرائيلية الإيرانية ليست مدفوعة بالاختلافات الإيديولوجية بين الطرفين، فهي ليست ناتجة حصراً عن إحساس إسرائيل بالخطر بسبب النشاطات النووية الإيرانية. لدى إسرائيل مخاوف مشروعة بالتأكيد بشأن الخطط النووية الإيرانية. لكن هذه المخاوف لا تفسر في حدّ ذاتها سبب هذا التحول نحو الأسوأ في العلاقات الإسرائيلية الإيرانية في العام 1992ـ بعد مرور ثلاث سنين على اكتشاف إسرائيل أن إيران أعادت تنشيط برنامجها النووي ـ أو سبب تنحية نتنياهو هذا المخاوف جانباً لفترة مؤقتة في العام 1996 عندما سعى إلى مدّ اليد إلى إيران. يقول كيث وايزمان من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك): "لم تعر إسرائيل اهتماماً في الحقيقة للبرنامج النووي الإيراني إلى أن بدأت العملية السلمية". في ذلك الوقت، كان البرنامج في مرحلة أولية، ولم يكن لدي إيران أجهزة طرد مركزي لليورانيوم، وكانت تفتقر إلى الكثير من المعرفة التقنية اللازمة لتطوير أسلحة نووية، وهي لا تزال كذلك لغاية الآن.

استناداً إلى مراجعة أجرتها الاستخبارات الأميركية، كانت إيران في العام 2005 على مسافة عقد تقريباً من تصنيع المكونة الرئيسية لسلاح نووي. كما أنه وفقاً لعدد من صنّاع السياسة بإسرائيل، بالغ حزب العمل في وصفه للخطر الإيراني لأسباب سياسية. فبالرغم من وجود خطر بعيد، بالغ رئيس الوزراء إسحاق رابين في الحديث عنه للترويج لصيغة الأرض مقابل السلام في أوساط الشعب الإسرائيلي، كما يشرح مستشار سابق لرابين. ففي النهاية، التصرّف الإسرائيلي لا يتفق والفكرة التي تقول بأنها تواجه خطراً وجودياً مصدره إيران. ولو أن هذا الخطر موجود فعلاً، كنا سنتوقع من إسرائيل استكشاف كافة السبل الكفيلة بتحييد ذلك الخطر، بما في ذلك فتح حوار أميركي إيراني. بدلاً من ذلك، عملت إسرائيل بلا هوادة على منع بدء مثل هذا الحوار.

بدأ الشاه البرنامج النووي الإيراني في سبعينيات القرن الماضي. كانت إيران تنتج حينها كميات من النفط تفوق ما تنتجه اليوم، وكان استهلاكها المحلّي أدنى بكثير في تلك الأيام. غير أن الرئيس جيرالد فورد عرض على طهران فرصة شراء منشأة إعادة معالجة أميركية الصنع لاستخراج البلوتونيوم من وقود المفاعل النووي. من خلال ذلك العرض، ستتمكن إيران من امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة، وهو ما سيوفر لها المعرفة اللازمة لإنتاج مواد لصنع قنبلة نووية. لكن واشنطن أرادت الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك. ففي العام 1975، قام وزير الخارجية هنري كنسنجر بتطوير استراتيجية تفاوض لبيع معدات طاقة نووية لإيران كان من المتوقع أن تعود على التجارة الأميركية بأكثر من 6 مليارات دولار. كان ديك تشينين وبول وولفويتز، ودونالد رامسفيلد يشغلون جميعاً مناصب رئيسية في مجلس الأمن القومي في إدارة فورد. لكن بعد مرور أكثر من ربع قرن، أصبح هؤلاء الأشخاص أنفسهم على خط المواجهة في حملة تهدف إلى حرمان إيران من الحصول على تلك التكنولوجيا بالذات مجادلين بأن بلداً يملك ثروة نفطية مثل إيران يهدف من وراء امتلاك هذه التكنولوجيا إلى استخدامها في أغراض عسكرية وحسب.

بالرغم من أن إيران لا تزال على مسافة سنوات من امتلاك القدرة والمادة لصنع قنبلة نووية، فقد وصلت حالة الجمود إلى نقطة حرجة بسبب الجهود الإيرانية الهادفة إلى إتقان عملية تخصيب اليورانيوم. استناداً إلى ما تقوله إسرائيل، بعد أن تتعلم إيران كيفية تخصيب اليورانيوم بكميات كبيرة وعند مستويات إثراء مرتفعة، تكون قد عبرت نقطة اللاعودة. وتكون بذلك قد امتلكت المعرفة التقنية اللازمة، والتي سيكون من شبه المستحيل بعدها منع إيران من التحول إلى بلد نووي. لكن يوجد العديد من المشكلات في هذا التحليل. أولاً: وقّعت إيران ـ بخلاف إسرائيل ـ على معاهدة عدم الانتشار، ويرى أغلب المشاركين في هذه المعاهدة أن إيران تملك الحق بتخصيب اليورانيوم بموجب البند الرابع من المعاهدة، والذي يضمن لكافة الدول "الحق الذي لا يجوز التفريط فيه... في تطوير البحوث في الطاقة النووية وإنتاجها واستخدامها في أغراض سلمية بدون تمييز" . إن إنكار هذا الحق على إيران سيغيّر بنود المعاهدة والتي يتردد العديد من الدول غير النووية في الانضمام إليها ما لم تفِ الدول النووية بالتزامها المنصوص عليها في البند السادس من المعاهدة وتبدأ تفكيك ترساناتها النووية. ثانياً: يقول بعض الخبراء في قضايا عدم الانتشار، بأن مفهوم نقطة اللاعودة مقياس اعتباطي يُستخدم لغايات سياسية. يقول جون وولفْشتال، وهو مسؤول رفيع سابق في وزارة الطاقة: "إن مفهوم نقطة اللاعودة مفهوم غير صحيح، والأصوات التي تستخدمه بأميركا وإسرائيل للدفع في اتجاه التوصل إلى حل سريع أصوات مضللة. إنه مفهوم باطل تستخدمه الجهات التي تريد القيام بعمل فوري".

العمل الفوري هو بالضبط ما يريد الإسرائيليون القيام به. في صيف العام 2006، قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني: "كل يوم ينقضي يقرّب الإيرانيين أكثر من بناء قنبلة. والعالم لا يستطيع التعايش مع إيران نووية". لقد تبنّى اللوبي المؤيد لإسرائيل بواشنطن موقفاً أكثر تشدداً من موقف الحكومة الإسرائيلية نفسها، فخاطب المدير التنفيذي في إيباك، هاوارد كور، خمسة آلاف شخص من مناصري إيباك في مأدبتهم السنوية بواشنطن في 5 مارس/آذار 1993 " إن أوجه المقارنة بين المناخ الجيوسياسي في 5 مارس/آذار 1993 ونظيره في 5 مارس /آذار 2006، مذهلة من حيث التشابه بينهما، ولكنها رهيبة من حيث مضمونها". وقبل أن يلقي كور خطابه، شاهد الحضور سلسلة من الفيديو كليبات التي تقارن بين وصول أدولف هتلر إلى السلطة وفترة حكم أحمدي نجاد كرئيس لإيران. بذل الإسرائيليون ضغوطاً هائلة على إدارة بوش لحملها على التحرّك، ولعبوا دوراً رئيسياً في إقناع واشنطن بتبنّي سياسة تعارض التخصيب بالمطلق، مما يعني أنه يتعين حرمان إيران بالكامل من أية تكنولوجيا متعلقة بالتخصيب، ويصر الإسرائيليون على القول إنه حتى البرنامج التجريبي الصغير لن يكون مقبولاً لأن إيران ستظل قادرة على تعلّم كيفية استخدام هذه التكنولوجيا انطلاقاً من هكذا برنامج. وما من مرة صدرت تلميحات من إدارة بوش تشير إلى استعدادها للتوصل إلى تسوية إلاّ ودقّ الإسرائيليون أجراس الإنذار.

على سبيل المثال، عندما عبّرت إدارة بوش عن دعمها لاقتراح بسمح لإيران بمواصلة تطوير برنامجها النووي طالما أن عملية التخصيب تجري بروسيا، وقفت إيباك بحزم ضدّ إدارة بوش. وفي إيجاز لأعضاء الكونغرس، سُئل دبلوماسي إسرائيلي رفيع المستوى عن نوع نظام التحقق الذي سيُشعر الإسرائيليين بالاطمئنان إلى برنامج نووي سلمي إيراني. وبدون تردد أجاب هذا الدبلوماسي: "لا يوجد". بالمقابل، قال إن الضمانة الوحيدة المقبولة لدى إسرائيل هي "إضعاف قاعدة إيران الصناعية". وقال الإسرائيليون بأنه في حال لم تقم الولايات المتحدة بعمل سريع ضدّ إيران، فقد "تحتاج (الدولة اليهودية) إلى المضي في هذا الأمر بمفردها"، في إشارة إلى أنه ربما تحاول تدمير المنشآت النووية الإيرانية بنفسها.

سبّب احتمال شنّ هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية صداعاً حادّاً للبيت الأبيض، لأن اللوم سيُلقى على الولايات المتحدة تلقائياً في هذا العمل؛ بصرف النظر عما إذا كان الرئيس قد أعطى الإسرائيليين الضوء الأخضر أم لا. وبما أن إسرائيل لا تملك بمفردها القدرة العسكرية على تدمير البرنامج الإيراني بنجاح عبر توجيه ضربات جوّية، فالتهديدات المبطّنة التي تطلقها تل أبيب تهدف على الأرجح إلى الضغط على واشنطن لكي لا تليّن من موقفها عبر تحذيرها من العواقب المترتبة على شنّ هجوم إسرائيلي على إيران: تصعيد خطير في العنف في المنطقة سيشكل خطراً جدّياً على أمن الولايات المتحدة، بالنظر إلى موقف واشنطن الذي يزداد ضعفاً بالعراق. وسواء أراق الأمر لواشنطن أم لا، ستغرق لا محالة في الفوضى التي ستلي ذلك.

المثير للسخرية هو أن إيران ربما لا تريد بناء سلاح نووي كهدف في حدّ ذاته، وإنما تريد امتلاك القدرة على التحول إلى دولة نووية في حال واجهت خطراً وشيكاً. (لكن لا تزال القوى الغربية ترى في امتلاك إيران مثل هذه القدرة مشكلة كبيرة). وأشار المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة  الذرّية محمد البرادعي إلى أن الخيار المفضَّل لدى إيران هو امتلاك القدرة على صنع الأسلحة من غير أن تعمد إلى صنعها، وقال البرادعي بأن معرفة الإيرانيين كيفية تخصيب اليورانيوم رادع في حدّ ذاته وإلى أنهم "ليسوا بحاجة إلى سلاح؛ التخصيب عبارة عن رسالة". وعزز مدير الوكالة تعليقاته التي أدلى بها في نيوز آور مع جيم ليهْرِر في 18 مارس/ آذار 2004 بالقول: "حسناً، ما أردت أن أقوله هو... إذا كنتم تملكون برنامجاً للتخصيب أو برنامجاً لإعادة المعالجة، فهذا يعني أنكم تستطيعون إنتاج اليورانيوم... وأنتم من الناحية الفعلية تبعثون برسالة بأننا نعرف كيفية القيام بذلك في حال قررنا صنع سلاح. نحن لسنا بحاجة إلى تطوير سلاح، ولكننا نقول لكم، أنتم تعرفون، كما يعرف العالم وكما يعرف جيراننا بأننا نستطيع القيام بذلك".

يدرك الإيرانيون جيداً أن قراراً بامتلاك أسلحة نووية سيضعف الموقف الإستراتيجي لإيران على الأرجح بدلاً من أن يقوّيه. وطالما تم الإبقاء على الشرق الأوسط خالياً قدر الإمكان من الأسلحة النووية، ستتمتع إيران بتفوق في ميدان الأسلحة التقليدية على جيرانها بسبب حجمها ومواردها. لكن في حال امتلاك إيران أسلحة نووية، فستخاطر بإشعال سباق على تسلّح نووي يمكن أن يدفع دولاً صغيرة إلى امتلاك قدرة نووية أيضاً. عندما يصبح الشرق الأوسط على هذه الحال، ستخسر إيران تفوقها التقليدي، وتجد نفسها في وضع مساوٍ من الناحية الاستراتيجية لدول تكبرها إيران حجماً بأكثر من عشرين مرة. هذا هو الدافع الذي يفسر جزئياً سبب انضمام إيران إلى دولة إقليمية أخرى ذات كثافة سكانية عالية  - مصر- بالدعوة إلى إبقاء الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية في سبعينيات القرن الماضي. فبوصفهما دولتين كبيرتين، لا يوجد لدى إيران ومصر ما تكسبانه لكن يوجد لديهما كل ما تخسران بامتلاك أسلحة نووية. (لا يوفق الإسرائيليون على هذا التحليل ويفترضون بأن الإيرانيين سيسعون إلى امتلاك سلاح نووي مهما كانت الظروف).

يضاف إلى ذلك أن إيران تعتقد بأنها تملك قدرات ردعية فاعلة في مواجهة كافة الدول التي في المنطقة تقريباً، بما في ذلك إسرائيل، وأنها ليست بحاجة إلى أسلحة نووية لثني الدولة اليهودية عن مهاجمة إيران. يقول سفير  إيران لدى الأمم المتحدة جواد ظريف، في إشارة إلى القدرات غير النظامية التي تملكها إيران بلبنان: "من وجهة نظر الحكومة، لن تشكل أسلحة الدمار الشامل رادعاً لإسرائيل. لكن لدينا روادع أخرى تعمل بشكل أفضل". غير أن الخطر الوحيد الذي تفتقر إيران إلى أي رادع فاعل لمواجهته هو الولايات المتحدة (بالرغم من أن إيران تملك رادعاً جزئياً من خلال نفوذها لدى شيعة العراق، وهو ما يمكن أن يلحق أذى كبيراً بالاحتلال الأميركي الآخذ في الانهيار أصلاً هناك). لكن في حال أمكن تحسين العلاقات بالولايات المتحدة، ربما تُحرم إيران من أحد الدوافع الرئيسية لامتلاك أسلحة نووية.

هل يمكن ردع طهران؟

يمكن فهم خوف إسرائيل من إيران نووية، حتى وإن كانت إسرائيل لا تعتقد بأن إيران ستستخدم بالضرورة أسلحة الدمار الشامل ضدّها. فهذا سيؤدي بالتأكيد إلى دمار إيران نفسها: يعرف القادة الإيرانيون المدنيون منهم والعسكريون أن ترسانة إسرائيل تضمّ مائتي رأس حربي نووي، وأنها قادرة على توجيه ضربة ثانية بواسطة غواصاتها الثلاث من طراز دولفين والمجهزة بصواريخ نووية. على النقيض من الفكرة التي تصوّر الإيرانيين بأنهم "رجال... مجانين"، يقرّ أغلب المفكرين الاستراتيجيين بإسرائيل بأن الحكومة الإيرانية متطرّفة وراديكالية ولكنها حكيمة.

في الواقع، يمكن القول إن إيران عدو عاجز أمام إسرائيل لأنها لا تتصف باللاعقلانية والتهور. إيران تتصرف بمهارة كبيرة وحذر بالغ على نحو يفوق العديد من أعداء إسرائيل التقليديين. ففي حين كان صدام متهوراً  ومغامراً وارتكب أخطاء استراتيجية كبيرة بمهاجمته إيران في العام 1980 وغزوه للكويت في العام 1990، عملت طهران وفقاً لمبادئ مختلفة تماماً. حتى في أغلب الفترة التي سيطرت فيها الإيديولوجية على الثورة الإيرانية، لم تتصرف إيران بطريقة متهورة أو بدون تحسس لخسائرها أبداً. يقول إيهود ياري، وهو إعلامي تلفزيوني إسرائيلي محنّك: "الناس هنا يحترمون الإيرانيين والنظام الإيراني. وهم يعتبرونهم لاعبين في غاية الجدّية ويدرسون خطواتهم بعناية". يتفق معه إفرايم هالفي، الرئيس السابق للموساد، في الرأي ويقول: "أنا لا أعتقد أنهم غير عقلانيين، بل إنني أعتقد أنهم عقلانيون جداً. ووصفهم باللاعقلانية تهرّب من الحقيقة ووسيلة للابتعاد عن الواقع". وطالما أن الطرف الآخر عقلاني، ستتوفر للقدرة الردعية الإسرائيلية في مواجهة خطر إيراني نووي فرصة كبيرة للنجاح لأن الإيرانيين يعرفون بالضبط الثمن المترتب على مهاجمة إسرائيل، كما يقول روفين بيدأتْزور، مدير مركز غاليلي الاستراتيجيا والأمن القومي ومقاتل طيار في سلاح الجو الإسرائيلي الاحتياطي.

ربما تكون العقلانية التي تتصف بها إيران السبب الذي يفسر أيضاً عدم تقاسمها أسلحة كيميائية أو بيولوجية مع أي من وكلائها، ولماذا يرجَّح ألاّ تتقاسم إيران نووية الأسلحة النووية مع الجماعات الإرهابية. كانت إسرائيل قد أطلقت إشارات إلى إيران بأنها ستنتقم من أي هجوم نووي على إسرائيل بضرب إيران؛ بصرف النظر عن الجهة التي هاجمت إسرائيل. وقد استوعبت طهران بشكل كامل فحوى تلك الإشارة؛ في حال هوجمت إسرائيل من قبل أي من وكلاء إيران برأس حربي نووي، فستدمر إسرائيل إيران. لكن حتى بدون هذا التحذير الصارم، من غير المرجح أن تتقاسم إيران أسلحة الدمار الشامل مع وكلائها لأن هؤلاء لن يتصرفوا عندئذ كوكلاء في حال امتلكوا مثل هذه الأسلحة. ففي النهاية كل ما تطمح إليه إيران هو أن تصبح قوة إقليمية بدون منازع. وبالنظر إلى ميلها إلى اعتبار كافة البلدان الأخرى منافسة محتملة لها، من المستبعد جداً أن تقوّض هدفها بتقاسمها التكنولوجيا الحساسة مع أي من وكلائها. وإذا أردنا أن نحكم بناء على تصرفات طهران السابقة، يتبين أن القيادة الإيرانية أكثر دهاء من أن ترتكب خطأ مدمراً لا يمكن تصحيحه.

هناك وجهة نظر ضعيفة بإسرائيل، تسمى وجهة النظر البيغنية، وتحظى بتأييد أشخاص من أمثال نائب وزير الدفاع إفرايم سنيه، والعضو في الكنيست أوزي لاندو، والجنرال عموس جلعاد. يجادل هؤلاء بأنه يتعين أن يكون المبدأ الاستباقي لمناحيم بيغن ـ الذي دمّر المفاعل النووي العراقي بقصف أوزيراك في العام 1981 ـ هو الموجّه لطريقة تعاطي إسرائيل مع إيران. واستناداً إلى هذه المدرسة الفكرية، تتميز الدول الواقعة في الشرق الأوسط باللاعقلانية والتهور، ونتيجة لذلك لا يتوفر خيار رادع ثابت" أي أن إسرائيل لا تتحمل المجازفة مع أعداء مثل هؤلاء. والدفاع الوحيد المتوفر هو ضمان عدم امتلاك هذه البلدان تكنولوجيا نووية عبر تدمير منشآتها النووية بضربات استباقية.

غالباً ما يشير المدافعون عن هذا الخط إلى تصريح أدلى به رفسنجاني في مستهل العام 2002، عندما ناقش كيفية جعل دولة إسرائيل الصغيرة أكثر انكشافاً أمام هجوم نووي، ملمّحاً ـ كما يقول البيغنيون ـ إلى أن إيران تعتقد بأنها تستطيع أن تحقق النصر في حرب نووية مع إسرائيل. (اتَّهم رفسنجاني إسرائيلَ في وقت لاحق بتشويه تصريحه). في النهاية، يملك البيغنيون تأثيراً في الخطاب الإسرائيلي وفي توصيف الصراع أقوى من تأثيرهم في السياسة الفعلية المتَّبعة مع إيران. لكن إذا كانت إيران دولة غير عقلانية ومتهورة، فلماذا لم تقدم على عمل متهور لغاية الآن؟ يبدو أن الجمهورية الإسلامية رفضت على مدى السنين السبع والعشرين الأخيرة كافة الفرص التي تؤدي إلى دمارها. في الواقع، يرجح أن رجال الدين باتوا اليوم أقوى من أي وقت مضى. وبالنظر إلى المشكلات الداخلية العديدة التي تعاني منها الحكومة الإيرانية ونفور الناس منها في الداخل وفي الخارج، من الصعب فهم كيف تمكن رجال الدين من تحقيق هذا النجاح لو كانوا غير عقلانيين.

مع ذلك، ليس بالأمر المفاجئ أن العديد بإسرائيل توصّلوا إلى الاستنتاج بأن طهران غير عقلانية لأن هذا ما يودّ رجالُ الدين أن يراه أعداء إيران. لكن خلف سلوكهم المتناقض، غالباً ما تكمن سياسة وحيدة صيغت بعناية شديدة. فإيران تستخدم هذا التناقض لكي تخفي مصالحها، وتترك انطباعاً بأنها غير عقلانية ولا يمكن التوقع بتصرفاتها، وهو ما يُطلق عليه "انعدام العقلانية المتقمَّص". ويقول أمير مهيبيان، وهو استراتيجي محافظ بارز" "ينبغي ألاّ نكون دولة يمكن لأعداء إيران معرفة طريقتها في التفكير والتوقع بما ستقوم به. لم يكن في مقدور الولايات المتحدة أن تعبث مع الإمام الخميني لأنه لم يكن في الإمكان معرفة طريقته في التفكير... ويرجع سقوط صدام إلى أن طريقته في التفكير كانت معروفة. وهم عرفوا أنه حتى لو كان يملك أسلحة دمار شامل فهو لم يكن ليجرؤ على استعمالها".

هذه الطريقة في التفكير ليست محصورة بمعسكر المحافظين بإيران. فاستناداً إلى أحد معاوني مستشار الأمن القومي الإيراني، هذه الطريقة متجذّرة في تجارب إيران على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين، عندما مكّن انفتاحُ البلاد القوى الخارجية من التلاعب بها من أجل استغلال ثرواتها الطبيعية وجعلها دولة تعتمد على الغرب. ترى الحكومة الإيرانية بأنه "ينبغي البقاء على مسافة محسوبة بعيداً عن الأجانب"، على حدّ تعبير هذا المعاون. ويضيف "عليك ألاّ تجعلهم يفهمون كيفية إدارتك لشؤونك الخاصة. لهذا السبب، أعتقد بأن إثارة الحيرة أمر مقصود. ولهذا السبب يسمحون للمؤسسات المختلفة بالتعبير عن العديد من السياسات المتناقضة، ولا بأس بذلك. فهذا يوفّر لإيران الأمن لأننا نعرف ما نريد أن نقوم به". ربما تكون إيران قد خدعت الكثيرين في إسرائيل بهذه الاستراتيجية، ولكنها أسهمت أيضاً بانعدام الثقة المطلق بين إيران والعالم الخارجي، وهذا بدوره زاد من صعوبة التوصل إلى حل لمشكلات إيران مع الولايات المتحدة ومع المجتمع الدولي.

سواء أكانت إيران عقلانية أم لا، متهورة أم لا، كانت تنوي مهاجمة إسرائيل أما لا، ستشكل إيران النووية بالرغم من ذلك مشكلة لإسرائيل بسبب تأثيرها في قدرة إسرائيل على المناورة الاستراتيجية. فالخطر الحقيقي الذي تراه إسرائيل في إيران تملك قدرة نووية له شقّان. الشق الأول هو أن إيران التي لا تملك أسلحة نووية ـ ولكن في مقدورها إنتاجها ـ ستلحق ضرراً بالغاً بقدرة إسرائيل على ردع المنظمات المسلحة الفلسطينية واللبنانية. وستضرّ بصورة إسرائيل بأنها الدولة الوحيدة المزودة بأسلحة نووية في المنطقة وتحطم الأسطورة التي تقول بأنها دولة لا تُقهر. عن هذه الصورة، قال لي جلعاد: "إنها أقوى عامل في إرساء السلام. إنها الرادع الذي نملكه". بالتالي، يمكن لقدرة ردعية إيرانية أن تقوض التفوق العسكري لإسرائيل، وتمنعها من إملاء شروطها الخاصة بالسلام ومتابعة خططها الخاصة بالسلام بطريقة أحادية. يقول سنيه: "لا يمكننا تحمّل وجود قنبلة نووية في حوزة أعدائنا نقطة على السطر. إنهم لن يكونوا بحاجة إلى استخدامها، لأن مجرد امتلاكهم لها يعتبر كافياً". يمكن لإيران النووية أن تجبر إسرائيل على القبول بتسويات مناطقية مع جيرانها لحرمان إيران من الذرائع العداوانية التي يمكن أن تستخدمها ضدّ الدولة اليهودية. وإسرائيل لن تتحمّل ببساطة الدخول في منافسة نووية مع إيران ومواصلة نزاعاتها على الأراضي مع العرب في الوقت نفسه. الشق الثاني إن الرادع والقوة التي ستمتلكهما إيران من جرّاء امتلاك دورة الوقود سيجبران واشنطن على التوصل إلى اتفاق مع طهران بحيث يصار إلى الاعتراف بإيران قوة إقليمية، مما سيُكسبها أهمية استراتيجية في الشرق الأوسط على حساب إسرائيل.

خيارات واشنطن: بين المطرقة والسندان

عندما يتعلق الأمر بإيران والمنافسة الإيرانية الإسرائيلية، الاعتقاد الشائع هو أن واشنطن لا تملك أي خيارات جيدة. لكن بعض الخيارات أسوأ من البعض الآخر. يستند بعض هذه الخيارات إلى نظريات خيالية لها القليل من الارتباط بالواقع، مثل إصرار إسرائيل على البقاء مخلصة للمبدأ المحيطي في الثمانينيات حتى بعد وصول آية الله الخميني إلى السلطة بإيران. فقد استندت النظرة الكونية للإسرائيليين على فرضيات بسيطة حول آليات العلاقات الدولية التي أخفقت في أخذ المصالح المتضاربة لإيران بعين الاعتبار. فمن ناحية، اعتقدت إسرائيل أن الصدع العربي الإسرائيلي عميق لدرجة أنه لن يمكن التوصل إلى سلام حقيقي مع العرب (على الرغم من الاتفاقية التي توصلت إليها إسرائيل مع مصر في كامب ديفيد1)؛ ومن ناحية أخرى، افترضت أن إيران تسير على المسار نفسه الذي سارت عليه إسرائيل أي أن إيران ستبقى دائماً على طرفي نقيض مع جيرانها العرب بسبب الصدع العربي الفارسي، مما يجعلها حليفاً طبيعياً ودائماً لإسرائيل بغض النظر عن رغبات حكام طهران. فالحقائق الجيوسياسية لن تترك ببساطة لإيران خيارات أخرى. وبناء على هذه الافتراضات، تكوّنت فكرة عما ينبغي أن يكون عليه سلوك إيران، وعندما لا ينسجم سلوك إيران مع هذه الفكرة، لا يتم التشكيك في صحة الافتراضات التي بُنيت عليها هذه الفكرة. وبدلاً من ذلك، يُنظر إلى تصرف إيران على أنه غير عقلاني ومؤقت، وأن إيران ستعود إلى رشدها عاجلاً أو آجلاً.

هذه النظرة البعيدة عن الواقع هي التي ميّزت مقاربة إدارة بوش في الشرق الأوسط من 11 سبتمبر/ أيلول. إحدى النظريات الخيالية التي استثمر فيها البيت الأبيض في عهد بوش الكثير من الطاقة والأمل هي تغيير النظام بإيران، والذي اعتمد هو نفسه على الفكرة التي تقول إنه مع وجود نظام مختلف يحكم طهران، سنُحلّ المشكلات بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك المشكلات بين إسرائيل وإيران، تلقائياً بطريقة أو بأخرى. يقول سنيه: "في اللحظة التي يزول فيها النظام الإسلامي، ستتغير العلاقة الإسرائيلية الإيرانية بزاوية مقدارها 180 درجة". بالنظر إلى العلاقة الوثيقة التي تمتعت بها إسرائيل والشاه، من السهل التوصل إلى هذا الاستنتاج المشكوك فيه. لكن هناك الكثير من الخلاف حول هذه النقطة بإسرائيل. فالبعض، مثل ميناشي أمير، المدير الأسطوري لراديو إسرائيل الناطق باللغة الفارسية، يرى في الحماسة الدينية للقيادة الإيرانية السبب الوحيد للعداوة بين البلدين. وهو قال لي في مكتبه بالقدس، والمزّين بالمشغولات الحرفية واللوحات الزيتية الإيرانية: "اليوم، إيران في حالة عداء مع إسرائيل لأسباب دينية. غير أن الأنظمة الإيرانية المستقبلية لن تعاني من تلك المشكلة".

البعض الآخر يجادل بأن تغييراً في القيادة الفردية أو في النظام بطهران لن يؤثر في الدافع النووي لدى إيران. وربما تكون حكومة علمانية وديموقراطية في طهران أكثر ميلاً إلى امتلاك قنبلة نووية، كما يقول رنعان غيسين، المتحدث باسم أرييل شارون، أو في الحد الأدنى، ستكون رازحة تحت ضغط شعبي لمواصلة البرنامج النووي بالوتيرة نفسها. ويقول أوزي أراد، مدير الاستخبارات السابق في الموساد والبروفسور في مركز المناهج العلمية المتعددة بمرتزيليا: "لا يمكن لإسرائيل أن تثق بأن الإصلاح بإيران سيزيل الخطر الاستراتيجي الذي يهدد إسرائيل". وبالإضافة إلى ذلك، لا توجد ضمانة بأن إيران ديموقراطية ستكون أكثر استقراراً أو أقل راديكالية مما هي عليه في ظل النظام الحالي. يقول الجنرال أمنون شاحاك: "إذا كان تغيير النظام أمراً ممكناً، سيكون الخطر موجوداً هناك. سيكون وضعاً غير مستقرّ وسيبقى نظاماً غير مستقر". وكما حلّت حكومة راديكالية محلّ نظام الشاه، يمكن أن يواجه نظام ضعيف بإيران المصير نفسه. بدوره، يرفض جلعاد المناقشة برمتها باعتبار أنها أكاديمية وبدون طائل لأنه من غير المرجّح، في نظره أن يسقط النظام. وهو يقول: "أنا أستبعد أية إمكانية لتغيير النظام". بقدر ما يعتبر رجال الدين سبباً لإثارة المشكلات، لكن طبيعة النظام الديني ليست سبب العداوة بين إسرائيل وإيران أو بين الولايات المتحدة وإيران. ففي النهاية، كانت التغييرات الجيوسياسية هي التي أشعلت المنافسة الإسرائيلية الإيرانية بعد انتهاء الحرب الباردة، وليس الإيديولوجية أو طبيعة القيادة بإيران. كما أن الثورة الإسلامية لم تضع حداً لسعي إيران إلى التفوق (في الواقع، زادت من الحماسة له في البداية)، ولا يمكن القول بأن إيران علمانية ستكون أقل ميلاً إلى السعي إلى رفعة الشأن وأكثر تقبّلاً لدور خجول في الشؤون الإقليمية.

فشل الاحتواء ـ حرب لبنان في العام 2006

السياسة الفاشلة الأخرى هي سياسة الاحتواء؛ الفكرة التي تقول بأن الصراع يكمن في احتواء إيران وإضعافها. هذه السياسة لم تفشل وحسب، بل وحوّلت وضعاً سيئاً إلى وضع أكثر سوءاً يجعل إيران دولة أقوى وأشدّ غضباً. المحاولة الأخيرة لإضعاف إيران ـ الحرب التي اندلعت في صيف العام 2006 بلبنان ـ توضح هذه النقطة. فبالرغم من أن إسرائيل لم تتوقع الهجوم الحدودي الذي شنّه حزب الله في 12 يوليو/ تموز وأسر اثنين من جنودها، إلاّ أن الدولة اليهودية كانت قد خططت، واستعدت لحرب تشنّها على حزب الله منذ أكثر من سنتين. ففي العام 2005، بدأ ضابط رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي بتقديم عروض تقديمية أمام دبلوماسيين أميركيين، وصحافيين، ومفكرين، توضح بتفصيل مخيف خطة العملية المتوقعة. يقول البروفسور جيرالد ستاينْبيرغ من جامعة بار إيلان: "من بين كافة الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ العام 1948، كانت هذه الحرب التي استعدت لها على الوجه الأكمل". في البداية، سار كل شيء وفقاً للمخطط المرسوم. فبعد أن أعطت واشنطن إسرائيل بركتها ودعمها ـ أشارت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس إلى الاقتتال بأنه "آلام ولادة شرق أوسط جديد" ـ اجتمع رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي دان حالوتس ومجموعة كبيرة من الضباط على عمق عدة مئات من الأقدام تحت الأرض في المعقل القيادي التابع لسلاح الجو الإسرائيلي بتل أبيب لمراقبة التطورات. في كوقت متأخر من مساء 12 يوليو/ تموز، وردت أولى التقارير إلى مقرّ القيادة. فقد دمّرت المقاتلات الإسرائيلية أربعاً وخمسين منصة صواريخ وعادت إلى قواعدها سالمة. بعد أن شعر حالوتس بالارتياح، اتصل برئيس الوزراء إيهود أولمرت في منزله بالقدس وأعلن بفخر: "تم تدمير كافة الصواريخ بعيدة المدى". لكنه لم يتوقف عند هذا الحدّ. فبعد لحظة صمت قصيرة، أضاف: "لقد انتصرنا في الحرب".

في هذه الأثناء فيما كان المحافظون الجدد بواشنطن يضغطون على إدارة بوش لا من أجل دعم الحرب وحسب، بل ومن أجل المشاركة فيها أيضاً، كان صنّاع السياسة بطهران يرتعدون خوفاً. فقد تفاجأ كل من حزب الله وإيران بحجم الردّ الإسرائيلي على الغارة. قال نائب أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في وقت لاحق للصحافيين: "توقعنا أن يكون ردّ إسرائيل على أسر الجنديَّين قصفاً مدفعياً يدوم يوماً أو يومين على الأكثر أو شنّ هجمات محدودة على أماكن معينة". كانت الاستخبارات الإيرانية قد حذّرت القادة السياسيين بطهران من أن إسرائيل أعدّت خططاً لمهاجمة لبنان في وقت لاحق، في أكتوبر/ تشرين الأول 2006، لكن لم تصلها أية إشارات تدلّ على أن الحرب ستكون بهذا الحجم أو أنها ستبدأ في كوقت مبكر في يوليو/ تموز. يقول ناصر هاديان، الاتساتيجي الإصلاحي: "كانت تلك نعمة على إسرائيل. لقد وفر لها حزب الله الفرصة الذهبية لكي تشنّ هجومها".

تخوفت إيران من أن واشنطن وإسرائيل تمهدان الطريق أمام بدء مواجهة عسكرية مع إيران عبر استئصال حزب الله أولاً؛ خط الدفاع الإيراني الأول، وخشيت طهران أن تكون تلك أكثر من حرب بالوكالة، خشيت أن تكون توطئة لتصفية حساب نهائية. تكهن الخبراء بالولايات المتحدة بأن إيران عمدت إلى إشعال فتيل الصراع لصرف الأنظار بعيداً عن مشكلة البرنامج النووي الإيراني، لكنّ الشعور الذي ساد بطهران هو أنه "تم هدر إحدى أوراق إيران بدون داعٍ" عبر الهجوم المتهور الذي قام به حزب الله على إسرائيل، وسرى اعتقاد بطهران بأن مواجهة مباشرة بين المسلحين والجيش الإسرائيلي لن تكون على الأرجح في صالح حزب الله. يقول محسن رضائي، أمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام: "عرفت إسرائيل والولايات المتحدة أنه طالما أن حماس وحزب الله موجودان هناك، ستكون المواجهة مع إيران مكلفة. ولذلك لكي يتعاملا مع إيران، هما يريدان أولاً التخلص من القوى المقربة من إيران بلبنان وفلسطين". حول هذه النقطة، لا يبدو أن هناك خلافاً بين الإسرائيليين والإيرانيين. فعلى مدى سنين كثيرة والقلق ينتاب الإسرائيليين من الحشد العسكري لحزب الله. ومع نشره آلافاً من القذائف والصواريخ، صار في مقدور هذا الحزب الشيعي ضرب أجزاء واسعة من شمال إسرائيل. من خلال حزب الله، اكتسب الإيرانيون قدرة ردعية ورافعة لم تقبل بها إسرائيل. الفكرة التي استحوذت على أذهان الإسرائيليين هي أن القتال بلبنان لا علاقة له بحزب الله وحسب، بل وبإيران أيضاً. قال ستاينبيرغ لمجلس العلاقات الخارجية: "أحد أهداف هذه الحرب، بدرجة معينة، هو التأكد من أنهم عندما يشاهدون بطهران صور بيروت، سيفكرون أيضاً بما قد يحصل لطهران".

لكن لا آمال إسرائيل ولا مخاوف إيران تحققت. فبعد إحراز بعض النجاحات الأولية، ذُهل الإسرائيليون من الردّ القوي لحزب الله، والذي شمل إطلاق آلاف من صواريخ الكاتيوشا على شمال إسرائيل. وبدلاً من أن يواجه الإسرائيليون تنظيماً غير محترف، أدركوا بعد وقت وجيز أنهم يقاتلون قوات حسنة التدريب والتجهيز. حتى أن حزب الله استخدم صاروخ سي ـ 807 صيني الصنع ضدّ سفينة حربية إسرائيلية قبالة الشاطئ اللبناني وأخذ الإسرائيليين على حين غرّة وأعطب السفينة. فشلت الاستخبارات الإسرائيلية في التوصل إلى معرفة كاملة قبل الحرب بما كان يخبئه حزب الله في ترساناته. خاض حزب الله حرباً عالية التقنية، وأولى عناية فائقة للحرب الإعلامية بقدر ما اعتنى بالقتال الذي كان يجري على الأرض. وتمكن مقاتلو حزب الله، الذين تلقوا تدريباتهم وعتادهم من الإيرانيين، من فكّ رموز شيفرة الاتصالات اللاسلكية الإسرائيلية، واعترضوا تقارير تتحدث عن الإصابات التي تكبّدوها. فيما من مرّة قُتل فيها جندي إسرائيلي إلا وتأكد حزب الله من صحة الخبر عبر التنصّت على الاتصالات اللاسلكية الإسرائيلية ليرسل بعد ذلك تقاريره مباشرة إلى محطته التلفزيونية الفضائية ـ المنار ـ التي كانت تبثّ الأخبار على الهواء مباشرة. هكذا، عرف الجمهور العربي أسماء من أصيبوا من الإسرائيليين والأماكن التي قُتلوا فيها قبل أن يتسنّى للجيش الإسرائيلي فرصة إبلاغ ذويهم. إن الوقع النفسي لهذه العملية على الإسرائيليين ـ الذين اعتادوا على التفوق على جيوش جيرانهم العرب ـ كان مدمّراً.

مع تتابع مجريات الحرب، غيّر سوء الحسابات التكتيكية وقصر النظر الاستراتيجي الإسرائيلي الوضعَ على الأرض؛ فضلاً عن الرأي العم بإسرائيل. ففي الأيام الأولى للمعارك، كانت الغالبية العظمى من الشعب الإسرائيلي تؤيد الحرب، حيث اعتُبرت حرباً دفاعية وضرورية لوضع حدّ نهائي للهجمات الحدودية التي يشنّها حزب الله. لكن سرعان ما تحوّلت البهجة الأولية للقيادة الإسرائيلية ـ وللشعب الإسرائيلي ـ إلى يأس. بعد مرور بضعة أسابيع من القتال من غير أن تظهر إشارات تدلّ على تحقيق الجيش الإسرائيلي مكاسب واضحة، أظهرت استطلاعات الرأي أن 63 في المائة من الإسرائيليين يعتقدون بأنه ينبغي على أولمرت أن يقدّم استقالته. وأبدى 74 في المائة رغبتهم في استقالة وزير الدفاع عمير بيريز المغربي المولد أيضاً. وتحوّلت صيحة الحرب التي كانت في بداية الحرب تقول: "دعوا إسرائيل تفوز" بحلول الأسبوع الثالث إلى "سنرضى بالتعادل". ومع انتهاء الحرب بعد أربعة وثلاثين يوماً، قال الإسرائيليون الساخرون بأنه لم يكن مهماً انتصار إسرائيل أو هزيمتها، ولكنّ المهم شاركت في المباراة، وبدلاً من تقوية صورة الردع الإسرائيلي الذي لا يُقهر وتعزيزها، أدّت الحرب التي كان من المفترض أن تُضعف إيران إلى جعل إسرائيل أكثر انكشافاً وحسب. وبالرغم من تلقي حزب الله الضربات (وكذلك لبنان بوجه عام، حيث قُتل ما يزيد عن ألف شخص كانوا في غالبيتهم من المدنيين، وتعرّضت البنية التحتية للبلاد لقصف منهجي من قبل إسرائيل منذ الأيام الأولى للحرب)، لم تلحق بقدراته الاستراتيجية أضرار كبيرة، وربما تعززت قوته السياسية داخل الخليط اللبناني الطائفي المعقد. وظلت إسرائيل معرضة للخطر بعد الحرب بقدر ما كانت معرضة له قبلها.

كان الإيرانيون في عداد من فوجئوا بالنتيجة أيضاً أي بالقدرة القتالية التي أظهرها حزب الله. كان الخوف، والتوقع إلى حدّ ما، أن تقوم إسرائيل بتدمير حليفها اللبناني، وبعد ذلك "تتغير الحسابات الإقليمية برمّتها لغير صالح إيران". بدلاً من ذلك، ارتفع رصيد إيران -وأكثر منه رصيد حزب الله - في الشارع العربي إلى مستويات غير مسبوقة، وانتاب الضعفُ إسرائيل والولايات المتحدة، ووجدت الحكومات العربية الموالية للغرب نفسها محاصرة بين شعوبها المتذمّرة وبيت أبيض أبدى قليلاً من المراعاة لمصالح حلفائه ورغباتهم. قام بعض الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة بخطوة غير عادية في الأيام الأولى للحرب بانتقاد حزب الله على تسببه بإشعال الحرب. بالمقابل عملت إدارة بوش على إطالة أمد الحرب بدلاً من تقصيره، وأحرجت حلفاءها العرب بإظهار انه ليس لديهم نفوذ في البيت الأبيض برئاسة بوش. وفي الوقت نفسه، كان الدعم الشعبي لحزب الله قوياً جداً لدى شعوب الحكومات التي انتقدت عملية حزب الله لدرجة أن قادة هذه البلاد عمدوا إلى تغيير موقفهم من حزب الله بسرعة. ولزيادة الأمور سوءاً، لم ينجم عن الخطورة الإسرائيلية تقوية إيران وحسب، بل إن إيران استفادت من إضعاف واشنطن لمنافسيها العرب.

فشل الاحتواء أيضاً عندما كانت الظروف أكثر مواتاة للولايات المتحدة، فباتت واشنطن وتل أبيب تواجهان الآن وضعاً مختلفاً بالكلّية عن الوضع الذي كان سائداً في العام 1993 عندما وُضعت سياسة الاحتواء قيد التطبيق للمرة الأولى من خلال العملية السلمية. في ذلك الوقت، كانت واشنطن في ذروة مجدها، فيما انهار الاتحاد السوفياتي. وفيما كان النظام العالمي الجديد قيد التكوين، أضحت الولايات المتحدة القوى العظمى الوحيدة في العالم، وأضحى رصيد واشنطن، من الناحية الدبلوماسية، كبيراً بالمثل. وبعد ذلك، شكّل وزير الخارجية جايمس بيكر ائتلافاً عريضاً ـ ضمّ عدداً كبيراً من الدول العربية ـ لطرد صدام من الكويت، ووفى بوعده بأن التعاون العربي ضدّ العراق سيليه ضغط من أجل التوصل إلى سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. من ناحية أخرى، كانت إيران ضعيفة، وكانت لا تزال تستعيد عافيتها بعد الحرب العراقية الإيرانية، فيما بقيت علاقاتها مع الدول العربية ومع أوروبا مجمّدة. بالرغم من ذلك، تبيّن أن عزل إيران في تلك الفترة كان أصعب مما تصوّرته واشنطن. وبالرغم من الجهود المكثفة التي بذلتها، تبّين أن سياسة احتواء إيران كانت خطأ فاحشاً.

لكن الأوضاع انقلبت اليوم، فأضحت مصداقية واشنطن متدنية أكثر من أي وقت مضى. وغزو العراق واحتلاله أضعفا الولايات المتحدة على الصعيدين العسكري والدبلوماسي، والحرب التي شنّتها على حزب الله لم تسهم بالكثير لكسب أصدقاء جدد في العالم العربي، وعجز الحكومات العربية الموالية للغرب عن التأثير في واشنطن زاد من حجم الهوة التي تفصل بين هذه الأنظمة وشعوبها. وعلى الرغم من النجاحات الاقتصادية التي لا مجال لإنكارها، أصاب الضعفُ الدول العربية في الخليج لأن أمنها يرتبط بشكل مباشر بقوة الولايات المتحدة.

من ناحية أخرى، اكتسبت إيران مزيداً من القوة. فقد عجّلت إدارة بوش من بروز إيران كقوة رئيسية في الشرق الأوسط عبر إزاحة منافسَيها الرئيسيَّين ـ طالبان بأفغانستان وصدام حسين بالعراق ـ عن الرقعة الجيوسياسية. ولم تعد هناك قوة إقليمية يمكنها موازنة إيران واحتواؤها بدون دعم أميركي مكثف؛ ومع ارتفاع كلفة هذه السياسة، تزداد الشكوك في إمكانية استمرارها. وعاجلاً أو آجلاً ستنهار سياسة الاحتواء، وتُضطر الولايات المتحدة إما إلى مكاملة إيران مع المنطقة أو الدخول في مواجهة معها. ويبدو بشكل متزايد أن أفضل خيار لواشنطن ـ ولإسرائيل ـ هو تقبّل الواقع بشجاعة والبحث عن طريقة للتوصل إلى تسوية مع إيران لأن كلفة الإعراض عن التحدث إلى إيران ترتفع بشكل مستمرّ. غير أن المحافظين الجدد لا يزالون يعملون على إضاعة فرص التفاوض مع إيران من موقع قوة في السنين الخمس الأخيرة، لأنهم، كما إسرائيل، لا يرغبون في أية محادثات أميركية إيرانية أصلاً. نتيجة لذلك، ربما تبدأ المحادثات المستقبلية من نقطة أكثر مواتاة لإيران منها لواشنطن وتل إبيب.

الحل العسكري غير الموجود

سيكون أي عمل عسكري يوجّه ضدّ إيران محفوفاً بمخاطر شديدة؛ وستكون تكاليفه باهظة حتى في حال نجاحه. لذلك، يحذّر كبار الضباط في الجيش الأميركي وفي مشاة البحرية، فضلاً عن العديد من المحافظين الجدد داخل نخبة مسؤولي الأمن القومي الأميركي، من أن هجوماً أميركياً على إيران سينزل كارثة بالموقف الأميركي في العراق وفي المنطقة بوجه عام بسبب قدراتها غير النظامية على الهجوم المضادّ. من ناحية أخرى، لا يمكن لإسرائيل أن تهاجم إيران بمفردها. فسلاح الجو الإسرائيلي لا يزال يفتقر إلى القدرات التي تمكّنه من ضرب كافة المنشآت النووية الإيرانية المعروفة. فعلى العكس من البرنامج العراقي، تتوزّع المنشآت النووية الإيرانية في شتى أرجاء البلاد. بالإضافة إلى ذلك، المسافة التي تفصلها عن إيران أكبر بكثير، وهذا يعني أن الإسرائيليين لن يتمكنوا من الوصول إلى إيران بدون إعادة التزود بالوقود من الجو. والأهم من ذلك أن الخطط العسكرية الأميركية لا تتضمن استهداف المنشآت النووية وحسب، بل ومعظم أجزاء البنية التحتية المرتبطة بالبرنامج النووي. الولايات المتحدة قادرة على تدمير كافة هذه المواقع، ولكن إسرائيل غير قادرة على ذلك. كما أن حملة عسكرية متهورة وغير موفقة يمكن أن تجعل الزخم السياسي في صالح إيران وتقوّض الجهود الهادفة إلى وقفها. زد على ذلك أنه مع وجود نحو خمسة وعشرين ألف يهودي إيراني لا يزالون يقيمون بإيران، يمكن لمواجهة عسكرية أن تعرّض أمن هذا المجتمع القديم للخطر، وهي خطوة ستتردد الدولة اليهودية في اتخاذها. بالرغم من أن إسرائيل دفعت بواشنطن إلى التعامل مع إيران بطريقة صارمة، تحذر جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل بواشنطن من المبالغة في الضغط على الولايات المتحدة، خشية أن يعتبر الشعب الأميركي ذلك بمثابة ضغط على أميركا لكي تدخل حرباً من أجل إسرائيل. المنظمات اليهودية داخل الولايات المتحدة سبق أن طلبت بهدوء من البيت الأبيض عدم الإشارة إلى أمن إسرائيل بوصفه التعليل المنطقي الأول لحسم نهائي محتمل مع إيران، مخافة بروز ردّة فعل معاكسة من الشعب الأميركي.

طريق محتمل للخروج؛ التكامل الإقليمي والأمن الجماعي

هناك سياسة واحدة لم تخضع لبحث جدّي وهي التكامل الإقليمي من خلال الحوار والمشاركة. ستعتمد هذه السياسة على الاعتراف بأن إيران ـ كما الصين ـ دولة لا يمكن للولايات المتحدة احتواؤها إلى أجل غير محدود، وأن إيران تصبح أكثر عدائية عندما يتم إقصاؤها، وأنه يمكن للولايات المتحدة أن تؤثر في إيران بشكل أفضل عبر مساعدتها على الاندماج في التركيبة السياسية والاقتصادية للعالم بدلاً من إبقائها خارجها. كما أن هذه المقاربة تحظى بتأييد الناشطين الإيرانيين البارزين في مجال حقوق الإنسان الذي يعتقدون أن ذلك سيعمل على تسهيل الإصلاح السياسي الداخلي أيضاً. إن ما يطلبه الإيرانيون من حيث الجوهر هو إنهاء سياسة كبّدت الولايات المتحدة الكثير وأكسبتها القليل.

إلى جانب كون هذه السياسة الخيار السياسي الأقل كلفة، هناك مؤشرات على أن هذه السياسة تتمتع بفرصة لا بأس بها للنجاح. فهناك فكرة متأصلة في كل من إيران الإمبراطورية وإيران الإسلامية تعتمد على حجم إيران، وعدد سكانها، ومستوى المتعلمين فيها، ومواردها الطبيعية التي تدفع البلاد إلى السعي إلى رفعة الشأن، وعلى أنه ينبغي لإيران أن تلعب دوراً قيادياً يعكس وزنها الجيوسياسي. كان ذلك ـ وسيبقى ـ القوة الرئيسية الدافعة للسياسة الخارجية الإيرانية سواء في حقبة الشاه أو بعد الثورة الإسلامية في العام 1979. فقد تطلّعت إيران الثورية في البداية إلى أن تكون قائد العالم الإسلامي بأكمله. وتطلعات الشاه الخاصة بدور إيران تجاوزت إلى حدّ بعيد منطقة الشرق الأوسط من الناحية الجغرافية، فقد كان يحلم بجعل إيران قوة بحرية متفوقة في المحيط الهندي.

لكن منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، خفضت طهران من مستوى طموحاتها، وقلّصت من حدود تعريفها لبيئة أمنها القومي بحيث بات يقتصر على الخليج العربي وبحر قزوين وليس الأوسط الكبير. داخل هذه المنطقة، تريد إيران أن تكون الأولى بدون منازع، وسياساتها الخارجية مالت إلى الراديكالية عندما سعت القوى الإقليمية والخارجية إلى عزلها واحتوائها. استناداً إلى مراد سغافي، وهو إصلاحي علماني تربطه علاقات عائلية وثيقة بالراحل آية الله الخميني، ستقبل إيران تودداً أميركياً يضمن مصالحها الإقليمية. ويضيف: "إذا قالوا، يوجد لإيران مكان في العالم، ونحن لا نريد مهاجمة إيران، ودعونا نسمح لإيران بأن تكون منتجاً رائداً للغاز، ستقول إيران أجل".

لكن بالرغم من أن إيران الثورية لم تتردد في التضحية بأهدافها الإيديولوجية من أجل بقاء الدول ونظامها، يبقى السؤال المطروح هو هل توجد ضمانات بأنها ستصبح أكثر براغماتية متى صار في مقدورها متابعة أهدافها الإيديولوجية بدون التضحية بموقعها الاستراتيجي؟ وهل ستبقى الإيديولوجية حافزاً ثانوياً لسياستها الخارجية، أم أنها ستصبح المحرّك الأول لها؟ باختصار، هل ستكون إيران الأقوى إيران أكثر راديكالية أيضاً؟ التوقعات الدقيقة مستحيلة وتدخل في علم الغيب. غير أن مراجعة لسلوك إيران في الماضي تدل على أن إيران الأقوى والأكثر تكاملاً هي أيضاً إيران الأكثر اعتدلاً. فسلوكها بعد الفوز الانتخابي الذي حققه الليكود في العام 1996 بمثابة تأكيد على ذلك. مع تنامي قوة إيران وتحسّن علاقاتها بالدول العربية، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومع نجاحها في الردّ على الجهود الأميركية الهادفة إلى عزلها، تراجعت حدة موقفها من القضية الإسرائيلية الفلسطينية. فإيران لم تستخدم قوتها المتنامية في زيادة حدّة سياساتها المعادية لإسرائيل. ربما أدركت إيران أنها لن تتمكن من إقصاء إسرائيل عن صناعة القرارات الإقليمية (على غرار فشل إسرائيل في إقصاء إيران) وأنها لن تكون بحاجة على المدى البعيد إلى عزل إسرائيل لكي تحقق أهدافها القيادية.

يمكن لمقاربة أميركية جديدة أن تحوّل سياستها الخارجية تجاه إيران إلى قوة تدعم الاستقرار عبر القبول بالأهداف الأمنية الإيرانية المشروعة في مقابل تنازلات إيرانية في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى إدخال تعديلات هامة في السياسة الإيرانية، بما في ذلك قبول إيران بالدور العالمي لأميركا ووضع حدّ لعدائها لإسرائيل، وكما أشارت إيران نفسها في الاقتراح الذي قدّمته لواشنطن في العام 2003، ستقبل طهران بإسرائيل كحقيقة في المنطقة وتقبل حلاً للصراع الإسرائيلي الفلسطيني قائماً على دولتين. لقد سبق أن حثّ وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر الولايات المتحدة على تبنّي هذه المقاربة في مقالة نشرتها الواشنطن بوست في مايو/ أيار 2006. كتب فيشر "ينبغي ألاّ تقل بدائل إيران عن الاعتراف والأمن أو العزلة الكاملة". فهذا النظام سيعكس على نحو أفضل التوازن الطبيعي للمنطقة، والذي بدوره سيجعلها أكثر استقراراً وأقل كلفة على الولايات المتحدة.

كما تحظى هذه الفكرة أيضاً بدعم بإسرائيل بين أوساط العناصر المعتدلة التي تعترف بأن مقاربة الفائز يحصد كافة الجوائز ربما ستجعل إسرائيل في موقف أضعف على المدى البعيد. ويجادل بن عامي، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، على صفحات هآرتز بأن "السؤال المطروح اليوم ليس حول تحديد متى ستصبح إيران قوة نووية، وإنما حول كيفية دمجها في سياسة إرساء الاستقرار الإقليمي قبل أن تمتلك تلك القوة. إن إيران لا يدفعها هوس بتدمير إسرائيل، وإنما إصرارها على المحافظة على نظامها وتثبيت نفسها كقوة إقليمية استراتيجية إزاء كل من إسرائيل والدول العربية... إن الردّ على الخطر الإيراني هو في سياسة الوفاق الدولي التي ستغّير نمط سلوك النخبة بإيران". مضى بن عامي إلى حدّ الإشارة إلى أن هذه هي أولى المسؤوليات الملقاة على عاتق الولايات المتحدة وأكثرها أهمية، لكنه أشار إلى أن إدارة بوش ـ كما إسرائيل ـ أكثر اهتماماً بمحاربة الشرّ منه بمحاربة التوصل إلى حل للصراع. ويجادل بن عامي بأن الحوار الأميركي الإيراني بات ضرورة مطلقة، حتى وإن كان سيفضي إلى حلول وسطية مع واشنطن وتل أبيب، مثل الاعتراف بأهمية إيران على الساحة الإقليمية. على العكس من أسلافه في حزب العمل، يشير بن عامي إلى أن التخفيف من حدّة الخطر الإيراني سيصب في مصلحة العملية السلمية الإسرائيلية الفلسطينية، وأن السعي إلى المبالغة في تصوير هذا الخطر لتخويف العرب والشعب الإسرائيلي من الجلوس إلى طاولة المفاوضات سيلحق الضرر بإسرائيل على المدى الطويل.

ما يطرحه بن عامي هو أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لن يُحَلّ ما لم تتم مراعاة السياق الجيوسياسي الذي يدور في إطاره. وهناك العديد ممن يجادل بأن القضية الإسرائيلية الفلسطينية هي المفتاح لحلّ كافة المشكلات التي يعاني منها الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، كان كولن باول يرى أن العملية السلمية الإسرائيلية الفلسطينية ستمهد الطريق أمام التوصل إلى تسوية مع إيران. لكن المفتاح ربما يكمن في الاتجاه آخر. صحيح أن الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين يلامس كل شخص وكل شيء في المنطقة بطريقة عاطفية عميقة، لكنه ليس صراعاً يحدد التوازن الجيوسياسي. كما أنه ليس مدفوعاً بالعوامل الجيوسياسية أيضاً. بدلاً من ذلك، إنه يمثل انعدام التوازن الجيوسياسي في المنطقة وهو ما يجعل الصراع عصياً على الحلّ. وما لم تتم معالجة الصراعات الكامنة في المنطقة، فإن أية عملية تهدف إلى حلّ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ستكون رهينة المنافسات الجيوسياسية. بناء على ذلك، سيبقى هذا النزاع أسير المنافسة بين إسرائيل وإيران على النظام المستقبلي للمنطقة، كما كان عليه الحال في منتصف تسعينيات القرن الماضي. من الواضح أن هذه القضايا مترابطة، سواء أجرت معالجتها انطلاقاً من هذه الحقيقة أم لا.

بالرغم من أنه يمكن لواشنطن فقط أن تقود عملية إعادة دمج إيران في النظام الإقليمي، يلزم اتخاذ خطوات جوهرية أيضاً من جانب إسرائيل لإنجاح هذه السياسة. إن القناعة المطلقة بأن جيران إسرائيل العرب سيعمدون إلى تدميرها إن استطاعوا تجعل الدولة اليهودية تسعى إلى المحافظة على وجودها من خلال الهيمنة العسكرية. الإسرائيليون يعتقدون بشدة بمفهوم يشار إليه بالحافة الاستراتيجية أو العسكرية. وتعتقد القيادة الإسرائيلية بوجه عام أن النوايا العدوانية لجيرانها غير قابلة للتغيير، مما يجعلها غير مبالية بتأثير أفعالها على أهدافها. بالنظر إلى صغر الحجم الجغرافي لإسرائيل وقلة عدد سكانها، يقول المبدأ القياسي بأنه لا يوجد أمامها خيار سوى السعي إلى أن تكون أقوى من كافة جيرانها على مرّ الأزمان لأنه "في حال امتلك أي من أعدائها القدرة على التخلّص منّا، فسيقوم بذلك"، على حدّ تعبير صموئيل بار، وهو ضابط قديم في الاستخبارات الإسرائيلية. من جانب آخر، يرفض أغلب الإسرائيليين الفكرة التي تقول بأنه يمكن لإسرائيل أن تؤثر في أهدف إيران ودوافعها. يصر الجنرال الإسرائيلي جلعاد على القول بأن "إيران تعمل بوحي من أحلامها، وحلمها هو تدمير إسرائيل... لا شيء يمكن أن يغير رأيهم. إنهم يتحلّون بالمرونة فقط فيما يتعلق بالمدى الزمني الذي سيستغرقه هذا الأمر". إذا كانت النوايا غير قابلة للتغيير، فلن يكون أمام إسرائيل خيار سوى ضمان ضعف جيرانها. وطالما أن إسرائيل تبقى جيرانها ضعفاء، فلن يكون لنواياهم أهمية. يجادل نائب وزير الدفاع سنيه فيقول: "في هذه المنطقة، علينا أن ننظر إلى كل سلاح كما لو أنه موجّه نحو إسرائيل. هذا هو الافتراض الذي ينبغي أن يكون دليلنا في كل شيء نقوم به. فنحن نعيش في منطقة خطرة وغير مستقرّة، ويتعين علينا أن نعيش وفقاً لسيناريوهات الحالة الأسوأ طوال الوقت".

ينبع التأكيد على سيناريوهات الحالة الأسوأ، بدرجة كبيرة، من الإفراط في التعويض عن الشعور بالنقص الذي تملّك الجهاز الاستخباري بسبب الفشل الذي وقع فيه غداة حرب تشرين في العام 1973، عندما قلل من تقدير القدرات العربية فيما بالغ في تقدير قدراته الخاصة. النتيجة كانت أن إسرائيل المعجَبة بنفسها صُعقت من الهجوم المصري السوري المفاجئ والجيد التنسيق والذي ألحق بالإسرائيليين خسائر جسيمة في الأيام الأولى من تلك الحرب، وكاد أن يؤدي إلى هزيمة ساحقة، قبل أن تستعيد إسرائيل توازنها وتتحول إلى الهجوم. يقول صموئيل ليمون من وزارة الدفاع: "كان تصحيح هذه الخطأ مبالغاً فيه. واليوم، باتت الثقافة السائدة، وأسمح لنفي بالقول بأن عقلية الاستخبارات... هي في أن تنسب إلى العدو قوة غير محدودة تقريباً وتقلل بالكامل من تقدير ما تعنيه قوتنا بالنسبة إليهم". تميل هذه العقلية التي تنذر بالشؤم إلى التوصل إلى تكهنات ترضي الذات، وتجسّد سيناريوهات الحالة الأسوأ بدلاً من أن تمنعها من الظهور. زد على ذلك أن التشديد على الدعاية العدائية التي يطلقها أعداء إسرائيل ـ وهي وفيرة في حالة إيران ـ يميل إلى جعل إسرائيل تفوّت الإشارات الإيجابية أو تتجاهلها بوصفها تكتيكات خادعة. بتطبيق ما تقدم على المستوى التالي، نجد أن هذه السياسة تملي على إسرائيل وجوب القيام بعمل استباقي ضد أية دولة أو منظمة توشك على امتلاك قدرات يمكن أن توفر لها توازناً في القوى. واستناداً إلى ديفيد إيفري، السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة، المبدأ الاستباقي سياسة إسرائيلية  قديمة، ويضيف: "تقاليدنا تشير إلى أنه يجدب عليك أن تنهض أولاً وتقتل الذي يريد أن ينهض ليقتلك. إن عبارة تنهض أولاً تلخّص هذا المبدأ برمّته".

في أبريل/ نيسان 2004، تلقّى رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون تقريراً شاملاً عن الأمن القومي ـ المشروع دانيال ـ جادل بأن لإسرائيل حقاً أصيلاً بالعمل الاستباقي لأن القيادات العربية والإيرانية، كما استنتج التقرير، غير عقلانية ولا تقيم وزناً للمحافظة على الذات. هذا يضعف من فاعلية الردع الإسرائيلي، ويوجب تحقيق هيمنة عسكرية كاملة، وتجنّب التساوي في القوى مهما تكن التكاليف. بناء على ذلك، أي شيء لا يرقى إلى مستوى التفوق الإسرائيلي الساحق سيشكّل خطراً وجودياً على الدولة اليهودية. نتيجة لذلك، يتعين على إسرائيل أن تسعى باستمرار إلى التفوق على جيرانها عبر استباق أية دولة تريد أن تتحدّاها. ومع تطور الدول التي في المنطقة، يتعين على إسرائيل أن تسبقهم في التطور، وإسرائيل لا تستطيع تحمّل خسارة موقعها الريادي، لأنه في حال امتلك جيرانها اليد العليا في الميدان العسكري، فلن يترددوا في تدميرها. يظهر هذا المبدأ لماذا قد تكون الديموقراطية بإيران غير كافية لإحداث تغيير جوهري في النافسة الإسرائيلية الإيرانية، لأنه حتى إيران الديموقراطية ستعتبر خطراً على إسرائيل إذا كان في مقدورها تحدّي التفوق العسكري الإسرائيلي ـ النووي أو التقليدي. ويعترف أحد المحللين الإسرائيليين بالقول: "أصبحت هذه هي الطريقة الوحيدة التي نعتقد بأنها تضمن لنا وجوداً في هذه المنطقة. إنها في وجه من الوجوه شكل من أشكال الهيمنة. ولكنها ليست هيمنة على الإطلاق. فنحن لا نريد ولا نفكر في أن نكون القوة الثقافية المهيمنة. إنه الوجود من خلال الهيمنة". لكنها تبقى هيمنة على أية حال.

في حين أن الاندماج هو السياسة الوحيدة التي يمكن أن تثّبت دعائم الاستقرار في المنطقة، لكنها لن تتكلل بالنجاح ما لم يتم التخفيف من حدّة المنافسة الإسرائيلية الإيرانية، وهذا بدوره يتطلب إدخال تغييرات هامة في السياسات الخارجية والأمنية لكل من إسرائيل وإيران. في الحدّ الأدنى، يتعين على إيران القبول بحل قائم على دولتين والتقليل من طموحاتها الإقليمية عبر الرضى بدور لا يتجاوز شرعية تسهم في دعم الاستقرار في المنطقة إذا استمرت في النظر إلى قدراتها العسكرية غير النظامية كأداة سياسية مشروعة. من ناحية أخرى، يتعين على إسرائيل أن تعدّل وجهة نظرها العسكرية لأنه يرجّح أن يضعها اعتقادها بأنه يتعين عليها الهيمنة عسكرياً على المنطقة على مسار تصادمي مع طهران بغض النظر عن إيديولوجية إيران، أو تركيبتها السياسية، أو سياساتها. كما أنه على الأرجح أن يؤدي التخلّي عن هذا المبدأ العسكري إلى تسهيل صنع السلام بين إسرائيل وجيرانها العرب.

سيبقى التصادم بين طموحات إيران الإقليمية وإصرار إسرائيل على الهيمنة الاستراتيجية سبباً لزعزعة الاستقرار والإضرار بمصالح واشنطن في المنطقة ما لم تعترف أميركا بأنه لا يمكن إرساء الاستقرار ولا الديموقراطية بدون إنهاء لعبة الموازنة والسعي بصدق إلى بناء شرق أوسط يكامل بين التطلعات المشروعة للدول كافة، بما في ذلك إيران. لكن إدارة بوش لا تزال مصّرة لغاية الآن على مقاومة مثل هذا التحوّل. في مرحلة ما على الطريق، سيعتري أميركا ضعف شديد بسبب إخفاقها في العراق لدرجة أن المنافسة الإسرائيلية الإيرانية ستطغى على المخاوف التي تساور واشنطن من أن إيران ستنجح في تحدّي هيمنتها في المنطقة. ففي خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه بوش في 10 يناير/ كانون الثاني 2007، اتهم بوش إيران بزعزعة استقرار العراق ودعم الميليشيات الشيعية لقتل الجنود الأميركيين هناك، فيما تغاضى عن حقيقة أن المتمرّدين السنّة مسؤولون عن أكثر من 90 في المائة من الإصابات التي تكبّدها الأميركيون بالعراق. بدافع من رغبة جامحة للمحافظة على هيمنة أميركا على المنطقة، أشار بوش إلى أنه ستتم مواجهة إيران وفرض مزيد من العزلة عليها من قبل الولايات المتحدة عبر تشكيل تحالف مناوئ لإيران يتألف من الدول العربية وإسرائيل، بمعنى أن سياسة توازن القوى ستبقى الدليل الذي يوجّه أميركا. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: