من تجربة شيعي سعودى
الأثنين 17 أكتوبر 2011
من تجربة شيعي سعودى

 هذه قتطفات مهمة من كتاب عادل اللباد (الإنقلاب .. بيع الوهم على الذات)

وهو يحكى تجربته الشخصية كشيعي سعودى انخرط في العمل الشيعي المسيس ضد وطنه السعودية ضمن التيار الشيرازي وبدعم من إيران في الفترة من 1980- 1994.

هذه المقتطفات تكشف للقارئ جدية العمل الشيعي ضد السعودية وأنه عمل منظم ومخطط له بدقة ومنذ مدة قديمة جداً، ولهذا لا تزال نتائج هذا العمل تطفوا على السطح بين الحين والحين، ويكشف عن الصراعات الداخلية سواء بين المعارضين الشيعة السعوديين، أو بين التيارات الشيعية بعامة.

بالطبع هذه المقتطفات لا تغنى عن قراءة الكتاب كاملاً ولذلك نرفق للقارئ المهتم الكتاب كاملاً. على هذا الرابط 

http://www.sendspace.com/file/j7hwmv

الراصد 

 

 

 

مقتطفات مهمة من كتاب عادل اللباد

 

(الإنقلاب .. بيع الوهم على الذات)
 
 
* فما أن دارت رحى انتفاضة محرم الحرام عام 1400هـ حتى صبّ المنتفضون – من أبناء العوامية- بعض غضبهم العارم – في حالة من التنفيس- بحرق مسكن عائلة الصمعاني بعد أن أخذوا الشاحنات من سائقي شركة (كليتون) لحفر مجاري الصرف الصحي – وقتذاك- فأغارت أولاً على مركز خفر السواحل بالرامس.. فغنمت ما فيه من عتاد وأسلحة رشاشة خفيفة- بعد أن أطلق الجنود سيقانهم للريح.
أتذكر حينما كان الشباب يجوبون الشوارع بتلك الأسلحة وكأنهم في عرض عسكري- بلا أي خوف، وكأني بالعوامية أصبحت دولة مستقلة لها سيادتها وحدودها المحرمة على دخول أي عسكري.
وقد نقل لي أحد الأصدقاء أنه سمع من امرأة – وقنذاك- تنادي عدة مرات: إن الشباب قد أسقطوا طائرتين في شمال العوامية على الشارع العام عند تقاطع السد؟!!، وبالطبع لم تحصل هذه الحادثة وإنما هي ابتكار العواطف والإشاعات اللامحدودة في مثل هذه الأوضاع، وقد تشير لشيء ما؟.
 
* وهل كان بالإمكان الانفلات من إخطبوط لهيب الشرق، وتخطي عنق رياح الثورة الإسلامية في إيران دون أن تجرفني في دوامتها، هل يمكن الهروب من موجة الانتفاضة في القطيف التي تولدت من رحم المأساة، فانعكس صداها في كل مرآة ثم يهدر شلال دم الشهداء من أبناء الوطن برصاص الحرس الوطني السعودي في مدينة القطيف وصفوى الباسلتين. أخذت أحداث وأخبار الانتفاضة –اليومية- تكتسح المجالس والبيوتات، وتفرض نفسها على العالم رغم غطرسة التعتيم الإعلامي.
هجوم الشباب لمحاولة نزع رجال السلطة، وجرح عدد منهم في هذه المحاولات، وسقوط عدة شهداء أتوا يحملون أرواحهم على أكفهم من الأحساء لمناصرة أهالي "سيهات" بيد أن شجاعة الجنود الباسلة لم تدخر نفساً للبرهنة على مهارتها وولائها المستميت، فقامت وصوبت إلى صدور العزّل من الأهالي نيران الأسلحة الأوتوماتيكية معبرين عن حجم الهستيريا التي أصابتهم.
وفي عنفوان نهار اليوم الثامن من شهر محرم الحرام سنة1400هـ تصاعدت المواجهات في مدينة القطيف وتحولت إلى صدام دموي شديد؛ حيث أثيرت حفائظ الجماهير إثر اعتقال بعض الخطباء ونفيهم: منهم السيد مرتضى القزويني، فخرجت الحشود رافعة قبضات التحدي وشعارات الثورة.. لتواجه بقنابل الغاز الكثيفة وكعوب البنادق والعصي الكهربائية، لكن المسيرة تواصلت وهي تجوب شوارع القلعة لترجم مبنى إمارة القطيف "عش الدبابير"، فأضحى المبنى تحت رحمة آلاف الحجارة السجيلية؛ مما دعا الحراس إلى الهرب تاركين خلفهم حقارتهم وذلهم وأسلحتهم على قارعة الطريق!.
مازالت الذاكرة تطل على نافذة انتفاضة المحرم لعام 1400هـ فقد أصيبت قوات السلطة بالذهول والارتباك من عنفوان ذلك البركان الحسيني.. فردت بشكل هستيري أفرغت فيه حقدها ولؤمها على الشباب المنتفض لأجل كرامته.. فبدأت بإطلاق النار في الهواء، وقد وصلت تعزيزات إضافية بينها سبعون سيارة نصبت عليها المدافع الرشاشة، بدأت تطلق الرصاص عشوائياً على الحشود الثائرة، ولكن لهب التكبير راح يتمخض قوة ويحتد مع تصاعد العنف، فيسقط خمسة قرابين شهداء؛ يتقدمهم الشاب المؤمن سعيد عيسى مدن القصاب 20 عاماً؛ الذي قدم من مدينة صفوى ليشارك في انتفاضة مدينة القطيف، وكان من بين الشهداء الفتى اليافع بسّام السادة 18 عاماً، وتوالى تساقط الزهور على درب الحرية راسمة خطاً جديداً ومنهجاً فكرياً ترويه بالدماء القانية.
إن أحداث الانتفاضة كانت تتناغم معها الجماهير، وتحسّ بها.. مما ولدّ التفاعل مع الحدث –آنذاك- ذاتياً.. لا كما يُروّج له الآن.. حيث رفعت دماء الشهداء كشعار يُتاجر به حسب المصلحة التي تدخل ضمن الربح والخسارة الناتجة من دنس السياسة.. فإذا كانت الأحداث مع النظام غير مستقرة ترتفع أسماء الشهداء عالياً.. وإذا استقرت الأمور.. تغلق نافذة الانتفاضة ويوضع على أسماء الشهداء وعذابات السجناء والثاكلات والحقوق.. الشمع الأحمر؟!!.
 
* على مشارف ليلة 9 محرم سنة 1400هـ انفجرت الصدامات العنيفة انطلاقاً من حسينية الشيخ علي الخنيزي "داخل الديرة" في مدينتي العوامية، وتموّجت في أم الحمام، وتاروت، وسنابس.. حتى أسفرت عن سقوط عدد كبير من الجرحى في أتون الاشتباكات.
أما في نهار يوم 9 محرم الحرام فهو يوم مفصلي؛ فقد شهد أكبر تظاهرة في تاريخ المنطقة الشرقية على الإطلاق، إذ تدفق أكثر من أربعة وعشرين ألف متظاهر في مدينة صفوى الباسلة لتشييع شهيدها المكلل بالسعادة سعيد عيسى مدن، حيث تقاطروا من كافة القرى والمدن بمنطقة القطيف الواقعة على الشريط الممتد من صفوى شمالاً حتى سيهات جنوباً، ومن تاروت شرقاً حتى الآجام غرباً.. بعد أن لعب المنبر الحسيني دوره في توجيه الناس للتضامن مع شهيد صفوى، فتقاطرت المواكب الحاشدة تلو المواكب من مدينة القطيف وسيهات والعوامية وأم الحمام والبحاري وتاروت وسنابس والجارودية وغيرها.. بينما نعش الشهيد يطفو على بحر من الأيدي إلى جانب صورته وقميصه – المضمخ بالدماء الزكية- المرفوع على عصا طويلة.. وقد رفعت على الجانب الآخر الآية الكريمة ]وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ[ ([1]).
وقد التفت السيول العارمة عند مقبرة صفوى الباسلة.. وما خمد أوار التظاهرة حتى أسفرت عن اشتباكات دامية مع أجهزة الأمن والحرس الوطني .. قُدّم على مائدتها أربعة شهداء، أما الجرحى ومن بينهم النساء فما أكثر عددهم.. وكان من بين الشهداء الشهيد السعيد سعود حسين الزاهر من مدينتي العوامية.
"وقد فتح الغضب العام الطريق أمام اندلاع مظاهرات حاشدة في نوفمبر 1979م، عندما تحدى بضعة آلاف من الشيعة في مدينة صفوى الحظر الحكومي واندفعوا لإحياء ذكرى عاشوراء، فتصدت لهم قوات الحرس الوطني بقسوة وقتلت على مدى أيام متتالية أكثر من20 شخصاً، واستمرت للعام التالي سياسة القبضة الحديدية التي مارستها الدولة مما أدت إلى اعتقال الكثير ودفعت بضع مئات منهم نحو المنفى.." ([2]) .
 
* في تلك الفترة.. بدأت أفواج الهجرة إلى إيران بالتضخم، وكان من بين أولئك الشاب سعود علي حماد "قائد المجموعة"، التي ضمّت .. عبد الكريم سعيد النمر، على عمار، جعفر محمد الربح، عبد الله السعيد.. الذين اكتشف أمرهم في دولة قطر – وهم عائدون-، بعد أن أبلغت السلطات السعودية عنهم تم القبض عليهم في المطار ليلة 23/9/1401هـ، ثم سُلّموا للسعودية وتمّ سجنهم في مباحث الدمام.
 
* نفضت المساجد عن كاهلها كثبان الوهن والخمول، وشمرت عن ساعديها محتضنة حماس الشباب المتوهج إلى الدين، وتلبي شغف المرحلة المتدفقة عن عزائم الفتوة الطرية.. وهنا لا يخفى أن الدور الأساس لهذه الصحوة العارمة.. التقى في عدة عناصر منها:
1ـ وهج الثورة الإسلامية في إيران.
2ـ تنظيم الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية، أحد فصائل الحركة الرسالية الأم.. الذي على رأسه جماهيرياً - الشيخ حسن موسى الصفار حيث كان يعمل التنظيم منذ السبعينات الميلادية.
3ـ التفرقة والطائفية، واختلال ميزان تكافؤ الفرص.
4ـ منع الحرية في إقامة الشعائر والمعتقد. ".. حيث عمد الحكام السعوديون وأجهزة الرقابة المحلية على تقييد الشعائر والممارسات الدينية الشيعية بصرامة، وشمل التقييد أوامر ضد إقامة الأذان للصلوات الخمس باستخدام السماعات الخارجية، إضافة إلى الحظر المفروض على توزيع أو نشر أي كتابات دينية أو سياسية، والقيود على بناء المساجد، وتدمير الأضرحة، وحل مراكز التعليم الديني، ومقاضاة بل واضطهاد القائمين على الشعائر الدينية بما فيها شعائر عاشوراء وزيارة الأضرحة.. والأكثر أهمية هو اختفاء كبار العلماء المجتهدين من المؤسسة الدينية العليا نتيجة لخسارة المنطقة استقلالها" ([3]).
5ـ الحرمان الذي ذاقه أبناء الطائفة منذ احتلال عبد العزيز المنطقة عام 1913م، وكان أهم أسباب الانتفاضة -حقاً- هو الشعور بالضيم والحرمان وتهميش هذا المجتمع الأصيل الذي تضرب جذره في أعماق التاريخ.. ففيه شيّدت الحضارة وابتكر الحرف وازدهرت الكلمة وانسابت البلاغة.. وقد كانت تمثل القطيف الحاضرة امتداداً مشرقاً ونبراساً وهّاجاً ومعلماً نيّراً للبحرين القديمة (أوال، الخط، هجر) بما فيها من مجد وحضارة ومقام أدبي.
 
* مازلت أتذكر هذه العبارة التي دبجت على الجدران "السجناء" في أعناق الجميع" بل إن الكتابة التي تعبر عن حالة الرفض اتخذت منحى آخر في بعض الأحيان لإيصال الصوت والشجب.. فالكتابة على جسم الحمير وإطلاقها تجوب في الشوارع والأزقة ما هي إلا تكتيك جديد لإيصال الرسالة لعدد أكبر من الناس، وقد رأيت هذا المنظر عدة مرات، حمار كُتب على جانبه وأحياناً جانبيه "أنا خالد أنا فهد" طبعاً حينما ترى دوريات المباحث والشرطة هذه الحمير تقوم بطلائها.. وبعد فترة ليست بالطويلة تعاد الكتابة من جديد على نفس الحمير أو غيرها، وهنا ترى الجهات المختصة أنه لابد من عمل شيء ينهي هذا التكتيك المتقدم-آنذاك- فتقوم على الفور بإحراق كل حمار كتب عليه أيّ شعار؟!!.
 
* ارتسمت صورة التقليد في ذهني شيئاً فشيئاً وبدأت تتضح تضاريس المسائل الفقهية المتعلقة بهذا الشأن.. بيد أن الطقس له أثره في اختيار من تقلد من مرجع؟ نعم لغة الطقس كانت ترسم لنا طريق الاختيار، فهناك مرجعية تقليدية ليس لها رأي ولا شأن في السياسة وما يحصل، ولا تخوض إلا في مسائل الدماء الثلاثة، والمسائل العبادية، والمعاملات من حلال ومن حرام.. وهناك مرجعية تجمع بين ما ذُكر وبين مواكبة العصر وما يدور فيه من صراعات وأيدلوجيات ومقارعة الظلم والاستبداد والدخول في خضم السياسة والجهاد، وإبداء الرأي في كل ما يتعلق بمعترك الحياة بلغة شبابية سلسة.
ودون أدنى شك، أن من يعيش تلك الأجواء وتفاعلاتها لن يختار على المرجعية التي تتبني المدرسة الثانية بديلاً.. ومن هنا كانت ماثلة أمامي صورة الإمام المجدد آية الله العظمى السيد محمد مهدي الحسيني الشيرازي -قدس سره-، حيث ملأ الدنيا وشغل العالم بأطروحاته الفقهية والفكرية المرتبطة بعرى كل جديد وحَيوي.
 
* إن الهجرة للدراسة الدينية بدأت قبل 1400هـ، وذلك في أواسط فترة التسعينات الهجرية إلى مدرسة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم التي أسسها الإمام الشيرازي -قدس سره- في الكويت بعد خروجه من العراق بعد صدور حكم الإعدام في حقه من قبل نظام صدام حسين البائد.. ومن الأسماء التي هاجرت تلك الفترة:
ـ الأستاذ محمد علي الصالح –العومية.
ـ الأديب محمد أمين أبو المكارم- العوامية.
ـ الشيخ يوسف المهدي- صفوى.
ـ الشيخ محمد الجعيد –القطيف.
ـ الشيخ محمود السيف- القطيف.
ـ الكاتب توفيق السيف- تاروت.
ـ الشيخ فوزي السيف- تاروت.
ـ الشيخ مصطفى الشيخ عبد الحميد المرهون- أم الحمام.
ـ الشيخ مصطفى المرزوق- الآجام.
 
* تسنّى لي مع مجموعة من الزملاء لقاء بعض طلبة العلوم الدينية القادمين إلى الحج من إيران.. فأخذوا بتوجيهنا وإرشادنا للعمل الرسالي.. حتى إن أحدهم من قريتي العوامية وهو علي عبد الكريم العوى.. اختارني مع مجموعة من الشباب للذهاب معه إلى مكان فضاء.. كحديقة أو برية بعيداً عن أعين الناس، ليرشدنا بكلام خاص.. خرجنا معه نجوب الشوارع والأزقة بحثنا عن ذلك المكان؛ ففوجئنا بما لم نتوقعه إذ إن كل الشوارع والأزقة التي دخلناها تفضي بنا إلى طريق مسدود.. حتى كلَّ الجميع من الإجهاد.. لم نخبر علي العوى عن الإجهاد الذي ألمّ بنا.. فأرجا بنفسه هذه الرحلة-التنظيمية – إلى وقت آخر لم يجد طريقه إلى عالم الوجود.
لم تتحقق تلك الجلسة التي كنت أتمناها إلا أن عليّاً لم يستنكف في توجيهنا بين الفينة والأخرى في السكن الذي نقطنه، علماً أن هذا اللقاء هو الأول لي مع الطلبة العائدين من إيران للحج، وكم كان مفيداً وجاداً فأنا كنت أنظر إلى الطلبة الذاهبين إلى الدراسة الدينية نظرة تقديسية وأجعلهم في صف الملائكة.. فما أن يتفوه أحدهم بكلمة أحسّ أنّه يتكلم بصدق بل ويطبق كل ما يتكلم به ؟!!.
 
* (دحلة الجن) اسم الحي الذي نسكنه بمكة المكرمة، وهو لا يبعد كثيراً عن بيت الله الحرام.. بينما كنا سائرين في تلك الشوارع الواسعة والمهيأة لاستيعاب آلاف الحجاج .. وإذا بالمسيرة المليونية-مسيرة البراءة من المشركين- التي يقوم بها الحجاج الإيرانيون، حيث تسد الآفاق، وتعطل حركة السير.. وقد انضم إليها عشرات الألوف من الحجاج الأفارقة والآسيويين والخليجيين.. وقد هالني –بغبطة وارتياح- صورة الإمام الخميني –قدس سره- الضخمة وقد تسلقت البنايات المرتقعة بطولها، وكذلك صورة خليفته آية الله الشيخ حسين منتظري – إذ مازال آنذاك مرضياً عنه – وهو أمل الخميني كما قال عنه الإمام نفسه حينما زكّاه لخلافته!
شعارات
ـ الموت لأمريكا.
ـ الموت لإسرائيل.
ـ يا أيها المسلمون اتحدوا اتحدوا.
ـ بالروح بالدم نفديك يا إمام.
الشعارات تجلجل أصداؤها في المسيرة المليونية.. فينعكس ذلك على الروح، فيقشعر البدن إجلالاً وهيبة.. تشعر أن ناصية الكون بيدك، وأنك أكبر من كل طاغوت وجائر.. تفاعلاتك ليس لها حدود، وبحماسك تقدر أن تخترق به الأرض وأن تبلغ الجبال طولاً.
بلا شعور انخرطت ومن معي في عالم وروح تلك الأجواء المفعمة بالحماس والتفاعل.. وقد كانت المرة الأولى في حياتي التي انضممت فيها إلى مسيرة.. وبهذا الحجم المذهل.. شعرت أن الأرض لا تحملني من الفرح.. تضخمت لدي روح الانتماء بشكل صارخ.. ساعة من الزمن حلقت تلك الشعارات إلى عالم غريب لأول مرة تشرئب نفسي إلى ربوته وتتفيأ ظلاله، وأزاحت عن روحي ألف جدار، وسمّرت بصري إلى مدى بعيد لا تحده حدود ولا تخيفه قيود..
في مقابل هذه التموّجات المليونية.. هناك طرف آخر يرصد أنفاسها، ويحصي خطواتها .. ألوف من قوات مكافحة الشغب والمخابرات السعودية صنعت سياجاً بهرواتها وأسلحتها.. تحاول أن تفشل على التموجات المليونية خطتها في المسير.. وكأنها تعد العدة إلى مجزرة أنهت فصولها الأخيرة بعد أربع سنوات.. بالتحديد في حج عام 1407هـ، حيث باشرت في رسم المشهد المأساوي.. ولكن بأي لون وكم عدد الذين صبغوا بدمائهم القانية ذلك المسرح المهيب.. وكم من زهور بريئة لم تتجاوز الرابعة والخامسة من العمر سحقت تحت سنابك الموت.. ناهيك عما خطه الرصاص الأمريكي في أجساد الشهداء في تلك الحمّى الهستيرية المتعطشة لإخماد الثورة في دماء الشعوب..
انفضّت المسيرة الزاخرة.. فانسربنا أنا ومن معي في أنهرها متخفين عن العيون معبئين بزخم أكبر من أعمارنا بسنين.. وقد وقع في أيدينا كتب وأدعية ومنشورات وصور رجال دين وعملة معدنية رسم على أحد وجهيها صورة الإمام الخميني وكتب على الوجه الآخر الشعار الذي ترتفع به الأصوات أبداً: "يا أيها المسلمون اتحدوا اتحدوا".
 
* هل تريد السفر إلى الجمهورية الإسلامية..؟
بهذا السؤال أشعل السفير السيد (هت م ي) فتيل القنبلة، لتوقظ من جديد الأمل الغافي، وتحفّز الطموح في قمقمه على إزاحة طمي أيّ عقبة في الطريق..
ـ ما عليك إلا أن يضحّي أحد أصدقائك بجواز سفره، لنستبدل الصورة فقط.. نضع صورتك على نفس الجواز، وتستخدم اسمه وكل بياناته الشخصية..
ليس لتردد أيّ ذرة عالقة تمنع قرار الموافقة.. رأيت أن هذا الإغراء هبة من الله – عز وجل- حباني بها وقد لا تكرر.
 
* في الأيام القليلة التي سبقت السفر امتشقنا التجولَ للترويح عن النفس والتعرف على بعض المعالم.. في مكتبة الرسول الأعظم لأول مرة أرى فارق الحرية بين الكويت والسعودية.. حيث تعرف الأشياء – هناك- دون أضدادها؟
في السوق وأنا أتجول مع قصي النمر.. صُدمت .. تفاجأت فلأول مرة في حياتي يقع بصري على نساء سافرات يضعن أحمر الشفاه ويحجبن بشعرهن الغجري شعاع الشمس. خالجني شعور: أن التسوق في أماكن تؤمّها النساء السافرات يناقض التدين والتقوى.. لم أفصح له بشيء –خجلاً- غير أنه رأى الامتعاض يتجول في عيني.
ولجنا أحد المتاجر الفخمة لبيع الملابس والأحذية، فأخذ قصي يقلّب بعض البنطلونات والأقمصة؛ ثم يسألني: ما رأيك في اللون والمقاس، فأجبته مجاملة: "تمام تمام" رأى أن الإجابات تترنح على طرف لساني على غير هدى.. ثم أردف قائلاً: تأكد مما تقول؛ لأن هذه البذلة لك فاخترها بعناية وذوق.. تأكد من المقاسات واللون الذي يناسبك..
اعترضت عليه.. أنني لا أرتدي هذا النوع من الملابس.. حيث كنا صغاراً نظن أن الذي يلبس البنطلون والقميص تأخذ الميوعة (والدلع) نصيبا منه!!
فقال لي بكل هدوء: إن اللباس الرسمي والمتداول في سوريا وإيران هذا اللباس.. وما الضير في ذلك.. ؟ عليك أن تنفتح على كل ما هو جديد، وتساير العالم في كل صحيح.. ثمة أمور بعد الآن سوف تتفاجأ بها.. خذها بكل مرونة.. لن تخرجك عن تدينك.. فإيران لا شك أنها جمهورية إسلامية؛ قامت على دماء الشهداء والمظلومين والتضحيات.. وأن قائدها الإمام الخميني وعلماء الدين وغيرهم لا يخرجون عن كونهم بشراً.. وهم ليسوا في منـزلة العصمة.. سوف ترى هناك المحجبات والسافرات والجيد والرديء.. وأن الذين تعاشرهم في إيران –من الجماعة- ليسوا ملائكة..؟!
 
* هل يعقل أنك وصلت أخيراً إلى بر الأمان.. أحقاً أنك في بلد الثورة، في ديار أبي أحمد، هل وصلت أخيراً إلى الحد الفاصل بين الخيال والحقيقة، أأنا في حلم؟ هل الذي أراه على الجدران حقيقة؟.. شخابيط.. شعارات تحيّي الإمام، وقادة الثورة"
 
* كُشف الستار وبدأت الخطوط تتضح وتفصح عن نفسها.. دروس ثقافية مركزة، ودروس في حسن التصرف والإدارة الذاتية، دروس في كيفية التدبر في القرآن الكريم الموضوعي والموضعي) .. دروس في تاريخ الحركات والمنظمات الثورية، مثل منظمة بادر ما ينهوف والألوية الحمراء وحياة غيفارا، دراسة حياة وعمليات كارلوس الشهير في عالم الاختطاف والقتل؛ الذي لاحقه الانتربول الدولي طيلة عقود من الزمن حتى كُبش في صفقة صال لها لعاب السودان سنة 1994م.. فضلاً عن الدروس الخاصة التنظيمية التي يتلقاها كل ثلاثة أفراد مع مسؤولهم التنظيمي .
 
* يرى كثير من الإيرانيين أنفسهم كما يرى الشعب الألماني نفسه، بعد ما عمّق وزرع أدولف هتلر في ذهنه أنه شعب آري من أفضل شعوب الأرض عرقاً، وبهذا يجب أن تخضع له جميع الأمم، بل تصبح كل الشعوب عبيداً له، يأمر فيطاع .. ولا تختلف كثيراً الغالبية العظمى من الإيرانيين عن هذا التوجه والنظرة؛ لاسيما تجاه العرب دون النظر إلى توجهاتهم وانتماءاتهم وطوائفهم إلا بما يخدم مصالحهم وقد يدخل ضمن ذلك المذهب إن وجدت مصلحة أو فائدة كقاسم مشترك.. وإلا تنتفي –بالنسبة لهم- هذا الدائرة أيضاً.. لذا تجد النَّفَسَ الفارسي يطغى ويتفرعن لما يجد أحدُهم أحدنا.. وقد طُردتُ أنا مرة لما كنت أنتظر دوري في مخبز، فحينما عرف مَن في الطابور أنني عربي.. وقد حصل لبعض الزملاء مواقف مشابهة في أماكن مختلفة عند معرفة الطرف المقابل بأننا عرب.. ومما يصعّد الفظاظة والغلظة مواقف حكام دول الخليج والدول العربية تجاه الجمهورية في إيران، فتنعكس كل تلك المواقف المذهبية والسياسية عليك أيها المسكين رغم انتمائك للمذهب الذي ينتمون إليه.. فحينما حدثت مجزرة الإيرانيين على أيدي السلطات السعودية في الحرم المكي سنة 1407هـ 1987م.. بدأت العذابات تسيل علينا وكأننا نحن الذين خططنا ونفذنا تلك المجزرة..!!
فكنا نحتال على ذلك النفس الشعوبي المريض بان تُعمل لنا بطاقات هوية عراقية تعلّق – بمشبك—على جيوب أقمصتنا على أننا من المجلس الأعلى المقاوم لحكم صدام أو منظمة العمل، مما تخفف عنا تلك النظرة الدونية المحتقرة.. وذاك في أحسن الأحوال.. وأحياناً إذا لم تتوفر البطاقة العراقية قلنا: بأننا لبنانيون من الجنوب ومن حزب الله.. وإلا حينما تفشل تلك المواربة بأن تفضحنا لهجتنا أو لغتنا الفارسية الركيكة جداً أو سحناتنا السمراء.. فالويل لنا والثبور!!. 
 
* صفقة إيران كونترا (جيت).
فجأة.. صدر خبر زيارة مندوب الولايات المتحدة الأمريكية (ماكفرلين) في تحقيق حسن صبرا رئيس الشراع اللبنانية.. وأين كانت الزيارة.. هل إلى بغداد، لزيادة مساعدات صدام حسين في حربه الغاشمة على الجمهورية الإسلامية في إيران، فذاك أمر ليس له أهمية.. فقد وقف العالم كله يغذّي ماكينة صدام العدوانية على إيران..؟
إذن.. كانت الزيارة في فندق (آزادي).. وأين يقع فندق (آزادي) من العالم؟!، هل يقع في بغداد، أم السعودية، أم الأردن، أم في القدس، أم القاهرة.. أم.. أم..؟.
هو في طهران عاصمة الجمهورية الإسلامية في إيران.. وقد التقى هناك بمسؤولين مهمين، ربما كان على رأسهم رئيس الجمهورية –آنذاك-، ولماذا هذا اللقاء؟!، وكيف يجتمع الأعداء!!.. ومازالت جراح احتجاز الرهائن الـ 90 لم تندمل بعد؟!.. من ضمنهم 65 أمريكياً، لما استولى حوالي500 طالب إيراني على السفارة الأمريكية بطهران، وقد دامت الأزمة- آنذاك- 444 يوماً.. من الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 1979م وحتى العشرين من كانون الثاني/ يناير1981م، وقد كان من تداعياتها احتراق طائرات الهيلوكبتر الأمريكية بمن فيها في (صحراء طبس) لما أرادت تحرير الرهائن، حتى تم تحريرهم بطرق سياسية.؟
هي المصالح إذن.. "فلا عداوة دائمة، ولا صداقة دائمة، بل مصالح دائمة".. فـ (إيران جيت) صفقة صواريخ (تاو) الأمريكية، ومن بعدها صواريخ (هوك) التي عقدتها أمريكا (الشيطان الأكبر)- حيث كانت عبارة عن مخطط سري، قامت إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان بمقتضاه ببيع أسلحة لدولة عدوة هي إيران، واستعمال أموال الصفقة لتمويل حركات (الكونترا) المناوئة للنظام الشيوعي في (نيكاراغوا-) لقد تمت الصفقة بواسطة إسرائيل، العدو اللدود للجمهورية الإسلامية في إيران؛ في ذلك الوقت الحرج، وقد رفعت (الصفقة) رؤوساً، وأسقطت أخرى من كلا الطرفين، لقد تهاوى الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان بعد انفجار الخَبَر.. أما كبش فداء إيران، فكان تدحرج رأس مسؤول حركات التحرر في إيران السيد مهدي الهاشمي زوج ابنة آية الله الشيخ حسين المنتظري ومدير مكتبه.. ولكن ما هي التهمة التي أسبغت على هذا الرأس الكبير –الذي كان له دور بارز في انتصار الثورة –وقد حكم عليه بتهمة كانت في سبات عميق، ولم تستيقظ إلا في سنة 1986م.. التهمة: هي اختطاف ثم اغتيال آية الله نجفي أبادي على أيام الشاه، وقد كان نجفي ضد ثورة الإمام الخميني -قدس سره- يومئذ.. حقاً لقد اختطف نجفي أبادي في سبيل الثورة الإسلامية؛ لأنه كان عاملاً مثبطاً لها، وقد توفي في السيارة التي حشر في غمارتها الخلفية جراء هبوط حاد في القلب بسبب عمره المديد.. لا بأس بذلك، لقد أغفت عيونها التهمة مدة سبع سنين أو تزيد.. حتى استفاقت لتقضي حاجة في نفس يعقوب.. !!، فهناك من رأى أن رأس مهدي الهاشمي كان صفقة مع أمريكا للتخلص من حركات التحرر؛ أم لأنه كشف سرّ تلك الزيارة في فندق (آزادي) إلى مجلة الشراع.. حيث أحيطت بجدران من الكتمان.. وذلك يعني الخيانة للدولة الفتية.. وهي يعني كشف السر بالضرورة ضرب لشعارات الثورة الإسلامية التي رفعتها أمام العالم والمستضعفين ضد الاستكبار العالمي وعلى رأسه الشيطان الأكبر (أمريكا)، مثيرة الحروب وعدوة الشعوب..!!، فكيف يسوّغ للمسؤوليين في إيران التعاقد والتصافح في (آزادي) تحت الطاولة.. والملايين تضجّ بالموت لأمريكا .. الموت لإسرائيل.. في حين كانت إيران تعلن أنها طردت (ماكفارلين)، وأنه جاء بـ كعكة (كيكة) ليهديها الإمام الخميني.. فرُدّ خائباً، حتى تغنّى الشعراء في إذاعة طهران ليتناولوا ذلك الحدث الشجاع (طرده) حتى قال الشاعر الشعبي.. "وتاليها بالذلة أنطرد ماكفارلين"؟!!
انتهت المحكمة، وأسدل الستار.. وضرب الخط الثوري ومن معه بالقشة التي قصمت ظهر حركات التحرر الثورية؟.
 
* هناك تحليلات تميل إلى أن اعتقال السيد مهدي الهاشمي (مدير مكتب آية الله الشيخ حسين منتظري) لم يتم ويعدم لأنه سرّب بعض المعلومات عن صفقة أسلحة سرية، بل إنه كان أحد بنود المفاوضات الأمريكية الإيرانية، حيث طالبت واشنطن من طهران برفع الدعم عن الحركة الإسلامية مقابل صفقة أسلحة أو صفقات أسلحة في المستقبل وإعادة العلاقات بين الطرفين، على كل حال الهاشمي قد اعتقل وبدأ وضع الشيخ المنتظري يتأرجح في إيران حيث أجبر على الاستقالة من منصب نائب الإمام الخميني وفرضت عليه الإقامة الجبرية، وبرز في سماء إيران نجم هاشمي رفسنجاتي كرمز للاعتدال والوعي السياسي والبرجماتية حسب المصطلح السياسي.
على أن الأثر الكبير الذي أحدثه اعتقال الهاشمي هو أن الحركة الرسالية بمدارسها ومواقعها السرية والمعلنة بدأت تلملم شملها من إيران، وبدأت تلك التجمعات والمواقع التي لا تعد ولا تحصى تترك الجمهورية الإسلامية الراعية للحركات الثورية باتجاهات مختلفة إلى سوريا والهند، وعادت العشرات من العناصر إلى البلاد، والأشد من كل ذلك حدث انقلاب عام في نمط التفكير إذ لم تعد إيران تلك الدولة التي تحتضن الجميع في أرضها، حيث أن التحقيق مع الهاشمي هدد بالتحقيق مع المرتبطين به أولهم قادة الحركة الرسالية بفصائلها، خاصة وأن توجهاً لدى حكومة إيران قد برز حينها يسعى لإزالة كل ما من شأنه تعكير صفو العاقلات الإيرانية والخليجية، التي تسعى الحكومة لإعادتها وتعميقها.
بدأ الجميع يسافر تاركاً إيران، التي أصبحت مرحلة انتهت لا يمكن أن تتكرر، وينبغي الآن البحث عن مكان آخر لمزاولة الأنشطة الرسالية، فلا الهند تصلح لذلك ولا سوريا، فالأول بلد غير مسلم تحكمه قوانين صارمة وصعبة يغلب عليها الطابع المادي، أما الثانية فهي دولة ترحب بكل عربي يقطن أرضها وتعامله معاملة المواطن وربما أفضل، لكن الإمكانات الموجودة فيها لا يمكن أن تقارن بالإمكانات السابقة في إيران، وبذلك وقفت قيادة الحركة موقفاً لا تحسد عليه، إذ لم يكن أمامها سوى إيقاف عدد كبير من الأنشطة التي تستوعب كماً هائلاً من الأفراد، لذلك تم إعادة العشرات من العناصر إلى البلد دونما تخطيط مسبق، لذلك وقع بعضهم في شرك الاعتقال، والجماعات الكبيرة التي توجّهت إلى الهند وسوريا لم تكن لتستطيع أن تتحدى الظروف المادية التي كانت أقوى منها، فعادت البقية إلى بلادنا، عدا مجموعة ارتأت أن تبقى في عالم الهجرة فكان المكان المناسب لها في سوريا ولكن بصورة ملتزمة بالوضع هناك الذي لا يسمح بالمجاهرة أو رفع صوت ضد أي دولة عربية فضلاً عن القيام بأي عمل سياسي معارض لتلك الدولة.
وهكذا سارت الأوضاع من سيئ إلى أسوأ، كل يوم يغلق موقع ويخرج عناصره، حتى انتهت كافة المواقع باستثناء، مكتب أو مكتبين، كآخر معطيات حقبة الدعم الإيراني للحركة، وكان آخر قرار صدر من الحكومة الإيرانية هو إغلاق المدرسة الأولى [حوزة القائم] من عشرات سنوات من العمل في تربية الكوادر والكفاءات الحركية، ليخرج كل طليعتها إلى سوريا ليواصلوا دراستهم حيث كانت لديهم مدرسة أخرى، بينما قسم آخر منهم عاد إلى البلاد أو ذهب إلى قم المقدسة ليواصل الدراسة هناك، بمن فيهم أول مدير للمدرسة الشيخ فوزي السيف (أبو محمد)، وذلك الشخص كان يعتبر الدراسة في قم ضرباً من الرجعية والتخلف.
وانعكست المعاناة المادية بشكل واضح على العمل الحركي نفسه، إذ بفعل هذه المعاناة تحوّل بعض الحركيين إلى أصحاب بقالات أو عمال حرفيين في السباكة أو الكهرباء أو النجارة، أو العمل في أنشطة تجارية محدودة.. والأسوأ من هذا أن هذه المعاناة ساهمت في شيوع حالات من الانتهازية والانحرافات التي تبدو طبيعية بعد أن انحسرت بعض القيم الأخلاقية كالتعاون والإيثار والعطاء والأخوة.. لتحل محلها قيم المصلحة والمال وترتيب الوضع المادي، حتى بات البعض معروفاً بجشعه وسرقته وتسوّله باسم الإسلام والعمل، بينما هو في الواقع من أجل سد الرمق، فالكل بات يبحث عن وسيلة للعيش.
ومن ضمن تداعيات الأزمة –بعد اعتقال الهاشمي وإعدامه- أن الكثير من عناصر الحركة باتوا يعيدون النظر في أفكار الحركة الإستراتيجية (كالاستقلالية) مستدلين على أن أكبر دولة في العالم بكل إمكانياتها لا تستطيع أن تعيش منفصلة عن العالم ومستقلة بذاتها، بل تضطر لدخول حروب من أجل النقط الذي يسيّر عجلات مصانعها، وتوصلوا إلى أن العلاقة مع إيران لم تكن سليمة وإن المكابرة التي اتخذها قادة الحركة في علاقتهم مع إيران، لم يكن لها أي داع، وظهرت حالات فردية من السخرية من الأفكار التي كانت تزرق لدى أفكار الأفراد مثل إن قيادات الحركة أكفأ من وزراء الدولة في إيران!!
 
* بين السفارة الإيرانية والسعودية
وتبسّمت في الوجه كلّ سفارةٍ

 
بحفاوة الأحباب للأحباب

إلا سفارة يعجمٍ أبدت إلـ

 
ـيّ تكشّر الأذياب للأذياب

 ولد هذان البيتان في سيارة الأُجرة أثناء عودتي مع والدي -رحمه الله- من زيارة قمت بها إلى السفارة الإيرانية في دمشق لبعض الأمور المتعلقة.. فبدا لي أننا لسنا في سفارة الجمهورية الإسلامية في إيران التي تعكس وجه بلدها وحكومتها، فتجد سوء الخلق والصلافة –للوهلة الأولى- تستقبلك بين يدي حارس البوابة.. أما في داخل السفارة، فأصبحت ووالدي ككرة قدم.. كلٌّ يقذفنا على الآخر بركلات من الاحتقار والازدراء.. وكان الوالد يهمهم مستنكراً وهو ينظر إليّ: "هدوله الإسلام والعُلَماء.. عجيييب عجييب"؟!، حتى خرجنا بخفي التساؤلات التي ما كنت أود أن ترتسم في ذهن والدي، فضلاً عن الإهانة التي وجهّت له!!.
عرّجنا بعد ذلك نحو سفارة دولة البحرين.. وأنهينا ما جئنا لأجله بأيسر جهدٍ.. ثم قصدنا السفارة السعودية –وكنتُ متثاقلاً متشائماً-، فصعقت من كرم ذلك الاستقبال.. فحرارة استقبال حرّاس البوابة الرئيسة أذابت جليد التثاقل والتشاؤم من أولّ ابتسامة وترحيب.. وقد أوصلونا إلى مكتب الاستقبال داخل السفارة.. هَبّ لنا كل من يعمل داخل مكتب الاستقبال مرحبين ومحيين.. وبعد أن أجلسنا رئيس المكتب على الأريكة المجاورة لمكتبه في اليمين، جاءنا رجل يرتدي ثوباً وشماغاً أحمر... يشدّ وسطه حرامٌ أسود؛ يمتد منه لسانان على هيئة علامة ضرب يحيطان أعلى الكتفين، جاء هاشاً باشاً حاملاً (دلة) القهوة وصحن التمر اللامع.. وهو يقول: ".. هلا بأهلنا، يا هلا بالسعوديين في بلدهم.. تقهو.. تقهو.." استمتعت بكرم الضيافة سيما والدي.. ثم أقبل علينا مسؤول المكتب بكلّه، وقبل أن يسأل عن حاجتنا قال: "أنتم الآن في قطعة من بلدكم.. وحاجتكم مقضية إن شاء الله.."!!. أنهينا ما جئنا لأجله في أسرع من البرق، وقد سررت لسرور والدي -رحمه الله-.
 
* أيّها الأوغاد أذناب الكلاب
إن هذا العنوان.. هو صدر مطلع قصيدة هجائية كتبها الشاعر زاهر، من مدينة صفوى، في هجاء الوفد الذي قدم من السعودية لمقايضه ومطالبة المعارضة –آنئذ- بالعودة إلى البلاد وترك التحريض على الدولة سنة 1408هـ.. وقد عددهم الشاعر زاهر بأسمائهم واحداً واحداً.. سابغاً عليهم أقذع الهجاء.
كان الوفد يتشكل من الملا عبد الكريم الحمود، وعبد الحميد المطوّع وكلاهما من مدينة سيهات، وسلمان الناصر (أبو ناجي) من الآجام.. وقد جلس معهم –حينئذ- الأمين العام لمنظمة الثورة الإسلامية، الشيخ توفيق تقي آل سيف، فخرج الوفد مطروداً إلا من خفي حنين، ومما دار في الاجتماع أن الشيخ توفيق قال للوفد: ".. هل تريدون أن تعرفوا بحجم مطالبنا أم مطالبكم.. إننا نريد حكم دولة.."!!، وقد عصفت بالوفد موجة من الاستنكار والسخرية والاستهزاء لمّا تفشّى الخبر داخل وخارج البلاد.. وقد ركبتهم التهم المعلبة بكل يسر وسهولة.. وكان من أيسرها أن هؤلاء عملاء النظام..؟.
الصفّار يعبئ الجماهير
كان لمحاضرات الشيخ حسن الصفار دويُّ وكاريزمية مؤثرة جداً لا تقاوم.. حتى ممن لا يتفق معه في الرأي أو التوجّه من عامة الناس وخاصتها.. رأيتُ كثيراً من الزّوار في تلك الفترة يتلثمون بالشماغ ويحضرون لسماع مجالسه الرنانة – لاسيما في شهر محرم الحرام – في حسينية الزهراء عليها السلام بجوار السيدة زينب عليها السلام، بعضهم كان يتخذ ذلك حيطة وحذراً من أعين الجواسيس المبثوثة للشيخ الصفار، والبعض الآخر يحضر كي يطلع عن آخر الأخبار، والقسم الأخير يحضر كي يريق دمعة على أبي عبد الله الحسين عليه السلام.
 
* بداية تحوّل رجالات المنظمة
إن حرب الخليج الثانية وما تلاها من أجواء سببت انعطافة حادة في تفكير وتوجه رموز منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية.. وقد تناغم كل ذلك في لقاءات جمعت بعض الرؤوس، منهم الأمين العام للمنظمة توفيق السيف مع رئيس تحرير مجلة المجلة عثمان العمير –حينئذ- في لندن، وقد تأكد لجماعة المنظمة أن سياسة الدولة –بعد الآن- هي الانفتاح والحوار مع المعارضة الشيعية، بل وإعطاء الأقليات حقوقها المشروعة بالكامل، وقد بدا التأثير بهذه اللقاءات ولقاءات أخرى جمعت أولئك مع سفير السعودية في ذلك الوقت الدكتور غازي القصيبي في ديوانيته العامرة في لندن عاصمة الضباب، فضلاً عن تأثر فكر الشيخ حسن الصفار بأفكار وتوجيهات المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين (رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان) حيث كان يتبنى هذا النوع من التوجّه والمصالحة، وعدم التصادم مع الأنظمة، وربما كان للتغيرات العالمية التي سبقت هذه الأجواء دور مهم في رسم تلك الخطوات، منها سقوط الاتحاد السوفيتي بعد ما خرجت نظرية (البيريسترويكا والجلاسنوت) بخصوص الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والانطلاق بالاتحاد السوفيتي نحو نظرة اقتصادية جديدة.. للرئيس الروسي السابق مخيائيل جورباتشوف.. من هنا قرر رؤوس منظمة الثورة مسألة التفاوض مع النظام لئلا تفوت الفرصة الحلم!!، وكان كل ذلك سنة 1410هـ - 1990م أو قبلها بمدة، وعلى إثر ذلك تم تغيير اسم منظمة الثورة الإسلامية إلى الحركة الإصلاحية، واسم (مجلة الثورة الإسلامية) الناطقة باسم منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية إلى (مجلة الجزيرة العربية) فضلاً عن تغيّر نبرة الطرح في المواضيع والأخبار عامة، وقد قُتل شعار المنظمة التي تحمله شرّ قتلة، وهو عبارة عن رسم يظهر يَديْن تحملان سلاح كلاشنكوف يقع على يسار غلاف مجلة الثورة فوق رسم الكعبة، بل إن لغة الخطاب لرموز المنظمة راحت تركز على الفكر الحسني بدل الحسيني؟!!..
الدكتور فؤاد الإبراهيم: الفكرة منذ 1404هـ /1984م
في لقاء جمعني بالدكتور فؤاد الإبراهيم – حيث كان أحد أعضاء اللجنة المركزية في المنظمة وهم: توفيق السيف – أمين المنظمة-، الشيخ حسن الصفار، حمزة الحسن، جعفر الشايب، عيسى المزعل، الشيخ موسى أبو خمسين، الشيخ محمد المحفوظ، صادق الجبران- ينقل: أن فكرة التغيير في الطرح والشعارات كانت (مخمرة) منذ سنة 1404هـ 1984م، (فمن نحن حتى نستطيع أن نسقط النظام السعودي..)، غير أن أجواء الحرب، والشعارات التي تعم الأرض من الجمهورية الإسلامية حالت دون التصريح بما نضمر؛ وما إن توقفت الحرب العراقية الإيرانية في 1408هـ 1988م حتى طفحت تلك الآراء بقوة لتفرض واقعاً على مسار المنظمة في مسألة الاقتصار على الأمور الواقعية كمسألة الحقوق.
فؤاد الإبراهيم وبداية الحوار
يقول: حينما نهضت حركة السلفيين في السعودية –بعد حرب الخليج الثانية- وكان على رأسهم سعد الفقيه ومحمد عبد الله المسعري.. فقمت بالاتصال –شخصياً- من مكتبنا في لندن بـ عبد الله المسعري والد محمد المسعري بعد اعتقاله، وقد عرضتُ عليه خدماتنا ومساعداتنا.. فقال عبد الله: اعملوا ما تستطيعون عليه.. فكنتُ، والكلام لفؤاد: أكتب بيان المساندة وأرسل نسخة بالفاكس لوالد محمد المسعري ونسخة ثانية للسفارة السعودية في لندن.. وبعد أن علمت السلطات السعودية السلفية عن بداية تشكل علاقة عمل وتعاون بين المعارضة الشيعية في الخارج والمعارضة السلفية في طور تشكلها.. ضُرب ناقوس الخطر!!، فبينما كنت في شقتنا –المكتب- في لندن اتصل بي عثمان العمير –رئيس تحرير (مجلة المجلة)- وقال: أنا مكلف مباشرة من قبل الملك فهد لمد جسور العلاقة، وعمل حوار معكم، ومعرفة مطالبكم..
من الثورة إلى التراث
راحت تتقّزم مطالب منظمة الثورة الإسلامية شيئاً فشيئاً حسب معطيات التوجّه المستميت في نظرته الأحادية الجانب.. فبعد ما كانت المطالب إسقاط النظام لا أقلاً على مستوى المنطقة الشرقية- كما كان يصرّح بها أمين عام المنظمة الشيخ توفيق في كثير من المحافل منها حفل تأبين الشهيد أحمد الخميس، من (الحلة) الذي استشهد في سجن مباحث الدمام سنة 1987م، والشيخ حسن الصفار الذي كان يعض –دائماً- بنواجذه على خيار إسقاط النظام، كما كان يحدثنا في أحد لقاءاته في السيدة زينب عليها السلام في مبنى (الصوص).
لقد تضاءلت بحياء تلك المطالب.. ثم بدأت التحولات التي تعكس توجهات المنظمة.. فقد أنشأت (مؤسسة البقيع للتراث)، حيث أعدّ مكتب خاص فوق حسينية الزهراء عليها السلام لجمع المخطوطات التراثية، ثم تحوّلت الأقلام التي كتبت (صراع الأجنحة في الأسرة المالكة، و(قيام العرش السعودي)، و(الشيعة في المملكة العربية السعودية)، و(أعلنا الولاء بالدم)، و(السياسة والنفط).. تحولت إلى فلكلور شعبي راح يجتر التراث.. وكأنه للتوقد قد تنبه لأهميته، فبعد ما كان الشيخ الصفار يثير الأسئلة الملتهبة في ذهن المجتمع كما جاء في كتابه (الثائر والسجن) سنة الطبع 1406هـ 1996م، وهو دراسة في حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم u حيث يورد في مقدمته يدخل منها إلى رسالته التي يريد أن يوصلنا:
".. إمام يقضي سنوات طويلة من عمره في السجون والمعتقلات ويدير شؤون الرسالة من خلف القضبان والأسوار، ويضرب أروع الأمثلة في الاستقامة والصمود..".
كيف نسقط سلاح الاعتقال؟، وكيف يتحول إلى مدرسة للبطولة والصمود؟، وما هو برنامج المؤمن السجين للاستفادة من فترة اعتقاله؟، ويدخل ضمن منهج التحوّل ما كتبه الصفار تحت اسم (الشيخ علي البلادي القديحي) الطبعة الأولى سنة 1410هـ 1990م، وقد وضعت بعد ذلك صورة علماء ورموز الشيعة في القطيف والأحساء عند مدخل حسينية الزهراء عليها السلام ([4]).
محمد المحفوظ: الحكومة لا تلتزم بالوعود
يقول الكاتب محمد المحفوظ: إن الحكومة السعودية لا تلتزم بالوعود.. وجدنا أن مهمة اسقاط النظام ليس مهمة الشيعة وحدهم.. فقمنا بعمل خاص بنا يؤكد هوية وحق الشيعة –الذي كانت الحكومة السعودية تسعى في دثره وإلغائه-، وهو مسألة التراث، فقد كان الاهتمام بالتراث من سنة 1984م، بيد أن نتائجه لم تظهر إلا في أواخر الثمانينيات الميلادية.. كان هدفنا تثبيت أن الشيعة في السعودية يعانون التمييز الطائفي عند الآخرين، وفي الدوائر السياسية والحقوقية في العالم..
المنظمة مع الأب المدرسي والطلاق
حينما عقّ الابن أباه، ونسي فضل وجوده في الحياة.. راح الأب يتمثل هذه الأبيات:
وكم علمته نظمَ القوافي

 
فلمّا قال قافية هجاني

أعلّمه الرماية كلّ يوم

 
فلمّا اشتد ساعده رماني

 دعا السيد محمود تقي المدرسي قادة الحركة الإصلاحية لاجتماع عاجل في طهران، ولما استقر أطراف الاجتماع، بدأ العلامة السيد المدرسي الحديث الصريح مع الطرف المقابل مطالباً بالتالي: العودة إلى الوضع السابق، أي إلى الحركة الأم الرسالية، ودون تغيير في اسم المنظمة ولا مجلة الثورة الإسلامية، ورفع شعار حرق المراحل.. وعلى ذلك يتم النقاش والتفاوض.. بيد أن أمين عام الحركة الإصلاحية الشيخ توفيق السيف تشبّث بالتغييرات التي أجراها قاطبة، وقد زاد المعيار.. أن الحركة الإصلاحية لا تعود إلى الحركة الرسالية الأم –البتة- وهي مستقلة، وتقرر أجندة عملها بنفسها، فهي أدرى بالوضع السياسي وما تحتاجه الساحة داخل السعودية.
من هنا حسمت الحركة الوضع، وبدأ الانشقاق والانفصال التام، وإعلان حالة الطلاق، أو انتهاء الوصاية بشكل نهائي.. وكان ذلك في أواخر سنة 1410هـ 1991م، مما سبب حالة من التنافر والتنابز والتراشق بين بعض أفراد الجماعة الواحدة، لاسيما بين فصيل الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين وأفراد من الحركة الإصلاحية، كما امتدت ألسنة الارتباك إلى كثير من طلبة العلوم الشرعية حول ضبابية انتمائهم.. فالنسبة الساحقة منهم من الجزيريين، وقد أدى انشاق الحركة الإصلاحية عن الحركة الأم ذات الكثافة والطابع العراقي إلى تلك الحيرة..
وربما كان الانفصال حتمياً ولابد من حدوثه يوماً من الأيام، وقد سبق فصيل المنظمة فصيل الجبهة الإسلامية، برمزه وقيادته السيد هادي المدرسي بالمطالبة بالانفصال والاستقلالية غير أنه عدل عن ذلك الطموح والطلب، إن الاستقلالية عن الحركة الأم تدخل في صالح الحركة الإصلاحية وتوجهاتها الجديدة.. فأما تلك الموارد الخالية التي تصدر للخارج والتضحيات الجسيمة من الطائفة الشيعية في السعودية لم يكن المردود بالشيء المذكور على المجتمع في القطيف والأحساء، وبتعبير أدق ينتفي وجه المقارنة بين ما يقدمه الناس من عطاءات في كل شيء وبين ما يكلؤهم من ذلك الكرم؟، إلا أن عثرة الحركة الإصلاحية جاءت لمّا قامت بكل تلك التغيّرات الاستراتيجية –في ليل- بشكل مفاجئ ودون إعارة أي اهتمام أو مشورة لمؤسسى – الحركة الأم- الحركة الرسالية التي ولدت منها وتعلّمت أبجدية العمل والسياسة.. ولكنها السياسة.. قاتل الله السياسة " فلا صداقة دائمة، ولا عداوة دائمة ولكن مصالح دائمة".
انعدام الدستور سبب خلافات الحركة ([5])
في الوقت الذي كانت الحركة تنتقد بعض الحكومات العربية بأنها لا تحكم بلادها بدستور تتضح من خلاله مهمات وصلاحيات الحاكم والمحكوم وواجباتهما وحقوقهما نجد أن الحركة الأم ليس لها دستور مكتوب، بل إن جملة الخلافات الحركية بين محمد المدرسي (القائد) وقادة الفصائل الأخرى خصوصاً حسن الصفار ومحسن الحسيني يتمثل حول هذا الأمر، إذ أن انعدام الدستور في الحركة أدّى لعدم تحديد صلاحيات القائد وعدم القدرة على محاسبته أو الاختلاف معه، وهذا الأمر قريب لعدد من الحالات في البلاد العربية.
ومن المعروف أن المدرسي يتبني طروحة (ولاية الفقيه)، وكان يعارض كتابة دستور للحركة لأنه يعتقد أن الدستور يعود لقرارات وتوجيهات ومحاضرات القائد، فهو يتبنى طروحة القرار الفردي، ضمن شعور شخصي بأن هذه الحركة إحدى ممتلكاته الخاصة يتصرف بها كيف يريد، وهذا الأمر لا يختلف كثيراً عن شعور أي حاكم في البلاد العربية الذي يظن أن بلاده ملك شخصي له..
ورغم أن هذا الواقع هو القائم في الحركة الأم انتقل إلى كل الفصائل فإن هناك أحاديث تكاد لا تنتهي عن (الجماعية في القرار)، والقرار الجماعي، وأن قرار الحركة لا يتخذ إلا بعد النقاش والمداولة.
محمد المحفوظ: أسباب الانشقاق
يشير الكاتب الأستاذ محمد المحفوظ: أن أسباب الانشقاق عن قمة الهرم من حيث الفكرة التالي..
عدم تطور النظام الإداري للحركة الأم مع تطور وتصاعد عمل الفصائل.
العمل السياسي، إذ لم تكن هناك خصوصية في العمل، فلكل بلد خصوصية وطابع، وينبغي أن تكون أجندة العمل ذات طابع مرن من القيادات يراعى فيها تلك الخصوصية.
التباينات الفكرية، حيث لا تستطيع أن نمارس العمل تحت نظام ولاية الفقيه التي يأخذ ويعمل بها السيد المدرسي.
سألتُ المحفوظ علي: أن ما حصل من تغيير واستقلال الفصيل عن الحركة الأم لم يكن بالطريقة الحضارية، إذ تم في ليل، ودون معرفة رأس الهرم إلا بعد أن رُتبت الأوراق، وهل يصح أن توصي ابنك على بيتك أثناء سفرك فيبدل فيه ما يشاء؟
ما الإشكال في ذلك بناءً على تلك النقاط؟، ثم إنه لا مانع لديّ أن يقوم ابني بتبديل باب أو نافذة في البيت عند غيابي..
هل تقبل أن يبني جداراً ويزيل غرفة؟.
نعم أقبل مادمت أمّنته على المنـزل في أثناء غيابي..
أسباب الخلاف والانشقاق ([6]) .
لقد جرت تلك الأحاديث الكبيرة والحركة تعيش وضعاً شبه مستقر، خاصة أن الخلافات كانت تجري تحت الأرض، ولم يحدث أي انقسام ظاهري طوال فترة التواجد في إيران، ويعد سنوات ثلاث في سوريا، لكن هذه الخلافات تنخر الحركة من الداخل وتعمل فيها عمل المعول، حتى انفجرت بشكل حاد في ظل أوضاع صعبة للغاية، فالحركة كانت في حالة إعياء يوم انفجرت خلافات قادتها، أي أنها بحاجة إلى الوحدة أكثر من أي وقت آخر إلا أنه ما كان محذوراً قد وقع، لأن الحركة يوم انتقلت إلى سوريا لم تكن تريد إظهار الخلافات فلقد كانت تتعامل معها كتعامل الحكومات العربية التي تظهر الوحدة وتضمر الخلاف وتمارسه..
في البداية برزت الخلافات على إدارة عناصر التنظيم من الأفراد القادمين من السعودية ومن بعض مناطق الخليج، هل يبقون في المدرسة ويتخرجون علماء دين؟، أم يخضعون لإدارات أخرى؟، ويتكون الواحد منهم بكفاءات أخرى غير كفاءة رجال الدين، فسارت الخلافات تحت حقيقة "كلّ يجر النار إلى قرصه)، خاصة وأن الأعداد القادمة من المملكة ودول الخليج في تزايد تام، إلى أن انتهت هذه الأوضاع باعتقال سلطات الحكم في إيران مهدي الهاشمي ليضع الجميع في مصير واحد، إذ لم يبق أمام الجميع إلا خيار الدراسة الدينية وخيارات أخرى محدودة، وحينما انتقل الجميع إلى سوريا،كانت المعاناة واحدة والمصير مشتركاً أو متشابهاً، بدأت الخلافات تأخذ منحى آخر، ليس على أفراد التنظيم الذين تناثروا وإنما على أرض السعودية أو بالأحرى (الأموال) القادمة منها، فأخذت المنافسات على اكتساب عناصر من المملكة وتشغيلهم في الداخل لجمع إمكانات مادية، لذلك اضطر فصيل البحرين الذي ينبغي أن يتوجه إلى المواطنين في هذا القطر لأن يفتح له حسينية خاصة [حسينية الإمام علي]، ويستقبل السياح السعوديين من أجل إقناعهم بالتبرع، بل قام هذا الفصيل بإنشاء خط تنظيمي داخل السعودية لهذا الغرض (المال)، الأمر الذي ظل يثير حفيظة فصيل السعودية في الحركة الذي أخذ يطالب بوضع قانون للحركة وصياغة دستور يحدد الصلاحيات المسؤوليات، فلم تستجب القيادة المتمثلة في محمد تقي المدرسي (السيد أبو صالح) الأمر الذي فاقم من الخلافات والتي دفعت فصيل السعودية إل التخلي عن العمل للحركة ككل، وقام على الفور بصياغة دستور خاص، وإجراء انتخابات داخلية، ووضع فقرة للمجاملة تقول: إن هذا الفصيل جزء من الحركة المركزية الأم، لكنه في تطور لاحق تم إلغاء هذه الفقرة، حيث بات السعوديون المهاجرون ليسوا على علاقة مع الحركة، ورغم كثرة الحوارات والنقاشات حول هذا الموضوع فلم يتوصل الطرفان إلى حل.. إذ تبيّن أن أبرز خلافاتهم على الأموال التي تأتي من السعودية، وإن أخذت أشكال ومسميات أخرى.
كما أثرت هذا الموضوع مع أحد قادة الحركة فصيل السعودية (أبو جاسم) توفيق السيف عن محاور الخلافات في الحركة فقال بكل صراحة: هناك عدة مصادر للخلافات بيننا، تأتي الأموال في المرتبة الأولى، ثم تأتي الرغبة في السيطرة في المرتبة الثانية. فقد سبق أن أثرنا هذا الموضوع مع الأصدقاء، بأنه إذا أرادت الحركة العمل في هذه المنطقة فينبغي أن نتفق على صيغة معينة، لا نكون نحن خارج المعادلة أو الطرف الأضعف.
نظرتنا إلى الفرد الرسالي تغيرت ([7])
[توفيق السيف]: إن نظرتنا إلى الفرد الرسالي تغيرت كلياًً، فإذا كنا نرى أن الفرد الرسالي في السابق هو جندي تحت الطلب، يعمل في أي مكان شاءت القيادة أن تـزج به فلها الحق، هذه النظرة قد تغيرت لدينا حيث إن الفرد الرسالي هو ذلك الإنسان الذي يعمل لصالح وطنه بإرادته وحريته.. فعمل الحركة عمل دنيوي يعتمد على رغبة الإنسان فيه، وجانب التقرب إلى الله يعتمد على نية وإخلاص الإنسان.
(أبو صالح) وأسرته يرون أننا جزء من ممتلكاتهم الخاصة
حينما قام صدام حسين (رئيس العراق) بغزو الكويت وما أحدثه من انقلاب عام في المفاهيم والعلاقات في العالم العربي، أظهر هذا الحدث شرخاً كبيراً في فصيل العراق بالحركة، حيث ظهر انقسام آخر جعل من الحركة مجموعة أسماء ومؤسسات كانت في يوم منسجمة مع بعضها .. هنا أراد محمود أن يعرف المزيد من التفاصيل حول هذا الأمر فأثار سؤالاً مع أحد عناصر فصيل العراق.
ـ سمعتُ أنكم اتفقتم مع (أبو صالح) السيد تقي المدرسي.. وانتهت المشكلة.. والأمور سارت كما في السابق؟.
ـ ومَن قال لك هذا؟ (أجاب بنوع من التعجب المصحوب بالسخرية).
ـ أليس هذا صحيحاً.
ـ لا لم يحصل ذلك!!.
ـ لماذا؟.
ـ لأن الخلاف القائم بيننا لا يُحل، فهو عقدة باقية صامدة ونحن نتفتت.
ـ عقدة.. وما هي هذه العقدة أستاذي؟.
ـ عقدتنا (أبو صالح) وأسرته..
ـ أرجو الإيضاح أكثر.
ـ إن مشكلتنا ليس في أن حركتنا ضعيفة، أو ليس فيها كوادر، أو لا تقدر على مجاراة الأحداث الكبرى في هذا العالم، إن مشكلتنا أن (أبو صالح) زعمينا وقائدنا وأسرته يرون أننا جزءاً من ممتلكاتهم الخاصة، وأن كل شخص منا بالضرورة أحد الخدم لهم، ينبغي عليه الطاعة.. إنهم في الواقع يريدون قيادة مجموعة من الهمج الرعاع، بمعنى أنهم يريدون الصعود إلى الأعلى على أكتافنا ولا يهم أن نسقط نحن في الوحل أو نموت!!.
هنا محمود رأى أن الموضوع فيه الكثير من الحساسيات والنيل من أشخاص كبار ومقدسين لديه، لكنه في الوقت نفسه أراد أن يصل إلى بعض الحقائق حتى لو كانت صعبة؛ لذلك تظاهر بشيء من عدم الرضا على الكلام الذي يقوله هنا القيادي العراقي؛ لذلك بادره بالاعتراض:
ـ الا ترى –أستاذي- أن كلامك ينطوي على بعض الحدّية؟
ـ صدّقني ليس لدي أي حدية، ولكني أتألم وأنا أرى حركتنا تذوب من الداخل وتتفتت وتسقط وتتهاوى بهذه الطريقة، أضرب لك نموذجاً، (أبو جواد) شخص عزيز علينا جميعاً مع تقديري لكفاءته العلمية، لكني لا أميل أن يكون قائداً عليّ لمجرد أنه أخ (أبو صالح) وأنا الذي أفنيت عمري في هذا الطريق. كذلك الحال بالنسبة لأخيه (أبو مهدي) الذي كان يقدّم نفسه زعيماً لحركة معارضة في البحرين.. فكيف يأتي ليصبح زعيماً في العراق رغم أن هذا الأمر خطأ سياسي فاضح.. إننا نخسر كثيراً جرّاء هذا التوجّه الخاطئ.. حيث إننا وبعد هذه التضحيات يأتي الزعيم ليفرض أخوته قادة علينا رغم أنهم جميعاً بعيدون عن العمل ومعاناته وصعوباته، ينبغي أن تفهم أننا لسنا ضدهم أن يكونوا قادة، ولكن ليكونوا قادة بالشكل الصحيح، لنرتفع جميعاً في سبيل ديننا وطننا.
بعد ذلك استرسل القيادي العراقي و(محمود) يصغي باهتمام الاستزادة بعد أن قرر الصمت، فالصمت خير الأعمال لاكتساب المعارف والمعلومات خاصة وأن المتحدث قد غضب وبدت عليه التأثر النفسي، وهذا كفيل بتقديم كل المعلومات..
يقول القيادي العراقي
ـ ألا تدري أننا لا زلنا ندفع ضريبة علاقتنا مع (أبو صالح) وأسرته كخسائر سياسية كالتحالف مع دولة هامة في المنطقة مثل إيران، لأن الزعيم لا يريد أن يقيم هذه العلاقة من منطق الاستقلالية وكأنما العلاقات السياسية تمسّ الاستقلالية.. هذا فضلاً عن أن بعض الإشكالات ترد علينا من قبل أطراف في المعارضة العراقية بسببهم ولا نستطيع ردّها، مثل أن هؤلاء القيادات ليسوا عراقيين وإنما هم إيرانيون إن مثل هذا الإشكال يخرّب بعض علاقتنا مع القِوى، فما الذي يضر لو أن شخصاً عربياً مثّل الحركة أمام هؤلاء، وليكن البقية خلف الستار، إلا أن هذا المطلب مرفوض لدى قادتنا الذين يحملون أسماء إيرانية واضحة مثل (خرساني، ورهبر بور)، ليسوا عرباً – ومن هذه المعادلة يضعنا في أمر حرج، لكنهم لا يعون هذا الأمر ويصرّون على بروز أسمائهم في كل محفل، حتى أن أحدهم تعارك في بيروت مع أحد الإخوة على إلقاء كلمة الحركة في احتفال الحركات المعارضة بحجة أن الشيخ (محمد مهدي شمس الدين) و(السيد فضل الله) قد ألقيا كلمات فينبغي أن نلقي كلمة موازية لكلتيهما !!.
وخلص إلى القول:
ـ إننا نعيش حالة من الضعف في وقت نحن بحاجة إلى المزيد من الوحدة والتفاهم، إلا أن القادة الموقرين لم يستطيعوا التفاهم معنا العراقيين، ولا مع الإخوة السعوديين، ولا الإخوة البحارنة، ولا أدري أين المستقبل سيكون؟ ([8]) .
* التبليغ في قرى حلب
في شهر محرم الحرام سنة 1412هـ 1992م توجهت برفقة الشيخ أبي أحمد الأحسائي والشيخ أبي جهاد السيهاتي إلى قرى حلب لقراءة مجالس العزاء على أبي عبد الله الحسين u، من تلك القرى المتناثرة على ربوات حلب الشهباء حلب سيف الدولة وأبي فراس الحمداني.. قرية (الفوعة) ، (الزهراء) ، (نُبّل).. وكان نصيبي منها الأولى، وصديقاي الثانية والثالثة..
تلك القرى العذراء تكتظ بمن سحرتهم الأمانة والمنهج الصافي الذي لا تكدره الشوائب.. شيعة محمد وآل محمد يزرعون تلك القرى بنور الولاية.. ففي الوقت الذي تجدهم في غاية البساطة في كل شيء.. تجد العضَّ بالنواجذ على قيمهم ومعتقداتهم رغم ما ألـمّ بهم من حيف وسيف سلطات الجور السالفة لثنيهم عن معتقداتهم .. فبعد أن ينفض مجلس العزاء الذي أقرؤه كنت أدعى كل يوم للغداء في بيت، وكل ليلة في منـزل للعشاء والسهرة إلى منتصف الليل مع إبريق الشاي الأحمر الذي تتعبد في محرابه الشفاه، حيث كان الشباب ورجال البلد مع عمدتهم (المختار) يتحلقّون وينتشون بحديث الروح حديث الولاية، وكانت لأحاديثهم المفعمة بالصفاء حلاوة وطلاوة.. كان الآباء والأجداد ينسجون ذكرياتهم الألم والعذاب حينما كانوا يقيمون مجالس العزاء في السنين الغابرة.. يعقدونها في أقبية في الأرض، ثم يوكلّون مجموعة من الشباب للحراسة؛ ولإعطاء من في المأتم الإشارة للحيطة والحذر عند استشعار أي خطر قد يداهمهم على حين غفلة..
قرية (الفوعة) لا يزيد تعداد سكانها عن 2000 نسمة، تأكل مما تزرع، وتخبز مما تعجن.. وما أدراك عن لذة طعامهم الذي يصنعونه بأيديهم الحاذقة، والذي لن نجده في معظم المطاعم الراقية.. حينما تتناول وجبة الفطور الذي يترأسه (المربّى) أحد أطباقها الشهية، فلا تريد أن يضمحل أي جزء منه إلا على طرف لسانك.. فرائحة الزهر والزعفران وأشياء أخرى تتغلغل في أجزاء مسامه، أما القشطة فحدّث بكل خيال، ولن تصل إلى سر خلطته الطبيعية ولو حرصتَ، أما طريقة قلي البيض البلدي فهي –كذلك- فريدة من نوعها؛ سيما إذا نثر عليه بعض الحشائش والمخللات الطازجة، أما الحليب فلا يبعد بيني وبين الأبقار التي تسرح في الحقول إلا خمس دقائق ريثما يغلي.
وأهل (الفوعة) أصحاب فكاهة وخفة دم.. فمن قصصهم الفكاهية التي راح يكررها لي مختارُهم لحثّي وتشجيعي على الأكل وعدم الزهد على مائدة الطعام.. أحد طلبة العلوم الدينية ذهب في رحلة إلى إحدى القرى لأيام؛ مع بعض الشباب.. فاستضافتهم القرية.. وكان كلما جاء وقت الطعام أكل طالب العلوم لقمتين وتنحّى إلى والوراء؛ فيتنحّى معه صحبتُه خجلاً قبل أن يشبعوا.. فدعاه الشباب ذات مساء إلى نزهة خفيفة في مراتع القرية، وعندما وصلوا إلى جسر ينحدر تحته وادٍ سحيق.. أخذوا بتلابيب الشيخ وأمالوه نحو المنحدر- وهو يصرخ من الخوف والهلع- مهددين ومتوعدين له أن لا يتنحّى عن الطعام إلا إذا قاموا عنه جميعاً.. وإلا...؟.
وعندما دُعوا مرة أخرى إلى وليمة .. وبدأوا في الأكل .. تراجع الشيخ متنحياً بعد لقمتين.. فقال أحدهم: إن يوم الجسر كان عظيماً.. فتنحنح الشيخ قائلاً وهو يعود إلى المائدة : ]قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا[ .
 


([1]) سورة آل عمران (169). 
([2]) تقرير "المسألة الشيعية في المملكة العربية السعودية" الصادر عن المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات  LCGفي بروكسل عام 2005م".
([3]) تقرير "المسألة الشيعية في المملكة العربية السعودية" الصادر عن المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات LCG في بروكسل عام 2005م.  
([4]) لقد جاء اليوم الذي كتب فيه الصفار كتاباً (عن اللقاء الوطني) سنة 1424هـ 2003م، ووضعت صورة الصفار واقفاً والملك عبد الله على غلاف الكتاب، وهو عبارة عن اللقاء الذي جمعه مع مختلف الأطياف برعاية الملك عبد الله.. وذلك للحاجة الماسة للدولة بعد أن اهتز العالم من تحتها من جراء أحداث 11 سبتمبر، وكتب غيره في نفس الاتجاه. 
([5]) سلمان العيد – وقفات مع الحركة الإسلامية الشيعية ، ص 74-75.  
([6]) سلمان العيد الهروب من المنفى قصة اغتراب وعودة محمود من المنفى –فصل 18 ص11-12.  
([7]) نفس المصدر فصل 18-ص13.  
([8]) سلمان العيد –الهروب إلى المنفى – قصة اغتراب وعودة محمود –فصل17ص 14-18، مخطوط بتاريخ 1414هـ/1994م.    

 

 
 
 
التقريب رؤية سياسية
الأثنين 11 أكتوبر 2010

كُتب الكثير عن مسألة التقريب بين السنة والشيعة وليس غرضنا هنا أن نكرر ما قاله السابقون فى بيان حقيقة الموقف الشرعى للتقريب بقدر ما نربط الموقف الشرعى بالواقع السياسى من جهة , وتحليل مضمون الخطاب لكلا الفريقين القائلين بالتقريب والرافضين له.

 
 
 
أوضاع سنة إيران التعليمية
السبت 17 يوليو 2010
أوضاع سنة إيران التعليمية

أوضاع سنة إيران التعليمية

[ هذه صفحات حول الواقع التعليمي الظالم للأقلية العربية في إيران، من كاتب متعاطف مع النظام الإيراني هو د. حسان عبدالله حسان في كتابه "الفكر التربوي الإمامي ، إيران نموذجاً"، وقام بنشرها مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي وهو مركز شيعي لبناني. الراصد]

 

    التعليم والمسألة القومية في إيران[1]

لا شك في أن مفهوم الأمن القومي لأي مجتمع لم يعد قاصراً على الجانبين العسكري والاقتصادي فقط، بمعنى لم تعد حماية المجتمع وأمنه يتوقفان على حماية الحدود وإشباع الحاجات المادية فحسب، بل أصبح من الأهمية بمكان تحقيق القدر نفسه بالنسبة للأمن الثقافي للمجتمع، هذا الذي يتحقق في حالة وجود تناسق وانسجام ثقافيين بين كل فئات وطبقات وعناصر المجتمع، "فجوهر الأمن في الحقيقة ينبع من وجود نظام متناسق للمعتقدات والمبادئ المشتركة في المجتمع، وهذه العناصر هي الأساس الحقيقي للأمن"[2].
ويؤكد "الباحثون والسياسيون" ـ أيضاً ـ على خطورة "الاضطراب الثقافي" للمجتمع وآثاره على بنائه وتماسكه، ويذكر حسن روحاني: "إن مسألة الانقسام الاجتماعية والثقافية من الأمور والمهمة والخطيرة، فتلك الانقسامات في المجتمع تجعله يواجه تهديدات أمنية أكثر من المجتمعات الأخرى التي تتميز بالتمسك والانسجام الثقافي الذي يعد أحد مصادر الأمن الداخلي"[3]، ويرى مدحت حماد "استحالة تحقيق الأمن استناداً لعامل القدرات العسكرية وحده. حيث من اللازم تضامن وتكامل كل القدرات ـ العسكرية والاقتصادية والدينية والثقافية لضمان الأمن القومي"[4]

 

ويبرز التعليم كأحد أهم أدوات التشكيل الثقافي من خلال وظيفته الرئيسة والتقليدية في نقل التراث الثقافي من جيل إلى جيل، وتحقيق ما يسمى بثقافة وطنية مشتركة لجميع أبناء المجتمع، ويطلق على هذه العلمية "التربية الثقافية"، حيث إن التعليم يقدم البرامج المختلفة التي تعبر عن مقومات النشاط العقلي، أو الاجتماعي في المجتمع، هذه المقومات هي المنيع المشترك الذي ينهل منه الإنسان الآراء والأفكار والقيم الثقافية، مما يؤكد قيم الانتماء إلى مجتمع واحد.
  

 

1 ـ المسألة القومية في إيران:

 

 

   الباحث في هذه القضية يجب أن يطرح سؤالاً هو: هل هناك مسألة قومية في إيران؟ وهذا السؤال يجعلنا نبحث في الوضع الديموغرافي الديني للوقوف على طبيعة هذه القضية وأبعادها:

  أ ـ التصنيف الديمغرافي للسكان:
يبلغ عدد السكان في إيران حوالي 67 مليون نسمة عام (2001)
تتوزع حسب المجموعات العرقية الآتية[5]:
ـ المجموعة الفارسية، وتشكل 51%.
ـ المجموعة التركية، وتشكل 2%.
ـ المجموعة الكردية، وتشكل 7%.
ـ المجموعة العربية، وتشكل 3%.
ـ المجموعة اللُّرِيَّة، وتشكل 2%.
ـ المجموعة البلوشية، وتشكل 2%.
ـ مجموعة الجيلاكي والمازندارني، وتشكل 8%.
ـ المجموعة الآذرية، وتشكل 24%.
 
أما المجموعات الدينية فتتضمن[6]:
ـ مجموعة المسلمين، وتشكل 59.9%
ـ مجموعة المسيحيين، وتشكل 17%
ـ مجموعة الزرادشت، وتشكل 7% ـ مجموعة اليهود وتشكل 5%
ـ سائر الأديان (مثل الأرمن والشوريين وغيرهما) ويشكلون0.16%
 
أما المجموعات المذهبية فتشمل[7]:
ـ المذهب الشيعي ويمثل 91% من المسلمين.
  المذهب السني ويمثل 8.7% من المسلمين. [ هذه النسبة غير صحيحة بتاتاً سنة ايران تتراوح نسبتهم بين 25-30% من سكان إيران، فبحسب قول الكاتب أن سنة إيران هم العرب والكراد والبلوش والتركمان فإن مجموع هذه القليات بحسب ما اورده 14% من سكان إيران!! الراصد]

 

وباندماج المجموعة المذهبية مع المجموعة العرقية يتضح لنا الشكل التالي:
المذهب السني (الأعراق الغالبة)
العرب ـ الأكراد ـ البلوش ـ التركمان
المذهب الشيعي (الأعراق الغالبة)
الفرس ـ أعراق أخرى
من خلال العرض السابق يتضح أن الوضع الديموغرافي الديني في إيران يتسم بالإثنية، الأمر الذي يترتب عليه عدم وجود تجانس لغوي ـ ديني ـ عرقي بين السكان، لذلك سعت إيران منذ عهد بهلوي إلى بث القومية الفارسية، كما سعت أيام الدولة الصفوية لتعميم المذهب الشيعي الاثنى عشري، "وقد سعى الشاه لتغيير أسماء مختلف المدن لتمجيد ملوك (الفرس) قبل الإسلام والأبطال الأسطوريين، وكذلك سعى لتخليص اللغة الفارسية من الكلمات العربية بقدر الإمكان"[8].
ولقد ساعد وجود المجموعات الدينية المذهبية، وكذا الثقافات المختلفة على تعميق الهوة الاجتماعية، كما شارك تنوع اللغات في الانغلاق على الذات في ما بين أصحاب اللغة الواحدة والعرق الواحد، وساعدهم على ذلك اختيار الأقاليم الخاص بسكنهم داخل الدولة الإيرانية، وأصبحوا أشبه "بدويلات داخل دولة واحدة أو "غيتو" لكل جنسية تعيش في إيران"[9]:
فعاش الفرس وقبائل بختيار والقشقائيين والعرب واللر في الهضبة المركزية. وتوزعت مجموعات من البلوش والأفشار والعرب في الصحاري الجنوبية الشرقية، وعاشت في المناطق الشمالية الغربية قبائل الشهسوان والأكراد ومعهم الأرمن والآشوريون المبعثرون في قرى صغيرة، وانتشر التركمان والأكراد والتيموريون والبلوش والطاجيك والجمشيديون في المناطق الشمالية[10]. إن هذه الصورة العرقية/ الدينية/ الجغرافية توحي بنتيجة مؤداها "انعدام الوحدة الجنسية واللغوية بين سكان إيران"[11].
وعلى الرغم من أن الثورة الدستورية عام 1906، ثم الثورة الإسلامية عام 1979 قد حاولا حماية حقوق كافة المواطنين الإيرانيين على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم، وذلك من خلال النصوص الدستورية وخطب الزعماء والقادة، إلا أن البعض يرى أن هناك سيطرة للقومية الفارسية على جميع القوميات الأخرى وسيطرة للمذهب الشيعي على كافة المذاهب والعقائد الأخرى، بما قد يؤثر على قيم المواطنة وحقوقها*

.

 

ونستعرض في ما يلي أبعاد المسألة القومية في إيران وهو البعد الثقافي ولاسيما في ما يتصل بـ "الحالة العربية كنموذج"*.
 

2 ـ البعد الثقافي في المسألة القومية:

  نعتمد على المدخل الثقافي في بحث المسألة القومية في إيران، وذلك لأنه يتناسب مع قضيتنا الرئيسة "التعليم"، ونبدأ من الدستور الإيراني، الذي ينص على أن "اللغة الرئيسية للتعامل سواء في مجال التعليم أو المكاتبات الرسمية والوثائق والصحافة والإعلام هي اللغة الفارسية، وعلى الرغم من أن هذه المادة تشمل ـ أيضاً ـ جواز استعمال اللغات المحلية والقومية الأخرى في المجالات السابقة، إلا أنها تبقى نصاً يتعارض مع الواقع الفعلي في المؤسسات الثقافية والتعليمية"[12]، كما نص قانون عام 1366 هـ ش (1987م) الخاص بأهداف ووظائف وزارة التربية والتعليم على ما يلي[13]:
1 ـ وزارة التربية والتعليم مسؤولة طبقاً للمادة الثانية عشرة من الدستور عن تقديم مادة الفقه الإسلامي والتربية الدينية في المناطق التي يسكنها أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى، طبقاً لمذاهبهم الفقهية المختلفة.
2 ـ للأقليات الدينية ـ طبقاً للمادة الثالثة عشرة ـ الحق في تدريس المقررات الدينية الخاصة بهم، تحت إشراف وزارة التربية والتعليم.
تبدو "المسألة العربية نموذجاً" واضحاً لهذا التعارض بين "النص" و "الواقع" منذ عهد الشاه رضا بهلوي "حيث عمل منظروا عهد الشاه على "تفريس" القوميات الإيرانية الأخرى ومنها العرب في خطة مبرمجة طويلة الأمد، لجعل المجتمع الإيراني أحادي اللغة، ذي ثقافة فارسية واحدة، وقد استمر منظرو التفريس على النهج ذاته في عهد" محمد رضا بهلوي" حيث سببوا صدمات وعاهات لا تعوض في جسم الثقافة ولغات القوميات الإيرانية غير الفارسية. وقد استمر هذا النهج بشكل أو بأخر بعد قيام الثورة الإيرانية"[14].
وهذه المشكلة أكثر وضوحاً بالنسبة لعرب الأهواز حيث ينشأ الطفل العربي ومنذ سن السابعة على لغة ليست هي لغة أمة وأبيه، مما يسبب اضطراباً في هوية المواطن في تلك المناطق، وقد ترتب على ذلك مجموعة من الآثار السلبية أبرزها ما يلي:
ـ وجود أزمة هوية: حيث لا تجيد الجماهير وحتَّى العديد من المثقفين لا اللغة العربية ولا الفارسية.
ـ شهدت هذه المنطقة ـ الأهوازـ انخفاضاً في المستوى الدراسي، أصبحت على أثره في المركز الثالث والعشرين بين المحافظات الإيرانية.
ـ ارتفاع نسب التسرب في المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية.
ـ ارتفاع نسب الأمية بين النساء العربيات اللواتي تقع أعمارهن بين 45 ـ 70 عاماً، حيث تصل إلى 90% وبين سائر الشرائح النسائية تبلغ 60 ـ70% كما ترتفع ـ أيضاً نسب الأمية بين الرجال.
ـ نشوء التمييز العنصري ضد الناطقين باللغة العربية[15].
ـ ترتبط عملية "التفريس" بقضية تكافؤ الفرص ـ لا سيما في مجال العمل، حيث تُشترك إجادة اللغة الفارسية في الأعمال الحكومية.
ـ حرمان المناطق العربية من فرص الإصدارات الثقافية، مثل: الصحف، والكتب... إلخ.
ـ وانخفاض نسب المتعلمين والخريجين العرب على المستوى المتوسطي والجامعي.
ـ انعدام الأبحاث الاجتماعية والانثروبولوجية عن هذه المناطق للتعرف على مشاكلها وقضاياها[16].
ومن الناحية أخرى أشار تقرير وكالة الأخبار الطلابية في إيران ـ ايسنا ـ إلى "أن التعليم أصبح منحصراً في الأغنياء، حيث إن العدالة التعليمية مرتبطة بالعدالة الاجتماعية، تحقيق الثانية يؤدي إلى تحقيق الأولى، وعدم الحصول على فرص متساوية في التعليم ناتج عن عدم الحصول على عدالة اجتماعية في المجتمع، وفي دراسة أخرى حول تحديد المستوى الاجتماعي للطلاب في جامعة طهران أشارت إلى أن حوالي 5.52% من إجمالي الطلاب ينتمون إلى طبقات اجتماعية متوسطة وأعلى ومرتفعة جداً، بينما 5.47% ينتمون إلى طبقات اجتماعية منخفضة"[17]، وإن كانت هذه النسبة تشير إلى اقتحام الطبقات الاجتماعية المنخفضة الجامعات الكبرى في إيران، إلا أنها تشير ـ أيضاً ـ إلى عدم تمثل النسبة الاجتماعية العادلة للطبقات الاجتماعية في التعليم الجامعي، كما أن طهران تقطن بها الطبقة الرأسمالية من البازار (التجار) وكذلك أبناء الوزراء وكبار رجال الدولة، مما جمل النسبة غير متكافئة مع تمثيل المجتمع الإيراني، وفي جانب العدالة العرقية، أشارت الدراسة السابقة إلى "أن حوالي 63% من طلاب جامعة طهران ينتمون إلى الأصل الفارسي، 2.16% إلى أصل تركي، 5.9% إلى أصل كردي، 7.3% إلى أصل لري، 6.3% إلى أصل كيلاكي، 6.2% إلى أصل مازندراني"[18]، ونشير هنا ـ أيضاً ـ إلى تفوق المجموعة الفارسية على تمثيلها في المجتمع الإيراني والتي تصل إلى حوالي 51% من إجمالي السكان، بينما يختفي تماماً الطلاب ذوو الأصول العربية في جامعة طهران، وهو ما يفسر تراجعاً واضحاً للسياسات المعلنة حول اهتمام عملية التنمية بالمجتمع الإيراني ككل، وعدم التمييز لأية أسباب عرقية أو مذهبية أو أخرى، وهو ما يفقد العدالة التعليمية جانباً آخر من مؤشراتها في النظام التعليمي الإيراني المعاصر.
ويعد الوضع التعليمي للأقليات القومية مؤشراً مهماً لحالة الأقليات القومية والمذهبية بصفة عامة التي تُفقد المجتمع الإيراني فعالية مشاركة هذه الفئات والقطاعات المهمة في تنمية المجتمع، ويُرجع بعض المحللين ذلك إلى[19]:
1 ـ عدم تطبيق مواد الدستور الخاصة بقضية الأقليات القومية، كما أن هذه المواد التي وردت تحت عنوان الأقليات ضئيلة جداً مقارنة بما ورد في القانون الدولي بشأن الأقليات.
2 ـ انخفاض تمثيل الأقليات في مجلس الشورى الإسلامي جعل من الصعب امتلاك الأقليات قوة مؤثرة في اتخاذ القرارات ووضع السياسات القومية.
3 ـ ليس لدى الأقليات أي دور في مؤسسات هامة، مثل مجمع تشخيص مصلحة النظام، ومجلس صيانة الدستور، والمجلس الأعلى، للأمن القومي. ومن الملاحظ أنه بالرغم مما تم إدراجه في الدستور بشأن الأقليات، إلا أنها مازالت محرومة من فرصة المساواة مع مختلف المواطنين في تولي مناصب عليا أو هامة أو حتى العضوية في بعض المؤسسات والهيئات، وبات عمق التمييز جلياً بالنظر إلى أعداد هذه الأقليات في القوات العسكرية والشرطة ووزارة الاستخبارات.


[1] - الجزء الثاني ، ص 208- 217.
[2]) ـ سعيد إسماعيل: الأمن التربوي العربي، القاهرة، عالم الكتب، سلسلة قضايا تربوية رقم (3)، ص15.
[3]) ـ حسن روحاني: "الأمن العام والأمن القومي والتحديات المحيطة"، مختارات إيرانية، القاهرة، السنة الثالثة، العدد 35، يونيو 2003، ص 42.
[4]) ـ مدحت حماد: "الأمن القومي الإيراني" في: التقرير الاستراتيجي الإيراني السنوي 2001، القاهرة، 2002، ص39. 
[5]) ـ عصام عبد الشافي: "أهل السنة في إيران"، في : مختارات إيرانية، القاهرة، السنة الثالثة، العدد 31، فبراير 2003، ص7.
[6]) ـ جمهوري إسلامي إيران: تعليم وتربيت دختران، مصدر سابق، ص64.
[7]) ـ عبد العال الديربي: "السياسة السكانية في إيران وتحديات التنمية "مختارات إيرانية، القاهرة، السنة الثالثة، العدد 36، يوليو 2003، ص 64.
[8]) ـ بيجمان يوسف زاده: "مستقبل القومية الإيرانية"، مختارات إيرانية، القاهرة، السنة الرابعة، العدد 37، اغسطس 2003، ص 43.
[9]) ـ آمال السبكي: تاريخ إيران السياسي بين ثورتين (1906 ـ 1979)، مرجع سابق، ص12.
[10]) ـ المصدر نفسه، ص12.
[11]) ـ ب.د كلارك: سكان إيران: دراسة في التغير الديموغرافي، الكويت، الجمعية الجغرافية الكويتية، د.ت، ص11.
*) ـ لمزيد من التفصيل حول التكوين الإثنى في إيران انظر: نيفين مسعد:"ورقة عمل حول صنع القرار في إيران"، المستقبل العربين بيروت، العدد 265، مارس 2001، ص84.
*) ـ حيث يوجد في إيران ما يقرب من 10 ملايين قارئ للعربية ويمثل العرب كما أسلفنا حوالي 3% من السكان الإيرانيين.
[12]) ـ الجمهورية الإسلامية في إيران: دستور الجمهورية الإسلامية، مصدر سابق، ص35.
[13]) ـ أحمد صافي: سازمان وقوانين آموزش وبرورش إيران، مصدر سابق، ص 278 ـ 279.
([14] ـ يوسف عزيزي: إيران الحائرة بين الشمولية والديمقراطية، بيروت،
[15]) ـ يوسف عزيزي: إيران الحائرة بين الشمولية والديمقراطية، مصدر سابق، ص114.
[16]) ـ جابر أحمد: "المسألة القومية في إيران"، راء كاركر، طهران، العدد 170، 2002، ص2 ـ 3.
[17]) ـ أحمد رضا روشن: "عدالت آموزشي، زير مجموعة مهمي أز عدالت اجتماعي است"، مصدر سابق، ص11.
[18]) ـ المصدر نفسه، ص12.

[19]) ـ هيئة التحرير: "الأقليات القومية والتنمية السياسية"، في: مختارات إيرانية، السنة الخامسة، العدد50، أعسطس 2004، ص49.  

 
 
 
صحوة الشيعة
الأربعاء 14 أبريل 2010
صحوة الشيعة

 

الصراعات داخل الإسلام وكيف سترسم مستقبل الشرق الأوسط

  ولي نصر

  [ هذه هي الفقرات المهمة من هذا الكتاب، وهي تكشف حقيقتين:

  1- ما هي التصورات الغربية عن علاقات الشيعة والسنة.

  2- دور اللوبي الإيراني  والشيعي في نصرة إيران والتشيع بترويج كثير من الأكاذيب.

  نعرضها للقراء الكرام حتى ندرك كيف يسير العالم من حولنا، ليكون جهدنا في مساره الصحيح . الراصد ]

   المقدمة

 في أوائل عام 2003، وبالتحديد حوالي بدء الحرب في العراق، كنتُ في زيارة لصديق قديم لي من الشيعة في باكستان. يومها رحنا نتحدث عن التغييرات والتحوّلات التي أخذت تكتسح الشرق الأوسط. بالنسبة لصديقي هذا، كان هناك شيء ملتوٍ ويبعث على السخرية من كل ذلك الحديث عن السُنة والشيعة الذي يملأ أمواج الأثير ويبلبل بوضوح أفكار أولئك الناس في الغرب ممّن يظنون أن كل ما يهمّ في العراق والشرق الأوسط هو النضال في سبيل الديمقراطية. وهذا ما حدا به إلى استعادة حوار جرى له مع مسؤول أميركي رفيع المستوى.

لقد كان صديقي من كبار الموظفين الحكوميين الباكستانيين في ثمانينيات القرن العشرين، وكان يعمل ضابط ارتباط مع البنتاغون في إدارة دفة الحرب ضد السوفييت في أفغانستان. فتذكّر أنه في تلك الأيام الخوالي، عندما كانت إيران وحزب الله يشنّان حرباً نشطة ضد الولايات المتحدة وكان المجاهدون الأفغان هم "الأبطال" و "الأخبار"، كثيراً ما كان يحلو لنظيره الأميركي ـ وهو مسؤول رفيع في النتاغون ـ أن يغيظه بالقول إن الشيعة "غيلان متعطشة للدماء". فكان صديقي يردّ على ذلك بأن الأميركيين لا يفهمون الأمور حق الفهم. كان يقول إن المشكلة الحقيقية ستكون مع السُنّة. إنهم هم المُسْتَكْبِرون والشيعة هم المُستَضْعَفون". ومرّ الزمن، وتقاعد صديقي من الوظيفة الحكومية. وذات عصر ناعسٍ من خريف عام 2001، وكان ذلك بُعيد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، إذا به يستيقظ من غفوته الخفيفة على زعيق أبواق قافلة من السيارات السوداء المطهّمة تكرج قاصدة منزلة في إسلام آباد. لقد عاد صديقه الأميركي القديم ـ وهو الذي صار الآن شخصاً مهمّاً في واشنطن ـ عاد إلى باكستان مجدداً ليُدير حرباً أخرى في أفغانستان، وقد ارتأى أن يعرّج عليه أولاً. سأل الأميركي صديقي الباكستاني: "أما زلتَ تذكر نقاشاتنا طوال تلك السنوات عن الشيعة والسُنة؟ أُريدك أن تشرح لي ماذا كُنتَ تقصد بقولك إن السُنّة هم من سيشكّلون لكم المشكلة الحقيقية". وهكذا شرح صديقي له الفوارق ما بي الطائفتين المسلمتين، ومَنْ تغلّب على مَنْ، ومتى كان ذلك ولماذا، وماذا يعني كل ذلك اليوم.   ص (13 ـ 14).
 
على مدى رُبع قرن، ما بين الثورة الإيرانية على 1979 و 11 أيلول / سبتمبر 2001، كثيراً ما كانت الولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأوسط من خلال عيون النخب السُنّية المتسلّطة في إسلام أباد وعمّان والقاهرة والرياض، التي تُمثّل الحلفاء المحليين الرئيسيين لأميركا. وحتى في الدراسات الأكاديمية الغربية عن الإسلام، لم يكن الشيعة يحظون سوى بإشارات عابرة وسطحية. لكن مع استمرار التحوّلات الطارئة على الشرق الأوسط وتعرّض الهيمنة السُنية لتحدّيات شتّى، كان لا بد للمنظور الأميركي للمنطقة من أن يتغيّر هو الآخر. رداً على الاعتراضات الأوروبية على الحرب في العراق، قام وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد كما هو معروف بالتمييز ما بين "أوروبا القديمة" المُعارضة للحرب، و "أوروبا الجديدة" الأكثر ميلاً إلى تأييدها. كذلك رسمت الحرب إيّاها خطأ فاصلاً (وإنْ يكن بطريقة مختلفة) ما بين شرق أوسط "قديم" وآخر "جديد". الشرق الأوسط القديم يعيش تحت هيمنة مكوِّنه العربي، ويتوجه بأبصاره نحو القاهرة وبغداد ودمشق ـ الحواضر الغابرة للخلفاء السُنّة ـ باعبتارها "مدن السلطة" فيه. كما أن مشاكل المنطقة ومطامحها وهويتها وصورتها لنفسها كانت في المقام الأول، وإن لم تكن حصراً، مشاكل ومطامح وهوية وصورة العرب. وقُل الشيء نفسه عن القيم السياسية الغالبة في الشرق الأوسط القديم؛ إنها عُصارة عقول وعقود من القومية العربية.
هذا الشرق الأوسط الآخذ في الزوال حالياً وسط حالة من الاضطراب الشديد، كان في جوهره موئلاً للمؤسّسة الحاكمة السُنّية، ومن أجلها، وفي متناولها ورهن مشيئتها. أما الشرق الأوسط الجديد، الذي يُولد حالياً ولادةً متشنجة ـ وتتخلّل آلام ولادته السيارات المفخّخة، ولكن أيضاً الاحتجاجات السلمية والانتخابات ـ فإن ثمة هوية جديدة تحدّده وعلى قدم المساواة... تلك هي هوية الشيعة بروابطهم الثقافية وعلاقاتهم الدينية وتحالفاتهم السياسية وصلاتهم التجارية العابرة للفوارق ما بين العرب وغير العرب. خذوا العراق مثلاً. إنه مع زعامة العالم العربي إبّان أوج القومية العربية. العراق هذا انتخب كردياً كأول رئيس له ما بعد الحرب، وهو يُقيم علاقات أوثق مع إيران منها مع جيرانه العرب. لا بل إن شيعة العراق وأكراده، الذين يُشكّلون غالبية سكّانة، اختاروا أن يحذفوا القَسَم المعتاد بالولاء للحوية العربية في أولى محاولات البلاد سنّ دستور جديد في صيف عام 2005/ معلنين أن العراق "جمهورية فيدرالية" وليس "جمهورية عربية".
لعلّ الأعضاء المنتخبين للحكومة العراقية الناشئة ما بعد الحرب كانوا من أوائل القادة الشيعة الذين تقيم معهم الولايات المتحدة اتصالاً مباشراً وذا معنى منذ قيام الثورة الإيرانية. وحين تحدّث الزعماء الأميركيون عن تغيير سياسة المنطقة نحو الأفضل بُعيد الحرب العراقية، فإنما كانوا يتحدثون في الواقع عن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط القديم ذي الهيمنة السُنيّة. لم يعيروا كبير التفات إلى الشرق الأوسط الجديد الآخذ بالبزوغ، ويتوجب عليهم بعدُ أن يدركوا ما ينطوي عليه من إمكانيات واحتمالات. هذا الشرق الأوسط لن تحدّد معالمه الهوية العربية أو أي شكل من أشكال الحُكم القومي. بل إن طابع المنطقة سيتقرّر في النهاية، داخل بوتقة الصحوة الشيعية والاستجابة السُنيّة لها.
إن الشرق الأوسط هو اليوم أكثر عُرضة للاضطراب والتطرّف من أي وقت مضى منذ أن أطاحت الثورة الإيرانية الإسلامية بحليفٍ للولايات المتحدة عن عرش ذلك البلد وحملت متشددين شيعة إلى سُدة السلطة هناك.   ص ( 16 ـ 18)
 
ولا تزال نظرة العديد من السُنّة إلى أبناء جلدتهم. في لبنان، على سبيل المثال، تزعم المعتقدات الشعبية أن للشيعة أذناباً، وأنهم يتناسلون أكثر من اللازم، وهم أشدّ صخباً في التعبير عن تديُّنهم؛ وإذا ما أخذنا في الاعتبار صورة لبنان عن نفسه كبلد يتسم باللُطف والرهافة، تجدهم موضع ازدراء من جرّاء تصرفاتهم المجافية للذوق وأحياناً المبتذلة. بالرغم من الشعبية الواسعة التي يتمتع بها حزب الله، يواجه الشيعة في لبنان تمييزاً في المعاملة، ويتعرّضون للنبذ بوصفهم قرويين خرقاء، وغير جديرين بادّعائهم الطافح بالغرور بتمثيل لبنان. وفي المملكة العربية السعودية، يُقال إن الشيعة يبصقون في طعامهم ـ وهو افتراء يُقصد به دونما شك عدم تحبيذ حتى المشاركة في الطعام بين السُنّة والشيعة ـ وأن مصافحة شيعي نَجَسٌ ينقض الوضوء. أما في باكستان، فالشيعة يتعرّضون للتحامل المُغرض بما يُطلق عليهم من تسميات وأوصاف تحقيرية، ومنها: "البرغش" مثلاً.   ص (18 ـ 19)
 
لن يهنأ الشرق الأوسط بالسلام والاستقرار إلاّ إذا عكس توزيع السلطة والثروة حجم الطوائف الحقيقي، واحتضن النظام السياسي الجميع دونما استثناء، ووفر الوسائل لحل المنازعات الناشئة والمتوارثة سلمياً. ومتى استنفدت النزاعات والصراعات المنفلتة من عقالها أغراضها فعلاً، ستوصل السواد الأعظم من السُنّة والشيعة إلى ترتيب نظام سياسي يُمكنهم جميعاً أن يشاركوا فيه ـ لا أن تهيمن طائفة على أخرى دينياً أو سياسياً ـ نظام يُمثّل مطامح وتطلّعات كل فرد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ص (24)
 
هذا الكتاب ليس عن الحرب في العراق، بل هو عن الصراعات التي فجّرتها الحرب هناك، وعن تداعياتها، وكيف سترسم تلك الصراعات صورة المستقبل. وغايتي منه هي أن أشرح للقارئ لماذا يوجد نزاع بين السُنّة والشيعة، وما الذي دفعه إلى البروز أكثر في الآونة الأخيرة، وماذا سيعني هذا النزاع بالنسبة لمستقبل الشرق الأوسط وعلاقة العالم الإسلامي بالغرب على حد سواء. سيجد القارئ بين دفتيه الشيء الكثير عن الإسلام والتاريخ الإسلامي، والمزيد عمّا يعينه ذلك لمن يدينون بهذا الدين.   ص (24 ـ 25)
 
وعلى مرّ السنوات وترامي المسافات، قام المؤمنون الشيعة بتكييف عاشوراء لتُصبح تنويعات في الثقافات المحلّية. وبالنتيجة، تبدو عاشوراء في لُكنو بشمال الهند مختلفة تمام الاختلاف من بعض الوجوه عنها في النبطية بجنوب لبنان. وفي العراق، يقطع مئات الألوف مسافات طويلة سيراً على الأقدام، قاصدين كربلاء، ويكون ذلك أحيااناً في عزّ حرارة الصيف، تماماً شأن الحجّاج الكاثوليك الذين لا يزالون إلى اليوم يقومون بالمسير من كاتدرائية نوتردام دو باري إلى كاتدرائية تشارتر في فرنسا. إن عاشوراء في شمال الهند تعكس مدى الاحتكاك بالرموز والاحتفالات الهندوسية. وإذا كان بالوسع إدراك وتفهُّم الكثير من الممارسات فيها من جانب الهندوس هناك، إلاّ أنها ستبدو ولا شك هجنة في أعين الشيعة من الشرق الأوسط.
كانت الفيلة تتقدم مواكب عاشوراء الملوكية في لكنو إبّان القرن الثامن عشر، وكانت الجموع ترفع مجسّمات ضخمة، تمثل أهم المزارات الشيعية في الهند والعراق، على أكتافها لساعات طويلة. وإلى يومنا هذا، لا يزال حمل تلك المجسّمات يحتلّ مكانة بارزة في احتفالات عاشوراء في لكنو؛ هذا التقليد الذي يُذكّرنا بمهرجان "عيد الجسد" الذي يُقام في شهر حزيران/ يوينو من كل سنة في البيرو، حيث يرفع السكّان المحليون تماثيل ضخمة للقديسين يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر، ولا سيما تمثالَيْ سان كريستوبال وعذراء بيت لحم، ويطوفون بها لعدة أيام في الهواء النقي لجبال الأنديز الشاهقة. ومثلما أن مهرجان "عيد الجسد" مبني على طقوس حضارة الإنكا القديمة، كذلك عاشوراء في منطقة لاداخ تحمل بصمات بوذية واضحة، وهي في أودة وحيدر أباد تعكس مؤثّرات هندوسية لا تخطئها العين.
في أودة خلال القرن الثامن عشر، كان الهندوس يُشاركون بشكل تلقائي في احتفالات عاشوراء. ذلك أنهم كانوا قد كرّسوا الحسين إلهاً للموت، "فجواده المضرّج بالدماء ورأسه المحزوز المرفوع على أسنّة الرماح الأموية، مشهدٌ لا يقلّ بأي حال هولاً وفظاعة عن صورة كالي دورغا* التي تطوّق جيدها بقلادة من الجماجم البشرية". وقد عملت المؤثّرات الهندوسية على التحوير في طقوس عاشوراء، فمدّدت على سبيل المثال مدة الاحتفال إلى عشرة أيام، وهي نفس المدّة التي يستغرقها المهرجان المخصّص للإلهة دورغا. وفي حيدر أباد بجنوب الهند، جرت العادة أن يقوم "الفقراء"** الهندوس، وقد قلّموا وجوهم بالأصباغ الحمراء وحملوا الطبول والسياط في أيديهم، بتقدّم الصفوف في موكب عاشوراء الرئيسي. فيأخذون بجلد أنفسهم فيما هم يستعطون المتفرجين أن يتصدّقوا عليهم بشيء كُرمي للحسين. وكانت أعواد البخور تحترق في الجرار على نسق التقليد الديني الهندوسي عند التجمّع للصلاة أو لتلاوة المراثي الحزينة. وكان الهندوس يأتون إلى تلك الاجتماعات وهم يرتدون الملابس الزعفرانية، لون ديانتهم، مما كان يُشكِّل تبايناً صارخاً واللون الأسود الذي يرتديه الشيعة. وقبل المغادرة، كان الزائرون الهندوس ينحنون فوق الجرار ويدعكون أجفانهم برماد البخور، تعظيماً للإمام الحسين والتماساً لبركاته بالطريقة المتُبعة في ديانتهم.
وهذا وتحمل التمظهرات الأخرى للتعلّق الشديد بعليّ وأئمة الشيعة في جنوب آسيا بصمات الهندوسية هي الأخرى. فمن الشائع أن عامّة الشيعة هناك ينخرطون في ما يُعرف بـ "معجزة خاني" (أي قراءة المعجزة)، وهي عبارة عن قسم روحي يأخذه المرء على نفسه بأن يتلو سيرة من سير الأئمة على أمل أن يمنّوا عليه بتحقيق إحدى أمانيه. ولعلّ هذه العادة تعود بأصولها إلى التقليد الهندوسي في عبادتهم المعروفة بـ "البختي"، حيث تتمّ تلاوات طقسية لحكايات معيّنة تُدعى "فرات"، مرفوقة بالصيام والصلوات (يوجا).   ص ( 43 ـ 44)
 
مهما يكن من أمر، فإن ما يفصل الشيعة عن السُنّة ليس هو، في النهاية الفوارق لجهة العبادات بقدر ما هي الروح التي يؤوَّل بها الإسلام. فإذا كان التسنُّن يتمحور، بادئ ذي بدء، حول الأخذ بإرادة الأغلبية والقوة الشرعية لإجماع الأمة، فإن التشيُّع لا يعير كبير أهمية لرأي الغالبية في المسائل الدينية. إذا إن الحقيقة عند الشيعة غير منوطة بجماعة المؤمنين، وإنما هي حقّ مكتسب من حقوق القيادة الصالحة للنبي والمتحدرين من صلبه. وفي حين يُشدّد السُنّة على الدوام أكثر من يشدّدون على رسالة الإسلام، نجد الشيعة يُعطون أهمية أكبر بكثير لناقل هذه الرسالة. وقد شرح البعض هذا الاختلاف بالقول إن السُنّة يعظِّمون النبي لأنه نقل القرآن إلى المسلمين، بينما يُبجّل الشيعة القرآن لأن النبي هو الذي تولّى نقله. ولئن كان معظم الشيعة لا يذهبون إلى حد اعتناق رأي كهذا إلاّ أنه ما من شك في أن غُلاة الشيعة يُقرّون به، وأن التشيُّع يُشدّد تشديداً كبيراً على النبوّة في ترادفٍ مع رسالة الإسلام. ص (47 ـ 48)
 
ظهر التصوّف بين السُنّة كتعبير باطني عن الإيمان الإسلامي مقصور على فئة قليلة، وكان شبيهاً من عدّة أوجه بالتديُّن الشيعي، وكذلك كثقلٍ موازن لتقيُّد السنّة الحرفي بأحكام الشرع ولاهوتهم المفرط في عقلانيته. هذا ولئن كان التصوّف منتشراً في أوساط الشيعة أيضاً، إلاّ أن انشغاله بالمعاني الباطنية لرسالة الإسلام ليس عميقاً وقويّاً كما هو عند السُنّة.
والحال أن ما بين التصوّف والتشيُّع العديد من القواسم المشتركة إنْ من حيث الروح أو المزاج. فعلى غرار الشيعة، يؤمن المتصوفة بوجود معان ظاهرة وباطنة للقرآن والأحاديث النبوية، وهم يُجلّون من يرون فيهم لقُدرة على إدراك أشَدّ المعاني باطنية. ومثل أئمة الشيعة تماماً، يحظى أولياء التصوّف بمكانة خاصة متأتية من معارفهم اللدُنية وقربهم من الله. والماهية الروحانية للأولياء تُعبر شأن مثيلتها لدى الأئمة، ينبوعاً للبركات التي لا تنقطع عن الأتباع حتى بعد أن يغيَّب الموت هؤلاء الأولياء. إن المزارات الصوفية، على غرار المزارات الشيعية، هي أماكن يُخالج المؤمنين تجاهها إحساسٌ عميق بالهوى الروحي والتعلّق العاطفي. فين أتباع الطريقة الششتية في جنوب آسيا والطريقة العلوية في شمال إفريقيا، تقوم زيارة الأضرحة في صُلب إيمانهم وتديّنهم. وحتى عندما كانت أفغانستان تعاني الأمرّين تحت نير التزمّت الطهراني العنيف لطالبان، استمر العديد من الأفغان في التردد على المزارات وممارسة عبادات الإسلام الشعبي المقترنة بها.
إن الإمام الشيعي والوليّ الصوفي كليهما موضع إجلال وتعظيم بوصفهما وسيطاً خاصاً ما بين الإنسان وربّه، قادراً على التشفُّع للمرء كي يمنّ الله عليه بالشفاء والنعمة والغفران، حتى ولو كان هذا المرء من مهملي الفرائض الدينية اليومية إلى حد ما. بعبارة أخرى، يتقبّل المتصوفة المواقف التي تُعرَّف التديّن الشيعي وتؤطّره ـ تلك المواقف بالذات التي يرفضها بعض السُنّة بحجّة أنها منافية للإسلام.
وأخيراً، يُشارك المتصوفة الشيعة في تبجيلهم لعليّ وحُبّهم لآل البيت بالنسبة للقسم الأعظم من المتصوفة، يُمثّل عليّ الينبوع الأبرز للمعارف الروحية. إنه في نظرهم المريد الصوفي الأول طُراً ومصدر الحكمة اللدُنية التي تشكّل أساس التصوف. ومن هنا، فإن جميع الطُرُق الصوفية، فيما عدا النقشبندية التي تعود بنسبها على الخليفة أبي بكر، ترى في عليّ المنبع الرئيسي للحكمة الروحية (وإنْ كان العديد من زعماء الروحية الاستثنائية). فالكثير من السجايا التي تُعزى إلى عليّ، كالشهامة والبسالة والكرم والعدل وعظمة الروح، هي من القيم التي يتعلّق بها المتصوفة بوصفها الجوهر الحقيقي للتديُّن الإسلامي. وهذه النزعة هي أٌقوى ما تكون عند الصوفية الشيعية، التي تجد تعبيرها الأهمّ في الطريقة "النعمتلّلهية" الشهيرة في إيران حيث تنحبك في عقيدتها: الروحانية الصوفية والتديّن الشيعي في نسيجٍ واحد.
وقد تولّد عن تأثير الصوفية في الحياة الإسلامية والفكر الإسلامي تسامحٌ إزاء التشيُّع في العديد من المجتمعات السنّية. فحيثما تؤطر الصوفية التديّن الإسلامي، يلقى الشيعة قدراً أكبر من القبول. ففي جنوب آسيا مثلاً، لطالما أظهر المذهب البرلوي الإسلامي، الذي يُضافر ما بين تعاليم الصوفية والفقه الشرعي السُنّي، مزيداً من صور التسامح مع الشيعة. وعندي أن التصوّف والتشيُّع لديهما الكثير مما يخشيانه معاً، ولا سيما في ذلك الضرب من التديُّن الطهراني المتزمّت الذي تروِّج له الوهابية والسلفية. علماً بأن الكثير من القوى التي تنتهج الخط السنّي المتشدّد في رفض التشيّع تُبدي كذلك معارضة شرسة للتصوّف. ففي العراق وباكستان، القوى المتشدّدة التي تهاجم الشيعة في الوقت الحاضر، لا توفِّر الصوفية والمتصوفة أيضاً من هجومها. وفي العديد من أنحاء العالم الإسلامي اليوم، تطغى المعركة ما بين التصوّف من جهة، والتزمّت الوهابي أو السلفي من جهة أخرى، وإلى حد بعيد على أي صراعٍ بين التيارات الإسلامية التقليدية والحداثة. فالمواقف من الاثنتين تشهد حركة مدّ وجزر في موازاة نزعة التزمّت والتشدّد داخل المذهب السُنّي ـ أعني وجود تجاذب قوي بين القول بالصوفية والإسلام الشعبي وبين التوكيد على متطلبات العقيدة الرسمية الصارمة.
وقد توصل التشيُّع والتصوّف إلى بناء قضية جامعة بينهما في مواجهة خصمهما المشترك. ولعلّ سوريا اليوم مثال عصر للتعاون القائم بين الاثنين. الإخوان المسلمين، الجماعة المحبّذة للأصولية السُنّية المتزمتة، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، إلى التعويل على الطريقة الصوفية النقشبندية لتأمين الغطاء الشرعي له. وقد كان الشيخ أحمد كفتارو، الذي توفي عام 2004، مفتي سوريا الأكبر وزعيماً بارزاً للطريقة الصوفية النقشبندية في البلاد. وخليفته في كرسي الإفتاء، الشيخ أحمد بدر الدين حسّون، متصوّف نقشبندي هو الآخر. وقد أمَّن كفتارو وطريقته الدعم والسند اللازم في وجه تحدٍ أصولي لنظام حكم علوي علماني تسنّى له مؤخراً فقط أن يُقنع مرجعيات دينية شيعية لبنانية وإيرانية بالإعلان عن أن العلويين هم مسلمون شيعة لا غبار عليهم. وفي أفغانستان والشيشان والبلقان، ابتدأت حروب التحرير في الغالب على أيدي الجماعات النقشبندية المحلية، لتُختطف بعد ذلك من جانب الجماعات السُنّية المتزمتة المدعومة سعودياً والأفضل تمويلاً. وقد كانت المقاومة النقشبندية للإسلام المتزمّت المأثور عن الوهابيين والسلفيين، جلية بنوع خاص أثناء الحرب الأفغانية، حيث قاتلت القوى النقشبندية للسيطرة على البلاد، أولاً ضد مختلف مجموعات المجاهدين المدعومة سعودياً وباكستانياً، مثل "الحزب الإسلامي" بقيادة قلب الدين حكمتيار، ولاحقاً ضد طالبان. ص (55 ـ 57)
 
إلى الجنوب من طهران، وفي مكان ليس ببعيد عن ضريح أية الله الخُميني، يقوم مزار صغير مقدَّس عند الشيعة، لكنه لا يستقبل إلاّ النساء فقط. إنه مقام السيدة (بيبي) شهربانو. وشهرة المقام متأتية من سخاء البركات التي يُسبغها على زائراته المتوسّلات به؛ وكذلك لأنه مدفن الأميرة شهربانو، ابنة آخر ملوك الفُرس، يزدجرد الثالث، وزوجة الأمام الحسين. ينهض المزار على قمة رابية تطلّ على أفقر الأحياء السكنية المنتشرة جنوب العاصمة طهران. والمرء ليشقّ طريقه إليه ببطء ومشقة نظراً لوجود مئات النسوة المتجمّعات حول قبر الأميرة باكيات ضارعات، وهن يتطلّعن بلهفة إلى السلوان والشفاء والعطف. إن زواج الإمام الحسين من ابنة آخر ملوك الساسانيين ـ والتي هي بطبيعة الحال والدة الإمام الشيعي الرابع* ـ ليرمز في نظر الإيرانيين إلى الاقتران الوثيق ما بين إيران والتشيُّع. ص (59)
 
والحال أنه لم يكن هناك الشيء الكثير مما يُمكن تسميته خلافة حقيقية حتى يتصارع الشيعة والسُنّة عليها في القرن السادس عشر. فما ورثه العثمانيون لم يكن مؤسّسة بكامل اشتغالها بقدر ما كان الزعامة الرمزية البحث للعالم السُنّي. وقد كان الصراع عملياً بين المطالب المتنافسة بالحقّ في بسط السلطة السُلالية والإمبراطورية الشيعية من جهة، والسُنية من جهة مقابلة، على المنطقة بأوسع نطاقها. وقد كان الصفويون من أصحاب التطلّعات الشيعية إلى الهيمنة الإقليمية، فمثلت السلالة الصفوية نوعاً جديداً من الحامل للطموح الشيعي.   ص (61)
 
هنالك جاليات إسماعيلية عربية، في محافظة نجران السعودية النائية على سبيل المثال. لكن الإسماعيليين باتوا، ولا سيما في القرون الأخيرة، جالية هندية ـ إيرانية إلى حد بعيد. لقد عاش معظم الإسماعيليين، كما هو مأثور عنهم، ضن دائرة استيطانية تمتد من الهند إلى غرب الصين وطاجكستان وأفغانستان وشمال غربي إيران لتنتهي نزولاً في باكستان. وسقوط الاتحاد السوفييتي وظهور بعض معالم الانفتاح في الصين، أتاحا للإسماعيليين الفرصة لإقامة أواصر متجدّدة مع هذا القوس الشاسع وعبر العديد من الحدود الدولية التي تخترقه. في ظل الحكم البريطاني، ازدهرت أحول التجار الإسماعيليين في الهند، فكان أن هاجروا بكثرة سالكين طُرُق التجارة الأمبراطورية. وقد استقر العديد منهم في شرق إفريقيا الخاضع للاستعمار البريطاني، وكوّنوا هناك طبقة تجارية في كينيا وتنزانيا وأُوغندا. لكن حملات "الأفرقة" التي شهدتها تلك المنطقة في سبعينيات القرن العشرين ـ وكانت أسوأها على الإطلاق جزءاً من حُكم الإرهاب والترويع الذي ساد أوغندا في ظل الدكتاتور عيدي أمين ـ حملت عدداً كبيراً من الإسماعيليين الأفارقة من أصل هندي على النزوح إلى المنافي. فتوجه البعض منهم إلى الولايات المتحدة أو بريطانيا، لكن القسم الأكبر منهم آثر الهجرة إلى كندا. ومع مرور الزمن، خرجت من الإسماعيلية مللٌ أصغر فأصغر، كطائفة البُهرة في الهند مثلاُ، كما كان لها يدٌ في انشقاق نحلٍ صغيرة أخرى عن التشيُّع، كالدروز في الشرق، واليزديين في العراق، والعلويين في سوريا، والعلويين الأُخر في تركيا*
 ص (72 ـ 73)
 
إن صعود الدولة الحديثة حمل في طياته تبدّلاً في بُنية المجتمع الشيعي وذلك من خلال تفكيك الروابط التي كانت فيما مضى تشدّ الكثرة الكاثرة من الشيعة شدّاً محكماً إلى طائفتهم وزعمائهم. فقد اتجه الشيعة من الطبقتين الوسطى والعالية إلى تحصيل العلم في المدارس العلمانية سواء في الغرب أم داخل الوطن، ضمن معاهد أنشأتها الإرساليات التبشيرية الأوروبية، مثل كلية كينيرد أو كلية فورمان المسيحية في لاهور، وكلية بغداد، وجامعة طهران الأميركية، والجامعة الأميركية في بيروت، ولاحقاً في تلك المعاهد التي تأخذ بالنُظُم التربوية الحديثة في بلادهم. وهكذا صار البعض منهم علمانياً في نمط عيشه أيضاً، أو اعتنق المذهب السُنّي من أجل تسهيل حركة الترقّي إلى الوظائف العُليا، الطريقة التي قد يتحوَّل بها مواطن معمداني من الجنوب إلى أسقفي في بعض المحافل من المجتمع الأميركي، وآخرون افتُتنوا بالأصولية السُنّية التي كانت تكسب المزيد من الأنصار، فضلاً عن تعزّز مكانتها سياسياً ودينياً على حد سواء خذوا باكستان في سبعينيات القرن العشرين وأذربيجان في تسعينيات القرن عينه مثلاً، كان التشيُّع هُناك يُرى على أنه هامد سياسياً ويحفل على نحو مفرط بأمور العبادات والطقوس. وعلى النقيض منه كانت الكفاحية السُنّية تُمثِّل صورة بطولية مشرّقة، إذ كانت تبدو طهرانية، ديناميكية وملتزمة سياسياً. فشعر العديد من الشباب الشيعي الناهض بما لهذه الصورة من جاذبية سحرية، فانقلب سنّياً، أو شرع على الأقل يُمارس التشيُّع كما لو كان سنّياً.
وأدّى التحديث كذلك إلى ظهور اتجاه نحو العلمنة تجلّى بنوع خاص بين أبناء الطبقتين الوسطى والعُليا من الطائفة الشيعية في لبنان والعراق وإيران وباكستان. وقد لعبت النخبة العلمانية دوراً بالغ الشأن في السياسات اليسارية على اتساع الشرق الأوسط كله، عزاه البعض إلى التماهي القطري لدى التشيُّع مع الفقراء والمعدمين، فيما نسبه البعض الآخر إلى رغبة لدى الشيعة في تركيز السياسة على المسائل الأيديولوجية التي تحرف الانتباه عن المشاكل المؤلمة الناجمة عن الهوية الدينية. ففي العراق، كان الأعضاء القياديون في الحزب الشيوعي العراقي وعلى الدوام من أبناء الطائفة الشيعية، وما زال الأمر كذلك إلى يومنا هذا. وعلى النسق عينه، تصوِّت الغالبية الساحقة من الشيعة في باكستان وكالمعتاد لحزب الشعب الباكستاني، حزب يسار الوسط العلماني، والمطيّة السياسية لأسرة بوتو. ومن شأن هذه العادة السياسة أن تعزّز فقط الشكوك لدى يمين الوسط السُنّي في باكستان حيال جيرانهم الشيعة.
كذلك أدخل التحديث تحوّلات على طبيعة العلاقة ما بين النخبة الشيعية والطائفة التي تنتمي إليها. في وقت مبكّر من بدء عملية تكوين الدولة في باكستان والعراق والبحرين ولبنان، كان ممثّلو الطائفة الشيعية في تلك العملية هم الوجهاء والأعيان ("زعيم" بالعربية أو "زمندار" بالأُردية)، وكانوا في غالبيتهم من ملاّك الأراضي وزعماء العشائر. وقد اعتاد هؤلاء إجراء صفقات مع الطبقة الحاكمة السُنّية، ومن خلال مثل هذه المساومات، وجد الشيعة العاديون مواقع جدّ متواضعة لهم في الدول الناشئة حديثاً. كان الوجهاء يستفيدون من ارتباطهم بالسلطة، وفي المقابل كان المطلوب منهم أن يمثّلوا طائفتهم ويكبحوا جماحها في الوقت نفسه. تلك هي الحال إلى الآن في البحرين والمملكة العربية السعودية حيث يحصر الحكّام السُنّة المشاركة السياسية الشيعية في ضرب من لعبة الوجاهة. غير أنه في العديد من الأماكن الأخرى، عملت التحوّلات الاجتماعية وشيئاً فشيئاً على إضعاف قبضة ملاّك الأراضي وزعماء العشائر. فثمة نفرٌ قليل من الإقطاعيين الريفيين، مثلاً، من يُمارس نفوذاً واسعاً في المدن الكبرى حيث يتواجد الشيعة بأعداد غفيرة من الطبقتين الوسطى والدُنيا. فـ "هواء المدينة هواء حُرّ" على ما يقول المثل السائر، وبالتالي فإن الشيعة الذين لم يعودوا مقيّدين بعد اليوم بالأعراف الصارمة للحياة القروية وإيقاعها الزراعي البطيء، باتوا يتطلّعون بإلحاح ويتوقعون أن تكون لهم كلمة مسموعة في السياسة.
هذه السيرورة هي التي غيّرت السياسة الشيعية في لبنان خلال عقد السبعينيات من القرن العشرين. في ظل النظام السياسي الطائفي المعمول به في لبنان، كانت تجري قسمة الغنائم بين الطوائف، وكان ملاك الأراضي من الشيعة، من أمثال آل الخليل وآل الأسعد وآل الزين، يمثّلون صورياً كل الشيعة، وإنْ كانوا في واقع الأمر يحمون مصالحهم الخاصّة ليس إلاّ. وقد أدّى تفاقم التوترات من كل لون وشاكلة في جنوب لبنان إلى إطلاق موجة نزوح شيعية واسعة إلى أحياء الفقراء الواقعة جنوبي بيروت، فيما غادر العديد من الشيعة الأكثر يُسراً البلاد بحثاً عن مستقبل مشرق لهم ولأولادهم في إفريقيا وأميركا اللاتينية والولايات المتحدة. التحوّل الاجتماعي والهجرة ساهما معاً في إرخاء قبضة الوجهاء والإقطاعيين. فقام الإمام موسى الصدر، الزعيم الديني للطائفة، بجمع شمل المتشرذمين القاطنين في سهل البقاع غربي البلاد وفي جنوبها أيضاً، ونظَّمهم في إطار حركة سياسية جديدة سُمِّيت بـ "حركة المحرومين"، وهي التي أضحت في سبعينيات القرن العشرين الصوت الجديد للشيعة في الحياة السياسية اللبنانية. وعندما اندلعت الحرب الأهلية عام 1975، أفسحت حركة المحرومين في المجال لمنظمة سياسية وميليشيا باسم "أمل"*. وهذه الأخيرة هيمنت على السياسة الشيعية إلى حين بروز "حزب الله" في ثمانينيات القرن العشرين بدعم سوري وإيراني. أما أمل، فصارت حزب كثيرٍ من التجّار الشيعة اللبنانيين في فريتاون وأكرا وكينشاسا وديترويت الكبرى؛ وثراء هذه الجاليات في الشتات بات عنصراً مالياً مهمّاً في السياسة الشيعية اليوم.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الشيعة العلمانيين ليسوا هم من استفادوا إلى أبعد حدود الإفادة من التغييرات الطارئة على المجتمع والسياسة الشيعيين، بل رجال الدين أو العلماء. ففي لبنان، الذي ازداد بروزاً ونفوذاً كان الإمام موسى الصدر، ولاحقاً زعماء معمّمين كمحمد حسين فضل الله، وحسن نصر الله زعيم حزب الله. وفي جنوب وشرق العراق حدثت عملية مماثلة. ذلك أن الإصلاح الزراعي الذي طُبِّق في أواخر عقد الخمسينيات من القرن الماضي حرّر الفلاحين الشيعة من سطوة الوجهاء السياسية. وإذا بمدينتَيْ بغداد والبصرة وغيرهما تتضخم سكانياً على غرار ما حصل لبيروت، كيف لا والنزاعات وأعمال الاضطهاد وارتفاع معدل المواليد دونما توقف والبطالة الضاربة أطنابها في المناطق الريفية... الخ، دفعت بالملايين من الشيعة إلى خارج المزارع وحتى من القرى نفسها. خرج هؤلاء الناس في سيلٍ متصلٍ نحو الضواحي الشاسعة والبائسة كحيّ الزعفرانية جنوبي بغداد، أو مدينة الصدر، ذلك الحيّ الشيعي المترامي الأطراف الذي يلتف حول العاصمة العراقية من الجهتين الشرقية والشمالية. فلم تعد لفقراء بغداد أو البصرة في أقصى الجنوب أية صلة بعد الآن السلطة المتخشّبة في مزارع أسلافهم وأهوارهم. أما الخدمات الاجتماعية التي هم بأمسّ الحاجة إليها حيث هم في أحياء الصفيح، فجاءتهم عبر جهود زعماء دينيين من أمثال أية الله محمد صادق الصدر (الذي أعدمه صدّام حسين عام 1999، وهو والد مقتدى الصدر). وبالنتيجة، حين انهار نظام صدّام أمام الدبابات الأميركية، لم يكن عالم الرياضيات المتحوِّل رجل سياسة أحمد الجلبي، أو الطبيب المتحول ناشطاً سياسياً إياد علاّوي، من برز لقيادة الشيعة، بل الصدر والسيستاني ورجال الدين من "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق".
وفي إيران هي الأخرى، وبعد عقود من محاولات التحديث، كان رجال الدين (الملالي) وليس الزعماء العلمانيون من ورث عباءة الشاه. وهذا راجع إلى الوشائج القوية التي كانت تربط العلماء تقليدياً بأبناء رعيتهم. لكن التغيير الحاصل في صفوف العلماء كانت له أهميته أيضاً. فالعديد منهم قد تبنّوا مقاربة جديدة إلى السياسة على غرار موسى الصدر والخميني وباقر الصدر والآخوين الحكيم*. فانخرطوا في التعبئة الاجتماعية وتوسّلوا العديد من الأدوات الأيديولوجية والسياسية المأثورة عن اليسار حتى وهم يتنافسون وإيّاه على الفوز بتأييد الشباب.
وقد لعب ذلك التنافس دوراً مهمّاً في دفع المثقفين والزعماء الدينيين الشيعة إلى التعاطي بجدّية مع الأفكار الغربية التي كانت تسود المجال العام. ففي الستينيات من القرن العشرين، لفت أية الله مرتضى مطهّري، الذي سيغدو فيما بعد واحداً من زعماء الثورة، النظر إلى الشعبية التي يحظى بها اليسار بين شبيبة البلاد. وفي العراق، كتب محمد باقر الصدر في الفلسفة والاقتصاد بأسلوب جديد يستقي مفرداته ومفاهيمه من الفكر الغربي. وكان الغرض من ذلك هو تقديم التشيُّع إلى الشباب بوصفه فكراً يُضاهي الفكر الغربي. فدراسته المطوّلة في الاقتصاد المؤلّفة من مجلدين وتحمل عنوان "اقتصادنا"، تعرض لوجهة النظر الشيعية في العدالة الاجتماعية بلغة جدّ مألوفة لقرّاء كارل ماركس. كان الصدر يتعارك والماركسية حتى وهو يعكس تأثيرها فيه.
وأقبل الشيعة كذلك على اعتناق الفكرة القومية بحماسة لافتة. في أعقاب الحرب العالمية الأولى، تمّت صياغة هويات قومية جديدة ـ وفي بعض الحالات من فراغ ـ وذلك لتحديد أُطر النضال ضد الاستعمار، وتقرير طابع الدولة القومية الذي ينبغي ارتداؤه. بالنسبة للشيعة، ولاسيما عندما يكون هؤلاء أقليّة، كانت القومية العلمانية هوية جامعة، شاملة، كونها تعرّفهم تعريفاً يرتفع بهم فوق المماحكات الجدلية القديمة، ويساويهم بالسُنّة في أعين الأمة. لقد عجز الشيعة عن الاستحكام بالعالم الإسلامي أيديولوجياً أو سياسياً، وكابدوا آلام ومخاطر التهميش. وها هي الدولة الحديثة تُريهم سبيل التقدم إلى الأمام من دون حمل وزر هويتهم الدينية. في إيران، لم يكن للقومية تلك الدلالات والتضمينات، لأن الشيعة يشكّلون الغالبية العُظمى. لكن حيث كان الشيعة أقلية أو محكومين من قبل السُنّة، فقد راقت لهم الفكرة القومية بالطريقة ذاتها التي تجتذب بها الأيديولوجيات الجامعة أبناء الأقلّيات، منقادين وراء وعود التكافؤ والمساواة. لهذا السبب اعتنق الشيعة القومية العربية، والقومية الباكستانية، فضلاً عن الوطنية العراقية أو اللبنانية، متخيّلين في كل حالة من تلك الحالات مجتمعاً لا أهمية فيه للفوارق بين السُنّة والشيعة. وهكذا حمل العالم الحديث معه، في جلبابه القومية على الأقل، الوعد القاطع بإنهاء قرون من التحيّز والتعصب المؤلم.   ص ( 78 ـ 83)
 
لقد حظيت الحركة لإنشاء باكستان بدعم مبكر من الآغا خان، زعيم الطائفة الإسماعيلية، وبدعم مالي سخي من جانب ممولين كبار من الشيعة أمثال م. أ. إصفهاني، وراجا محمود أباد من مدينة لُكنو، وهو أمير شيعي وأكبر مالك للأراضي في شمال الهند. خلافاً للقومية العربية، كانت القومية التي وقفت خلف إنشاء دولة باكستان قومية إسلامية جامعة ولم تكن سُنيّة على وجه التخصيص. إن فكرة باكستان بوصفها وطناً منفصلاً لمسلمي الهند البريطانية، كانت ومنذ البداية تشمل الشيعة والسُنّة جميعاً، والتركيبة الأوّلية للإدارة والجيش في الدولة الوليدة عكست هذه الوضعية.
إن مؤسَّس باكستان، محمد علي جناح، كان إسماعيلياً بالولادة وشيعياً اثنى عشرياً بالعقيدة، مع أنه لم يكن ممارساً لواجباته الدينية. كان قد تمرَّس في "إينز أوف كورت"· في لندن، وكان أكثر إلماماً بالقانون الإنكليزي منه بالفقه الشرعي الشيعي. ولم يحدث أن شارك في المواكب العاشورائية. عدا عن أنه كان يمتلك خزانة ملابس تحوي من البدلات الغربية بقدر ما فيها من أردية محلّية. مع ذلك وبقدر ما يتعلق الأمر بكونه مسلماً وناطقاً بلسان القومية الإسلامية، كان محمد علي جناح شيعياً. لعب إخوانه في المذهب دوراً خطيراً في حركته؛ وعلى مرّ السنوات، كان العديد من قادة باكستان من الشيعة، بمن فيهم واحد من أوائل الحكّام العامّين للبلاد، وثلاثة من أوائل رؤساء الوزارة فيها، واثنان من قادتها العسكريين (الجنرال إسكندر ميرزا والجنرال يحيى خان)، دع عنك العديد من أبرز الموظفين العامّين وملاّك الأراضي والصناعيين والفنانين والمثقفين الباكستانيين. واثنان من رؤساء الوزارة اللاحقين: العاثر الحظ ذو الفقار علي بوتو وابنته المتعلّمة في رادكليف والمنفية في الوقت الحاضر بنازير بوتو، كانا هما أيضاً شيعيين. أحسّت بنازير بتغيُّر اتجاه الريح في تسعينيات القرن العشرين، فاعتنقت المذهب السُنّي. لكن أمها الإيرانية وزوجها المتحدّر من أسرة إقطاعية شيعية كبيرة واسم أبيها المقترن باسم سيف الإمام علي الشهير (ذو الفقار)، كل ذلك جعل أصولها الشيعية واضحة للعيان لا تحتاج إلى بيان. إن تحوّل بنازير بإرادتها إلى المذهب السُنّي يحكي لنا قصة القومية العلمانية التي بدت ذات يوم وعداً صلباً، وكيف أنه انهار مثل لوح خشبي نخره السوس تحت أقدام الأقلية الشيعية المحاصرة في باكستان المعاصرة.
كان والد بنازير ينتمي إلى أسرة من كبار ملاّك الأراضي الشيعية، قادرة على إرسال ابنها للدراسة في جامعة بيركلي بكاليفورنيا وجامعة أوكسفورد بإنكلترا. كان شخصاً مندفعاً، مفعماً بالحيوية والنشاط، طموحاً، نبيهاً وعلمانياً كما كان خطيباً مفوّهاً، ولديه المقدرة على حمل حشدٍ من مليون شخص على الرقص ومن ثم البكاء. وبراعته الخطابية هذه كانت تتلاعب بعواطف الجماهير بالبراعة عينها التي تجدها عند الوعّاظ الشيعة، ودعونه إلى العدالة الاجتماعية تلاقت مع ما يحمله التشيُّع، أي: الأسود والأحمر والأخضر. ومع أنه لم يتفاخر يوماً وبصورة علنية بخلفيته الاجتماعية الشيعية، استطاع علي بوتو أن يفوز بولاء جماهير الشيعة في باكستان، وهي التي تُُشكّل قرابة خُمس عدد سكان البلاد وما كان ينقصه في مجال القيام بالفرائض الدينية المعتادة، كان يعوِّضه بتحمّسه الشديد للأولياء الصالحين ومزاراتهم، ولاسيما مزار لال شهباز قلندار، الوليّ الصوفي من أصل شيعي ذي الشعبية الواسعة الذي يُعدّ قبره من أهم الأضرحة في جنوب باكستان.
شكّلت السنوات التي أمضاها ذو الفقار علي بوتو في السلطة (1971 ـ 1977) أوج النفوذ الشيعي في باكستان وذروة الوعد بقومية إسلامية جامعة حاضنة للجميع. لكن البلاد التي بناها محمد علي جناح وحكمها ذو الفقار علي بوتو كانت تحوّلت مع الزمن إلى بلاد سُنّية من حيث وعيها بنفسها. والهوية السنّية التي اكتسحت باكستان لم تكن، فوق ذلك، من الصنف الصوفي المسالم، بقدر ما كانت من النوع الحادّ وغير المتسامح أبداً. هذا المزيج من العلمانية والشعبوية الاستبدادية التي لا ترحم ـ سقط أخيراً في انقلاب عسكري قاده جنرالات متديّنون من السُنّة تحت تأثير أصوليين متشدّدين. وفي شهر نيسان/ إبريل 1979، شنقت الدولة بوتو بعد أن وجَّهت إليه تُهماً بالقتل مشكوكاً فيها. وكان الجنرال السنّي محمد ضياء الحقّ، المدعوم بقوة من الأحزاب الأصولية السنّية، هو الذي أمر شخصياً بتنفيذ حكم الإعدام، حتى بعدما أوصت المحكمة العليا الباكستانية بإبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد.
أنهى انقلاب عام 1977 التجربة الباكستانية مع القومية الإسلامية الجامعة. صحيح أن الساسة والقادة العسكريين وكبار رجال الأعمال الشيعية لم يختفوا عن المسرح، غير أن "أسلمة" البلاد بشكل دؤوب (والأسلمة هنا تعني تغليب المذهب السُنّي تحديداً). جعلت باكستان تبدو أكثر فأكثر أشبه بالعالم العربي حيث السُنّة يتبوّؤُون المراتب العليا والشيعة يُدفعون إلى الهامش بالتدريج. أجل، إن باكستان تلخّص، ومن نواحٍ عديدة، جوهر التبدّل السياسي الذي واجه الشيعة ما زال: الدولة الحديثة تراوغهم بوعودها وفي ظنّهم أنها قومية علمانية جامعة، في حين أنه واقعة عملياً تحت الهيمنة السُنّية. ص (83 ـ 86)
 
وفي العالم العربي، تعلّم الشيعة الدرس القاسي، وهو أن الأنظمة والأيديولوجيات العلمانية قد تأتي وتذهب، لكن أشكال التحيُّز والافتئات السُنيّة لا تحول ولا تزول. ص (86)
 
خذوا مثلاً الدولة العراقية المُسيطر عليها سنّياً التي اصطنعها موظفو الإدارة الاستعمارية البريطانية بالاشتراك مع زمرة الأمراء الهاشميين من شبه الجزيرة العربية. لقد كان فيها شيء قليل من التعيين التجميلي لسياسيين وأعيان من الشيعة في البرلمان، ولكن لا شيء أكثر من ذلك في اتجاه تعزيز النفوذ الشيعي. وحتى على كثرتهم العددية، لم يتسنَّ للشيعة أن يحكموا أو حتى أن ينالوا نصيباً عادلاً من السلطة في العراق الحديث. ص(86)
 
ولكي يعوّض السُنة عن وضعهم كأقلّية في العراق، عمدوا إلى إدماج هوية البلاد ضمن هوية العالم العربي السُنّي الأكبر. وفي هذا المخطط، لم يكن يُنظر إلى الشيعة على أنهم شركاء في الوطن، بل اتهموا بدلاً من ذلك بتمثيل المصالح الإيرانية، وتالياً بعدم الإخلاص للقضية العربية، فكان نصيبهم التهميش. فلم يكن للعراق رئيس وزراء شيعي قبل عام 1947، أي بعد زهاء ثانية وعشرين سنة من تكوين البلاد. وإذ وجد الشيعة المُحبطون أنفسهم مُبعدين إلى أطراف الحياة الوطنية، فقد فرّ عدد كبير من زعمائهم الدينيين من النجف وكربلاء إلى إيران. واستسلم الشيعة المنهكون والمهزومون للحُكم السنّي في أعقاب الثورة المتهوّرة، تلك الثورة التي طارد شبحها أية الله السيستاني بعد انقضاء صمانية عقود. فحذّر الشيعة من تكرار أخطاء 1920، لمّا على التحلّي بالاعتدال خلال وبعد عملية القضاء عسكرياً بقيادة الولايات المتحدة على نظام صدّام حسين، لأنه كان يخشى إنْ فعل العكس أن تسلِّم الولايات المتحدة وبريطانيا مفاتيح البلاد إلى السُنّة وتحبس الشيعة خارج السلطة مرة جديدة مثلما فعل الإنكليز من قبل. ص (87)
 
ومع تبلور معالم الدولة السعودية في ثلاثينيات القرن العشرين، جرى تهميش الشيعة بصورة ممنهجة، كما تمّ تجريدهم من أي دور لهم في الشأن العام. لقد تسامحت الدولة الوهابية معهم، أجل لكنها لم تقبلهم كما هم؛ فكانوا الأقلية غير المرغوب فيها؛ الأقلية الوثنية. ص(93 ـ 94)
 
في بحر القرن الثامن عشر، اكتسب التشيُّع شيئاً من القوة طرداً مع الوهن المتزايد في أوصال أمبراطورية المغول. والتحوّل في حظوظ الشيعة هذا انعكس في قرار الأمبراطور بهادور شاه استقدام الممارسات الشيعية إلى بلاطه في دلهي مطلع العقد الأول من القرن الثامن عشر. والاتجاه عينه كان بعدُ أكثر جلاءً في الممالك الأصغر التي كانت قد بدأت بالظهور في ما كانت حتى ذلك الحين أراضي تابعة اللأمبراطورية المغولية. فإمارة أودة التي ظهرت في عشرينيات القرن الثامن عشر، وإمارة البنغال التي خرجت إلى الوجود في وقت لاحق، كانت تدينان لأمراء من الشيعة يُعرفون بـ "النَوَاب". وفي جنوب الهند، كانت أكبر دولة إماراتية، ألا وهي "حيدر أباد نظام شاهي"، يحكمها "نظام" سنّي (هكذا كان يُدعى الأمير الحاكم لحيدر أباد)، لكنها على العموم كانت منطقة أكثرية سكّانها من الشيعة. وكان المشهد السياسي والثقافي الغني في بلاط حيدر أباد يطغى عليه النبلاء ورجال الحاشية والكتبة والشعراء الفرس (أعاد وليام دالريمبل وعلى نحو نابض بالحيوية بناء الحياة والزمن كما كانا في أواخر القرن الثامن عشر في حيدر أباد، وذلك في كتابه الصادر عام 2002 بعنوان "المغول البيض"، والمتمحور حول قصة حب رومانسية بين المقيم البريطاني وأميرة فارسية). والنفوذ الشيعي كان أيضاً ملموساً في بلاطّيْ ميسور ومدراس. فكان الأمراء الشيعة فيهما يشملون برعايتهم علماء الدين الشيعة ويشجعونهم على الدخول في سجالات فقهية مع نظرائهم السُنّة. كذلك كان هؤلاء الأمراء يؤمَّنون الموارد المالية اللازمة للمعاهد الدينية الشيعية ولا يبخلون بأي عون لنشر الثقافة الشيعية. وبفضل الأموال الملكية والرعاية الكامنة خلفها، بدأت بعض الممارسات الشيعية كعاشوراء تصبح مناسبات عامّة كبرى. كانت أودة قد برزت بصفتها الحاضرة المجلّية للثقافة والفنون والدراسات الدينية الشيعية في شمال الهند. ومن هنا، تُعتبر مدينة لُكنو الهندية الثانية بلا جدال بعد أصفهان بإيران كواجهة عرض زاهية للفنون والعمارة الشيعية.
بدا صعود نجم الشيعة في نظر المسلمين السُنّة في الهند كما لو أنه نتيجة من نتائج نفوذ بريطانيا المتنامي على الصعيدين التجاري والسياسي. كذلك رأى السُنّة في هيمنة الشيعة مظهراً من مظاهر تدهور وضع الإسلام المحلّي ـ أي لعنة إلهية تُلازم أي زيغ في ممارسة الإيمان. من هنا، أخذ الزعماء الدينيون السُنّة يشدّدون على الحاجة إلى إحياء الإسلام، وهو ما كان يعني لهم أولاً وقبل كل شيء: نقض التشيُّع. الباحث الإسلامي الهندي لمرموق والشخصية الصوفية النقشبندية البارزة، شاه ولي الله الدلهوي (ت 1736م)، الذي كان هو نفسه يُعظِّم الإمام عليّ، أصرّ على أن الشيعة أخطأوا في إنكار شرعية الخلفاء الراشدين الثلاثة الأُول. وحثهم على إيلاء كل من أبي بكر وعمر الاحترام الواجب لتعزيزهما الأمان والتلاحم بين المسلمين في آن مع توسيعهما رقعة الأراضي الخاضعة للحُكم الإسلامي.
أما سيد أحمد الريباريلّلي (ت 1831م)، الذي اشتُهر أكثر ما اشتُهر بجهاده ضد البريطانيين، فقد اتبع أجندة إصلاحية أشدّ تطرفاً وجذرية. فبموجب تلك الأجندة، لا بد لإحياء السلطة الإسلامية في الهند من نقض التشيُّع أولاً نقضاً تامّاً وصريحاً كجزء من حملة إصلاحية ترمي إلى إعادة المعتقدات والعبادات الإسلامية إلى نصابها الصحيح. ونظراً إلى تأثره بالحركة الوهابية، حكم سيد أحمد ببطلان التصوّف والتشيًُّع كليهما ومعهما العادات الشعبية الضالّة لكونها مصدر الفساد الديني وتسبّبها تالياً بتداعي قوة المسلمين.
نزع سُنّة الهند، شأن بقية أهل السُنّة في كل مكان من العالم الإسلامي، إلى رسم رابطٍ مستقيم ما بين رضا الله والنجاح في الدُنيا. وإزاء ما يرونه من تدهور في مكانتهم، يُقابله صعود المتطفّلين الإنكليز والمنحرفين الشيعة إلى مصاف القيادة. حاول السُنّة إيجاد تفسير لانفلات السلطة من أيديهم (وهي الشاهد على رضا الله أولاً وأخيراً)، والنظر فيما ينبغي عمله لاستعادتها ثانية. بالنسبة إليهم، كان النفوذ الشيعي هو السبب والمعيار في آن لانحطاط حالة المسلمين. وهكذا أضحى الشيعة الشُغل الشاغل لأولئك السُنة المعنيين جداً بمعرفة الخلل الحاصل وماذا يلزم لإصلاحه. وعلى نسقٍ سيتبدّى في أكثر من مكان من العالم العربي، أثار الاستعمار حفيظة السُنة، فكان أن صّب هؤلاء قدراً لا يُستهان به من سخطهم على الأقلية المتهمة سلفاً بين ظهرانيهم: الشيعة.
وموقف سيد أحمد هذا من التشيُّع ما لبث أن صار مادة خام لمعظم الحركات الإصلاحية بين علماء السُنّة الهنود في القرن التاسع عشر. فحركة "ديوباندي" (المتخذة اسمها من بلدة تقع في شمال الهند)، التي ظهرت في وقت متأخر من ذلك القرن لحماية الهوية الإسلامية عن طريق التعريف بممارسة الإسلام القويم ومن ثم نشر تلك الممارسة في عموم الهند البريطانية؛ وكذلك حركة "أهل الحيدث" التي سعت إلى تنقية الدين على نحو ما فعلت الوهابية، هاتان الحركتان رفضتا بل هاجمتا بعنف المعتقدات والعبادات الشعبية الشيعية. جاءت الحركتان كلتاهما رداً على الاستعمار البريطاني، وبحثاُ عن أجوبة للاضطرابات التي تعصف بالهند عند منعطف القرن عبر تفسير جديد للإسلام (إنما تفسير ذي طابع إحيائي صريح). عملت حركة ديوباندي جاهدة على تعليم رجال الدين الهنود وتشريبهم بأفكارها وآرائها، بينما ركّزت حركة أهل الحديث على تنقية الممارسات الدينية من الشوائب بغية خلق ملّة إسلامية حقيقية، قادرة على حماية الإسلام من صدمات الاستتباع الاستعماري. ص (94 ـ 96)
 
لم يكن موسى الصدر، وهو الإيراني والشاب المفتقر إلى ظهير له في السياسة اللبنانية التي لا ترحم، لم يكن بالزعيم المحتمل لشيعة لبنان. ومع ذلك، فقد أثبت في النهاية أنه هو المخلِّص الذي كانوا يحتاجونه ويتشوّقون إليه. كان صنفاً جديداً من القادة، رجل دين حركياً، منخرطاً بهمّة ونشاط في حياة طائفته. كان ممشوق القامة وسيماً وذا عينين خضراوين ثاقبتين. وكان حكيماً خبراً بالناس، يحمل إجازة في الحقوق من جامعة طهران، ويتكلّم عّدة لغات. كما كان ملمّاً بالفقه الشيعي إلمامه بالفكر الغربي. ومثل رجال الدين الكاثوليك الحركيين في أميركا اللاتينية، روّاد ما يُعرف بـ "لاهوت التحرير"، أقبل موسى الصدر على العمل بلا كلل لتحسين حظوظ أبناء طائفته، أي إعطائهم صوتاً مسموعاً، وحمايتهم من ويلات الحرب والنزاع الطائفي، وقبل كل شيء، منحهم هوية وصوتاً في السياسة اللبنانية.
ضافر الصدر بين الحركية الاجتماعية والهوية الشيعية لإنتاج مقاربة شيعية متميّزة للنقاش السياسي؛ مقاربة تستجيب بإخلاص للأهداف القومية للعرب، لكنها تؤكّد في الوقت عينه على مصالح الشيعة. وقد كان ناجحاً إلى حد بعيد في إعطاء الشيعة اللبنانيين هوية سياسية جديدة تختلف عن القومية العربية ذات القيادة السنّية، وسيراً على خطاه، تخلّى شيعة لبنان عن ولائهم الأعمى للقضية العربية؛ وعوضاً عن ذلك، طالبوا بالاعتراف بهم وبحقوقهم كشيعة لبنانيين. وقد استطاعوا من خلال تنظيم صفوفهم سياسياً ولالتفاف حول مليشياتهم المسلحة أن ينتزعوا حقّ التصرّف بمصيرهم. وكان الأثر الذي تركه الصدر فيهم من العُمق بحيث صار الناس في نواحٍ من لبنان يقلّدونه في لكنته الفارسية. لقد أضحى الصدر ومليشياه أمل ـ التي كانت تقدّم كذلك خدمات اجتماعية وتعمل كمنظمة سياسية في آن ـ بمثابة منارة للصحوة الشيعية وحامل لواء التحدّي الشيعي للقصة الخيالية الواهية عن الوحدة العربية الجامعة والواقع الاسمنتي الصلب للهيمنة السنّية معاً. لا بل إن الصدر كان مصدر إلهام للشيعة في أماكن أخرى من المنطقة. ففي سبعينيات القرن العشرين، قامت معسكرات حركة أمل بتدريب عراقيين وإيرانيين وسعوديين ونشطاء شيعة عرب آخرين. بل إن مفارز الحرس الثوري الإسلامي الإيراني تمّ، في واقع الأمر، تنظيمها وتشكيلها لأول مرة على أيدي الكوادر المتمرسين في معسكرات التدريب التابعة لحركة أمل. ص (108 ـ 109)
 
جاء أول هجوم علني على العقيدة الرسمية للقومية العربية من جانب شيعي لبناني هو فؤاد عجمي. ففي كتابه "الورطة العربية"، ولحقاً في السيرة المشبوبة بالعاطفة التي وضعها لموسى الصدر بعنوان "الإمام المختفي"، انتقد عجمي بشدّة الادّعاءات الضمنية والوعود المُعلنة للقومية العربية". ص (109)
 
وقد تجلّى عُمق الغضب الشيعي على الفلسطينيين والقومية العربية كأوضح ما يكون التجلّي في عام 1982، حين استقبلت أقلية من الشيعة جنود الجيش الإسرائيلي المحتلّ كمحرّرين. وحين أخرج الجيش الإسرائيلي منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وجد الشيعة الساحة مفتوحة أمامهم لعرض عضلاتهم، بعدما صاروا هم القوة المهيمنة. وما لبثت أن أظهرت أمل قوتها المكتسبة حديثاً في سلسلة من الهجمات المسلّحة شنّتها على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين حول بيروت، كمخيمي صبرا وشاتيلا ـ هذان المخيمان اللذان حازا على شهرة عالمية بعدما اتُهمت إسرائيل بالسماح للمليشيات المسيحية بارتكاب مجزرة دموية بحق المدنيين فيهما ـ ومخيم برج البراجنة. في "حرب المخيمات" تلك التي دامت قرابة الثلاث سنوات، صبَّت أمل جام غضبها وانتقامها على الفلسطينيين. وفي إحدى المراحل فُرض حصار شامل على مخيَميْ برج البراجنة وشاتيلا لمدة ستة أشهر كاملة. وقد حاق بسكانهما خطر المجاعة بعدما قُطعت عنهما المياه والأغذية. واستمر السياسيون الشيعة، ومن بينهم زعيم أمل الحالي نبيه بري، بدعم القوانين والتشريعات المقيِّدة للفلسطينيين. ولم تُغفر للشيعة، "خطيئتهم" بتأييد إسرائيل والهجوم على الفلسطينيين إلاّ بعد ظهور حزب الله على المسرح ليتحدّى الجيش الإسرائيلي ويُجبره على الانسحاب من لبنان، معتِّماً بذلك على "أمل" كواجهة للسياسة الشيعية في لبنان. ص (110)
 
يتعاطى حزب الله مع قضية فلسطين من خلال انتهاجه سياسة فلسطينية مُلحقة باستراتيجيته الخاصة بالوصول إلى السلطة. إن محطته التلفزيونية "المنار" هي اليوم ثاني أكثر المحطات شعبيةً في المنطقة (بعد "الجزيرة")، وذلك عائد جزئياً إلى نسبة المشاهدة العالية التي تتمتع بها بين الفلسطينيين على اتساع الشرق الأوسط. في عام 1994، باشر لبنان بعملية تطبيع لوضع اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه. وتلافياً لأي اختلال في التوازن الطائفي الدقيق للبلاد، سوف يُصار إلى تجنيسهم بأعداد متساوية كشيعة وسُنة ودروز ومسيحيين. وأول المرشّحين للتجنيس كانوا دُفعة قوامها 30 ألف شخص في جنوب لبنان، الذين باتوا الآن في عداد الشيعة من الوجهة الرسمية ـ بعبارة أخرى، يستطيع الشيعة الآن أن يدّعوا لأنفسهم حجماً يفوق عددهم الفعلي في لبنان. وهؤلاء "الشيعة" الذين من غير المرجّح أن يشاركوا في مواكب عاشوراء، سوف يقترعون حتماً وعلى الأغلب لصالح حزب الله. إن حرب حزب الله على إسرائيل منذ عام 1982 قد صنعت من التنظيم بطلاً من أبطال القضية الفلسطينية. لكن إسرائيل، العدو المشترك للطرفين، هي في رأيي من سيحدّد مآل علاقة "الشيعة" الفلسطينيين بحزب الله. ص (111)
 
كان مهدي حائري يزدي فيلسوفاً وفقيهاً ـ آية الله عُظمى بحكم حقّه الشخصي. إذ كان أبوه واحداً من أهمّ رجال الدين الشيعة في القرن العشرين. ففي العشرينيات من ذلك القرن، أنشأ في مدينة قُم الإيرانية مركزاً للتعليم الديني لمنافسة مدينة النجف العراقية. كما كان معلِّماً ومرشداً لآية الله السيد روح الله الخميني. أضف إلى ذلك أن ابنة أخيه كانت متزوجة من ابن الخميني، وحائري نفسه كان قد درس الفلسفة الصوفية على الخميني. ففي خمسينيات القرن العشرين، درَّس الخميني مهدي حائري وبضعة طلبة آخرين "الأسفار الأربعة"، ذلك النصّ الصوفي الذي وضعه الملاّ صدرا* إبان الحقبة الصفوية.
كان الخميني في مقتبل سيرته المهنية فيلسوفاً ذائع الصيت (مع التخصّص في تعليم المنطق الأرسطي)، بالإضافة إلى الاشتغال على نطاق ضيّق بالصوفية، ربما لتأثره بكتابات المتصوف الأندلسي الشهير ابن عربي. لا بل إنه نظم بنفسه شعراً صوفياً، وإن أي من شعره لم يُنشر قبل وفاته عام 1989. ولعلّ أهم عامل صنع له شهرته بين الملالي الشيعة أنه أبدى براعة فائقة في تحليل "الأسفار الأربعة" للملا صدرا، وهو النصّ الروحاني المعقّد على وجه الخصوص الذي طالما حظي بشعبية في المراكز الإيرانية للدراسات الدينية. في عمله هذا، رسم صدرا طريق البحث عن الحقيقة على شكل سفرٍ من أربع مراحل، يقود الإنسان أولاً إلى الله، فيتعلّم كيف يفتح ذاته لاستقبال الحكمة الروحانية، ومن ثم يعود إلى العالم كامرئ اتحد مع الله، ليعكس فيه صفاته وسجاياه السماوية.
أخبرني حائري أنه (حلم) ذات ليلة خلال أحلك سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية، وعقد الثمانينيات من القرن العشرين يغوص في لُجّة من الدماء، وآلاف لا تعد ولا تُحصى من الشباب الإيراني يسيرون إلى الهلاك على خط الجبة، قصد منزل أستاذه القديم وقلبه يعتصر ألماً. فوجد الخميني بمفرده متربعاً على سجادة في حديقته أمام بركة ما صغيرة. وشأن العديد من الإيرانيين في ذلك الحين، كان حائري مضطرباً أشد الاضطراب إزاء أهوال الحرب التي اشتملت على هجمات صاروخية بعيدة المدى على الأحياء المدنية في مدن كلا البلدين. ففتح قلبه المثقل بالكآبة للخميني وسأل مرشده إنْ كان عاجزاً عن إيجاد سبيل إلى وقف المذبحة المروّعة.
بادره الحائري قائلاً: "حرامٌ على المسلمين أن يقتلوا مسلمين. إن مئات الآلاف يموتون في حرب لا نهاية لها ولا تخدم غاية نبيلة". لم ينبس الخميني ببنت شفة إلى أن أنهى حائري كلامه. ثم ومن دون أن يلتفت إليه، سأله الخميني بنبرة هادئة ولكن تأنيبية: "أتلوم الله أيضاً إذا أرسل زلزالاً؟".
صُعق حائري لمقارنة الخميني نفسه ضمنياً بالعليّ القدير، فما كان منه إلا أن نهض واقفاً وغادر المكان من دون أن يتفوه بكلمة واحدة. ومنذئذ لن يعاود حائري مكالمة الخميني مرة أخرى. وبعد مضي سنوات على ذلك، استذكر حائري إدراكه في تلك الأمسية أن الخميني انتهى إلى رؤية نفسه امرءاً يجتاز المرحلة الأخيرة من سفر الملا صدرا ـ امرءاً أضحى متماهياً أشدّ التماهي مع الله وصفاته الإلهية حتى إنه يستطيع، وهو الإنسان، أن يتصرّف كمشترعٍ سماوي عملياً. ( 115 ـ 116)
 
وما من أحد من بين أنداد الخميني كان أكثر صراحةً في نقده من آية الله العُظمى أبو القاسم الخوئي، أستاذ آية الله السيستاني ومرشده. كان الود مفقوداً بين الخوئي والخميني. وأثناء وجود الخميني في النجف (1964 ـ 1978)، ساد الفتور بين الاثنين، وكثيراً ما كان يتبادلان التعليقات اللاذعة بالواسطة من خلال طلابهما. ص (121)
 
كان للخوئي أنصار ومؤيدون بين العلماء الإيرانيين، لكن الخشية من العقاب ألزمهم الصمت لدى وصول الخميني إلى السلطة وتكريس نفسه ما يُشبه الشاه المعمّم تحت لقب "المرشد الأعلى للثورة الإسلامية". فأحد المنشقين، وهو آية الله العظمى محمد كاظم شريعتمداري، جرّده الخميني من سلطاته الدينية، وتلك إهانة لم يخطر لأي شاه أن يفكّر بها مجرد تفكير. ص (122)
 
في الوقت الذي جعلت فيه الجمهورية الإسلامية من علماء الدين الشيعة طبقة حاكمة ـ نخبة "حارسة" سياسية فضلاً عن كونها دينيّة ـ فإن الذي حدّد وتيرة الثورة الإيرانية لم يكن أفلاطون بل كارل ماركس. فقد تزامنت التحوّلات العنيفة التي شهدتها السياسة الشيعية في عهد الشاه مع فترة من الحركية اليسارية الجامحة في البلاد، أقبل معها رجال دين شباب على قراءة الكتب الماركسية ووجدوا أنفسهم متأثرين جداً بالأفكار والروح الكفاحية الشيوعية. فيما شارك بعضهم الأخر نشطاء يساريين زنزانات السجن وتعلّموا منهم الشيء الكثير عن الثورة. وقد تركت المؤهّلات التنظيمية لليساريين وفعاليتهم ذات الحافز الأيديولوجي بصمتها الواضحة على بعضٍ ثالث من رجال الدين.
كان محمد طالقاني رجل دين ذا وجه نحيل وسلوك رزين، كما كان مدخناً لا تسقط السيجارة من فمه. كان من قُدامى المناضلين ضد نظام حُكم أسرة بهلوي، وقد دخل السجن عدة مرات وفي عقود مختلفة، مرة كواعظ شاب، وأخرى كرجل دين متوسط المرتبة، وثالثة كزعيم ديني راشد قُبيل الثورة. خلال وجوده في السجن، التقى طالقاني بالعديد من اليساريين، من عُتاة الستالينيين في خمسينيات القرن العشرين إلى الصنف الشاب من الماويين الذين هيمنوا على الجامعات في سبعينيات ذلك القرن. كان منهم مفكّرون ومثقفون، كما كان من بينهم مقاتلون في حرب العصابات. وكم كان يطيب له، وهو المكرَّم في أعين محادثيه للندوب الكثيرة التي خرج بها من السجن، أن يروي طرائف ونوادر من الحياة في الزنزانة، وكان شغوفاً على الأخص بالحديث عن تفاعله مع اليساريين.
خلال توقيفاته الأولى، حرص طالقاني على النأي بنفسه عن اليساريين، فكان يقرأ القرآن ويتجنّب الملحدين. لكنه شيئاً فشيئاً بدأ يُشارك في السجالات اليسارية، مدافعاً عن إيمانه في وجه المادية الماركسية والتُهم المُساقة ضد الدين بأنه مُحافظ من دون تفكير. وإدراكاً منه أن القرآن يجب أن يُضاهي "البيان الشيوعي" إذا كان له أن يبقى وثيق الصلة بإيران الحديثة، فقد عقد طالقاني العزم على إثبات أن الإسلام لا يقلّ بأي حال تقدمية وثورية عن الماركسية. وإذا كان لم يُقرّ علانية بأنه استعار شيئاً من اليساريين، لكن من الواضح أنه كان يكنّ لهم مودّة ليست بالقليلة. لقد فهمهم وتفهّمهم وشاطرهم وجهات نظرهم. ووضع كتابه الشهير "الإسلام والمِلْكية" الذي يتناول، كما يوحي عنوانه، موضوعاً أثيراً من مواضيع الماركسية، مفصحاً فيها عن تأييده للمِلْكية الجماعية كما لو كانت ركناً من أركان الإيمان في الإسلام.
يُمثّل طالقاني اتجاهاً نافذاً لدى رجال الدين نحو توليف التشيُّع من المُثُل العليا الماركسية بغية مزاحة الحركات اليسارية على استقطاب المؤيدين من الشباب. فضلاً عن توظيف الدين توظيفاً سياسياً على نحو أعمّ. وليس من مفكِّر أكثر ذرائعيةً في هذا المضمار من علي شريعتي، المثقف العلماني (أي غير العلمائي) الذي توفي قبل الثورة بوقت وجيز في عام 1977. نشأ شريعتي في أسرة دينية، لكنه شأن الكثيرين من أبناء جيله، تلقى تعليماً علمانياً. وأكمل تعليمه بأن انتقل إلى باريس لدراسة علم الاجتماع، حيث راح يتردد على الأوساط اليسارية ويُصادق الوطنيين الجزائريين (إنه الرئيس الجزائري هواري بومدين من توسَّط لدى الشاه أثناء حضور هذا الأخير مؤتمر القمة للسلام بين إيران والعراق في الجزائر العاصمة عام 1970، كي يُطلق سراح صديقه القديم علي شريعتي من السجن). كان شريعتي جيد الإلمام باللاهوت والتاريخ الشيعي، لكن نظرته إلى العالم كانت من صياغة العقيدة الماركسية والنظرية العالمثالثية اللتين وتعرّف إليهما في باريس. لقد اقتنع بالأفكار الماركسية وآمن بالصراع الطبقي والثورة واليوتوبيا الشيوعية. كتب عن الإسلام بمصطلحات ماركسية واضحة: "لألفٍ وأربع مئة سنة خلت، تبع نفرٌ قليل من العبيد وباعة التمر ومربّي البعير والشغّال دين محمد. أما اليوم، فهم العمال والفلاحون والتّجار والموظفون والطلاّب من يجب عليهم أن يُحبوا هذا الدين من جديد. إن الحركات لا تنى تظهر وسط الجماهير لأن الطبقات الأرستقراطية الحاكمة تشجع النزعة المحافظة وتمنع التحوّلات الاجتماعية لتحمي مواقعها... كما نجد العديد من علماء الدين يلبسون لبوس الأرستقراطيين سعياً وراء الشهرة والمجد أو لأن الأرستقراطيين يتخذونهم أُجراء لديهم للحفاظ على مصالحهم". بالنسبة إلى شريعتي، التحدّي هو كيف السبيل إلى ترجمة الأفكار الماركسية إلى رموز ثقافية يُمكن للجماهير الشعبية أن تلتصق بها. بعبارة أخرى: كيف نجعل نزول ماركس إلى تحت أكثر سهولة من خلال إعطائه صبغة شيعية؟
كان التشيُّع في نظر شريعتي بمثابة "قانون إيمان" الثورة. فتاريخه يحكي قصة سعي جبّار إلى العدالة، وأولياؤه كانوا أبطالاً ثوريين. الإمام الحسين، في عُرفه، هو تشي غيفارا القرن السابع، وكربلاء عنده ليست سوى دراما ثورية بكل ما في الكلمة من معنى. فتاريخ الشيعة لم يكن شيئاً آخر غير جدلية الصراع الطبقي الذي يبلغ ذروته بثورة. وقد بدأ كل شيء في كربلاء، وسوف ينتهي بثورة إيرانية. في تفكير شريعتي، كربلاء ليست بعد الآن تجليّاً سرمدياً للحقيقة، بل فعلٌ ثوري، وفاعله بطلٌ ثوري قابلٌ للاستنساخ في أواخر القرن العشرين. ولطالما ردّد شريعتي القول المأثور: "كل يوم عاشوراء، كل أرض كربلاء". لقد انتقد شريعتي علماء الشيعة لتحويلهم عقيدة ثورية إلى إيمان هامد. في رأيه، لقد ضلً التشيُّع سبيله في الحقبة الصفوية ليغدو عقيدة للدرس والتديُّن، بدلاً من أن يكون عقيدة للعدالة الاجتماعية والثورة.
أطلق شريعتي على التشيُّع كما يفهمه تسميته "التشيُّع الأحمر"، الذي يتميّز عن "التشيّع الأسود" أو الصفوي. وكان التشيّع الأحمر يُشابه بدرجة كبيرة الحركة الكاثوليكية المعاصرة المعروفة بـ "لاهوت التحرير" التي بدأت مع كتابات الكاهن البروفي غوستافو وكتابات الأب الفرنسيسكاني البرازيلي ليوناردو بوفّ. وعلى نسق المفكّرين والكهنة الكاثوليك اليساريين في أميركا اللاتينية، وجد شريعتي مصدر إلهامه في الماركسية والمحفِّز له في قراءة ما كان الكاثوليك يُسمونها "علامات الزمن". وفي مجرى هذه العملية، استطاع شريعتي أن يقنع العديد من الإيرانيين بأن دينهم يستلزم فعلاً اجتماعياً، حتى ولو بلغ حد اعتناق الشهادة في سبيل العدالة الاجتماعية، تماماً مثلما فعل أولياء الشيعة من قبل.
كثيرون من بين العلماء أمطروا شريعتي بنقدهم القاسي لميوله الماركسية البعض رأى فيه سُنّياً سريّاً نظراً لتهجّمه على العلماء الذين قال إنهم في أحسن الأحوال لا لزوم لهم (كون المحتوى الثوري للمذهب مُتاح للجميع)، وفي أسوأ الأحوال محرِّفون للتشيُّع ومسخه عقيدة مناوئة للثورة. فيما زعم آخرون أن الأمر متروك للأمام الثاني عشر كي يشفي العالم من علله. جاء ردُ شريعتي على هذا الاعتراض الغيبي الطابع بمثابة تَذْكِِرة قوية بالفكرة القيامية الرؤيوية المفتوحة والملحّة التي أثبتت قوتها الفعّالة في تاريخ المسيحية الحديثة في طورها المبكر في أوروبا، حيث لم تترك أحداً إلاّ وأثّرت فيه ـ من كريستوفر كولومبوس... إلى مارتن لوثر، وجون ميلتون وإسحاق نيوتن وأوليفر كرومويل. قال شريعتي إنه حريّ بالشيعة ألا يقبعوا فقط بانتظار عودة الإمام هامدين. بل يجب أن يشعروا بأنهم مدعوون إلى العمل بهمة مضاعفة في سبيل التعجيل بعودته.
لم يفلح منتقدوه إلاّ فيما ندر في المسّ بمكانة علي شريعتي بين الشباب في إيران، أو عرقلة نجاحه في تبسيط وتعميم قراءته الثورية للتشيُّع. لقد صارت "الماركسية الإسلامية" ـ كما وصفها الشاه ذات مرة ـ عقيدة للشباب الثوري. وبالفعل، لم تحل السنوات الأخيرة من سبعينيات القرن العشرين إلا وكان صغار العلماء قد وقعوا تحت تأثير شريعتي، وصاروا هم أيضاً يعرّفون كربلاء بأنها ليست سوى نموذج للثورة الاجتماعية. إن المرشد الأعلى الحالي لإيران، آية الله علي خامنئي، كان صديقاً مقرّباً من شريعتي ويشاطره الكثير من أفكاره أيضاً. وخلص آخرون إلى أن الطريقة الوحيدة لكبح تأثيره هي في انتحال بعض من أفكاره لأنفسهم. وبالنتيجة، انتهى الأمر بقراءة شريعتي، القراءة الماركسية للتشيُّع، أن حدّدت هي بالذات معالم حركة الخميني. وهكذا اقترنت حجج الخميني ضد المَلَكية ولصالح حكم رجال الدين بالماركسية الشيعية التي نادى بها شريعتي لتشكّلا معاً حركة ثورية جارفة. ص( 122 ـ 126)
 
لجأ أتباع الخميني، وعلى امتداد مسار الثورة، إلى استخدام رموز ومفردات "خلاصية" لإضفاء هالة من القوة والبأس على أنفسهم. وقد اتخذ الخميني لنفسه لقب "الإمام". بالنسبة للسُنّة، هذا اللقب يعني حرفياً "القائد"، كما هي الحال في ذلك الذي يقود الآخرين أثناء الصلاة في مسجد المحلّة. أما بالنسبة للشيعة، فالأمر على العكس تماماً، إن تعبير مثير للذكريات والعواطف، إذ يستحضر في الذهن صورة عليّ وصور الأحد عشر من ذرّيته. وحده موسى الصدر اتخذ هذا اللقب. لكن بما أنه يوجد في لبنان حضور سنّي قوي، فقد أدّى الاستخدام الروتيني لهذا اللقب هناك إلى الانتقاص من قيمته ودلالته الرمزية. بينما الإشارة إلى "الإمام الخميني" في إيران لم تجعله فوق سائر آيات الله الآخرين فحسب، بل ساوته بالأولياء وأنزلته منزلة القدّيسين كذلك. وهذه ما صارت عليه الحال وأكثر حين أخذ أتباع الخميني يوظّفون التديُّن الشعبي لتعزيز مكانته الدينية. فرأينا كوادره يروّجون شائعات في خضم الثورة مفادها أنهم شاهدوا وجه الخميني في القمر، وهذا كما قيل برهان ساطع على أن الله قد بارك قضيته. ص (126 ـ 127)
 
وفي إحدى المرّات، سأله عضو في البرلمان ما إذا كان هو "المهدي المنتطر"، فلم يُجب الخميني على سؤاله. وخشية من أن يكون الخميني لم يسمعه جيداً، كرر عضو البرلمان السؤال عليه. لكن الخميني ظل معتصماً بالصمت، لا يدّعي ولا ينكر أنه الإمام الثاني عشر، في موقفٍ ينمّ عن دهاء شديد. ص (127)
 
لذلك لجأت الحكومة الثورية إلى تعبئة مئات الآلاف من المتطوعين للدفاع عن الجمهورية الإسلامية. وقد دُفع بهؤلاء الأبرياء المفتقرين إلى التدريب والمجهّزين أسوأ تجهيز إلى خطوط الجبهة بعدما أُعطي كلّ منهم مفتاحاً بلاستيكياً يُمثّل مفتاح بوابات الجنّة. وكم من ليلة مرّت خلال الحرب استيقظ فيها الجنود الإيرانيون ليروا شكلاً آدمياً ملفعاً كله بالبياض ويمتطي صهوة فرس بيضاء يُوزِّع عليهم بركاته. أشباح "المهدي المنتظر" هذه كانت، في الحقيقة، ممثّلين محترفين أُرسلوا عن قصد لرفع معنويات المقاتلين؛ فكان الجنود العاديون، وهم غالباً فتية من بيئات فلاّحية نشأوا وترعرعوا في جوٍ من التديُّن والورع البسيط، يقومون من ثم بنقل الحكاية إلى أقربائهم وأصدقائهم في القرى والدساكر التي يسمّونها دياراً، هذا إذا كُتبت لهم النجاه وعادوا إلى ديارهم. ص (128)
 
وقد أثبتت "عبادة الشهادة" هذه أنها لا تقلّ أهميةً بأي حال عند الشيعة في لبنان أيضاً، حيث استخدمها حزب الله لشنّ حملته من التفجيرات الانتحارية ضد الجيش الإسرائيلي في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. كان الاستعداد للموت من أجل القضية الشيعية بمثابة حد فاصل في الواقع السياسي للشرق الأوسط. فقد وضع في أيدي النظام الإسلامي الثوري في إيران أداةً ماضية في سعيه وراء أهدافه المحلية والدولية، وجعل التطرّف والإرهاب الإسلامي أشدّ فتكاً بتشجيعه ما دُعي في ثمانينيات القرن العشرين بـ "العمليات الاستشهادية". في البيئة الشرق أوسطية على الأقل (لأن نمور التاميل في سري لانكا استخدموا أسلوب التفجيرات الانتحارية على نطاق واسع)، كان الاستعداد للموت في سبيل القضية، وحتى زمن متأخر نسبياً، ظاهرة شيعية في الأغلب، ومرتبطة بأدبيات كربلاء والإمام الثاني عشر. ص (129)
 
كان أفراد إحدى الجماعات المهدوية القوية المكرّسة للإمام الثاني عشر والمُسماة على اسمه "الحجّتية"*، يناصبون أسرة بهلوي الحاكمة العداء الصريح ويدعمون أهداف الثورة، لكنهم لم يكونوا مرتاحين لتلميحات الخُميني بأنه المهدي المنتظر أو ممثّله. وقد جرى حلّ جماعة "الحجّتية" بعد الثورة، لكن عدداً كبيراً من أفرادها انضموا إلى النظام الثوري، وبعضهم كرئيس الجمهورية الإيرانية الحالي، محمود أحمد نجاد، أضحوا شخصيات بارزة فيه. تعبيراً عن تفاني "الحجّتية" وولائها للإمام الثاني عشر، بل وسعياً منه أيضاً إلى استعادة قبضة الخميني على الجماهير، أعلن أحمدي نجاد بُعيد انتخابه رئيساً بأن الحاكم الحقيقي لإيران هو الإمام الثاني عشر، وأن سياسة الحكومة يجب أن تسترشد بهدف التعجيل بعودته (فرجه). لا بد أنه أوعز إلى أعضاء حكومته بأن يوقّعوا على قسم رمزي بالولاء للإمام الثاني عشر. إن معظم الإيرانيين لم يكونوا يوماً تواقين إلى الاعتراف بالخميني على أنه المهدي المنتظر، لكن "المهدوية" بقيت مع ذلك تروق للكثير من الأوساط حتى يومنا هذا.
كانت الدولة الشيعية التي تمخّضت الثورة عنها دولة ثيوقراطية شعبوية فرؤيتها للدولة وللحاكمية مستقاة من نظرية "ولاية الفقيه" للخميني، لكن علاقتها بالمجتمع كشفت عن بصمات للأيديولوجيات اليسارية فيها. إن الجمهورية الإسلامية في إيران تعوِّل في قابليتها للحُكم على الحماسة الدينية والإحباطات الاقتصادية لدى الفقراء. وقد قامت على القيم الدينية التي حدّدها الخميني، بيد أنها تعمل كدولة مستبدّة من العالم الثالث ذات حكومة سلطوية مركزية، تملك قطاعاً عاماً ضخماً وتنتهج سياسة اقتصادية يسارية ـ شعبوية. إنها تُضافر ما بين نظرية أفلاطون في الحُكم وقدر معيّن من النزعة الفاشستية التي تعرف كيف تتعاطى مع الأوضاع الصعبة والخطيرة وتتملّق الناس فتُسمعهم ما يحبّون سماعه لتكسب حظوةً وشعبيةً لديهم. ص (129 ـ 130)
 
منذ ظهوره والتشيُّع يستمدّ تعريفه من روح كربلاء والطقوس المشبوبة العاطفة التي تُبقي جذوة تلك التجربة حيّة في النفوس ومتوهجةً أبداً. غير أن جمهورية الخميني الإسلامية لم تكن شيئاً سوى قوانين ولا تحفل كثيراً بالقيم المرتبطة بكربلاء، وحتى بقدر أقلّ بالشعائر المتصلة باستشهاد الحسين. فلم يحدث أن أُقيمت مراسم ضخمة لعاشوراء يترأسها الخميني، ولا شيء مما يوازي المواكب العاشورائية الملكية التي كان يحضرها شاهات إيران وأمراء أودة. في الحقيقة لم يكن الخميني أو أحد من بطانته في وارد تشجيع التديُّن الشيعي الشعبي، وبدرجة أقلّ بعدُ التقاليد المأثورات الشيعية. خلال عهده كزعيم مطلق لإيران، لم يتجنّب الخميني حضور احتفالات عاشوراء فحسب، بل إنه لم يتجشم حتى عناء زيارة المقام ذي الشعبية الطائلة للإمام الثامن في مشهد (الإمام الرضا)؛ لأنه، في قرارة نفسه، أسمى من ذلك كله.
إن الزعماء الإيرانيين الذين يزورون باكستان، غالباً ما يصدمون مضيفيهم الباكستانيين الشيعة بما يبدر عنهم من ازدراء للتقاليد الشيعية، على نحو ما فعلت ذات مرة فائزة رفسنجاني، ابنة رئيس الجمهورية الأسبق علي أكبر رفسنجاني، وكانت هي نفسها عضواً بارزاً في البرلمان خلال تسعينيات القرن العشرين، إذ جرجت مشاعر برلماني باكستاني عتيق لمّا دعاها إلى زيارة أحد المقامات الشيعية، فما كان منها إلاّ أن ردّت في صلفٍ أن زيارة الأضرحة ليست من الإسلام في شيء. وقد دلّ موقفها هذا بجلاء على تأثرها بالتزمّت السُنّي الحديث. فالأصولية الشيعية تستهويها الهوية الشيعية لكنها لا تعوِّل كثيراً على الروحانية الشيعية . فذهنيتها القانونية وتكلُّفها الزائد بالقوانين والتشريعات كانا ولا يزالان، في الحقيقة، "غير شيعيين" بالمرة. ص (131)
 
عندما تُوفي الخميني، شيَّد له خلفاؤه ضريحاً على طراز مقام الإمام الرضا في مشهد، وشجعوا فعلياً زوّاره على أداء طقوس عادةً ما تُقدّم لدى زيارة قبر أحد الأئمة. قد تكون الجمهورية الإسلامية في إيران، بما هي حكومة دنيوية، قد تغيّرت وتبدّلت في مجرى العقدين الأخيرين من الزمن، إلاّ أن قصد حكّام إيران كان ما زال حجب الثورة الإيرانية والخميني خلف غلالة أسطورية ـ لإضفاء مسحة من الخلود عليهما وإحاطتهما بهالة من الرهبة الدينية. ص (132)
 
حرص الخميني على التعتيم على صورته الشيعية خارج العالم الشيعي، وتمظهر بدلاً من ذلك في صورة بطل للصحوة الإسلامية، وقدَّم الثورة الإيرانية على أنها الثورة الإسلامية التي طالما ادّعى المفكّرون السنّة من الإخوان المسلمين و "جماعتي إسلامي" أنها ضرورية إذا ما أُريد للإسلام أن يسترد مجده الغابر. إيران، معقل التشيُّع، هي أيضاً طليعة الثورة الإسلامية العالمية! مقولة كان من الصعب جداً تسويقها، ناهيك عن أن السُنّة في معظمهم ما كانوا ليتقبّلونها. صحيح أن العديد من النشطاء والحركيين الإسلاميين في العالم السُني كانوا معجبين بالخميني وسعوا إلى الاقتداء بمثاله، إلاّ أنهم ظلوا متردّدين في قبول زعامته. وقد حاول الخميني معالجة هذه المشكلة من خلال التركيز على المسائل الدنيوية التي توحّد المسلمين عوضاً عن القضايا الدينية التي من الجائز أن تفرّق بينهم. فصار العدو اللدود للأمبريالية، وأشدّ عداءً لإسرائيل من العرب أنفسهم. فعمل على توجيه الحركية الإسلامية نحو هذه المسائل ـ أي نحو المعركة مع الدخلاء ـ بدلاً من الانشغال بالهموم الإسلامية. إن نزعة العداء لأميركا عند الخميني لها جذورها في التاريخ الإيراني، إنما يُمكن اعتبارها من عدة وجوه نتاجاً جانبياً لتطلّعه إلى الاعتراف به زعيماً لكل المسلمين، ولبحثه عن قضية من شأنها أن توحّد الشيعة والسُنّة تحت عباءته. ص (133)
 
استقبل العالم الشيعي الثورة الإيرانية بقدر عظيم من الزهو والاعتزاز. كيف لا وقد حقق الشيعة الغايتين الساميتين: الثورة الإسلامية والدولة الإسلامية، اللتين تحدّث عنهما مطوّلاً نشطاء السُنة في جماعة الإخوان المسلمين و "الجماعة الإسلامية" الباكستانية. كذلك أحدثت الثورة الإيرانية تغييراً كبيراً في منزلة الشيعة، فقد ارتفعت مكانتهم في العالم بفضل الخميني. قبل وفاة الخميني ببرهة وجيزة، قال الزعيم الباكستاني، مولانا أبو الأعلى المودودي، وهو واحد من أهمّ مفكّري ومنّظري الأصولية الإسلامية، إنه كان يودّ لو حقَّق ما حقَّقه الخميني، ولكم يتمنّى لو تسمح له ظروفه بزيارة إيران ليرى الثورة بأمّ عينيه. وهذا النوع من المصادقة والإغباط كان يمنح الشيعة شعوراً فائقاً بالافتخار والثقة بالنفس. ص (134)
 
من جهة أخرى، عملت الثورة على إيقاظ الشيعة، فأضحوا أكثر جُرأة في المطالبة بحقوقهم وتمثيلهم، مطمئنين إلى أن الخميني سوف يُساندهم في ذلك، وأن لديهم نموذجاً حيّاً للحركية السياسية تكفل لهم النجاح في تحدّي السلطة. وكان الخميني قد بعث ذات يوم برسالة إلى الحاكم العسكري الباكستاني ضياء الحق، يحذّره فيها من أنه إذا ما أساء معاملة الشيعة، فإنه (أي الخميني) "سوف يفعل به ما فعله بالشاه". لذا، حين قصد عشرات الألوف من شيعة باكستان العاصمة إسلام آباد عام 1979 للمطالبة بإعفائهم من "الزكاة" المفروضة عليهم بموجب الشرع الإسلامي، لم يكن أمام الحكومة من خيار سوى الإذعان. ص (134)
 
في عام 1975، وقّع الشاه وصدّام حسين معاهدة سلام لتطبيع العلاقات بين البلدين. لكن تقاعس الشاه عن عمل أي شيء في مواجهة التحدّي المتصاعد من جانب الخميني، أثار حفيظة صدّام، الذي حذّر الملكة فرح، زوجة الشاه، أثناء زيارة لها في العراق في عام 1977، من أن نجاح الخميني ستكون له عواقب وخيمة على إيران والعراق على حد سواء. قال لها إن مئات الألوف سوف يموتون ما لم يتصرف الشاه بالشدّة المطلوبة ويسحق الثوريين. ونُقل عن صدّام قوله بعد ذلك بسنوات إنه ما كان يجدر به أن يطلب الإذن من الشاه للتعامل مع الخميني، وأن أكبر غلطة مفردة ارتكبها في حياته العامة أنه ترك آية الله يغادر العراق حيّاً. ص (136)
 
كان أسلوب الخميني والتحدّي الذي مثَّله يُثيران أعصاب المنطقة. حين توجّه وفد من رؤساء الدول المسلمة إلى طهران للتوسط من أجل إنهاء الحرب، جعلهم الخميني ينتظرون مدة ساعتين قبل أن يستقبلهم وهو جالس على الأرض، وتحدث إليهم بالفارسية من دون ترجمة لعشر دقائق وهم وقوف، ثم غادر القاعة. والمغزى الذي يُمكن استدلاله من القصة واضح جداً: إن آية الله ـ "الإمام"، قوةٌ لن يتسنّى لقادة المنطقة احتواؤها إلاّ لقاء تعريض أنفسهم للخطر. ص (137)
 
المكان الوحيد الذي تسنّى للثورة الإيرانية أن تمتد إليه بقدر من التأثير الدائم كان لبنان. كانت حركة أمل قد درّبت، كما سبقت الإشارة، عدداً من الثوريين الإيرانيين في مخيماتها العسكرية*. والعديد من أوائل قادة الحرس الثوري الإيراني (الذين ما عتموا أن تعرّضوا للتطهير) كانوا من خرّيجي أمل. بالرغم من ذلك كله، لم تكن أمل محبوبة في طهران. فموسى الصدر وأتباعه كانوا يرون في الخميني شخصاً مغروراً ومدّعياً سياسياً يحمل آراءً غير قويمة في الدين كما في السياسة. والخميني؛ من جانبه، كان يجد أمل حركةً غير جذرية بالقدر الكافي، ومنهمكة أكثر من اللازم في المماحكات السياسية الداخلية مما يمنعها من أن تكون حركة ثورية حقيقية. ص (137 ـ 138).
 
ليس الشيعة كُلهم وقعوا في سحر الخميني. ولعلّ آية الله أبو القاسم الخوئي، غريم الخميني القديم منذ أيام النجف، كان وأكثر من أي شخص آخر عقبة في وجه امتداد نفوذ الخميني في العالم الشيعي. صحيح أنه لم يُصر إلى اختيار أي من آيات الله مرجعاً أعلى في عام 1979 ـ وحده الخميني سيدّعي أحقّيته بتلك المرتبة في وقت لاحق ـ إلاّ أن الخوئي هو من كان يحظى بأوفر قدر من المهابة والتوقير بين مجموعة من خمسة من آيات الله الكبار بلا مُنازع، من بينهم الخميني نفسه طبعاً. كان الخوئي من أصل إيراني، لكن تواجده في النجف منحه نفوذاً واسعاً بين الشيعة العرب، وكذلك في المدار الشيعي في جنوب آسيا الذي كانت تربطه أواصر تقليدية قوية بالنجف. كما كان للخوئي نفاذاً إلى الوقفيات الغنية (بحكم مكانتها كمزارٍ للشيعة، كانت النجف تستدرّ تبرعات خيرية طائلة)، وشبكة من المريدين المتفانين الذين هم من أرشد رجال الدين في جماعاتهم. ولئن التحق البعض من هؤلاء المريدين في آخر المطاف بالخميني، كمحمد حسين فضل الله اللبناني (وكان لفترة من الزمن وكيلاً للخوئي في ذلك البلد)، وعارف حُسيني الباكستاني، إلا أن الغالبية الساحقة بقيت على ولائها للخوئي. لقد رفض الخوئي ومنذ البداية نظرية الخميني في "ولاية الفقيه"، معتبراً إيّاها بدعة ضالة، وحثّ أتباعه علناً على تجاهل آية الله الآخر.
في أنحاء عديدة من العالم الشيعي، أضعف ازدراء الخوئي بالخميني من جاذبية هذا الأخير، لا بل شقّ صفوف الشيعة في بعض الحالات. سألتُ الشيعة في قرية بشمال باكستان عام 1989 عمّن يقلّدون من آيات الله، فكان الجواب حاضراً: "في الأمور الدينية آية الله الخوئي، وفي المسائل السياسية آية الله الخميني". فإذا كانت الثورة الإيرانية يومها بصدد صهر الدين والسياسة في بوتقة واحدة، فإن الشيعة في باكستان كانوا مصمّمين فيما ظهر لي على الفصل بين الأمرين، بل وحتى على إرجاع كل من هذين المجالين إلى مرجع تقليد مختلف. في لُكنو بشمال الهند، وجدتُ الناس هناك يشيرون إلى الخوئي باللقب الجديد المُفرد للخميني في إيران: "نائب الإمام" (أي نائب الإمام الشيعي الثاني عشر). وبدا لي كما لو أن الخوئي سيحصل على ترقية تلقائية في لقبه كلما فعل الخميني ذلك. وإذا ما وضعنا في الاعتبار ما كان يقوم به النظام الإيراني من محاولات محمومة لإعلاء شأن الخميني دونما انقطاع، أدركنا كم كان تماسك الولاء للخوئي مثيراً للدهشة والإعجاب معاً، وربما كان ذلك أيضاً سبباً يُعزي إليه النفوذ الذي يتمتع به حالياً تلميذه وخَلَفه: آية الله علي السيستاني.
ينتسب الخوئي إلى المجموعة الإثنية الأذرية في إيران، وكان يتكلم اللغتين الفارسية والعربية بطلاقة إنما بلكنة تذكّرنا باللغة التركية اللغة الأم اللأذرييين. كان ذا شخصية تختلف جذرياً عن شخصية الخميني. فالخوئي محافظ دينياً، والمفتاح الرئيسي لتلك النزعة المحافظة المبدئية عنده هو الإخلاص للموقف الهادئ التقليدي الذي دأب علماء الشيعة على التزامه منذ الحقبة الصفوية. وأهمية الخوئي في زرع العوائق في وجه انتشار أفكار الخميني وهيبته، غالباً ما لا تُقدّر حق قدرها. فهو من أبقى حيّاً ذلك التقليد من الفكر الشيعي الذي يترك هامشاً أكبر من التمييز بين السلطتين الدينية والسياسة، وقد فعل ذلك إلى أن فقدت الثورة الإيرانية بريقها وخفّت جاذبيتها. وإذا كان آية الله السيستاني قد استطاع أن يبلور بنجاح سياسة شيعية تتسم بالاعتدال منذ عام 2003، وتقوم ولو في جانب منها على الموقف الهادئ التقليدي، فإن ذلك راجع بالأساس إلى الإرث الذي تركه له أستاذه ومرشده: الخوئي. إن النموذج الدستوري المُقيَّد الذي ربما يكون قيد التبلور حالياً في العراق، يملك فيما يبدو كل الإمكانيات لأن يكون بديلاً واقعياً عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومزاعمها المفرطة بشأن أحقية السلطة الدينية في البتّ بالقرارات السياسية. وإذا قُيِّض لهذا النموذج المعتدل أن ينجح، فإن نصيباً لا يُستهان به من هذا الفضل ينبغي عزوه حُكماً إلى المقاومة العنيدة التي أبداها الخوئي في وجه الخميني. ص ( 140 ـ 141)
 
الأصوليين السُنّة لم يفيدوا بوجه من الوجوه من الثورة الإيرانية. ففي البدء، جعلوا يراقبون الخميني ومعاونيه وهم يلقّنون المناضلين السُّنّة الشيء الكثير عن كيفية تنظيم وإدارة الحركات الاجتماعية الجماهيرية. لا بل إن الثورة الإيرانية أثارت مشاعر حتى اليساريين في البلدان ذات الغالبية المسلمة كإندونيسيا وتركيا ولبنان، ودفعتهم إلى مطالعة الإسلام باهتمام متجدّد. على أية حال، الإسلام في إيران نجح حيث أخفقت الأيديولوجيات اليسارية. كما أثبت الإسلام جدارته كأيديولوجيا ناجحة للمقاومة. إلاّ أن الإعجاب بما تحقق في إيران لا يعني التسليم بزعامة إيران. وبالفعل سرعان ما وجد المناضلون الإسلاميون خارج إيران الثوريين الإيرانيين أُناساً متعجرفين، منغرين وسكارى بنجاحاتهم.
أضف إلى ذلك أن الأصولية الإسلامية في باكستان، والقسم الأعظم من العالم العربي، كانت أبعد ما تكون عن الثورة من الوجهة السياسية. ذلك أنها متجذرة في الحوافز الدينية المحافظة وفي السوق (البازار)، وهي تخلط ما بين المصالح التجارية والقيم الدينية. والغاية التي تعمل لها تلك الأصولية ـ على حد ما ذكر جيل كيبل، الباحث الفرنسي في شؤون الإسلام المعاصر ـ ليست هدم النظام القائم بل إعطاؤه طبقة جديدة سميكة من الدهان "الأخضر الإسلامي". بينما أصولية الخميني على النقيض منها أصولية "حمراء"- أي ثورية بحق وحقيق- . وهدفها هو تحطيم الدولة القائمة واستبدالها بأخرى جيدة تماماً. ص (144)
 
وقد تجلّت تداعيات الانقسام السعودي ـ الإيراني أو السنّي ـ الشيعي على الحياة السياسية في العالم الإسلامي بمنتهى الوضوح في عام 1982، حين سحق النظام العلوي التابع لحافظ الأسد في سوريا انتفاضة قام بها الإخوان المسلمون في مدينة حماه. كانت إيران آنذاك قد بنت تحالفاً مع سوريا محوره معارضة البلدين لنظام صدّام حسين في العراق. وكان السُنّة، ومنهم الإخوان المسلمون، كثيراً ما يتهمون العلويين بأنهم ملّة مارقة من الإسلام، وبالتالي فهم غير مؤهّلين أو مُهيأين لحُكم المسلمين. وهذا الاعتقاد كان كافياً وحده ليزيد من تمردهم على نظام الأسد. رفض الخميني دعم الإخوان المسلمين أثناء انتفاضة حماه، فكان أن أكسبه هذا الرفض احتقار جماعة الإخوان المسلمين إلى الأبد؛ وبيَّن كذلك أنه بالرغم من توق الخميني إلى الظهور بمظهر الزعيم لكل المسلمين، فإن العلاقات بين الأصوليين الشيعة والسُنّة آخذة بالتفكك على النهج الطائفي المألوف. وعندما حان الوقت للاختيار بين حليف شيعي ولو بالاسم فقط كحافظ الأسد وتنظيم سنّي مكافح حقاً، لم يتردد الخميني لحظةً في الاصطفاف مع الأول. ص (150)
 
وصنفُ الإسلام الراديكالي الذي انتشر على نطاق واسع خلال تسعينيات القرن العشرين في آسيا الوسطى والقوقاز لم يأتِ من إيران، بل كان إسلاماً راديكالياً سُنّياً وُلد من رحم السياسة السعودية المدروسة لاحتواء إيران. ص (154)
 
في عام 1977، أي قُبيل قيام الثورة في إيران بوقت قصير، استولت المؤسسة العسكرية على السلطة في باكستان، وصبّت جام غضبها وانتقامها على رئيس الوزراء الشيعي ذو الفقار علي بوتو. كبير القادة العسكريين، الجنرال ضياء الحق، كان سنّياً محافظاً وشديد التأثر بالأصولية الإسلامية. فانكبّ على "أسلمة" باكستان عن طريق بناء دولة إسلامية من القمة إلى القاعدة؛ دولة تعكس أيديولوجيا الأحزاب الأصولية السُنّية في البلاد. العديد من خُمس مجموع الباكستانيين الذين هم من الشيعة تشجّعوا بوصول الخميني إلى سُدة الحكم وكذلك بِحثّ طهران لهم كي يُطالبوا بحقوقهم، فشرعوا برفض الانصياع لمدوّنة من القوانين واللوائح السنّية التي سُنّت حديثاً برعاية المؤسسة العسكرية. وأشار هؤلاء الشيعة إلى أن ما قُدِّم إليهم على أنه "أسلمة"، تبيَّن أنها لا تعدو كونها عملية "تسنين" ليس إلاّ. وفي تموز/ يوليو 1980، احتشد زهاء 25 ألف شيعي في إسلام أباد للاحتجاج على قوانين الأسلمة. وهذا ما أغلق العاصمة عملياً وفتح العيون على حقيقة حملة "الأسلمة" الجارية على قدم وساق. هنا تراجع ضياء الحق وأُعفى الشيعة من التقيُّد بالقوانين "السنّية" بعدما وجد نفسه محاصراً بين طهران ومواطنيه الشيعة المتململين، وتساوره فوق ذلك الخشية بشأن الحفاظ على علاقات طيبة مع الولايات المتحدة فيما الحرب ضد السوفييت انطلقت فعلاً في أفغانستان. وإذا كان للشيعة ما أرادوه في هذا الشأن، إلاّ أن احتجاجهم أسهم في طرح الانقسام الطائفي قضية مركزية في سياسة البلاد.
تراجعُ ضياء الحق أمام احتجاجات الشيعة أحزن حلفاءه الأصوليين السُنّة أشدّ الحزن. فقد تبادر إلى هؤلاء السنة أنه وكما حصل في ظل الخلفاء الأمويين والعبّاسيين، أثبتت الملّة الشيعية أنها فعلا السوس الذي ينخر الجسم الإسلامي وتُشكّل تهديداً دائماً للسلطات في أية دولة إسلامية. من جهتهم، ما أثار غضبة الشيعة ليس قوانين الأسلمة المشار إليها فحسب، بل وإعدام ذو الفقار علي بوتو عام 1979 كذلك؛ أضف إلى ذلك الحافز إلى التحرّك الذي حقنهم به مثال الخميني وخطابته المناوئة لأميركا. وهكذا غدت باكستان حثيثاً ساحة معركة بين الأصوليتين: الأصولية "الحمراء" الآتية من إيران، والأصولية "الخضراء" التي يروِّج لها ضياء الحق والعسكريون بمساعدة الأحزاب الأصولية الباكستانية واختبار الإرادات هذا ما لبث أن اتخذ شكل تنافس بين أصوليتين شيعية وسنّية. هنا حاولت إيران تجنّب استخدام التعريفات الطائفية، لكن ضياء الحق وحلفاءه والمملكة العربية السعودية نجحوا أخيراً في تعريف المنافسة بمفردات طائفية لصالحهم.
كان ضياء الحق يعلم جيداً أن الخميني لا يستلطفه. إذ كان قد توجّه إلى طهران في عام 1977، وحرص خلال اجتماعه بالشاه على حثّه على اتخاذ إجراءات صارمة بحق القوى الثورية في الشارع. وفيما بعد، التمس الخميني منه الإبقاء على حياة علي بوتو، لكن ضياء الحق ضرب بذلك الالتماس عرض الحائط. وفي اللقاءات الشخصية القليلة بينهما، أبدى الخميني علناً ازدراءه بالجنرال ومثاليته الإسلامية. في إحدى المناسبات، أخذ ضياء الحق على عاتقه تحذير الخميني من مغبة المجابهة مع الولايات المتحدة، لأنه من الحماقة بمكان الاشتباك مع قوة عُظمى. أجابه الخميني بأنه لن يفعل أمراً كهذا مطلقاً وأنه في الواقع يتّكل دائماً على القوة العظمى. انبهت ضياء الحق للوهلة الأولى، لكنه أدرك بعد ذلك أن الخميني كان يسخر منه، إذ قال له إن "القوة العظمى" عنده هي الله، بينما هي عند ضياء الحق الولايات المتحدة. شعر ضياء الحق بالإهانة، فقرّر ألا يجازف أبداً بالسماح بوصول النفوذ الإيراني إلى باكستان مهما كلف الأمر، وما لبث أن ترك لحلفائه الأصوليين السُنّة أمر كبح جماح الشيعة في البلاد. ص (156 ـ 158)
 
في آذار/ مارس 2003، وبينما كانت القوات الأميركية تندفع من الناصرية باتجاه الشمال، أوعز القائد الأعلى لشيعة العراق غير المعروف على نطاق واسع، أية الله العظمى علي الحُسيني السيستاني، إلى أبناء طائفته بعدم مقاومة الزحف الأميركي على بغداد. وبعد ذلك بفينة وجيزة، حين شقّ مشاة البحرية الأميركية (المارينز) طريقهم إلى وسط مدينة كربلاء في منتصف الليل، وجدوها هاجعة يعمّها السكون ويُخيِّم عليها الظلام، فيما خلا القبة المذهبة المتلألئة لمقام الإمام الحسين ـ منظرملؤه الصفاء والبهاء، انبهر لمرآه المحاربون الأميركيون الشباب. كان الوجه الوحيد للتشيُّع الذي تجلّى للجنود الأميركيين وهم يدخلون إحدى أقدس المدن عند الشيعة، وجهاً هادئاً ساكناً بلا ريب، هذا إنْ لم نقل وجهاً روحانياً. نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفويتز فسَّر إيعاز آية الله السيستاني على أنه فأل حسن للولايات المتحدة. وأخبر الكونغرس بأن هناك الآن فتوى "لصالح أميركا" قائمة، وأوحى بأن الحرب في العراق آخذة فعلاً في تحقيق ما تتمنّاه إدارة بوس، ألا وهو حصول تغيير في العالم الإسلامي حتى قبل أن يبلغ مشاة البحرية بغداد.
لكن الحقيقة هي أن إيعاز السيستاني يومها لم يكن لصالح أميركا بقدر ما كان خطوة أولى نحو المطالبة بالعراق للشيعة. هذا الأمر المجهول للعديد من الأميركيين في حينه، كان بالفعل البداية لتحوّل كبير في المنطقة. فقد كان سقوط نظام صدّام حسين إيذاناً بنهاية تسلُّط السُنّة على العراق، وهذا ما أخلّ بميزان القوى بين الشيعة والسُنّة. في آذار/ مارس 2003، لم تبدّل الولايات المتحدة النظام الحاكم في العراق فحسب، وإنما اعترضت أيضاً على نظام الحكم ـ وسمَّته نظام "الهيمنة السنّية" ـ الذي ساد المنطقة ككل زمناً طويلاً. والحال أن أخطر نتائج الحرب في العراق هي أن واحداً من أهمّ ثلاثة بلدان ذات غالبية عربية أضحى رسمياً الدولة الأولى في العالم العربي التي تحكمها غالبية شيعية أُنيطت بها السلطة بصورة ديمقراطية. أملت الولايات المتحدة بأن يكون ذلك إيذاناً بانبلاج عصر جديد في تاريخ الشرق الأوسط ـ وبالتحديد بناء شرق أوسط ديمقراطي، علماني مزدهر اقتصادياً. كانت الإطاحة بصدّام ونظام الأقلية السنّية التابع له، أولاً وقبل كل شيء، بشيراً بشرق أوسط يتقلّد فيه الشيعة سلطة أكبر من أي وقت مضى، ويعيدون بذلك تشكيل بنى التحالفات والثقافات والمؤسّسات السياسية في المنطقة. ومن المرجّح أن يكون للبروز المتعاظم للشيعة أثره في كيفية تعريف هذا الشرق الأوسط الجديد لنفسه بما يتعدّى القيم التي يأملها القادة الأميركيون له. وأكثر من ذلك، في حال اقتربت المنطقة ذات يوم من تلك القيم التي تزكّيها الولايات المتحدة، فإنها ستفعل ذلك يقيناً بطريقة شيعية متميّزة تقريباً. ص (167 ـ 168)
 
من مفاعيل فتح العراق، ظهور قيادة جديدة للشيعة ممثّلة بشخص أية الله علي السيستاني. فالسيستاني، وريث عباءة معلمه ومرشده أية الله الخوئي، برز رأساً بوصفه الزعيم بلا منازع لشيعة العراق، وسرعان ما اعترف به الشيعة بهذه الصفة من لبنان إلى إيران وصولاً إلى باكستان. لقد حاز على محبة ملايين الناس، وعلى ما هو أهمّ من ذلك، على خُمسهم وزكاتهم وتبرعاتهم ـ وهي بمثابة اقتراع مالي بالثقة يبيِّن إلى أي حد يُجلّ الكثيرون رجل الدين كبير السنّ هذا، البعيد عن الأضواء، لا بل المنكمش على نفسه، المعروف بعيشه المتواضع وعلمه العميق. حتى وكلاء السيستاني الذين يجمعون الأموال بالنيابة عنه وينقلون آراءه في المسائل الدينية والسياسية إلى المؤمنين، ارتفعت مكانتهم أيما ارتفاع في شتى المجتمعات الشيعية خارج العراق، بما في ذلك إيران نفسها.
ينتمي السيستاني إلى المدرسة القديمة. فهو أولاً وقبل كل شيء باحثٌ ألمعي واسع الاطلاع، ممن يكنّ تقديراً عميقاً لعلم التاريخ، ويملك موهبة استشفاف الصورة كاملةً غير منقوصة. وقد ارتقى الصفوف في النجف بفضل تحصيله العلمي. ولئن وُلد وترعرع في إيران ـ فهو سليل أسرة من العلماء في مدينة المزارات العظيمة مشهد ـ إلا أنه لم ينخرط قط في سياسة رجال الدين الإيرانيين. وقد توصل السيستاني على مرّ السنوات إلى تكريس نفسه راعياً للعديد من المشاريع الخيرية في وطنه الأم، غير أنه لم يكن له عدد كبير من المقلّدين إلى حين سقوط صدّام حسين. قبل عام 2003، لم يكن السيستاني مشهوراً على نطاق واسع في إيران، ولم يدّعِ أحدٌ من رجال الدين البارزين في قُم أنه مرجعه في التقليد. فقط نواة صلبة صغيرة من أتباع آية الله الخوئي كانت تعرفه ونقلت ولاءها إليه بعد وفاة الخوئي.
وعلى غرار الخوئي تماماً، يرى السيستاني العلماء أساساً كمعلمين ومدافعين عن الإيمان. وهي أدوار لا تضطلع بها حكومة إسلامية حصراً، بل تؤدي من خلال حماية وتعزيز التديُّن الشيعي أياً تكن الحكومة التي قد تتيسَّر للشيعة. ثم إن السيستاني عليم وخبير بأدق تفاصيل الفقه الشرعي الشيعي، وهو عدا عن ذلك قادرٌ على الاحتفاظ برباطة جأشه عند مناقشة مسائل من قبيل نظرية الدستور الوضعي على سبيل المثال. وقد دلّل منذ البداية على براعة استثنائية في استيعاب المضامين المتباينة لمختلف المقاربات بشأن الدستور العراقي ما بعد صدام. ومن أجل بسط وجهة نظره، استخدم بمهارة الحجج الإسلامية فضلاً عن الحجج الديمقراطية المدنية. وقد كانت شخصيته وشعبيته المتنامية على وجه الخصوص عاملاً مهماً في توطّد الإخلاص للإيمان الشيعي على المستوى الشعبي، وساعد ف توليد ونشر شبكات جديدة من الناس والمنظمات الملتفّة حول السلطة التابعة لقيادة رجال الدين في النجف.
وقُدرة السيستاني على ممارسة مثل هذا النفوذ الواسع، إنما بدأت مع سجلّه الناصع بعدم التورط سابقاً في السياسة الإيرانية. لقد كانت بينه وبين زملائه رجال الدين ممّن يحكمون إيران اختلافات عديدة لاهوتية وسياسية، إلاّ أنه لم يحاول قط تشجيع قيام تنافسٍ بين النجف وقُمْ. كما أنه تعالى فوق بواعث الاختلاف ما بين محمد حسين فضل الله وكبار رجال الدين الإيرانيين. كما أنه لم يُدلِ بشيء فيما خصّ المواجهات بين الإصلاحيين والمحافظين في قُمْ، حتى بعدما سعى آية الله حسين علي منتظري الإصلاحي إلى ربط نفسه بالسيستاني أو بين الأصوات الشيعية المتباينة في لبنان. وقد اتضح أنه انطلاقاً من مقاربة السيستاني هذه، من المتاح جداً إجماع في الرأي بين القوى السياسية الشيعية في المنطقة. حتى إيران نفسها قبلت تقريباً بهذا الإجماع على أمل أن يتحوّل بطريقة أو بأخرى إلى أداة في خدمة القوة الإيرانية. وقد تطلّع الشيعة من لبنان إلى العراق فالخليج فباكستان، إلى تلك القوة الإقليمية الشيعية كي تكون حامية لهم وتعزّز مصالح طائفتهم الخاصّة.
في العراق، طرح السيستاني نموذجاً بسيطاً للحُكم قميناً بأن يقبله الجميع. انطلق من موقفه حيال مبدأ حُكم الغالبية وطالب بحكومة خاضعة للمًساءلة وتمثيلية من شأنها أن تعكس الهوية الشيعية وتصونها. وكل شطر من هذه المعادلة دعم الشطر الآخر. فأن تكون الحكومة خاضعة للمُساءلة وتمثيلية معناه تمكين الشيعة من امتلاك السلطة، بينما عنت الهوية الشيعية تحصين تلك السلطة وترسيخها في الدولة والمجتمع على السواء. أما ما المقصود بالهوية الشيعية، فقد كان موضع استفهام. بالنسبة للبعض كانت تعني إدراج الفقه الشيعي في الدستور، فيما عنت للبعض الآخر إفساح المجال أمام العقائد الدينية والعبادات الشعبية الشيعية كي ترسم معالم المجتمع والثقافة. السيستاني رجل محافظ في مسائل الفقه الشرعي؛ فشكل الفقه الشرعي الشيعي الذي ينصح به غير متأثر بالحداثة. مع ذلك، فإن نطاق وطبيعة الفقه الشرعي الشيعي في الدولة والمجتمع العراقيين مسألة من المستحسن، في رأيه، ترك أمر البتّ بها إلى وقت لاحق. وكان ذلك انحرافاً مهمّاً عن سائر نماذج الحكم القائمة في المنطقة. لقد تخلّى السيستاني وبصورة أكيدة وقاطعة عن أي شيء يُِشبه نظاماً دكتاتورياً عربياً، كالنظام البعثي مثلاً الذي أتى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتحطيمه. كما أنه لم يكن ثيوقراطياً مدّعياً من النوع الخميني أو أصولياً يحلم بـ "دستور قرآني" مثلما تعوّد المتطرفون السُنّة أن يفعلوا. لقد حصر دور الإسلام في تأمين القيم والخطوط الهادية لنظام المجتمع. وفيما كان العالم غافلاً إلى حد بعيد عن أهمية ابتداعه هذا، كان يحمل إلى الشرق الأوسط الكبير، بهدوء إنما بثبات، مقاربة سياسية جديدة تُمثّل في حد ذاتها التحدّي الأكثر وجاهة والأكثر معقولية الذي قُيِّض للأصولية وضروب النزعة السلطوية الأخرى أن تواجهه في أي وقت.
كان السيستاني حريصاً على ألا يضع نفسه في وضعٍ يُشتمّ منه أنه موالٍ لأميركا، وإنْ كان لا يخجل في الوقت عينه من الوقوف في وجه السلطات الأميركية عندما يتهدّد هدفه خطرٌ ما. وقد أوضح موقفه باكراً على هيئة فتوى أصدرها وتتعلق بالمدى المتاح للسلطات الأميركية في رسم مستقبل العراق:
ليس لسلطة الاحتلال البتّة حق اختيار أعضاء لجنة صياغة مسودة القانون الأساسي (الدستور). وليس لأية سلطة تقوم من أجل لجنةِ صياغةٍ كهذه أن تمثّل بأية حال المصالح النبيلة للشعب العراقي، أو تترجم إلى قوانين أماني الشعب العراقي وهويته الأساسية التي عمادها الدين الإسلامي الحنيف وقيم المجتمع. إن الخطة [الأميركية] المطروحة حالياً على بساط البحث غير مقبولة من أساسها. وعلى ذلك، تكون الانتخابات الشعبية ضرورية حتى يتسنّى لكل عراقي بلغ سن الاقتراع أن يختار ممثّله في الجمعية التأسيسية. وبعد ذلك، لا بد من المصادقة على أي قانون أساسي تضعه تلك الجمعية عبر استفتاء وطني. فلزامٌ على جميع المؤمنين أن يُطالبوا بذلك، والجزم بصحة هذا التوجّه هو الطريقة الفُصلى التي تتيح لهم المشاركة في هذه العملية.
ومع ذلك، وبالرغم من كل الضغوط الآتية من الشارع، لم يقرب السيستاني قط نزعة معاداة أميركا. ذلك أنه عمل ومنذ وقت مبكر، وبقدر كبير من النجاح، على رسم خطوط حول ما يُسمح للولايات المتحدة أن تفعله على الصعيد السياسي في العراق، إنما دائماً باسم المبادئ الديمقراطية، المطروحة بقوة ومثابرة ومن غير عنف. قال مجادلاً إن على الولايات المتحدة أن تتجنّب اتخاذ أية خطوة من شأنها أن تعيق خيارات العراق الدستورية والسياسية في المستقبل، طالما أن العمل بغير ذلك سيكون عملاً غير ديمقراطي. ربما كان ذلك حركة تكتيكية تنمّ عن دهاء أُريد منها تكبيل أيدي السلطات الأميركية بخطابيتها هي عن الديمقراطية. مع ذلك، كان انتقاء السيستاني للاستراتيجية والأسباب التي ساقها لرفض دفة التوجيه الأميركية بالغة الأهمية. فلم تكن هناك أية ابتهالات نارية بإنزال الغضب الإلهي على الولايات المتحدة أو أية تنديدات بها من الصنف الخميني، أي بوصفها "الشيطان الأكبر"، وإنما فقط حُجج وبراهين هادئة (مدعومة في بعض الأحيان بمظاهرات حاشدة حقاً إنما سلمية) عن البراغماتية والحقوق والديمقراطية وحق تقرير المصير. وعندي أن أسلوب السيستاني هذا المتّسم بالاعتدال والاتزان، هو ما سيرسم الاتجاه العام لبسط سطوة الشيعة على العراق ـ وفي المنطقة.
وللحفاظ على مصداقيته عند العراقيين، تفادى السيستاني أي تعاطٍ مباشر وشخصي مع الولايات المتحدة، فرفض الاجتماع بالمسؤولين الأميركيين، لكنه فوّض ابنه وعلماء شيعة كبار آخرين الاتصال بهم. وأثبت أنه ماهر في تثبيط همّة الحاكم الإداري الأميركي المؤقت*، بول بريمر، من خلال تحدّي الخطط الأميركية لتسليم السلطة إلى عراقيين من أمثال إياد علاّوي وأحمد الجلبي، اللذين كان السيستاني يشعر بأنهما يتعارضان ورؤيته لعراقٍ شيعي. وحين أعلن بريمر أن الانتخابات الأولى ستعتمد صيغة المؤتمرات الحزبية لاختيار المرشحين له، أصرّ السيستاني على اعتماد صيغة "صوت واحد للناخب الواحد"، محاججاً بأن أي دستور يُصار إلى تركيبه بوسائل أخرى "لن يكون "شرعياً" ". ومن أجل تدعيم وجهة نظره هذه، أنزل حشوداً ضخمة لكن بصورة منظّمة إلى شوارع بغداد لمدة خمسة أيام متتالية إلى أن تراجع بريمر. وعندما طلب هذا الأخير الاجتماع بآية الله لمناقشة أوجه الخلاف بينهما، كان ردّ السيستاني المقتضب والجازم: "اسمع يا سيد بريمر. أنت أميركي وأنا إيراني. أرى أن نترك الأمر للعراقيين فيضعون هم دستورهم".
كانت تلك رؤية براغماتية بعيدة كل البُعد عن مثالية الخميني الثورية أو سياسة حزب الله المولعة بالقتال. لقد كانت تعاطياً عملياً مع الولايات المتحدة قائماً على تحقيق المصالح الشيعية. وما دامت السياسة الأميركية والوجود الأميركي في العراق يخدمان المصالح الشيعية، فلن يتوانى السيستاني عن التعامل مع الولايات المتحدة. وقد تمثّل نجاحه الأكبر في إقناع شتى الفصائل الشيعية العراقية، دع عنك إيران وحزب الله، بحكمة هذا التوجّه. قال السيستاني إن الانتهازية والعصبية المناهضة لأميركا لن تعودا على الشيعة بأي نفع. وعندما انحرف رجل الدين الناريّ مقتدى الصدر عن هذه الاستراتيجية لمجابهة الولايات المتحدة، وجد شيئاً من الدعم من جانب الحرس الثوري الإيراني والرئيس الإيراني السابق علي أكبر رفسنجاني، الذي أشاد بنزعة الصدر المعادية لأميركا ـ لكن في الغالب لتمييز أتباع الصدر عن التمرد السنّي في محافظة الأنبار الواقعة في شمال وغرب البلاد. بالإجمال، لم يستثر الصدر قدراً كبيراً من التعاطف مع قضيته بين القوى الشيعية الأخرى. وآية الله منتظري، رجل الدين المنشق في إيران، لم يوفر "جيش المهدي" من انتقاده لانتهاكه حُرمة المدن المقدسة بلجوئه إلى التحريض في النجف وكربلاء والكوفة.
التزم السيستاني الحذر والتعقّل، فلم يحاول أن يكون مصدر السلطة العليا بين الشيعة، بل سعى بالأحرى إلى أن يكون وسيطاً نزيهاً وباني جسور يستطيع أن يوصل الأصوات والتجمعات السياسية بعضها ببعض. لم يحاول أن يضيف خطاً أو لوناً، بل اكتفى بتأمين القماشة التي يُمكن للطائفة الشيعية أن ترسم عليها مستقبلها. كذلك لم يجرّب السيستاني أن يصنع دولة "إسلامية" مثالية، وإنما عمل فقط على منح الشيعة سلطة دستورية وقوة سياسية انتخابية بما يتماشى مع حجمهم الديمغرافي ومبدأ حكم الغالية. أما الاستخدامات السياسية التي يُمكن استنباطها من تلك القوة، فكان موضوعاً مؤجلاً ليوم آخر. كان من شأن مثل هذا الإجماع الشيعي أن يلمّ تحت مظلته ثيوقراطيينً وديمقراطيين، متدينين وعلمانيين، رجال دين وإصلاحيين. ذلك أن الكل موافقٌ على أن يكون للشيعة سلطة أكبر في البتّ بالأمور؛ ولكل مجموعة بعد ذلك أن تجادل وتضغط وتنظم وتتحالف داخل الطائفة وخارجها على السواء كي ترى خياراتها وقد اختيرت لتكون المخطط الهندسي لبناء العراق الجديد ما بعد صدّام حسين. هذا كان الدور الذي طالما لعبه كبار رجال الدين تقليدياً، وسوف يعاودون لعبه مجدداً تحت قيادة السيستاني.
بالنسبة للسيستاني، الصحوة الشيعية على المستوى الإقليمي، كانت تعني بناء هوية مشتركة لملايين البشر من عراقيين وإيرانيين ولبنانيين وباكستانيين وأفغان، بغية إنضاج المكاسب في الرأسمال السياسي الذي يُمكن لمثل هذه الهوية أن تستتبعه حتماً. ومن وجهة نظر السيستاني ومشروعه الكبير، ليست الحروب الصغيرة المتنقّلة بين مقتدى الصدر والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة سوى تلهّيات وملهيات لا أكثر، ويُمكن التكهّن بها فوق ذلك. فصراعات القوى على التقاط حجارة شطرنج العراق الجديد ما بعد صدّام تُعتبر أمراً مفروغاً منه.
أبانت مسودة الدستور العراقي التي أُجيزت في استفتاء جرى في تشرين الأول/ أوكتوبر 2005 عن بصمات السيستاني في صياغتها، وعن تأثرها كذلك بالدستور الإيراني لعام 1906، لجهة قبولها بمبدأ الحكومة التمثيلية مع الاشتراط في الوقت عينه بألا يتعارض أي قانون مع "أحكام الشريعة الإسلامية". وهذا ليس من عقيدة الخميني في شيء، كما لا يُشبه البتّة نظريته بخصوص "الحكومة الإسلامية"*. وقد كان نجاح السيستاني في العراق إرهاصاً بتراجع حركة الخميني إلى مصاف الأفكار المنحرفة في تاريخ الشيعة ـ أي مجرد خروج قصير الأمد عن المعيار المألوف في المواقف السياسية لآيات الله العظُمى. غير أن التطوّرات الدستورية العراقية لا تقدّم نموذجاً ديمقراطياً يُحتذى للإيرانيين. ذلك أن نطاق وعمق المناقشات حول الديمقراطية في إيران، ناهيك عن اعتياد الشعب هناك على آليات الانتخابات وما إليها، أمور متقدمة أصلاً عمّا يجده المرء في العراق. بدلاً من ذلك، يبدو الأثر العراقي على إيران في صورة اهتمام إيراني متجدِّد بالنموذج الهادئ الذي تجلّى في الاهتمام مجدداً بدستور 1906 والتوازن الدقيق بين الدين والسياسة الذي توصّل إليه.
يعتمد السيستاني على شبكة واسعة من الممثّلين له (الوكلاء)، الذي يروّجون لآرائه ووجهات نظره بكل السُبُل المتاحة في الأحياء والمساجد والبازارات والمعاهد الدينية، من كركوك في الشمال إلى البصرة في الجنوب. ومن خلال هؤلاء الوكلاء، يصنع السيستاني الرأي العام الشيعي. وهو لا يُسيء استعمال هذا النفوذ بأن يُصادق على سياسيين معينين أو برامج محدّدة، بل يُحدِّد الاتجاه العام للسياسة الشيعية العراقية. ولعلّ تأثيره ظاهرٌ بأجلى صورة، وإن كانت قابلة للجدل، في منع الشيعة من الردّ على الفظائع الوحشية التي يرتكبها بحقهم المتطرفون السُنّة بصفة يومية تقريباً. إنه يحذّرهم من أن الحرب الطائفية فخٌ يتعين عليهم تجنّبه في مسيرتهم نحو حيازة السلطة عبر الانتخابات، ونحو تلك "العملة النادرة" في التاريخ السياسي للشرق الأوسط: حُكم الغالبية.
مثبط العزم إزاء نطاق العُنف المُمارس ضد الشيعة، قام السياسي الشيعي البارز وسليل الأسرة المرموقة من رجال الدين، محمد بحر العلوم، وقصد السيستاني في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004. وقف أمام آية الله وضرب عصاه بغضب في الأرض قائلاً: "لا يسعنا ترك عوائلنا هدفاً لهجمات الإرهابيين. إن لكل شيء حدّاً يقف عنده. وما أن يتمّ تخطّي هذا الحدّ حتى لا يعود هناك غير الله وسلاحنا". وطلب من السيستاني أن يدعو المليشيات الشيعية إلى الردّ بالمثل. هنا أجابه السيستاني من بنبرة هادئة: "لا تفعل ذلك أرجوك. كن متمدناً من فضلك. إننا لا نريد إشعال حرب أهلية. هذه هي النقطة الأهمّ على الإطلاق". ونزل بحر العلوم عند رغبة السيستاني. وخلال الشهور التالية من التفجيرات وسفك الدماء ـ وحتى في أعقاب تدمير مقام الإمامين العسكريين* في مدينة سامراء في شباط/فبراير 2006 ـ عاد السيستاني وكرّر النصيحة ذاتها. وبدورهم أعاد العلماء والدّعاة الشيعة ترديد كلماته بحذافيرها في خُطبهم على اتساع العراق. ومرة جديدة استمع معظم الشيعة إلى ندائه حتى بعد الصدمة الناجمة عن تفجير المقام في سامراء. وبعد كل تفجير، تقوم المساجد الشيعية المرتبطة بالسيستاني بإخبار المصلّين فيها أن الذين يقتلونهم ليسوا هم جيرانهم السُنّة بل "الوهابيون" الأغراب.
وتعلّم بريمر والإدارة في واشنطن العيش مع السيستاني في نهاية المطاف، لا بل واعتباره رصيداً لصالحهم. والحال أن السيستاني يُمثّل صنفاً من آيات الله يختلف تمام الاختلاف عن ذاك الذي قُيِّض للأميركيين أن يعرفوه في إيران. ومثاله هذا يُذكِّرنا كم أن القيادة تبقى خطيرة الشأن، وكم أن الحقائق على الأرض ترتدي أهمية فائقة، وكذلك كم أن الشيعة باتوا مستعدين وتوّاقين إلى طرح أنفسهم لاعبين أقوى فعلاً وأشدّ حزماً من أي وقت مضى في رسم صورة الشرق الأوسط المقبلة.
وعلى مستوى التحليل الجوهري، تشير الصحوة الشيعية إلى اتفاق في الرأي بين الحكومات والحركات الشيعية، مؤداه أن المكاسب المحقَّقة في العراق لا بد من صونها وترسيخها. فالنتيجة المتحصّلة من الحرب قد عاد بالنفع على الشيعة في كل المنطقة وليس على شيعة العراق وحدهم. غير أن الصحوة الشيعية لا تعني بأي حال قدوم ما يُرادف "الجامعة الشيعية"، وإن كان لها عدة مفاعيل واستتباعات ضمنية:
أولها، أن روابط ثقافية ودينية أمتن سوف تستمر في التشكّل بين شتّى التجمعات الشيعية في المنطقة، وأن إجماعاً سوف يتعزّز حول الحاجة إلى الدفاع عن قوتهم السياسية.
ثانيها، أن مثال العراق سوف يُمارس "تأثيراً بالبيِّنة" على التجمعات الشيعية خارج العراق لتبدأ بالمُطالبة بأن يكون لها صوت أعلى في إدارة الحُكم داخل بلدانها.
وثالثها، أن هذه المكتسبات على صعيد القوة والجزم سوف تعزّز الأواصر الثقافية والدينية بين الشيعة، وتلك الأواصر سوف تعمل بدورها على استدامة المكتسبات التي حقّقوها على صعيدي القوة والنفوذ.
إن الصحوة الشيعية غير مقترنة بأي شكل مفرد من أشكال الحُكم. فهي لا تدل لا على انتشار جمهوريات إسلامية من النمط الإيراني، ولا على احتمال أن يُصبح العراق نموذجاً سياسياً للحُكم في البحرين أو لبنان. فأهمية العراق لا تكمن في المسائل التفصيلية للحُكم، بقدر ما تكمن في العبرة المُستفادة، وهي أن الشيعة قادرون على المُطالبة بالمزيد وفي وسعهم الحصول عليه. لقد أطلق العراق ثمة تفاعلاً متسلسلاً، وهذا التفاعل سيشتغل على نحو مغاير في لبنان والبحرين والمملكة العربية السعودية. لكن الحصيلة الإجمالية ستكون من دون أدنى شك قوة شيعية أكبر ومزيداً من الصلات الثقافية والعُرى الدينية الظاهرة بجلاء على امتداد الهلال الممتدّ من لبنان إلى باكستان. ص ( 169 ـ 177)
 
بعبارة أخرى، إن الشيعية هم قوة ديمقراطية موضوعية وذاتية في آن. فصعودهم في معارج القوة النسبية إنما يضخّ عنصراً منشِّطاً من التعدّدية الحقيقية في الحياة السياسية المُهيمن عليها سُنياً أكثر من اللازم في العالم الإسلامي. كما أن العديد من الشيعة يجدون الديمقراطية جذّابة كفكرة في حدّ ذاتها، وليس فقط كمطيّة نافعة ظرفياً لسؤددهم وطموحهم. ص( 178) 
 
والأمر اللافت هنا، أن التعارض قد اشتدّ بدلاً من أن ينحسر بعد سقوط صدّام. فقد كان هناك شعور بعدم الارتياح في صفوف حزب الله إثر دعوة آية الله السيستاني رجال الدين كي يبتعدوا عن السياسة. كذلك اختلف حزب الله مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ومليشياه: "فيلق بدر". فحزب الله ينتهج على الدوام سياسة الخميني القاضية بالتقليل من أهمية الفوارق المذهبية مع أهل السُنّة والتركيز بدلاً من ذلك على الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ وهو عين التوجّه الذي يتبعه مقتدى الصدر أيضاً في مزجه السياسة الشيعية بالسياسة الوطنية وبنزعة العداء لأميركا من أجل تحديد دوره في العراق. ص ( 181)
 
في الحقيقة، إن إيران تجد في الوقت الحاضر حرجاً شديداً في المطالبة بـ "باباوية" شيعية لمرشدها الأعلى، ستكون إيران، على ما أرى، "أخاً كبيراً" واسع النفوذ، لكنها لن تكون "أباً متجبِّراً"، وبالتأكيد ليس "سيداً مُطاعاً". ص (182)
 
تقوم الصحوة الشيعية على ثلاث دعائم: الغالبية الشيعية القابضة حديثاً على زمام الأمور في العراق؛ الصعود الراهن لإيران كزعيم إقليمي في المنطقة؛ وتمكين الشيعة من أمرهم في لبنان والمملكة العربية السعودية والكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة وباكستان. وهذه الدعائم الثلاث مترابطة فيما بينها، وكل واحد تسند وتقوّي الدعامتين الأخريين. وثلاثتها معاً تضمن للشيعة كلمة أكبر في تقرير سياسة الشرق الأوسط، وتدفع الأمور نحو توزيع جديد للقوى في المنطقة. وكل هذا سوف يعني كذلك ميزان قوى بين السُنّة والشيعة أكثر تكافؤاً من كل ما عرفته المنطقة طوال أربعة عشر قرناً. ص ( 182)
 
لكن النجاح في الانتخابات بالنسبة للشيعة ككل، وهو كما رأينا كان الأولوية الأولى عند السيستاني، ما لبث أن أفرخ خصومات ونافسات حادّة بين شتّى الفصائل الصغرى. فالسجال الذي دار على نطاق العراق طوال العام 2005 حول الدستور الجديد، صاحبه على خط موازٍ سجال آخر بين الشيعة حول طبيعة الدولة الشيعية المقبلة. الحكومة الشيعية في المركز قدّمت نفسها في صورة أكثر التزاماً بالتعدّدية من الحكومة المحليّة التي يُديرها المجلس الأعلى في البصرة تلك التي أبدت حماسة منقطعة النظير لتطبيق الشريعة، فأغقلت دور السينما ومحلاّت أشرطة الفيديو، وعاقبت بوحشية بنات الهوى وباعة المشروبات الكحولية، وفرضت معايير صارمة لجهة اللّباس، وطردت حتى المواطنين السُنّة من المدينة وضواحيها. واحتمال قيام جمهورية إسلامية في البصرة أثار ثائرة العديد من الشيعة في بغداد وحمل إلى السطح كل المسائل التي كان السيستاني قد أجّل النظر فيها إلى وقت لاحق. في غضون ذلك، لم تتمكّن المجالس البلدية المحسوبة على حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية من حلّ الكثير من المشاكل الاجتماعية، في الوقت الذي بدت فيه متساهلة جداً مع أعمال الفساد والمحسوبيات. ولعلّ الحكومة المحلية في البصرة التابعة للمجلس الأعلى كانت بنوع أخصّ مثار إشكالية، ليس لمنحاها الثيوقراطي فحسب، بل ولانغماسها في الفساد أيضاً. إنها في نظر منتقديها ثيوقراطية مجبولة باللصوصية. ص (193)
 
حاول السيستاني، طوال هذا الجدل والنزاع، أن يبقى بمنأى عن حمأته. فبقيت عيناه مسمّرتين على الغنيمة الكبرى: تسليم العراق للشيعة، وحماية الهوية الشيعية عن طريق تجسيدها في الدستور الجديد والدولة الناشئة عنه. فلم يغص في مستنقع الجدال حول من هو الإيراني ومن هو العراقي. فمعظم الشيعة العراقيين هم عرب أقحاح، لكن تلك الهوية تتمظهر الآن في هيئة جديدة، تختلف تمام الاختلاف عن الهيئة التي طالما تصوّرتها بها القومية العربية أو العقيدة البعثية.
في غضون ذلك، كانت التفجيرات تقع بصفة يومية تقريباً في الأسواق وأمام مخافر الشرطة والمساجد، ووسط التجمّعاتت الدينية في الهواء الطلق، مخلِّفة مشاعر الأسى والغضب، وممزّقة شر تمزيق آخر ما تبقى من لُحمة بين السُنّة والشيعة. في 31 آب / أغسطس 2005، احتشد زهاء مليون زائر شيعي عند مقام الكاظمية في بغداد لإحياء الذكرى السنوية لوفاة الإمام السابع (موسى الكاظم) المدفون هناك. وقد امتد الحشد من الجامع عبر نهر دجلة إلى مدينة الصدر، سادّاً الجسر المارّ فوق النهر. وكانت قذيفة هاون قد أُطلقت في وقت مبكر من صباح ذلك اليوم على المواطنين المتجمعين، فقتلت ستة عشر منهم وجرحت العديدين. كان الجمع البشري بعد متوتر الأعصاب حين روَّج أحدهم أو بعضهم على الجسر إشاعة ـ صدّقها الشيعة عن عمد ـ مفادها أن هناك انتحارياً يستعد لتفجير نفسه في وسطهم. فإذا بالحشد الذي تملّكه خوف شديد يندفع مذعوراً في هروب جماعي. وفي خضم هذا الهروب المفاجئ والمذعور، لقي أكثر من ألف شخص حتفهم؛ بعضهم دوساً بالأقدام حتى الموت، والبعض الآخر غرقاً بعدما رموا بأنفسهم في النهر. ومعظم الضحايا كانوا من النساء والأطفال. كشف الحادث إلى أي مدى يُمكن لحركة التمرد في العراق أن تعكّر صفو حياة الشيعة وتحوِّل إحياءهم ذكرى وفاة أئمتهم إلى مناسبات جديدة للحِداد. كذلك عرّى الحادث مدى عجز الحكومة العراقية عن مكافحة العنف، ولعلّه بيّن قبل هذا وذاك مدى نجاح حركة التمرد في زرع الخوف في قلوب الشيعة وعقولهم.
أظهر الشيعة قدراً هائلاً من ضبط النفس بعدما حثّهم السيستاني وشبكة العلماء التابعة له على عدم الردّ بالمثل. لقد أُرهق صبرهم، لكن شعورهم بهويتهم المميَّزة راح ينمو ويكبر تحت وطأت الهجوم الإرهابي السنّي (وقسم غير يسير منه كان من عمل أُناس غير عراقيين، كالجماعة الإرهابية التي يقودها أبو مصعب الزرقاوي، السلفي الأردني والعقل المدبِّر لمعظم الارتكابات العنيفة لحركة التمرد). وازدادت المواقف في الشارع تصلّباً، وكذلك تصميم الشيعة على البقاء مسؤولين عن مصيرهم هم. وحتى حيث بقيت العلاقة بين الأحياء السنّية والشيعية ودّية، وجدنا الارتياب آخذاً بالازدياد سواء بالبعثيين أو برجال الدين السُنّة المتأثرين بالوهابية.
أخذ الشيعة، وعلى نحو متزايد، ينظرون إلى جيرانهم السُنّة على أنهم قوم أخباث ويستهزئون بادّعائهم العظمة تاريخياً. وفي البصرة وأماكن أخرى من الجنوب العراقي، بدأ السُنّة يتعرّضون للهجمات والتعدّيات. والقتل المستهدف لرجال الدين زعماء الطائفة السُنيّة هناك كان إشعاراً للآخرين بضرورة الإسراع بالرحيل. هذه الأعمال، والبعض يُحمِّل مسؤوليتها لفيلق بدر، عكست المزاج السائد في الشارع. الغضب والتحامل آخذان في التصاعد على جانبي الشرخ الطائفي. والطريقة التي كانت الهوية الشيعية تتشكّل بها اقترنت على نحو مباشر بالحدّة التي بلغها النزاع الطائفي.
وهذا ما تكشّف جلياً حين دفع الهجوم التفجيري على مقام الإمامين العسكريين (حيث دُفن الإمامان العاشر والحادي عشر وحيث دخل الإمام الثاني عشر في طور الاحتجاب) النزاع الطائفي إلى العلن. فقُتل المئات عندها هاجم شيعة وسُنّة غاضبون المساجد، وقتلوا رجال دين، واختطفوا مدنيين أبرياء وقاموا بتصفيتهم. وبالرغم من الدعوات إلى التهدئة، استمر العنف بالاشتداد والتوسُّع، كاشفاً عن الشقاق الطائفي الخطير الذي في ضوئه تتشكّل الهوية والسياسة الشيعية. ص ( 194 ـ 196)
 
إن هيمنة الشيعة على العراق تجد لها سنداً في تطورٍ مهمٍّ آخر في الشرق الأوسط (وتسنده بدورها): ذلك هو بروز إيران كقوة إقليمية. إن يقظة الشيعة متواشجة من كل بد بصعود نجم إيران. فإيران يسكّانها البالغ عددهم 70 مليون نسمة، و 90 بالمئة منهم شيعة، تُعدّ أكبر بلد شيعي في العالم. كما تربطها برُكنّيْ الصحوة الشيعية في الشرق الأوسط ـ وهما من القوى السياسة الفاعلة في كلٍ من لبنان والعراق ـ أواصر متينة للغاية، ناهيك عن علاقتها الوثيقة بالجماعات الشيعية المتنفّذة اقتصادياً في منطقة الخليج، والعديد من أفرادها كما هو معلوم من أصول إيرانية. قد تكون الصحوة الشيعية قد بدأت في العراق، لكن إيران هي المستفيد منها، وهي من يلعب أيضاً دوراً بالغ الشأن في قيادتها وتحديد أُطرها. ص ( 210)
 
إن القياديين المحافظين الذين وصلوا إلى قمة السلطة في إيران يشاطرون تلك الجموع مشاعرها هذه، ولغة القوة التي يستعملونها هذه الأيام إنما تعكس مزاج الشارع الإيراني. ومع ذلك، فإن قادة إيران يدُركون أيضاً أن بلادهم لا تستطيع تبوؤ مكانة "القوة العظمى" التي تطمح إليها إلاّ إذا تمكّنت من تذليل المقاومة السنّية للصحوة الشيعية. لذلك تجدهم وقد استعاروا جانباً من استراتيجية الخميني، فيركّزون الهجوم على الولايات المتحدة وإسرائيل ليحرفوا الانتباه عن الشرخ الطائفي بين السُنّة والشيعة. ص (224)
 
وقف الشيعة في لبنان والبحرين والمملكة العربية السعودية يتابعون جميعاً باهتمام كبير التطوّرات في العراق. فالكل معتنق لتوجّه السيستاني البراغماتي في السياسة، وقد تجاوبوا بسرعة مع دعوته القائلة: "صوت واحد للناخب الواحد". والكل جعل يتطلّع إلى جني مكاسب له من السير على خطى شيعة العراق في تبنّي الديمقراطية كي يقلبوا الطاولة على رأس السُنّة. وهكذا وجدنا زعماء حركة أمل وحزب الله ودُعاتهما يشيدون عالياً بآية الله السيستاني، ملمّحين إلى أن لبنان سيتوجّه مجدداً نحو النجف وليس قُمْ لتلقّي الإرشاد الديني.
وموافقة حزب الله على توجُّه السيستاني كانت أقرب إلى المصلحة الذاتية السياسة منها إلى الاعتبارات الروحية. واللافت للنظر أن زعماء حزب الله اتسموا بالفتور إزاء دعوة السيستاني رجال الدين إلى الانسحاب من الحلبة السياسية، إنما وجدوا منفعة لهم في رمزية قيادته. فكانت ردّة فعلهم الأوّلية على ما يجري في العراق سريعة، ألا وهي تبنّي معادلة السيستاني السياسية كلازمة يردّدونها في كل حين. فصيغة "صوت واحد للناخب الواحد" إذا ما طُبِّقت في لبنان، ستعني أن الشيعة، الذين يشكّلون أكثر من خُمسَيْ عدد السكان، هم من سيهيمنون على مقاليد الحكم فيه. وفي الأشهر التي تلت انتخابات كانون الثاني / يناير 2005 في العراق، لم تتوقف محطة التلفزة التابعة لحزب الله، قناة "المنار"، عن الإشارة إلى صيغة "صوت واحد للناخب الواحد". غير أن مصادقة حزب الله على توجُّه السيستاني ولعبة القوة التي يلعبها في لبنان أثارتا حنق السُنّة، الذين كانوا حتى ذلك الحين يُقابلون الحزب بشيء من الرهبة للدور الذي قام به في التصدّي لللإسرائيليين، لكنهم اعتبروا شيعة العراق في عداد عملاء أميركا، وانتظروا من حزب الله أن يمحض التمرد السُنّي في العراق دعمه وتأييده. غير أن حزب الله رأى ثمة مصلحة له في إطراء المثال العراقي. وحين طالبت الولايات المتحدة السوريين بالانسحاب من لبنان وبنشر الديمقراطية في ذلك البلد، أصبح حزب الله أكثر هجومية في لغته الخطابية، متوقعاً أن تمهِّد حماسة واشنطن للديمقراطية الطريق أمام وصول الشيعة، في لبنان أيضاً، إلى سدة الحُكم على حساب المسيحيين والسُنّة في هذه الحالة، تماماً مثلما استخدم السيستاني دعوة واشنطن إلى الديمقراطية كي يحمل بول بريمر على الانصياع لمعادلته: "صوت واحد للناخب الواحد". ص (229 ـ 230)
 
ما عجزت الثورة في إيران عن فعله، شرعت الصحوة الشيعية في عراق ما بعد صدّام بتحقيقه. إنّ التحدّي الذي تشكّله الصحوة الشيعية بالنسبة للهيمنة العربية السنّية على الشرق الأوسط وكذلك للمفهوم السنّي للهوية والسلطة السياسية، لا يختلف من حيث الجوهر عن الخطر الذي كان يمثّله الخميني فيما مضى. فالثورة الإيرانية عملت جاهدة هي الأخرى لتحطيم السيطرة المطلقة للمؤسّسة العربية السنّية. والفارق الوحيد ههنا هو أنه في المرة السابقة كان الشيعة محاطين بأشدّ القوى تطرفاً وعداءً لأميركا، فيما العكس هو الصحيح حالياً على ما يظهر.
الكوكبة نفسها من القوى الإقليمية التي تصدّت لتحدّي الخميني فيما سلف سوف تتصدّى للتحدّي الجديد هذا على أرجح الظن. ولئن كان السياق مغايراً الآن وكذلك الأيديولوجيات الفاعلة حالياً، إلاّ أن المصالح الوطنية المطروحة على الطاولة هي نفسها إلى حد بعيد. فخطوط الصراع في العراق اليوم هي نفسها من حيث الأساس الخطوط التي كانت قائمة في الحرب الإيرانية ـ العراقية؛ لقد انزاحت فقط مسافة مئتي ميل أو نحو ذلك باتجاه الغرب. وهي ستستقرّ على الأرجح عند الخط الذي يفصل المنطق ذات الغالبية الشيعية عن المناطق ذات الغالبية السنّية من العراق ـ الخط المارّ ببغداد تقريباً من بين أمكنة أخرى.
إن استراتيجية إيران في هذا الصراع هي هي كما كانت في ثمانينيات القرن العشرين، ألا وهي: تركيز الانتباه على المسائل ذات الصلة بمعاداة أميركا وإسرائيل، وانتحال شعارات إسلامية وعربية شعبية، وتجنّب الدخول في جدلٍ حول الفوارق المذهبية. هذه الاستراتيجية نجحت مع حزب الله في لبنان. وقد حاول الصدريون، مستلهمين تجربة حزب الله، أن يطبّقوها في العراق أيضاً. كذلك ستكون الاستراتيجية السعودية والأردنية هي هي من دون تعديل كما كانت في ثمانينيات القرن العشرين، في الوقت الذي تشتكي فيه إيران من "الاحتلال" الأميركي والبريطاني للعراق، نجد النظامين الملكيين الأردني والسعودي يتفجّعان على الحال الطائفية، وعلى الصحوة الشيعية، وبالطبع على تزايد النفوذ الإيراني في العراق. خلال زيارة قام بها إلى الولايات المتحدة في أيلول/ سبتمبر 2005، وبنبرة تنمّ عن خيبة وفظاظة غير معهودتين عنده، أخبر وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، محدّثيه الأميركيين عن احتمال تفكك العراق وأن ذلك يُشكّل إمكانية حقيقية فعلاً، وهذا ما "سيجرّ بلداناً أخرى في المنطقة إلى حومة الصراع". ومن دون أن يدع أي مجال للشك فيمن تعتبره المملكة العربية السعودية أكبر غريم لها في هذا الصراع، أنحى الأمير سعود باللائمة على الولايات المتحدة، قائلاً: "إننا [المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة] خضنا الحرب سوياً لإبقاء إيران خارج العراق بعد دحر العراق من الكويت. وها نحن الآن نُسلّم البلد بأكمله إلى الإيرانيين بلا داعٍ". وما لبثت عبارة الأمير هذه أن أصبحت لازمة تتردّد على ألسنة زعماء من لبنان إلى البحرين: التحذير من تعاظم النفوذ الإيراني كسباً للدعم الدولي من أجل قطع الطريق على تمكين الشيعة من امتلاك زمام الأمور. ص (239 ـ 240)
 
مكانان فقط في العالم الإسلامي شهدت شوارعهما تعاطفاً على مستوى الجماهير مع ضحايا 11 أيلول/ سبتمبر، وكلاهما في غضون أيام معدودات من انهيار برجَيْ مركز التجارة الدولي، وكان المكانان كلاهما على صلة بالشيعة: الأول كان في إيران، حيث تجاهل عشرات الألوف أوامر حكومتهم ونزلوا إلى شوارع طهران وهم يحملون الشموع تضامناً مع ضحايا الهجمات؛ والمكان الثاني كان في كراتشي، حيث خالف حزب محلي وثيق الصلة بشيعة المدينة. ص (248)
 
وستكون هناك أيضاً قوى جديدة لا بد من التعامل معها. تلك هي الأصوات الشيعية الجديدة المنفصلة عن النظام العربي القديم العليمة واشنطن بأحواله جيداً. وحين سينجلي الغبار، لمن يكون مركز الثقل في الأقطار السنّية العربية كما كان حتى اليوم، بل سيكون في الأقطار الشيعية. سينزاح مركز الثقل شرقاً، من مصر وبلاد المشرق إلى إيران والعراق ومنطقة الخليج. إن الولايات المتحدة لا تعرف الشيعة حق المعرفة، وهذا ما يجب أن يتغيّر، لسبب وجيه وهو أن الشيعة يعيشون فوق بعضٍ من أغنى حقول النفط في المنطقة. وإنه لمن مصلحة أميركا أن تأخذ الشيعة والصحوة الشيعية مأخذ الجد. إنما لن يكون من السهل على الولايات المتحدة أن توازن ما بين مطالب السُنّة ومطالب الشيعة، أو تعقد الخناصر مع المؤسّسة السنّية فيما هي تتعامل مع التحدّي الشيعي والردّ السنّي عليه. تلك سيرورة أرى أنها يجب أن تبدأ بفهم طبيعة الصراع والمستقبل الذي سيرسمه. ص (249)



* ـ صفته الرسمية هي : المدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقتة. (م)
* ـ وركيزتها الأولى والأساسية أطروحة "ولاية الفقيه" (م)
* ـ وفيه ضريحا الإمام علي الهادي وولده حسن العسكري (الإمامين العاشر والحادي عشر من أئمة الشيعة). (م)

 

 
 
 
فقرات مهمة من كتاب : حِلفُ المصَالِح المُشتَرَكة 2
الخميس 19 نوفمبر 2009

 

التعاملات السرّية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة (2-2)

تأليف د. تريتا بارزي

تمهيد: هذا هو ( الفصل 20) من كتاب تريتا بارزي الكاتب الإيراني/ الأمريكي رئيس المجلس الوطني الأمريكى الإيراني والمدرس بجامعة هوبكنز بالولايات الأمريكية المتحدة، ونهدف من من هذا تقديم لب هذا الكتاب القيم والذي يتناول تاريخ العلاقات بين مثلث أمريكا إسرائيل إيران، والتحولات السياسية ومستقبل العلاقات.

ليكون القارئ المسلم والعربي على اطلاع متجدد بالدراسات الرصينة حول الموضوع من مصادر تحسب على أعضاء المثلث نفسه! الراصد

 

مواجهة المستقبل، مواجهة الحقيقة

"من الذي يهيمن على الشرق الأوسط؟ إيران أم الولايات المتحدة؟"

وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر، 29/5/ 2006

تحولت المنافسة بين إسرائيل وإيران منذ انتهاء الحرب الباردة، إلى عثرة في طريق تحقيق العديد من الأهداف الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط. فقد عملت كلتا الدولتين على تقويض السياسات الأميركية التي رأت كل منهما بأنها تصبّ في مصلحة الدولة الأخرى. فعلى سبيل المثال، عملت إيران على إفشال العملية السلمية لمنع الولايات المتحدة من تشكيل ما خشيت طهران من أنه سيكون شرق أوسط يتمحور حول إسرائيل ويعتمد على عزلة مطوّلة تُفرض على إيران. بدورها، عارضت إسرائيل المحادثات التي كانت تجري بين الولايات وإيران، مخافة أن يمنح تقاربٌ أميركي إيراني طهران أهمية استراتيجية كبيرة بواشنطن على حساب إسرائيل لأن إيران دولة قوية يمكنها تقاسم العديد من المصالح العالمية مع الولايات المتحدة، على الرغم من إيديولويجاتهما المتضاربة.

يمكن أن تستفيد الولايات المتحدة من إيران قوية تخدم كحاجز يحول دون وصول الصين إلى مصادر الطاقة في الخليج العربي وحوض قزوين، كما سبق أن خدمت كحاجز في وجه الاتحاد السوفياتي قبل انهيار الشيوعية. لقد خشيت إسرائيل من إيران قوية، وتملك ترسانة صاروخية، وربما نووية لا يمكن لها ولا يمكن لواشنطن التأثير كثيراً فيها. في حين شعر العديد بإسرائيل أن الدولة اليهودية لا تستطيع منافسة إيران على المستوى الاستراتيجي ـ بدلالة قيمتها بالنسبة إلى الولايات المتحدة ـ جادل آخرون بأن العلاقة الخاصة التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة لا تعتمد على المصالح الاستراتيجية، ولكنها تعتمد على شكل من أشكال التجانس، كما يشرح شلومو بروم من مركز يافي للدراسات الاستراتيجية. ويضيف: "إنها تعتمد على حقيقة أن شريحة واسعة من السكان بالولايات المتحدة تدعم إسرائيل: اليهود، واليمين المسيحي، وغيرهم. إنها تعتمد على القيم المشتركة".

لم تتغلب إسرائيل ولا إيران ـ ولا الشرق الأوسط بأكمله ـ على الهزة الجيوسياسية التي ضربت المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. يعود سبب خوف إسرائيل وإيران من نظام جديد في الشرق الأوسط يفيد الطرف الآخر إلى افتقار المنطقة إلى قاعدة جيوسياسية لنظامها الواهي. وعودة الحديث عن إيجاد توازن جديد ومستقر يجدد المنافسات الإقليمية ويذكّيها. فالأمر لا يقتصر على تعذر استيعاب نتائج انهيار الاتحاد السوفياتي وحسب، بل وعلى عدم معرفة النتائج الكاملة للهزيمة التي أنزلتها أميركا بطالبان والعراق حتى ذلك الحين. لزيادة الأمور سوءاً، سعت واشنطن إلى إقامة نظام يتناقض مع التوازن الطبيعي عبر السعي إلى احتواء إيران وعزلها، وهي التي تعتبر من أقوى الدول في المنطقة. حتى لو أمكن تشكيل نظام مصطنع يعتمد على إقصاء عملاق إقليمي مثل إيران، لن يتمكن هذا النظام من الوقوف على رجليه، وسيبقى هذا النظام صامداً طالما أن الولايات المتحدة مستعدة للاستثمار في بقائه.

لم يكن سبب اندلاع الصراع بين إيران وإسرائيل الاختلافات الإيديولوجية التي بينهما، كما أنه ليست حماستهما الإيديولوجية هي التي تبقيهما حيتين اليوم. لكن ذلك لا يعني بالتأكيد أنه لا أهمية للإيديولوجيات في هاتين الدولتين. ففي الحد الأدنى، يتسبب الخطاب السياسي الناتج عن هذه الإيديولوجيات في جعل إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة. فوجهات النظر المعادية للصهيونية يتبنّاها أغلب المسؤولين الإيرانيين، ولكن ليس كلهم. غير أن تأثير التوجّه الإيديولوجي للمسؤولين في رسم السياسة الخارجية الإيرانية مسألة مختلفة تماماً. تزامنت كافة التحولات الجوهرية في العلاقات الإسرائيلية الإيرانية مع التحولات الجيوسياسية وليس الإيديولوجية، فبدأ الشاه الابتعاد عن إسرائيل بعد أن باتت إيران تملك من القوة ما يمكّنها من تحييد الخطر العربي، وعقد صداقات مع الدول العربية من موقع قوة. في تلك المرحلة، ازداد ميل إيران إلى النظر إلى علاقتها بإسرائيل على أنها عبء أكثر منها رصيد. غير أن فشل الشاه في الفوز بدعم العرب لموقعه القيادي ـ وهو فشل يعود جزئياً إلى روابطه الوثيقة بإسرائيل ـ دفع الثوريين إلى البحث عن صيغة أخرى لرأب الصدع العربي الفارسي من خلال الإسلام السياسي. وأدّى ذلك التوجّه إلى زيادة حاجة طهران إلى معارضة إسرائيل، بالرغم من استمرار روابطها السرية بالدولة اليهودية.

حدث التحول الأسوأ والأكثر دراماتيكية في العلاقات الإسرائيلية الأميركية في مستهل التسعينيات، مع انتهاء الحرب الباردة وهزيمة العراق في حرب الخليج. المثير للسخرية أن الحماسة الإيديولوجية بإيران تراجعت بحدة في تلك السنين. ففي حين أنه كان في السياسة الخارجية الإيرانية مكونة إيديولوجية دائماً، كانت الإيديولوجية تُترجَم إلى سياسة عملانية في ما يتعلق بإسرائيل فقط عندما تقترن بمصلحة استراتيجية، كما كان عليه الحال في حقبة ما بعد الحرب الباردة. يشرح محسن ميردمادي الذي ترأس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الإيراني في أواخر التسعينيات الأمر بالقول: "الإسرائيليون يعارضون فكرة أن تلعب إيران دوراً هاماً، أو تكون القوة الأولى في المنطقة. ونتيجة لذلك، نجد أنهم يعارضون حدوث تطور بإيران. وبالتالي فهذا صراع بيننا وبين إسرائيل. ولو نظرنا إليه من زاوية إيديولوجية، سنظل في حالة عداء مع إسرائيل".

عندما كانت المصلحة الإيديولوجية تتصادم مع المصلحة الاستراتيجية، كما حصل في الثمانينيات، كانت الاعتبارات الاستراتيجية تتفوق باستمرار. بالنسبة إلى الإيرانيين، هذا ليس تناقضاً وإنما إحدى حقائق الحياة البسيطة. لذلك لا ينظر الحكام بإيران إلى الإيديولوجية كحقيقة مطلقة، وهو ما اعترف به الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني في خطبة جمعة عندما قال" "عمدنا إلى اتخاذ تدابير غير مناسبة أو لم نعمد إلى اتخاذ أي تدابير؛ وعمدنا إلى تأخير صناعة القرار. إن إيديولوجيتنا تتميز بالمرونة، وفي وسعنا اختيار منفعتنا الذاتية وفقاً للإسلام". في مناسبة أخرى، رفض رفسنجاني الفكرة التي تقول بأنه ينبغي أن تستند السياسة الخارجية الإيرانية إلى المبادئ الإيديولوجية بحيث يتوجب على الدولة أن تتصرف بما يتفق ومهامها التي يوجبها الإسلام، بصرف النظر عن النتائج التي ستنجم عن ذلك. "إن وضع الدولة في خطر على أساس أننا نتصرف على أساس إسلامي عمل غير إسلامي". استناداً إلى نائب وزير الخارجية السابق عباس مالكي، لم تعد السياسة الخارجية الإيرانية إيديولوجيةً منذ زمن طويل، "فالإيديولوجية تعني أنه يتعين علينا تبنّي سياسات تناصر المسلمين في كل العالم. أجل، يمكننا القول إننا نناصر المسلمين في كافة أنحاء العالم... ولكننا لا ندعم المسلمين الشيشان. إذا كانت الإيديولوجية المحرّك الأول للسياسة الخارجية الإيرانية، إذاً يتعين على إيران أن تفعل ذلك. ولكن إيران لم تفعل ذلك". بقدر ما قد يرغب القادة الإيرانيون في متابعة أهدافهم الإيديولوجية، ما من قوة في السياسة الخارجية الإيرانية أكثر غلبة من الاعتبارات الجيوسياسية.

يقرّ العديد من كبار صنّاع السياسة بتل أبيب بهذه الحقيقة، بالرغم من أن الخطاب الإسرائيلي يشير إلى العكس، ويجادلون بأن طموحات إيران لا علاقة لها بالطبيعة الإسلامية لنظام الحكم فيها. يقول باري روبن، مدير مركز البحوث العالمي للشؤون الدولية بالقدس (غلوريا): "إن ما كان يعتبر طموحاً مستنداً إلى القومية لدى الشاه أصبح لدى من خلفوه طموحاً موازياً مستنداً إلى راديكالية إسلامية غالباً ما خدمت ببساطة كقناع رقيق للقومية". والمرحلة الأخيرة، كما يسمّيها الإسرائيليون. التي وصلت إليها السياسة الخارجية الإيرانية لا تختلف كثيراً عن السياسة التي كانت متَّبعة في عهد الشاه. وقال لي إيرانيّ مسنّ بإسرائيل بصراحة: "الفرس يريدون الهيمنة! لطالما كانوا كذلك، وسيبقون دائماً كذلك".

عندما يتمعن المرء قليلاً، يجد أنه حتى انتقادات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الحادّة لإسرائيل تحرّكها دوافع استراتيجية. وهو قام بأمر قلّة من القادة الإيرانيين قاموا به قبله؛ التشكيك في المحرقة النازية. (كان الرئيس السابق محمد خاتمي حريصاً على تجنّب هذه المبالغات). قال أحمدي نجاد أمام حشد في خريف العام 2005. بمنطقة زهيدان الواقعة في جنوب شرق إيران: "اليوم، أوجدوا خرافة باسم المحرقة النازية وقدّموها على الله، والدين، والأنبياء. إذا كنتم (الأوروبيون) قد ارتكبتم هذه الجريمة الشنعاء، فلماذا ينبغي على الشعب الفلسطيني المظلوم أن يدفع الثمن؟ أنتم (الأوروبيون) الذين يتوجب عليكم دفع التعويض". وعلى الفور، أصدر مجلس الأمن الدولي بياناً أذان فيه تعليقات الرئيس الإيراني. ومن غير المفاجئ أن الأوروبيين شعروا بالغضب الشديد، وهددوا بالانضمام إلى الولايات المتحدة في تبنّي موقف أشدّ قسوة من إيران. فوجئت إيران بردة الفعل الدولية القوية، مما أشعل جدالاً داخلياً حادّاً داخل الحكومة، لأن تعليقات الرئيس أغضبت المفاوضين الإيرانيين المكلّفين بالموضوع النووي والذين كانوا يجرون محادثات دقيقة مع الأوروبيين منذ العام 2003 حول البرنامج النووي الإيراني. هذا الخطاب أضعف العمل الدقيق المتزن الذي قاموا به لتجنّب إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن وللدفاع عن حق إيران بتخصيب اليورانيوم.

جادل المعسكر المحيط بأحمدي نجاد بأنه ينبغي على إيران توسيع دائرة الصراع وجعل إسرائيل جزءاً جوهرياً وبارزاً في الجدال الدولي حول البرنامج النووي الإيراني، لأن معالجة هذا الموضوع بمعزل عن القضايا الأخرى لا يفيد سوى الغرب. لكن بتوسيع أفق الجدال، ستجد إيران الأدوات اللازمة للدفاع عن موقفها. في الحد الأدنى، جادل معسكر أحمدي نجاد بأنه ينبغي تكبيد إسرائيل ثمناً لأنها جعلت البرنامج النووي الإيراني مصدر قلق دولياً واسعاً ولأنها أقنعت واشنطن بتبنّي سياسة أكثر تشدداً في هذه المسألة. ويوافق معارضو أحمدي نجاد في المعسكر الأكثر اعتدالاً على ضرورة وضع إسرائيل في موقف دفاعي وتوسيع النقاش، ولكنهم يختلفون عن المعسكر الأول بشكل واضح بشأن الطريقة المثلى لبلوغ تلك الأهداف. وبالاستناد إلى مسؤول إيراني رفيع المستوى، آثر الأشخاص المقرّبون من أحمدي نجاد إثارة مسائل تمكنت إسرائيل من حسمها على مدى العقدين السابقَين: شرعية إسرائيل وحقها في الوجود، وحقيقة المحرقة النازية، وحق اليهود الأوروبيين بالبقاء في قلب الشرق الأوسط. وجادل بأن هذا النهج سيردد صدى الشارع العربي الساخط ويظهر عجز الأنظمة العربية الموالية لأميركا والتي ستشعر بالضغط والإحراج.

وكما فعلت إيران في مستهل الثمانينيات، سعت هنا أيضاً إلى تحييد الحكومات العربية الموالية للغرب في المنطقة عبر مخاطبة الشارع العربي. فإذا جرى عرض حالة الجمود في الموضوع النووي على أنها اعتداء أميركي إسرائيلي على إيران الإسلامية التي نهضت لدعم الفلسطينيين، سيكون من المستحيل على الحكومات العربية ـ بصرف النظر عن مدى كراهيتها لطهران ـ الوقوف في وجه إيران لأن ذلك سيجعلها تبدو بأنها تقف إلى جانب إسرائيل. كانت تلك خدعة إيرانية قديمة، والإسرائيليون على دراية تامة بها بالرغم من عدم قدرتهم على القيام بالكثير لمواجهتها. يقول شلومو بن عامي، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق: "في رأيي، تبقى هذه، حتى بالرغم من الموضوع النووي، الغاية الرئيسية للخطاب الناري لأحمدي نجاد. إذا كان الخطاب المطروح في الشرق الأوسط خطاباً عربياً، سيتم عزل إيران. لكن في حال كان إسلامياً، ستحتل إيران موقعاً ريادياً. وإذا أضفنا إلى ذلك دعوى حماية إيران والثورة الإيرانية، يتبين لنا لماذا سعوا طوال الوقت إلى معارضة العملية السلمية".

عارضت الأصوات الأكثر اعتدالاً بطهران هذا النهج بسبب الصعوبات التي تكهنوا بأنه سيوجدها للمساعي الدبلوماسية الإيرانية في الموضوع النووي. وهم آثروا أسلوب خاتمي الذي اعتمد على إثارة مسألة معاناة الشعب الفلسطيني وعدم استعداد إسرائيل لتقديم تنازلات على صعيد الأراضي، مع تجنب القضايا الساخنة مثل حق إسرائيل في الوجود أو المحرقة النازية، وجادلوا بأن رفع الخطاب إلى مثل هذه المستويات سيفشل ويدفع دولاً رئيسية مثل روسيا والصين إلى الانقلاب على إيران. في هذا السياق، جرى تداول جزء من هذه النقاشات علناً على صفحات الجرائد الإيرانية. فقد نشرت صحيفة الشرق الإصلاحية اليومية التي أغلقها أحمدي نجاد بعد أن انتقدته علناً، مقالة افتتاحية انتقدت فيها إنكار الرئيس للمحرقة النازية. ركّز الكاتب على حجتين؛ المحرقة النازية ليست قضية تعني إيران، وأنه بدلاً من قلب الطاولة على رؤوس أعداء إيران، لن تعمل تصريحات أحمدي نجاد سوى على زيادة الأمور سوءاً بالنسبة إلى إيران.

غير أن الذي غاب عن الجدال الداخلي بطهران على نحو ملفت للنظر كان الدوافع والعوامل الإيديولوجية التي تثيرها إيران علناً لتبرير موقفها من إسرائيل. فلم يأتي أحد على ذكر الإسلام أو معاناة الشعب الفلسطيني في النقاشات. وبدلاً من ذلك، بدت بنود الجدال ونتيجته ذات طبيعية استراتيجية صرفة. فقد هدف المعسكران إلى إعطاء إيران زمام المبادرة في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتجنّب مواجهة المصير الذي واجهه العراق عندما ظلت واشنطن من العام 1991 ولغاية الغزو في العام 2003 تسيطر بدرجة كبيرة على مجرى الأحداث. مع أن النظام لم يتوصل إلى إجماع على كيفية حل المسألة، منع آية الله كافة المسؤولين الإيرانيين من تكرار الملاحظات العنيفة حول المحرقة في الوقت الحالي؛ وهو ما كان مدعاة للإحباط بالنسبة إلى أحمدي نجاد.

لا يزال هذا القرار ساري المفعول. فعندما زار أحمدي نجاد نيويورك لإلقاء خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول 2006، أثار الصحافيون الغربيون مسألة جرائم المحرقة. لكن بدلاً من تكرار ملاحظاته السابقة، حوّل أحمدي نجاد السؤال إلى جدال مختلف: معرفة ما إذا كان ينبغي على الفلسطينيين دفع ثمن الجرائم التي ارتكبتها ألمانيا النازية، ولماذا يُعتبر التشكيك في المحرقة جريمة في بعض البلدان الأوروبية. كما وجه أحمدي نجاد سؤالاً إلى أندرسون كوبر من محطة سي أن أن فقال: "إذا حصل هذا الأمر، فأين حصل؟ السؤال الأساسي هو أين. والمكان ليس فلسطين. [إذاً]، لماذا تُستخدم المحرقة النازية ذريعة لاحتلال الأراضي الفلسطينية؟" ثم دعا إلى إجراء المزيد من البحوث في هذا الموضوع مع تجنّبه بالكامل الاعتراف بحقيقة المحرقة أو تكرار وصفه السابق لها بأنها خرافة. لكن حتى بدون تكرار ملاحظاته السابقة، أظهر أحمدي نجاد كيف أن في وسعه إضعاف منافسيه بسهولة بطهران عبر إثارة غضب المراقبين الغربيين.

رجال دين نوويون؟

يتعين معالجة حالة الجمود في موضوع البرنامج النووي الإيراني في هذا السياق أيضاً. كما أن العداوة الإسرائيلية الإيرانية ليست مدفوعة بالاختلافات الإيديولوجية بين الطرفين، فهي ليست ناتجة حصراً عن إحساس إسرائيل بالخطر بسبب النشاطات النووية الإيرانية. لدى إسرائيل مخاوف مشروعة بالتأكيد بشأن الخطط النووية الإيرانية. لكن هذه المخاوف لا تفسر في حدّ ذاتها سبب هذا التحول نحو الأسوأ في العلاقات الإسرائيلية الإيرانية في العام 1992ـ بعد مرور ثلاث سنين على اكتشاف إسرائيل أن إيران أعادت تنشيط برنامجها النووي ـ أو سبب تنحية نتنياهو هذا المخاوف جانباً لفترة مؤقتة في العام 1996 عندما سعى إلى مدّ اليد إلى إيران. يقول كيث وايزمان من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك): "لم تعر إسرائيل اهتماماً في الحقيقة للبرنامج النووي الإيراني إلى أن بدأت العملية السلمية". في ذلك الوقت، كان البرنامج في مرحلة أولية، ولم يكن لدي إيران أجهزة طرد مركزي لليورانيوم، وكانت تفتقر إلى الكثير من المعرفة التقنية اللازمة لتطوير أسلحة نووية، وهي لا تزال كذلك لغاية الآن.

استناداً إلى مراجعة أجرتها الاستخبارات الأميركية، كانت إيران في العام 2005 على مسافة عقد تقريباً من تصنيع المكونة الرئيسية لسلاح نووي. كما أنه وفقاً لعدد من صنّاع السياسة بإسرائيل، بالغ حزب العمل في وصفه للخطر الإيراني لأسباب سياسية. فبالرغم من وجود خطر بعيد، بالغ رئيس الوزراء إسحاق رابين في الحديث عنه للترويج لصيغة الأرض مقابل السلام في أوساط الشعب الإسرائيلي، كما يشرح مستشار سابق لرابين. ففي النهاية، التصرّف الإسرائيلي لا يتفق والفكرة التي تقول بأنها تواجه خطراً وجودياً مصدره إيران. ولو أن هذا الخطر موجود فعلاً، كنا سنتوقع من إسرائيل استكشاف كافة السبل الكفيلة بتحييد ذلك الخطر، بما في ذلك فتح حوار أميركي إيراني. بدلاً من ذلك، عملت إسرائيل بلا هوادة على منع بدء مثل هذا الحوار.

بدأ الشاه البرنامج النووي الإيراني في سبعينيات القرن الماضي. كانت إيران تنتج حينها كميات من النفط تفوق ما تنتجه اليوم، وكان استهلاكها المحلّي أدنى بكثير في تلك الأيام. غير أن الرئيس جيرالد فورد عرض على طهران فرصة شراء منشأة إعادة معالجة أميركية الصنع لاستخراج البلوتونيوم من وقود المفاعل النووي. من خلال ذلك العرض، ستتمكن إيران من امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة، وهو ما سيوفر لها المعرفة اللازمة لإنتاج مواد لصنع قنبلة نووية. لكن واشنطن أرادت الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك. ففي العام 1975، قام وزير الخارجية هنري كنسنجر بتطوير استراتيجية تفاوض لبيع معدات طاقة نووية لإيران كان من المتوقع أن تعود على التجارة الأميركية بأكثر من 6 مليارات دولار. كان ديك تشينين وبول وولفويتز، ودونالد رامسفيلد يشغلون جميعاً مناصب رئيسية في مجلس الأمن القومي في إدارة فورد. لكن بعد مرور أكثر من ربع قرن، أصبح هؤلاء الأشخاص أنفسهم على خط المواجهة في حملة تهدف إلى حرمان إيران من الحصول على تلك التكنولوجيا بالذات مجادلين بأن بلداً يملك ثروة نفطية مثل إيران يهدف من وراء امتلاك هذه التكنولوجيا إلى استخدامها في أغراض عسكرية وحسب.

بالرغم من أن إيران لا تزال على مسافة سنوات من امتلاك القدرة والمادة لصنع قنبلة نووية، فقد وصلت حالة الجمود إلى نقطة حرجة بسبب الجهود الإيرانية الهادفة إلى إتقان عملية تخصيب اليورانيوم. استناداً إلى ما تقوله إسرائيل، بعد أن تتعلم إيران كيفية تخصيب اليورانيوم بكميات كبيرة وعند مستويات إثراء مرتفعة، تكون قد عبرت نقطة اللاعودة. وتكون بذلك قد امتلكت المعرفة التقنية اللازمة، والتي سيكون من شبه المستحيل بعدها منع إيران من التحول إلى بلد نووي. لكن يوجد العديد من المشكلات في هذا التحليل. أولاً: وقّعت إيران ـ بخلاف إسرائيل ـ على معاهدة عدم الانتشار، ويرى أغلب المشاركين في هذه المعاهدة أن إيران تملك الحق بتخصيب اليورانيوم بموجب البند الرابع من المعاهدة، والذي يضمن لكافة الدول "الحق الذي لا يجوز التفريط فيه... في تطوير البحوث في الطاقة النووية وإنتاجها واستخدامها في أغراض سلمية بدون تمييز" . إن إنكار هذا الحق على إيران سيغيّر بنود المعاهدة والتي يتردد العديد من الدول غير النووية في الانضمام إليها ما لم تفِ الدول النووية بالتزامها المنصوص عليها في البند السادس من المعاهدة وتبدأ تفكيك ترساناتها النووية. ثانياً: يقول بعض الخبراء في قضايا عدم الانتشار، بأن مفهوم نقطة اللاعودة مقياس اعتباطي يُستخدم لغايات سياسية. يقول جون وولفْشتال، وهو مسؤول رفيع سابق في وزارة الطاقة: "إن مفهوم نقطة اللاعودة مفهوم غير صحيح، والأصوات التي تستخدمه بأميركا وإسرائيل للدفع في اتجاه التوصل إلى حل سريع أصوات مضللة. إنه مفهوم باطل تستخدمه الجهات التي تريد القيام بعمل فوري".

العمل الفوري هو بالضبط ما يريد الإسرائيليون القيام به. في صيف العام 2006، قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني: "كل يوم ينقضي يقرّب الإيرانيين أكثر من بناء قنبلة. والعالم لا يستطيع التعايش مع إيران نووية". لقد تبنّى اللوبي المؤيد لإسرائيل بواشنطن موقفاً أكثر تشدداً من موقف الحكومة الإسرائيلية نفسها، فخاطب المدير التنفيذي في إيباك، هاوارد كور، خمسة آلاف شخص من مناصري إيباك في مأدبتهم السنوية بواشنطن في 5 مارس/آذار 1993 " إن أوجه المقارنة بين المناخ الجيوسياسي في 5 مارس/آذار 1993 ونظيره في 5 مارس /آذار 2006، مذهلة من حيث التشابه بينهما، ولكنها رهيبة من حيث مضمونها". وقبل أن يلقي كور خطابه، شاهد الحضور سلسلة من الفيديو كليبات التي تقارن بين وصول أدولف هتلر إلى السلطة وفترة حكم أحمدي نجاد كرئيس لإيران. بذل الإسرائيليون ضغوطاً هائلة على إدارة بوش لحملها على التحرّك، ولعبوا دوراً رئيسياً في إقناع واشنطن بتبنّي سياسة تعارض التخصيب بالمطلق، مما يعني أنه يتعين حرمان إيران بالكامل من أية تكنولوجيا متعلقة بالتخصيب، ويصر الإسرائيليون على القول إنه حتى البرنامج التجريبي الصغير لن يكون مقبولاً لأن إيران ستظل قادرة على تعلّم كيفية استخدام هذه التكنولوجيا انطلاقاً من هكذا برنامج. وما من مرة صدرت تلميحات من إدارة بوش تشير إلى استعدادها للتوصل إلى تسوية إلاّ ودقّ الإسرائيليون أجراس الإنذار.

على سبيل المثال، عندما عبّرت إدارة بوش عن دعمها لاقتراح بسمح لإيران بمواصلة تطوير برنامجها النووي طالما أن عملية التخصيب تجري بروسيا، وقفت إيباك بحزم ضدّ إدارة بوش. وفي إيجاز لأعضاء الكونغرس، سُئل دبلوماسي إسرائيلي رفيع المستوى عن نوع نظام التحقق الذي سيُشعر الإسرائيليين بالاطمئنان إلى برنامج نووي سلمي إيراني. وبدون تردد أجاب هذا الدبلوماسي: "لا يوجد". بالمقابل، قال إن الضمانة الوحيدة المقبولة لدى إسرائيل هي "إضعاف قاعدة إيران الصناعية". وقال الإسرائيليون بأنه في حال لم تقم الولايات المتحدة بعمل سريع ضدّ إيران، فقد "تحتاج (الدولة اليهودية) إلى المضي في هذا الأمر بمفردها"، في إشارة إلى أنه ربما تحاول تدمير المنشآت النووية الإيرانية بنفسها.

سبّب احتمال شنّ هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية صداعاً حادّاً للبيت الأبيض، لأن اللوم سيُلقى على الولايات المتحدة تلقائياً في هذا العمل؛ بصرف النظر عما إذا كان الرئيس قد أعطى الإسرائيليين الضوء الأخضر أم لا. وبما أن إسرائيل لا تملك بمفردها القدرة العسكرية على تدمير البرنامج الإيراني بنجاح عبر توجيه ضربات جوّية، فالتهديدات المبطّنة التي تطلقها تل أبيب تهدف على الأرجح إلى الضغط على واشنطن لكي لا تليّن من موقفها عبر تحذيرها من العواقب المترتبة على شنّ هجوم إسرائيلي على إيران: تصعيد خطير في العنف في المنطقة سيشكل خطراً جدّياً على أمن الولايات المتحدة، بالنظر إلى موقف واشنطن الذي يزداد ضعفاً بالعراق. وسواء أراق الأمر لواشنطن أم لا، ستغرق لا محالة في الفوضى التي ستلي ذلك.

المثير للسخرية هو أن إيران ربما لا تريد بناء سلاح نووي كهدف في حدّ ذاته، وإنما تريد امتلاك القدرة على التحول إلى دولة نووية في حال واجهت خطراً وشيكاً. (لكن لا تزال القوى الغربية ترى في امتلاك إيران مثل هذه القدرة مشكلة كبيرة). وأشار المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة  الذرّية محمد البرادعي إلى أن الخيار المفضَّل لدى إيران هو امتلاك القدرة على صنع الأسلحة من غير أن تعمد إلى صنعها، وقال البرادعي بأن معرفة الإيرانيين كيفية تخصيب اليورانيوم رادع في حدّ ذاته وإلى أنهم "ليسوا بحاجة إلى سلاح؛ التخصيب عبارة عن رسالة". وعزز مدير الوكالة تعليقاته التي أدلى بها في نيوز آور مع جيم ليهْرِر في 18 مارس/ آذار 2004 بالقول: "حسناً، ما أردت أن أقوله هو... إذا كنتم تملكون برنامجاً للتخصيب أو برنامجاً لإعادة المعالجة، فهذا يعني أنكم تستطيعون إنتاج اليورانيوم... وأنتم من الناحية الفعلية تبعثون برسالة بأننا نعرف كيفية القيام بذلك في حال قررنا صنع سلاح. نحن لسنا بحاجة إلى تطوير سلاح، ولكننا نقول لكم، أنتم تعرفون، كما يعرف العالم وكما يعرف جيراننا بأننا نستطيع القيام بذلك".

يدرك الإيرانيون جيداً أن قراراً بامتلاك أسلحة نووية سيضعف الموقف الإستراتيجي لإيران على الأرجح بدلاً من أن يقوّيه. وطالما تم الإبقاء على الشرق الأوسط خالياً قدر الإمكان من الأسلحة النووية، ستتمتع إيران بتفوق في ميدان الأسلحة التقليدية على جيرانها بسبب حجمها ومواردها. لكن في حال امتلاك إيران أسلحة نووية، فستخاطر بإشعال سباق على تسلّح نووي يمكن أن يدفع دولاً صغيرة إلى امتلاك قدرة نووية أيضاً. عندما يصبح الشرق الأوسط على هذه الحال، ستخسر إيران تفوقها التقليدي، وتجد نفسها في وضع مساوٍ من الناحية الاستراتيجية لدول تكبرها إيران حجماً بأكثر من عشرين مرة. هذا هو الدافع الذي يفسر جزئياً سبب انضمام إيران إلى دولة إقليمية أخرى ذات كثافة سكانية عالية  - مصر- بالدعوة إلى إبقاء الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية في سبعينيات القرن الماضي. فبوصفهما دولتين كبيرتين، لا يوجد لدى إيران ومصر ما تكسبانه لكن يوجد لديهما كل ما تخسران بامتلاك أسلحة نووية. (لا يوفق الإسرائيليون على هذا التحليل ويفترضون بأن الإيرانيين سيسعون إلى امتلاك سلاح نووي مهما كانت الظروف).

يضاف إلى ذلك أن إيران تعتقد بأنها تملك قدرات ردعية فاعلة في مواجهة كافة الدول التي في المنطقة تقريباً، بما في ذلك إسرائيل، وأنها ليست بحاجة إلى أسلحة نووية لثني الدولة اليهودية عن مهاجمة إيران. يقول سفير  إيران لدى الأمم المتحدة جواد ظريف، في إشارة إلى القدرات غير النظامية التي تملكها إيران بلبنان: "من وجهة نظر الحكومة، لن تشكل أسلحة الدمار الشامل رادعاً لإسرائيل. لكن لدينا روادع أخرى تعمل بشكل أفضل". غير أن الخطر الوحيد الذي تفتقر إيران إلى أي رادع فاعل لمواجهته هو الولايات المتحدة (بالرغم من أن إيران تملك رادعاً جزئياً من خلال نفوذها لدى شيعة العراق، وهو ما يمكن أن يلحق أذى كبيراً بالاحتلال الأميركي الآخذ في الانهيار أصلاً هناك). لكن في حال أمكن تحسين العلاقات بالولايات المتحدة، ربما تُحرم إيران من أحد الدوافع الرئيسية لامتلاك أسلحة نووية.

هل يمكن ردع طهران؟

يمكن فهم خوف إسرائيل من إيران نووية، حتى وإن كانت إسرائيل لا تعتقد بأن إيران ستستخدم بالضرورة أسلحة الدمار الشامل ضدّها. فهذا سيؤدي بالتأكيد إلى دمار إيران نفسها: يعرف القادة الإيرانيون المدنيون منهم والعسكريون أن ترسانة إسرائيل تضمّ مائتي رأس حربي نووي، وأنها قادرة على توجيه ضربة ثانية بواسطة غواصاتها الثلاث من طراز دولفين والمجهزة بصواريخ نووية. على النقيض من الفكرة التي تصوّر الإيرانيين بأنهم "رجال... مجانين"، يقرّ أغلب المفكرين الاستراتيجيين بإسرائيل بأن الحكومة الإيرانية متطرّفة وراديكالية ولكنها حكيمة.

في الواقع، يمكن القول إن إيران عدو عاجز أمام إسرائيل لأنها لا تتصف باللاعقلانية والتهور. إيران تتصرف بمهارة كبيرة وحذر بالغ على نحو يفوق العديد من أعداء إسرائيل التقليديين. ففي حين كان صدام متهوراً  ومغامراً وارتكب أخطاء استراتيجية كبيرة بمهاجمته إيران في العام 1980 وغزوه للكويت في العام 1990، عملت طهران وفقاً لمبادئ مختلفة تماماً. حتى في أغلب الفترة التي سيطرت فيها الإيديولوجية على الثورة الإيرانية، لم تتصرف إيران بطريقة متهورة أو بدون تحسس لخسائرها أبداً. يقول إيهود ياري، وهو إعلامي تلفزيوني إسرائيلي محنّك: "الناس هنا يحترمون الإيرانيين والنظام الإيراني. وهم يعتبرونهم لاعبين في غاية الجدّية ويدرسون خطواتهم بعناية". يتفق معه إفرايم هالفي، الرئيس السابق للموساد، في الرأي ويقول: "أنا لا أعتقد أنهم غير عقلانيين، بل إنني أعتقد أنهم عقلانيون جداً. ووصفهم باللاعقلانية تهرّب من الحقيقة ووسيلة للابتعاد عن الواقع". وطالما أن الطرف الآخر عقلاني، ستتوفر للقدرة الردعية الإسرائيلية في مواجهة خطر إيراني نووي فرصة كبيرة للنجاح لأن الإيرانيين يعرفون بالضبط الثمن المترتب على مهاجمة إسرائيل، كما يقول روفين بيدأتْزور، مدير مركز غاليلي الاستراتيجيا والأمن القومي ومقاتل طيار في سلاح الجو الإسرائيلي الاحتياطي.

ربما تكون العقلانية التي تتصف بها إيران السبب الذي يفسر أيضاً عدم تقاسمها أسلحة كيميائية أو بيولوجية مع أي من وكلائها، ولماذا يرجَّح ألاّ تتقاسم إيران نووية الأسلحة النووية مع الجماعات الإرهابية. كانت إسرائيل قد أطلقت إشارات إلى إيران بأنها ستنتقم من أي هجوم نووي على إسرائيل بضرب إيران؛ بصرف النظر عن الجهة التي هاجمت إسرائيل. وقد استوعبت طهران بشكل كامل فحوى تلك الإشارة؛ في حال هوجمت إسرائيل من قبل أي من وكلاء إيران برأس حربي نووي، فستدمر إسرائيل إيران. لكن حتى بدون هذا التحذير الصارم، من غير المرجح أن تتقاسم إيران أسلحة الدمار الشامل مع وكلائها لأن هؤلاء لن يتصرفوا عندئذ كوكلاء في حال امتلكوا مثل هذه الأسلحة. ففي النهاية كل ما تطمح إليه إيران هو أن تصبح قوة إقليمية بدون منازع. وبالنظر إلى ميلها إلى اعتبار كافة البلدان الأخرى منافسة محتملة لها، من المستبعد جداً أن تقوّض هدفها بتقاسمها التكنولوجيا الحساسة مع أي من وكلائها. وإذا أردنا أن نحكم بناء على تصرفات طهران السابقة، يتبين أن القيادة الإيرانية أكثر دهاء من أن ترتكب خطأ مدمراً لا يمكن تصحيحه.

هناك وجهة نظر ضعيفة بإسرائيل، تسمى وجهة النظر البيغنية، وتحظى بتأييد أشخاص من أمثال نائب وزير الدفاع إفرايم سنيه، والعضو في الكنيست أوزي لاندو، والجنرال عموس جلعاد. يجادل هؤلاء بأنه يتعين أن يكون المبدأ الاستباقي لمناحيم بيغن ـ الذي دمّر المفاعل النووي العراقي بقصف أوزيراك في العام 1981 ـ هو الموجّه لطريقة تعاطي إسرائيل مع إيران. واستناداً إلى هذه المدرسة الفكرية، تتميز الدول الواقعة في الشرق الأوسط باللاعقلانية والتهور، ونتيجة لذلك لا يتوفر خيار رادع ثابت" أي أن إسرائيل لا تتحمل المجازفة مع أعداء مثل هؤلاء. والدفاع الوحيد المتوفر هو ضمان عدم امتلاك هذه البلدان تكنولوجيا نووية عبر تدمير منشآتها النووية بضربات استباقية.

غالباً ما يشير المدافعون عن هذا الخط إلى تصريح أدلى به رفسنجاني في مستهل العام 2002، عندما ناقش كيفية جعل دولة إسرائيل الصغيرة أكثر انكشافاً أمام هجوم نووي، ملمّحاً ـ كما يقول البيغنيون ـ إلى أن إيران تعتقد بأنها تستطيع أن تحقق النصر في حرب نووية مع إسرائيل. (اتَّهم رفسنجاني إسرائيلَ في وقت لاحق بتشويه تصريحه). في النهاية، يملك البيغنيون تأثيراً في الخطاب الإسرائيلي وفي توصيف الصراع أقوى من تأثيرهم في السياسة الفعلية المتَّبعة مع إيران. لكن إذا كانت إيران دولة غير عقلانية ومتهورة، فلماذا لم تقدم على عمل متهور لغاية الآن؟ يبدو أن الجمهورية الإسلامية رفضت على مدى السنين السبع والعشرين الأخيرة كافة الفرص التي تؤدي إلى دمارها. في الواقع، يرجح أن رجال الدين باتوا اليوم أقوى من أي وقت مضى. وبالنظر إلى المشكلات الداخلية العديدة التي تعاني منها الحكومة الإيرانية ونفور الناس منها في الداخل وفي الخارج، من الصعب فهم كيف تمكن رجال الدين من تحقيق هذا النجاح لو كانوا غير عقلانيين.

مع ذلك، ليس بالأمر المفاجئ أن العديد بإسرائيل توصّلوا إلى الاستنتاج بأن طهران غير عقلانية لأن هذا ما يودّ رجالُ الدين أن يراه أعداء إيران. لكن خلف سلوكهم المتناقض، غالباً ما تكمن سياسة وحيدة صيغت بعناية شديدة. فإيران تستخدم هذا التناقض لكي تخفي مصالحها، وتترك انطباعاً بأنها غير عقلانية ولا يمكن التوقع بتصرفاتها، وهو ما يُطلق عليه "انعدام العقلانية المتقمَّص". ويقول أمير مهيبيان، وهو استراتيجي محافظ بارز" "ينبغي ألاّ نكون دولة يمكن لأعداء إيران معرفة طريقتها في التفكير والتوقع بما ستقوم به. لم يكن في مقدور الولايات المتحدة أن تعبث مع الإمام الخميني لأنه لم يكن في الإمكان معرفة طريقته في التفكير... ويرجع سقوط صدام إلى أن طريقته في التفكير كانت معروفة. وهم عرفوا أنه حتى لو كان يملك أسلحة دمار شامل فهو لم يكن ليجرؤ على استعمالها".

هذه الطريقة في التفكير ليست محصورة بمعسكر المحافظين بإيران. فاستناداً إلى أحد معاوني مستشار الأمن القومي الإيراني، هذه الطريقة متجذّرة في تجارب إيران على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين، عندما مكّن انفتاحُ البلاد القوى الخارجية من التلاعب بها من أجل استغلال ثرواتها الطبيعية وجعلها دولة تعتمد على الغرب. ترى الحكومة الإيرانية بأنه "ينبغي البقاء على مسافة محسوبة بعيداً عن الأجانب"، على حدّ تعبير هذا المعاون. ويضيف "عليك ألاّ تجعلهم يفهمون كيفية إدارتك لشؤونك الخاصة. لهذا السبب، أعتقد بأن إثارة الحيرة أمر مقصود. ولهذا السبب يسمحون للمؤسسات المختلفة بالتعبير عن العديد من السياسات المتناقضة، ولا بأس بذلك. فهذا يوفّر لإيران الأمن لأننا نعرف ما نريد أن نقوم به". ربما تكون إيران قد خدعت الكثيرين في إسرائيل بهذه الاستراتيجية، ولكنها أسهمت أيضاً بانعدام الثقة المطلق بين إيران والعالم الخارجي، وهذا بدوره زاد من صعوبة التوصل إلى حل لمشكلات إيران مع الولايات المتحدة ومع المجتمع الدولي.

سواء أكانت إيران عقلانية أم لا، متهورة أم لا، كانت تنوي مهاجمة إسرائيل أما لا، ستشكل إيران النووية بالرغم من ذلك مشكلة لإسرائيل بسبب تأثيرها في قدرة إسرائيل على المناورة الاستراتيجية. فالخطر الحقيقي الذي تراه إسرائيل في إيران تملك قدرة نووية له شقّان. الشق الأول هو أن إيران التي لا تملك أسلحة نووية ـ ولكن في مقدورها إنتاجها ـ ستلحق ضرراً بالغاً بقدرة إسرائيل على ردع المنظمات المسلحة الفلسطينية واللبنانية. وستضرّ بصورة إسرائيل بأنها الدولة الوحيدة المزودة بأسلحة نووية في المنطقة وتحطم الأسطورة التي تقول بأنها دولة لا تُقهر. عن هذه الصورة، قال لي جلعاد: "إنها أقوى عامل في إرساء السلام. إنها الرادع الذي نملكه". بالتالي، يمكن لقدرة ردعية إيرانية أن تقوض التفوق العسكري لإسرائيل، وتمنعها من إملاء شروطها الخاصة بالسلام ومتابعة خططها الخاصة بالسلام بطريقة أحادية. يقول سنيه: "لا يمكننا تحمّل وجود قنبلة نووية في حوزة أعدائنا نقطة على السطر. إنهم لن يكونوا بحاجة إلى استخدامها، لأن مجرد امتلاكهم لها يعتبر كافياً". يمكن لإيران النووية أن تجبر إسرائيل على القبول بتسويات مناطقية مع جيرانها لحرمان إيران من الذرائع العداوانية التي يمكن أن تستخدمها ضدّ الدولة اليهودية. وإسرائيل لن تتحمّل ببساطة الدخول في منافسة نووية مع إيران ومواصلة نزاعاتها على الأراضي مع العرب في الوقت نفسه. الشق الثاني إن الرادع والقوة التي ستمتلكهما إيران من جرّاء امتلاك دورة الوقود سيجبران واشنطن على التوصل إلى اتفاق مع طهران بحيث يصار إلى الاعتراف بإيران قوة إقليمية، مما سيُكسبها أهمية استراتيجية في الشرق الأوسط على حساب إسرائيل.

خيارات واشنطن: بين المطرقة والسندان

عندما يتعلق الأمر بإيران والمنافسة الإيرانية الإسرائيلية، الاعتقاد الشائع هو أن واشنطن لا تملك أي خيارات جيدة. لكن بعض الخيارات أسوأ من البعض الآخر. يستند بعض هذه الخيارات إلى نظريات خيالية لها القليل من الارتباط بالواقع، مثل إصرار إسرائيل على البقاء مخلصة للمبدأ المحيطي في الثمانينيات حتى بعد وصول آية الله الخميني إلى السلطة بإيران. فقد استندت النظرة الكونية للإسرائيليين على فرضيات بسيطة حول آليات العلاقات الدولية التي أخفقت في أخذ المصالح المتضاربة لإيران بعين الاعتبار. فمن ناحية، اعتقدت إسرائيل أن الصدع العربي الإسرائيلي عميق لدرجة أنه لن يمكن التوصل إلى سلام حقيقي مع العرب (على الرغم من الاتفاقية التي توصلت إليها إسرائيل مع مصر في كامب ديفيد1)؛ ومن ناحية أخرى، افترضت أن إيران تسير على المسار نفسه الذي سارت عليه إسرائيل أي أن إيران ستبقى دائماً على طرفي نقيض مع جيرانها العرب بسبب الصدع العربي الفارسي، مما يجعلها حليفاً طبيعياً ودائماً لإسرائيل بغض النظر عن رغبات حكام طهران. فالحقائق الجيوسياسية لن تترك ببساطة لإيران خيارات أخرى. وبناء على هذه الافتراضات، تكوّنت فكرة عما ينبغي أن يكون عليه سلوك إيران، وعندما لا ينسجم سلوك إيران مع هذه الفكرة، لا يتم التشكيك في صحة الافتراضات التي بُنيت عليها هذه الفكرة. وبدلاً من ذلك، يُنظر إلى تصرف إيران على أنه غير عقلاني ومؤقت، وأن إيران ستعود إلى رشدها عاجلاً أو آجلاً.

هذه النظرة البعيدة عن الواقع هي التي ميّزت مقاربة إدارة بوش في الشرق الأوسط من 11 سبتمبر/ أيلول. إحدى النظريات الخيالية التي استثمر فيها البيت الأبيض في عهد بوش الكثير من الطاقة والأمل هي تغيير النظام بإيران، والذي اعتمد هو نفسه على الفكرة التي تقول إنه مع وجود نظام مختلف يحكم طهران، سنُحلّ المشكلات بين الولايات المتحدة وإيران، وكذلك المشكلات بين إسرائيل وإيران، تلقائياً بطريقة أو بأخرى. يقول سنيه: "في اللحظة التي يزول فيها النظام الإسلامي، ستتغير العلاقة الإسرائيلية الإيرانية بزاوية مقدارها 180 درجة". بالنظر إلى العلاقة الوثيقة التي تمتعت بها إسرائيل والشاه، من السهل التوصل إلى هذا الاستنتاج المشكوك فيه. لكن هناك الكثير من الخلاف حول هذه النقطة بإسرائيل. فالبعض، مثل ميناشي أمير، المدير الأسطوري لراديو إسرائيل الناطق باللغة الفارسية، يرى في الحماسة الدينية للقيادة الإيرانية السبب الوحيد للعداوة بين البلدين. وهو قال لي في مكتبه بالقدس، والمزّين بالمشغولات الحرفية واللوحات الزيتية الإيرانية: "اليوم، إيران في حالة عداء مع إسرائيل لأسباب دينية. غير أن الأنظمة الإيرانية المستقبلية لن تعاني من تلك المشكلة".

البعض الآخر يجادل بأن تغييراً في القيادة الفردية أو في النظام بطهران لن يؤثر في الدافع النووي لدى إيران. وربما تكون حكومة علمانية وديموقراطية في طهران أكثر ميلاً إلى امتلاك قنبلة نووية، كما يقول رنعان غيسين، المتحدث باسم أرييل شارون، أو في الحد الأدنى، ستكون رازحة تحت ضغط شعبي لمواصلة البرنامج النووي بالوتيرة نفسها. ويقول أوزي أراد، مدير الاستخبارات السابق في الموساد والبروفسور في مركز المناهج العلمية المتعددة بمرتزيليا: "لا يمكن لإسرائيل أن تثق بأن الإصلاح بإيران سيزيل الخطر الاستراتيجي الذي يهدد إسرائيل". وبالإضافة إلى ذلك، لا توجد ضمانة بأن إيران ديموقراطية ستكون أكثر استقراراً أو أقل راديكالية مما هي عليه في ظل النظام الحالي. يقول الجنرال أمنون شاحاك: "إذا كان تغيير النظام أمراً ممكناً، سيكون الخطر موجوداً هناك. سيكون وضعاً غير مستقرّ وسيبقى نظاماً غير مستقر". وكما حلّت حكومة راديكالية محلّ نظام الشاه، يمكن أن يواجه نظام ضعيف بإيران المصير نفسه. بدوره، يرفض جلعاد المناقشة برمتها باعتبار أنها أكاديمية وبدون طائل لأنه من غير المرجّح، في نظره أن يسقط النظام. وهو يقول: "أنا أستبعد أية إمكانية لتغيير النظام". بقدر ما يعتبر رجال الدين سبباً لإثارة المشكلات، لكن طبيعة النظام الديني ليست سبب العداوة بين إسرائيل وإيران أو بين الولايات المتحدة وإيران. ففي النهاية، كانت التغييرات الجيوسياسية هي التي أشعلت المنافسة الإسرائيلية الإيرانية بعد انتهاء الحرب الباردة، وليس الإيديولوجية أو طبيعة القيادة بإيران. كما أن الثورة الإسلامية لم تضع حداً لسعي إيران إلى التفوق (في الواقع، زادت من الحماسة له في البداية)، ولا يمكن القول بأن إيران علمانية ستكون أقل ميلاً إلى السعي إلى رفعة الشأن وأكثر تقبّلاً لدور خجول في الشؤون الإقليمية.

فشل الاحتواء ـ حرب لبنان في العام 2006

السياسة الفاشلة الأخرى هي سياسة الاحتواء؛ الفكرة التي تقول بأن الصراع يكمن في احتواء إيران وإضعافها. هذه السياسة لم تفشل وحسب، بل وحوّلت وضعاً سيئاً إلى وضع أكثر سوءاً يجعل إيران دولة أقوى وأشدّ غضباً. المحاولة الأخيرة لإضعاف إيران ـ الحرب التي اندلعت في صيف العام 2006 بلبنان ـ توضح هذه النقطة. فبالرغم من أن إسرائيل لم تتوقع الهجوم الحدودي الذي شنّه حزب الله في 12 يوليو/ تموز وأسر اثنين من جنودها، إلاّ أن الدولة اليهودية كانت قد خططت، واستعدت لحرب تشنّها على حزب الله منذ أكثر من سنتين. ففي العام 2005، بدأ ضابط رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي بتقديم عروض تقديمية أمام دبلوماسيين أميركيين، وصحافيين، ومفكرين، توضح بتفصيل مخيف خطة العملية المتوقعة. يقول البروفسور جيرالد ستاينْبيرغ من جامعة بار إيلان: "من بين كافة الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ العام 1948، كانت هذه الحرب التي استعدت لها على الوجه الأكمل". في البداية، سار كل شيء وفقاً للمخطط المرسوم. فبعد أن أعطت واشنطن إسرائيل بركتها ودعمها ـ أشارت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس إلى الاقتتال بأنه "آلام ولادة شرق أوسط جديد" ـ اجتمع رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي دان حالوتس ومجموعة كبيرة من الضباط على عمق عدة مئات من الأقدام تحت الأرض في المعقل القيادي التابع لسلاح الجو الإسرائيلي بتل أبيب لمراقبة التطورات. في كوقت متأخر من مساء 12 يوليو/ تموز، وردت أولى التقارير إلى مقرّ القيادة. فقد دمّرت المقاتلات الإسرائيلية أربعاً وخمسين منصة صواريخ وعادت إلى قواعدها سالمة. بعد أن شعر حالوتس بالارتياح، اتصل برئيس الوزراء إيهود أولمرت في منزله بالقدس وأعلن بفخر: "تم تدمير كافة الصواريخ بعيدة المدى". لكنه لم يتوقف عند هذا الحدّ. فبعد لحظة صمت قصيرة، أضاف: "لقد انتصرنا في الحرب".

في هذه الأثناء فيما كان المحافظون الجدد بواشنطن يضغطون على إدارة بوش لا من أجل دعم الحرب وحسب، بل ومن أجل المشاركة فيها أيضاً، كان صنّاع السياسة بطهران يرتعدون خوفاً. فقد تفاجأ كل من حزب الله وإيران بحجم الردّ الإسرائيلي على الغارة. قال نائب أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في وقت لاحق للصحافيين: "توقعنا أن يكون ردّ إسرائيل على أسر الجنديَّين قصفاً مدفعياً يدوم يوماً أو يومين على الأكثر أو شنّ هجمات محدودة على أماكن معينة". كانت الاستخبارات الإيرانية قد حذّرت القادة السياسيين بطهران من أن إسرائيل أعدّت خططاً لمهاجمة لبنان في وقت لاحق، في أكتوبر/ تشرين الأول 2006، لكن لم تصلها أية إشارات تدلّ على أن الحرب ستكون بهذا الحجم أو أنها ستبدأ في كوقت مبكر في يوليو/ تموز. يقول ناصر هاديان، الاتساتيجي الإصلاحي: "كانت تلك نعمة على إسرائيل. لقد وفر لها حزب الله الفرصة الذهبية لكي تشنّ هجومها".

تخوفت إيران من أن واشنطن وإسرائيل تمهدان الطريق أمام بدء مواجهة عسكرية مع إيران عبر استئصال حزب الله أولاً؛ خط الدفاع الإيراني الأول، وخشيت طهران أن تكون تلك أكثر من حرب بالوكالة، خشيت أن تكون توطئة لتصفية حساب نهائية. تكهن الخبراء بالولايات المتحدة بأن إيران عمدت إلى إشعال فتيل الصراع لصرف الأنظار بعيداً عن مشكلة البرنامج النووي الإيراني، لكنّ الشعور الذي ساد بطهران هو أنه "تم هدر إحدى أوراق إيران بدون داعٍ" عبر الهجوم المتهور الذي قام به حزب الله على إسرائيل، وسرى اعتقاد بطهران بأن مواجهة مباشرة بين المسلحين والجيش الإسرائيلي لن تكون على الأرجح في صالح حزب الله. يقول محسن رضائي، أمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام: "عرفت إسرائيل والولايات المتحدة أنه طالما أن حماس وحزب الله موجودان هناك، ستكون المواجهة مع إيران مكلفة. ولذلك لكي يتعاملا مع إيران، هما يريدان أولاً التخلص من القوى المقربة من إيران بلبنان وفلسطين". حول هذه النقطة، لا يبدو أن هناك خلافاً بين الإسرائيليين والإيرانيين. فعلى مدى سنين كثيرة والقلق ينتاب الإسرائيليين من الحشد العسكري لحزب الله. ومع نشره آلافاً من القذائف والصواريخ، صار في مقدور هذا الحزب الشيعي ضرب أجزاء واسعة من شمال إسرائيل. من خلال حزب الله، اكتسب الإيرانيون قدرة ردعية ورافعة لم تقبل بها إسرائيل. الفكرة التي استحوذت على أذهان الإسرائيليين هي أن القتال بلبنان لا علاقة له بحزب الله وحسب، بل وبإيران أيضاً. قال ستاينبيرغ لمجلس العلاقات الخارجية: "أحد أهداف هذه الحرب، بدرجة معينة، هو التأكد من أنهم عندما يشاهدون بطهران صور بيروت، سيفكرون أيضاً بما قد يحصل لطهران".

لكن لا آمال إسرائيل ولا مخاوف إيران تحققت. فبعد إحراز بعض النجاحات الأولية، ذُهل الإسرائيليون من الردّ القوي لحزب الله، والذي شمل إطلاق آلاف من صواريخ الكاتيوشا على شمال إسرائيل. وبدلاً من أن يواجه الإسرائيليون تنظيماً غير محترف، أدركوا بعد وقت وجيز أنهم يقاتلون قوات حسنة التدريب والتجهيز. حتى أن حزب الله استخدم صاروخ سي ـ 807 صيني الصنع ضدّ سفينة حربية إسرائيلية قبالة الشاطئ اللبناني وأخذ الإسرائيليين على حين غرّة وأعطب السفينة. فشلت الاستخبارات الإسرائيلية في التوصل إلى معرفة كاملة قبل الحرب بما كان يخبئه حزب الله في ترساناته. خاض حزب الله حرباً عالية التقنية، وأولى عناية فائقة للحرب الإعلامية بقدر ما اعتنى بالقتال الذي كان يجري على الأرض. وتمكن مقاتلو حزب الله، الذين تلقوا تدريباتهم وعتادهم من الإيرانيين، من فكّ رموز شيفرة الاتصالات اللاسلكية الإسرائيلية، واعترضوا تقارير تتحدث عن الإصابات التي تكبّدوها. فيما من مرّة قُتل فيها جندي إسرائيلي إلا وتأكد حزب الله من صحة الخبر عبر التنصّت على الاتصالات اللاسلكية الإسرائيلية ليرسل بعد ذلك تقاريره مباشرة إلى محطته التلفزيونية الفضائية ـ المنار ـ التي كانت تبثّ الأخبار على الهواء مباشرة. هكذا، عرف الجمهور العربي أسماء من أصيبوا من الإسرائيليين والأماكن التي قُتلوا فيها قبل أن يتسنّى للجيش الإسرائيلي فرصة إبلاغ ذويهم. إن الوقع النفسي لهذه العملية على الإسرائيليين ـ الذين اعتادوا على التفوق على جيوش جيرانهم العرب ـ كان مدمّراً.

مع تتابع مجريات الحرب، غيّر سوء الحسابات التكتيكية وقصر النظر الاستراتيجي الإسرائيلي الوضعَ على الأرض؛ فضلاً عن الرأي العم بإسرائيل. ففي الأيام الأولى للمعارك، كانت الغالبية العظمى من الشعب الإسرائيلي تؤيد الحرب، حيث اعتُبرت حرباً دفاعية وضرورية لوضع حدّ نهائي للهجمات الحدودية التي يشنّها حزب الله. لكن سرعان ما تحوّلت البهجة الأولية للقيادة الإسرائيلية ـ وللشعب الإسرائيلي ـ إلى يأس. بعد مرور بضعة أسابيع من القتال من غير أن تظهر إشارات تدلّ على تحقيق الجيش الإسرائيلي مكاسب واضحة، أظهرت استطلاعات الرأي أن 63 في المائة من الإسرائيليين يعتقدون بأنه ينبغي على أولمرت أن يقدّم استقالته. وأبدى 74 في المائة رغبتهم في استقالة وزير الدفاع عمير بيريز المغربي المولد أيضاً. وتحوّلت صيحة الحرب التي كانت في بداية الحرب تقول: "دعوا إسرائيل تفوز" بحلول الأسبوع الثالث إلى "سنرضى بالتعادل". ومع انتهاء الحرب بعد أربعة وثلاثين يوماً، قال الإسرائيليون الساخرون بأنه لم يكن مهماً انتصار إسرائيل أو هزيمتها، ولكنّ المهم شاركت في المباراة، وبدلاً من تقوية صورة الردع الإسرائيلي الذي لا يُقهر وتعزيزها، أدّت الحرب التي كان من المفترض أن تُضعف إيران إلى جعل إسرائيل أكثر انكشافاً وحسب. وبالرغم من تلقي حزب الله الضربات (وكذلك لبنان بوجه عام، حيث قُتل ما يزيد عن ألف شخص كانوا في غالبيتهم من المدنيين، وتعرّضت البنية التحتية للبلاد لقصف منهجي من قبل إسرائيل منذ الأيام الأولى للحرب)، لم تلحق بقدراته الاستراتيجية أضرار كبيرة، وربما تعززت قوته السياسية داخل الخليط اللبناني الطائفي المعقد. وظلت إسرائيل معرضة للخطر بعد الحرب بقدر ما كانت معرضة له قبلها.

كان الإيرانيون في عداد من فوجئوا بالنتيجة أيضاً أي بالقدرة القتالية التي أظهرها حزب الله. كان الخوف، والتوقع إلى حدّ ما، أن تقوم إسرائيل بتدمير حليفها اللبناني، وبعد ذلك "تتغير الحسابات الإقليمية برمّتها لغير صالح إيران". بدلاً من ذلك، ارتفع رصيد إيران -وأكثر منه رصيد حزب الله - في الشارع العربي إلى مستويات غير مسبوقة، وانتاب الضعفُ إسرائيل والولايات المتحدة، ووجدت الحكومات العربية الموالية للغرب نفسها محاصرة بين شعوبها المتذمّرة وبيت أبيض أبدى قليلاً من المراعاة لمصالح حلفائه ورغباتهم. قام بعض الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة بخطوة غير عادية في الأيام الأولى للحرب بانتقاد حزب الله على تسببه بإشعال الحرب. بالمقابل عملت إدارة بوش على إطالة أمد الحرب بدلاً من تقصيره، وأحرجت حلفاءها العرب بإظهار انه ليس لديهم نفوذ في البيت الأبيض برئاسة بوش. وفي الوقت نفسه، كان الدعم الشعبي لحزب الله قوياً جداً لدى شعوب الحكومات التي انتقدت عملية حزب الله لدرجة أن قادة هذه البلاد عمدوا إلى تغيير موقفهم من حزب الله بسرعة. ولزيادة الأمور سوءاً، لم ينجم عن الخطورة الإسرائيلية تقوية إيران وحسب، بل إن إيران استفادت من إضعاف واشنطن لمنافسيها العرب.

فشل الاحتواء أيضاً عندما كانت الظروف أكثر مواتاة للولايات المتحدة، فباتت واشنطن وتل أبيب تواجهان الآن وضعاً مختلفاً بالكلّية عن الوضع الذي كان سائداً في العام 1993 عندما وُضعت سياسة الاحتواء قيد التطبيق للمرة الأولى من خلال العملية السلمية. في ذلك الوقت، كانت واشنطن في ذروة مجدها، فيما انهار الاتحاد السوفياتي. وفيما كان النظام العالمي الجديد قيد التكوين، أضحت الولايات المتحدة القوى العظمى الوحيدة في العالم، وأضحى رصيد واشنطن، من الناحية الدبلوماسية، كبيراً بالمثل. وبعد ذلك، شكّل وزير الخارجية جايمس بيكر ائتلافاً عريضاً ـ ضمّ عدداً كبيراً من الدول العربية ـ لطرد صدام من الكويت، ووفى بوعده بأن التعاون العربي ضدّ العراق سيليه ضغط من أجل التوصل إلى سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. من ناحية أخرى، كانت إيران ضعيفة، وكانت لا تزال تستعيد عافيتها بعد الحرب العراقية الإيرانية، فيما بقيت علاقاتها مع الدول العربية ومع أوروبا مجمّدة. بالرغم من ذلك، تبيّن أن عزل إيران في تلك الفترة كان أصعب مما تصوّرته واشنطن. وبالرغم من الجهود المكثفة التي بذلتها، تبّين أن سياسة احتواء إيران كانت خطأ فاحشاً.

لكن الأوضاع انقلبت اليوم، فأضحت مصداقية واشنطن متدنية أكثر من أي وقت مضى. وغزو العراق واحتلاله أضعفا الولايات المتحدة على الصعيدين العسكري والدبلوماسي، والحرب التي شنّتها على حزب الله لم تسهم بالكثير لكسب أصدقاء جدد في العالم العربي، وعجز الحكومات العربية الموالية للغرب عن التأثير في واشنطن زاد من حجم الهوة التي تفصل بين هذه الأنظمة وشعوبها. وعلى الرغم من النجاحات الاقتصادية التي لا مجال لإنكارها، أصاب الضعفُ الدول العربية في الخليج لأن أمنها يرتبط بشكل مباشر بقوة الولايات المتحدة.

من ناحية أخرى، اكتسبت إيران مزيداً من القوة. فقد عجّلت إدارة بوش من بروز إيران كقوة رئيسية في الشرق الأوسط عبر إزاحة منافسَيها الرئيسيَّين ـ طالبان بأفغانستان وصدام حسين بالعراق ـ عن الرقعة الجيوسياسية. ولم تعد هناك قوة إقليمية يمكنها موازنة إيران واحتواؤها بدون دعم أميركي مكثف؛ ومع ارتفاع كلفة هذه السياسة، تزداد الشكوك في إمكانية استمرارها. وعاجلاً أو آجلاً ستنهار سياسة الاحتواء، وتُضطر الولايات المتحدة إما إلى مكاملة إيران مع المنطقة أو الدخول في مواجهة معها. ويبدو بشكل متزايد أن أفضل خيار لواشنطن ـ ولإسرائيل ـ هو تقبّل الواقع بشجاعة والبحث عن طريقة للتوصل إلى تسوية مع إيران لأن كلفة الإعراض عن التحدث إلى إيران ترتفع بشكل مستمرّ. غير أن المحافظين الجدد لا يزالون يعملون على إضاعة فرص التفاوض مع إيران من موقع قوة في السنين الخمس الأخيرة، لأنهم، كما إسرائيل، لا يرغبون في أية محادثات أميركية إيرانية أصلاً. نتيجة لذلك، ربما تبدأ المحادثات المستقبلية من نقطة أكثر مواتاة لإيران منها لواشنطن وتل إبيب.

الحل العسكري غير الموجود

سيكون أي عمل عسكري يوجّه ضدّ إيران محفوفاً بمخاطر شديدة؛ وستكون تكاليفه باهظة حتى في حال نجاحه. لذلك، يحذّر كبار الضباط في الجيش الأميركي وفي مشاة البحرية، فضلاً عن العديد من المحافظين الجدد داخل نخبة مسؤولي الأمن القومي الأميركي، من أن هجوماً أميركياً على إيران سينزل كارثة بالموقف الأميركي في العراق وفي المنطقة بوجه عام بسبب قدراتها غير النظامية على الهجوم المضادّ. من ناحية أخرى، لا يمكن لإسرائيل أن تهاجم إيران بمفردها. فسلاح الجو الإسرائيلي لا يزال يفتقر إلى القدرات التي تمكّنه من ضرب كافة المنشآت النووية الإيرانية المعروفة. فعلى العكس من البرنامج العراقي، تتوزّع المنشآت النووية الإيرانية في شتى أرجاء البلاد. بالإضافة إلى ذلك، المسافة التي تفصلها عن إيران أكبر بكثير، وهذا يعني أن الإسرائيليين لن يتمكنوا من الوصول إلى إيران بدون إعادة التزود بالوقود من الجو. والأهم من ذلك أن الخطط العسكرية الأميركية لا تتضمن استهداف المنشآت النووية وحسب، بل ومعظم أجزاء البنية التحتية المرتبطة بالبرنامج النووي. الولايات المتحدة قادرة على تدمير كافة هذه المواقع، ولكن إسرائيل غير قادرة على ذلك. كما أن حملة عسكرية متهورة وغير موفقة يمكن أن تجعل الزخم السياسي في صالح إيران وتقوّض الجهود الهادفة إلى وقفها. زد على ذلك أنه مع وجود نحو خمسة وعشرين ألف يهودي إيراني لا يزالون يقيمون بإيران، يمكن لمواجهة عسكرية أن تعرّض أمن هذا المجتمع القديم للخطر، وهي خطوة ستتردد الدولة اليهودية في اتخاذها. بالرغم من أن إسرائيل دفعت بواشنطن إلى التعامل مع إيران بطريقة صارمة، تحذر جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل بواشنطن من المبالغة في الضغط على الولايات المتحدة، خشية أن يعتبر الشعب الأميركي ذلك بمثابة ضغط على أميركا لكي تدخل حرباً من أجل إسرائيل. المنظمات اليهودية داخل الولايات المتحدة سبق أن طلبت بهدوء من البيت الأبيض عدم الإشارة إلى أمن إسرائيل بوصفه التعليل المنطقي الأول لحسم نهائي محتمل مع إيران، مخافة بروز ردّة فعل معاكسة من الشعب الأميركي.

طريق محتمل للخروج؛ التكامل الإقليمي والأمن الجماعي

هناك سياسة واحدة لم تخضع لبحث جدّي وهي التكامل الإقليمي من خلال الحوار والمشاركة. ستعتمد هذه السياسة على الاعتراف بأن إيران ـ كما الصين ـ دولة لا يمكن للولايات المتحدة احتواؤها إلى أجل غير محدود، وأن إيران تصبح أكثر عدائية عندما يتم إقصاؤها، وأنه يمكن للولايات المتحدة أن تؤثر في إيران بشكل أفضل عبر مساعدتها على الاندماج في التركيبة السياسية والاقتصادية للعالم بدلاً من إبقائها خارجها. كما أن هذه المقاربة تحظى بتأييد الناشطين الإيرانيين البارزين في مجال حقوق الإنسان الذي يعتقدون أن ذلك سيعمل على تسهيل الإصلاح السياسي الداخلي أيضاً. إن ما يطلبه الإيرانيون من حيث الجوهر هو إنهاء سياسة كبّدت الولايات المتحدة الكثير وأكسبتها القليل.

إلى جانب كون هذه السياسة الخيار السياسي الأقل كلفة، هناك مؤشرات على أن هذه السياسة تتمتع بفرصة لا بأس بها للنجاح. فهناك فكرة متأصلة في كل من إيران الإمبراطورية وإيران الإسلامية تعتمد على حجم إيران، وعدد سكانها، ومستوى المتعلمين فيها، ومواردها الطبيعية التي تدفع البلاد إلى السعي إلى رفعة الشأن، وعلى أنه ينبغي لإيران أن تلعب دوراً قيادياً يعكس وزنها الجيوسياسي. كان ذلك ـ وسيبقى ـ القوة الرئيسية الدافعة للسياسة الخارجية الإيرانية سواء في حقبة الشاه أو بعد الثورة الإسلامية في العام 1979. فقد تطلّعت إيران الثورية في البداية إلى أن تكون قائد العالم الإسلامي بأكمله. وتطلعات الشاه الخاصة بدور إيران تجاوزت إلى حدّ بعيد منطقة الشرق الأوسط من الناحية الجغرافية، فقد كان يحلم بجعل إيران قوة بحرية متفوقة في المحيط الهندي.

لكن منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، خفضت طهران من مستوى طموحاتها، وقلّصت من حدود تعريفها لبيئة أمنها القومي بحيث بات يقتصر على الخليج العربي وبحر قزوين وليس الأوسط الكبير. داخل هذه المنطقة، تريد إيران أن تكون الأولى بدون منازع، وسياساتها الخارجية مالت إلى الراديكالية عندما سعت القوى الإقليمية والخارجية إلى عزلها واحتوائها. استناداً إلى مراد سغافي، وهو إصلاحي علماني تربطه علاقات عائلية وثيقة بالراحل آية الله الخميني، ستقبل إيران تودداً أميركياً يضمن مصالحها الإقليمية. ويضيف: "إذا قالوا، يوجد لإيران مكان في العالم، ونحن لا نريد مهاجمة إيران، ودعونا نسمح لإيران بأن تكون منتجاً رائداً للغاز، ستقول إيران أجل".

لكن بالرغم من أن إيران الثورية لم تتردد في التضحية بأهدافها الإيديولوجية من أجل بقاء الدول ونظامها، يبقى السؤال المطروح هو هل توجد ضمانات بأنها ستصبح أكثر براغماتية متى صار في مقدورها متابعة أهدافها الإيديولوجية بدون التضحية بموقعها الاستراتيجي؟ وهل ستبقى الإيديولوجية حافزاً ثانوياً لسياستها الخارجية، أم أنها ستصبح المحرّك الأول لها؟ باختصار، هل ستكون إيران الأقوى إيران أكثر راديكالية أيضاً؟ التوقعات الدقيقة مستحيلة وتدخل في علم الغيب. غير أن مراجعة لسلوك إيران في الماضي تدل على أن إيران الأقوى والأكثر تكاملاً هي أيضاً إيران الأكثر اعتدلاً. فسلوكها بعد الفوز الانتخابي الذي حققه الليكود في العام 1996 بمثابة تأكيد على ذلك. مع تنامي قوة إيران وتحسّن علاقاتها بالدول العربية، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومع نجاحها في الردّ على الجهود الأميركية الهادفة إلى عزلها، تراجعت حدة موقفها من القضية الإسرائيلية الفلسطينية. فإيران لم تستخدم قوتها المتنامية في زيادة حدّة سياساتها المعادية لإسرائيل. ربما أدركت إيران أنها لن تتمكن من إقصاء إسرائيل عن صناعة القرارات الإقليمية (على غرار فشل إسرائيل في إقصاء إيران) وأنها لن تكون بحاجة على المدى البعيد إلى عزل إسرائيل لكي تحقق أهدافها القيادية.

يمكن لمقاربة أميركية جديدة أن تحوّل سياستها الخارجية تجاه إيران إلى قوة تدعم الاستقرار عبر القبول بالأهداف الأمنية الإيرانية المشروعة في مقابل تنازلات إيرانية في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى إدخال تعديلات هامة في السياسة الإيرانية، بما في ذلك قبول إيران بالدور العالمي لأميركا ووضع حدّ لعدائها لإسرائيل، وكما أشارت إيران نفسها في الاقتراح الذي قدّمته لواشنطن في العام 2003، ستقبل طهران بإسرائيل كحقيقة في المنطقة وتقبل حلاً للصراع الإسرائيلي الفلسطيني قائماً على دولتين. لقد سبق أن حثّ وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر الولايات المتحدة على تبنّي هذه المقاربة في مقالة نشرتها الواشنطن بوست في مايو/ أيار 2006. كتب فيشر "ينبغي ألاّ تقل بدائل إيران عن الاعتراف والأمن أو العزلة الكاملة". فهذا النظام سيعكس على نحو أفضل التوازن الطبيعي للمنطقة، والذي بدوره سيجعلها أكثر استقراراً وأقل كلفة على الولايات المتحدة.

كما تحظى هذه الفكرة أيضاً بدعم بإسرائيل بين أوساط العناصر المعتدلة التي تعترف بأن مقاربة الفائز يحصد كافة الجوائز ربما ستجعل إسرائيل في موقف أضعف على المدى البعيد. ويجادل بن عامي، وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، على صفحات هآرتز بأن "السؤال المطروح اليوم ليس حول تحديد متى ستصبح إيران قوة نووية، وإنما حول كيفية دمجها في سياسة إرساء الاستقرار الإقليمي قبل أن تمتلك تلك القوة. إن إيران لا يدفعها هوس بتدمير إسرائيل، وإنما إصرارها على المحافظة على نظامها وتثبيت نفسها كقوة إقليمية استراتيجية إزاء كل من إسرائيل والدول العربية... إن الردّ على الخطر الإيراني هو في سياسة الوفاق الدولي التي ستغّير نمط سلوك النخبة بإيران". مضى بن عامي إلى حدّ الإشارة إلى أن هذه هي أولى المسؤوليات الملقاة على عاتق الولايات المتحدة وأكثرها أهمية، لكنه أشار إلى أن إدارة بوش ـ كما إسرائيل ـ أكثر اهتماماً بمحاربة الشرّ منه بمحاربة التوصل إلى حل للصراع. ويجادل بن عامي بأن الحوار الأميركي الإيراني بات ضرورة مطلقة، حتى وإن كان سيفضي إلى حلول وسطية مع واشنطن وتل أبيب، مثل الاعتراف بأهمية إيران على الساحة الإقليمية. على العكس من أسلافه في حزب العمل، يشير بن عامي إلى أن التخفيف من حدّة الخطر الإيراني سيصب في مصلحة العملية السلمية الإسرائيلية الفلسطينية، وأن السعي إلى المبالغة في تصوير هذا الخطر لتخويف العرب والشعب الإسرائيلي من الجلوس إلى طاولة المفاوضات سيلحق الضرر بإسرائيل على المدى الطويل.

ما يطرحه بن عامي هو أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لن يُحَلّ ما لم تتم مراعاة السياق الجيوسياسي الذي يدور في إطاره. وهناك العديد ممن يجادل بأن القضية الإسرائيلية الفلسطينية هي المفتاح لحلّ كافة المشكلات التي يعاني منها الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، كان كولن باول يرى أن العملية السلمية الإسرائيلية الفلسطينية ستمهد الطريق أمام التوصل إلى تسوية مع إيران. لكن المفتاح ربما يكمن في الاتجاه آخر. صحيح أن الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين يلامس كل شخص وكل شيء في المنطقة بطريقة عاطفية عميقة، لكنه ليس صراعاً يحدد التوازن الجيوسياسي. كما أنه ليس مدفوعاً بالعوامل الجيوسياسية أيضاً. بدلاً من ذلك، إنه يمثل انعدام التوازن الجيوسياسي في المنطقة وهو ما يجعل الصراع عصياً على الحلّ. وما لم تتم معالجة الصراعات الكامنة في المنطقة، فإن أية عملية تهدف إلى حلّ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ستكون رهينة المنافسات الجيوسياسية. بناء على ذلك، سيبقى هذا النزاع أسير المنافسة بين إسرائيل وإيران على النظام المستقبلي للمنطقة، كما كان عليه الحال في منتصف تسعينيات القرن الماضي. من الواضح أن هذه القضايا مترابطة، سواء أجرت معالجتها انطلاقاً من هذه الحقيقة أم لا.

بالرغم من أنه يمكن لواشنطن فقط أن تقود عملية إعادة دمج إيران في النظام الإقليمي، يلزم اتخاذ خطوات جوهرية أيضاً من جانب إسرائيل لإنجاح هذه السياسة. إن القناعة المطلقة بأن جيران إسرائيل العرب سيعمدون إلى تدميرها إن استطاعوا تجعل الدولة اليهودية تسعى إلى المحافظة على وجودها من خلال الهيمنة العسكرية. الإسرائيليون يعتقدون بشدة بمفهوم يشار إليه بالحافة الاستراتيجية أو العسكرية. وتعتقد القيادة الإسرائيلية بوجه عام أن النوايا العدوانية لجيرانها غير قابلة للتغيير، مما يجعلها غير مبالية بتأثير أفعالها على أهدافها. بالنظر إلى صغر الحجم الجغرافي لإسرائيل وقلة عدد سكانها، يقول المبدأ القياسي بأنه لا يوجد أمامها خيار سوى السعي إلى أن تكون أقوى من كافة جيرانها على مرّ الأزمان لأنه "في حال امتلك أي من أعدائها القدرة على التخلّص منّا، فسيقوم بذلك"، على حدّ تعبير صموئيل بار، وهو ضابط قديم في الاستخبارات الإسرائيلية. من جانب آخر، يرفض أغلب الإسرائيليين الفكرة التي تقول بأنه يمكن لإسرائيل أن تؤثر في أهدف إيران ودوافعها. يصر الجنرال الإسرائيلي جلعاد على القول بأن "إيران تعمل بوحي من أحلامها، وحلمها هو تدمير إسرائيل... لا شيء يمكن أن يغير رأيهم. إنهم يتحلّون بالمرونة فقط فيما يتعلق بالمدى الزمني الذي سيستغرقه هذا الأمر". إذا كانت النوايا غير قابلة للتغيير، فلن يكون أمام إسرائيل خيار سوى ضمان ضعف جيرانها. وطالما أن إسرائيل تبقى جيرانها ضعفاء، فلن يكون لنواياهم أهمية. يجادل نائب وزير الدفاع سنيه فيقول: "في هذه المنطقة، علينا أن ننظر إلى كل سلاح كما لو أنه موجّه نحو إسرائيل. هذا هو الافتراض الذي ينبغي أن يكون دليلنا في كل شيء نقوم به. فنحن نعيش في منطقة خطرة وغير مستقرّة، ويتعين علينا أن نعيش وفقاً لسيناريوهات الحالة الأسوأ طوال الوقت".

ينبع التأكيد على سيناريوهات الحالة الأسوأ، بدرجة كبيرة، من الإفراط في التعويض عن الشعور بالنقص الذي تملّك الجهاز الاستخباري بسبب الفشل الذي وقع فيه غداة حرب تشرين في العام 1973، عندما قلل من تقدير القدرات العربية فيما بالغ في تقدير قدراته الخاصة. النتيجة كانت أن إسرائيل المعجَبة بنفسها صُعقت من الهجوم المصري السوري المفاجئ والجيد التنسيق والذي ألحق بالإسرائيليين خسائر جسيمة في الأيام الأولى من تلك الحرب، وكاد أن يؤدي إلى هزيمة ساحقة، قبل أن تستعيد إسرائيل توازنها وتتحول إلى الهجوم. يقول صموئيل ليمون من وزارة الدفاع: "كان تصحيح هذه الخطأ مبالغاً فيه. واليوم، باتت الثقافة السائدة، وأسمح لنفي بالقول بأن عقلية الاستخبارات... هي في أن تنسب إلى العدو قوة غير محدودة تقريباً وتقلل بالكامل من تقدير ما تعنيه قوتنا بالنسبة إليهم". تميل هذه العقلية التي تنذر بالشؤم إلى التوصل إلى تكهنات ترضي الذات، وتجسّد سيناريوهات الحالة الأسوأ بدلاً من أن تمنعها من الظهور. زد على ذلك أن التشديد على الدعاية العدائية التي يطلقها أعداء إسرائيل ـ وهي وفيرة في حالة إيران ـ يميل إلى جعل إسرائيل تفوّت الإشارات الإيجابية أو تتجاهلها بوصفها تكتيكات خادعة. بتطبيق ما تقدم على المستوى التالي، نجد أن هذه السياسة تملي على إسرائيل وجوب القيام بعمل استباقي ضد أية دولة أو منظمة توشك على امتلاك قدرات يمكن أن توفر لها توازناً في القوى. واستناداً إلى ديفيد إيفري، السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة، المبدأ الاستباقي سياسة إسرائيلية  قديمة، ويضيف: "تقاليدنا تشير إلى أنه يجدب عليك أن تنهض أولاً وتقتل الذي يريد أن ينهض ليقتلك. إن عبارة تنهض أولاً تلخّص هذا المبدأ برمّته".

في أبريل/ نيسان 2004، تلقّى رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون تقريراً شاملاً عن الأمن القومي ـ المشروع دانيال ـ جادل بأن لإسرائيل حقاً أصيلاً بالعمل الاستباقي لأن القيادات العربية والإيرانية، كما استنتج التقرير، غير عقلانية ولا تقيم وزناً للمحافظة على الذات. هذا يضعف من فاعلية الردع الإسرائيلي، ويوجب تحقيق هيمنة عسكرية كاملة، وتجنّب التساوي في القوى مهما تكن التكاليف. بناء على ذلك، أي شيء لا يرقى إلى مستوى التفوق الإسرائيلي الساحق سيشكّل خطراً وجودياً على الدولة اليهودية. نتيجة لذلك، يتعين على إسرائيل أن تسعى باستمرار إلى التفوق على جيرانها عبر استباق أية دولة تريد أن تتحدّاها. ومع تطور الدول التي في المنطقة، يتعين على إسرائيل أن تسبقهم في التطور، وإسرائيل لا تستطيع تحمّل خسارة موقعها الريادي، لأنه في حال امتلك جيرانها اليد العليا في الميدان العسكري، فلن يترددوا في تدميرها. يظهر هذا المبدأ لماذا قد تكون الديموقراطية بإيران غير كافية لإحداث تغيير جوهري في النافسة الإسرائيلية الإيرانية، لأنه حتى إيران الديموقراطية ستعتبر خطراً على إسرائيل إذا كان في مقدورها تحدّي التفوق العسكري الإسرائيلي ـ النووي أو التقليدي. ويعترف أحد المحللين الإسرائيليين بالقول: "أصبحت هذه هي الطريقة الوحيدة التي نعتقد بأنها تضمن لنا وجوداً في هذه المنطقة. إنها في وجه من الوجوه شكل من أشكال الهيمنة. ولكنها ليست هيمنة على الإطلاق. فنحن لا نريد ولا نفكر في أن نكون القوة الثقافية المهيمنة. إنه الوجود من خلال الهيمنة". لكنها تبقى هيمنة على أية حال.

في حين أن الاندماج هو السياسة الوحيدة التي يمكن أن تثّبت دعائم الاستقرار في المنطقة، لكنها لن تتكلل بالنجاح ما لم يتم التخفيف من حدّة المنافسة الإسرائيلية الإيرانية، وهذا بدوره يتطلب إدخال تغييرات هامة في السياسات الخارجية والأمنية لكل من إسرائيل وإيران. في الحدّ الأدنى، يتعين على إيران القبول بحل قائم على دولتين والتقليل من طموحاتها الإقليمية عبر الرضى بدور لا يتجاوز شرعية تسهم في دعم الاستقرار في المنطقة إذا استمرت في النظر إلى قدراتها العسكرية غير النظامية كأداة سياسية مشروعة. من ناحية أخرى، يتعين على إسرائيل أن تعدّل وجهة نظرها العسكرية لأنه يرجّح أن يضعها اعتقادها بأنه يتعين عليها الهيمنة عسكرياً على المنطقة على مسار تصادمي مع طهران بغض النظر عن إيديولوجية إيران، أو تركيبتها السياسية، أو سياساتها. كما أنه على الأرجح أن يؤدي التخلّي عن هذا المبدأ العسكري إلى تسهيل صنع السلام بين إسرائيل وجيرانها العرب.

سيبقى التصادم بين طموحات إيران الإقليمية وإصرار إسرائيل على الهيمنة الاستراتيجية سبباً لزعزعة الاستقرار والإضرار بمصالح واشنطن في المنطقة ما لم تعترف أميركا بأنه لا يمكن إرساء الاستقرار ولا الديموقراطية بدون إنهاء لعبة الموازنة والسعي بصدق إلى بناء شرق أوسط يكامل بين التطلعات المشروعة للدول كافة، بما في ذلك إيران. لكن إدارة بوش لا تزال مصّرة لغاية الآن على مقاومة مثل هذا التحوّل. في مرحلة ما على الطريق، سيعتري أميركا ضعف شديد بسبب إخفاقها في العراق لدرجة أن المنافسة الإسرائيلية الإيرانية ستطغى على المخاوف التي تساور واشنطن من أن إيران ستنجح في تحدّي هيمنتها في المنطقة. ففي خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه بوش في 10 يناير/ كانون الثاني 2007، اتهم بوش إيران بزعزعة استقرار العراق ودعم الميليشيات الشيعية لقتل الجنود الأميركيين هناك، فيما تغاضى عن حقيقة أن المتمرّدين السنّة مسؤولون عن أكثر من 90 في المائة من الإصابات التي تكبّدها الأميركيون بالعراق. بدافع من رغبة جامحة للمحافظة على هيمنة أميركا على المنطقة، أشار بوش إلى أنه ستتم مواجهة إيران وفرض مزيد من العزلة عليها من قبل الولايات المتحدة عبر تشكيل تحالف مناوئ لإيران يتألف من الدول العربية وإسرائيل، بمعنى أن سياسة توازن القوى ستبقى الدليل الذي يوجّه أميركا. 

 
 
 
فقرات مهمة من كتاب: حلف المصالح المشتركة
الأحد 4 أكتوبر 2009
فقرات مهمة من كتاب: حلف المصالح المشتركة

 التعاملات السرّية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة (1-2)

تأليف د. تريتا بارزي
تمهيد: هذه فقرات من كتاب تريتا بارزي الكاتب الإيراني/ الأمريكي رئيس المجلس الوطني الأمريكي الإيراني والمدرس بجامعة هوبكنز بالولايات الأمريكية المتحدة، ونهدف من نقل هذه الفقرات تقديم لب هذا الكتاب القيم والذي يتناول تاريخ العلاقات بين مثلث أمريكا إسرائيل إيران، والتحولات السياسية ومستقبل العلاقات.
ليكون القارئ المسلم والعربي على اطلاع متجدد بالدراسات الرصينة حول الموضوع من مصادر تحسب على أعضاء المثلث نفسه!
ننبه إلى أن عناوين الفقرات من وضعنا وليست من الكتاب. الراصد
 
أولاً:علاقات إيران وإسرائيل
إسرائيل ترفض اغتيال الخميني زمن الشاه!
فرّ الشاه، وسلّم شهبور بختيار مقاليد السلطة، وهو معارض بارز لحكم الشاه ولم يكن موضع ثقة الشاه، ولا الإسلاميين، ولا اليساريين. عرض الموساد دعمه على بختيار الذي ألمح إلى أنه سيكون مفيداً قيام إسرائيل "بإسكات الخميني"، وهو آية الله الإيراني المتشدد الذي تزعّم المعارضة في وجه الشاه من مقره خارج باريس. وعرض بختيار نصح الشاه بالتقدم بالطلب مباشرة إلى تل أبيب، ولكن إسرائيل رفضت طلب بختيار، مذكّرة رئيس الوزراء الإيراني الجديد بأن إسرائيل ليست شرطي العالم. (انقلبت الأدوار بعد عقد من ذلك. فاستناداً إلى تقارير صحفية، دخل عملاء إيرانيون منزل بختيار بباريس ـ حيث كان لاجئاً ـ وقتلوه بوحشية).
(ص122)
إسرائيل تتودد إلى ثورة الخميني!
بعد شهور قليلة فقط على انتصار الثورة، وبالرغم من قطع العلاقات، عرضت تل أبيب إعادة عدد من الدبابات الإيرانية أميركية الصنع والتي كان الشاه قد شحنها إلى إسرائيل من أجل تحديثها، وقبلت إيران ذلك العرض. وسعت إسرائيل بعدة طرق إلى التودد إلى حكومة الخميني، ولكنها وجدت أن مشاعر مختلطة تنتاب طهرا إزاء مدى فائدة الدولة اليهودية.
 (ص140)
وزير إيراني يزور إسرائيل لشراء الأسلحة بداية حكم الخميني!
في مستهل العام 1980، أي بعد شهور من اندلاع أزمة الرهائن، قام أحمد كاشاني، النجل الأصغر لآية الله العظمى أبو القاسم كاشاني الذي لعب دوراً رئيسياً في تأميم صناعة النفط الإيرانية في العام 1951، بزيارة إسرائيل ـ وعلى الأرجح أنه كان أول إيراني يقوم بذلك بعد الثورة ـ لمناقشة مبيعات الأسلحة والتعاون العسكري ضدّ البرنامج النووي العراقي في أوزيراك. بالرغم من أنه عرّف عن نفسه بأنه "مواطن غير رسمي قلق"، أثمرت رحلته عن موافقة بيغن على شحن إطارات لطائرات الفانتوم المقاتلة إضافة إلى شحن أسلحة إلى الجيش الإيراني. جاء قرار بيغن متناقضاً تماماً مع مصلحة الولايات المتحدة وسياسة واشنطن الصريحة القائمة على فرض عزلة على إيران لتأمين تحرير الرهائن الأميركيين. انتاب كارتر الحنق من عدم تحسس بيغن للآلام التي كنت تعاني منها أميركا. وبعد تبادل عنيف للعبارات بين الرئيسين العنيدين، وبّخ كارتر إسرائيلّ بتعليقه المبيعات المستقبلية من قطع الغيار للدولة اليهودية.
لكنّ تحدّي بغين آتى ثماره، فقد بادل آية الله الخميني الخطوة الإسرائيلية بالسماح لعدد كبير من اليهود الإيرانيين بمغادرة إيران. عبر الآلاف منهم نحو باكستان باستخدام الحافلات، ومن هناك، جرى نقلهم بواسطة الطائرات إلى أستراليا حيث سُمح لهم بالهجرة إلى الولايات المتحدة أو إلى إسرائيل. واستناداً إلى محمد رضا أمين زاده، وهو مسؤول إيراني فرّ من البلاد في العام 1985، أجرى عقيدة في الجيش الإسرائيلي اسمه يوري المفاوضات على الصفقة، والذي زار إيران في مستهل العام 1980.
كشف استعداد إيران للتعامل مع إسرائيل كيف أن المآزق التي كانت تعاني منها طهران حدّت من قدرتها على متابعة أهدافها الإيديولوجية. خلال هذه المرحلة المبكرة، أظهر الثوريون ميلاً إلى وضع الإيديولوجية جانباً لتقديم أمنهم ومصالحهم الخاصة. في لحظة معينة، قام أحد المقربين من آية الله الخميني بإخباره بأن هناك شحنة كبيرة من الأسلحة تفكر إيران بشرائها ومصدرها إسرائيل. سعى هذا الشخص إلى الحصول على موافقة آية الله الخميني على المضي قدماً في صفقة الشراء. وسأل آية الله الخميني إن كان من الضروري مناقشة مصدر الأسلحة والاستعلام عنه عند القيام بعملية الشراء، فأجاب ذلك الشخص بالنفي. فردّ عليه آية الله الخميني بهدوء، "إذاً، نحن لا نبالي".
بدا وضحاً بشكل متزايد أن خطاب إيران المعادي لإسرائيل لا يتطابق مع سياستها الفعلية. ففي الوقت الذي كانت إيران تتعامل فيه سرّاً مع الحكومة الإسرائيلي، كانت تدين علناً الدولة اليهودية، وتشكك في حقها في الوجود. على سبيل المثال، دعا وزير الخارجية الإيراني في 14 أغسطس/ آب 1980 إلى وقف مبيعات النفط إلى الدول التي تدعم إسرائيل. وبعد صخب كبير، لم يتم تنفيذ ذلك التهديد. ويشرح خبير في قضايا السياسة الخارجية الإيرانية يقيم بطهران المسألة فيقول: "لعبت المعارضة الإيديولوجية لإسرائيل دوراً لصالح هذا النظام قبل انتصار الثورة. وبعد أن تولّى الثوريون السلطة، تصرفوا بناء على مبادئ مختلفة. إحدى الركائز الأساسية للسياسة الخارجية للحكومة الثورية كانت "المعارضة الخطابية لإسرائيل، والتعاون العملي... مع الدولة اليهودية".
من الواضح، أن الترتيبات لم تكن مثالية بالنسبة إلى إسرائيل، لكن منطق المبدأ المحيطي أرغم إسرائيل على التودد إلى الإيرانيين. فتصاعد شعبية السادات في الولايات المتحدة، وعلاقات بيغن الخاصة المجمّدة مع كارتر، عقّدا الخيارات الاستراتيجية الإسرائيلية. فإذا كان التقارب الأميركي العربي بعد كامب ديفيد سيتعزز أكثر، فإن حاجة إسرائيل إلى ثقل موازِن إقليمي للعرب ـ إيران ـ سيزداد تبعاً لذلك. لذلك، كان من الضروري إبقاء الأبواب مفتوحة للفوز بإيران مجدداً. ويعلّق غاري سيك، الذي خدم في مجلس الأمن القومي الأميركي في ذلك الوقت، على ذلك بالقول: " من منظور إسرائيلي، كانت تلك خطة استراتيجية بعيدة المدى، كانت تلك السياسة المحيطية. كانوا يحاولون تكرار التجربة الأثيوبية مع إيران" . لكن في 22 سبتمبر/ أيلول 1980، تحققت تكهنات الشاه بأن صدام حسين سيهاجم إيران عندما يُعطى الفرص؛ بعد خمس سنين فقط من التوقيع على اتفاقية الجزائر. وبدلاً من أن تجد إسرائيل نفسها أكثر اعتماداً على إيران، كانت طهران هي التي وجدت نفسها فجأة في حاجة ماسة إلى قدرة إسرائيل على الحصول على الأسلحة الأميركية.
     (ص 141 ـ 143)
جوهر السياسة الإيرانية!
انسجمت الحقيقة مع الإيديولوجيات في طهران. فبغزو إيران، جسّد صدام حسين الخطر العربي الذي يهدد إيران، وزاد من تأثير القوى الجيوسياسية التي أوجدت المحور الإسرائيلي الإيراني قبل عدة عقود. يمكن للحماسة الإيديولوجية أن تدافع عن إيران إلى حدّ معين، ودار جدال بين الثوريين بكثافة داخل الدوائر المغلقة حول ما إذا كان يوجد شيء اسمه "مصلحة قومية" أو ما إذا كان ينبغي على الإيديولوجية وحدها أن تملي على الدولة أفعالها. مع تزايد الصعوبات الناشئة عن الحرب، مالت النقاشات بشكل متزايد إلى البراغماتية. وبالرغم من أن هذا الميل لم يبدأ إلاّ في الشهور التي تلت انتصار الثورة، فقد زاد اعتداء صدام وعزلة إيران من حدّة التحوّلات في السياسة الخارجية الإيرانية ـ في سلوكها وليس في خطابها ـ بعيداً عن الإيديولوجية ونحو النهج العملي والمنفعة الذاتية. في النهاية، لم يعد في مقدور إيران صدّ الجيش العراقي الغازي بدون توسيع قنواتها مع إسرائيل وواشنطن من أجل شراء الأسلحة وقطع الغيار للعتاد الحربي المنوع في الولايات المتحدة.
بعد أن بدأ مفهوم المصلحة القومية يفرض هيمنته، بدأ العديدون يجادلون بالحاجة إلى فتح قنوات مع الولايات المتحدة، وحتى استخدام وسطاء إسرائيليين إذا لزم الأمر. لكن كان يتعين الإبقاء على كافة الاتصالات مع الإسرائيليين سرّية لأن القنوات المفتوحة ستقوّض مصداقية إيران الإيديولوجية. لكن بدلاً من الرجوع إلى أنماط السياسة الأولى التي كان يتّبعها الشاه في تحالفه مع إسرائيل ومع الغرب، توصل الثوريون إلى استنتاج مختلف، وهو استنتاج أقرب إلى طريقة الشاه في التفكير بعد التوقيع على اتفاقية الجزائر، وهو أن غزو صدام ـ الذي لم يكن بأي حال سيقنع إيران بالتخلّي عن فكرة التقرّب من جيرانها العرب والسنّة وربط مصيرها بمصير إسرائيل ـ قوّى على نحو يوحي بالتناقض من اعتقاد حكومة آية الله الخميني بأن التوصل إلى تسوية مع العرب عامل حيوي في أمن إيران الدائم والبعيد المدى.
برزت من المأزق الاستراتيجي لإيران ـ مع جذب كل من القوى الإيديولوجية والاستراتيجية السياسةَ الخارجية الإيرانية في اتجاهات مختلفة ـ استراتيجية متعددة المراحل لا تزال تربك المحلّلين السياسيين والقادة الأجانب على حدِّ سواء. فبدلاً من تفضيل إيجاد توازن مع العرب عبر التحالف مع إسرائيل، أو السعي إلى التوصل إلى تسوية مع العرب عبر تولّي الدور الريادي في مواجهة إسرائيل، اختارت طهران القيام بالأمرين معاً عبر التمييز بين سياستها العملانية وخطابها العلني. فمن ناحية، تعاونت إيرانُ سرّاً مع إسرائيل في المسائل الأمنية، ورفعت حدّ خطابها المعادي لإسرائيل إلى مستويات أعلى بكثير للتغطية على تعاملاتها معها. هدفت هذه السياسة، التي ربما برزت كحل وسطي بين الفصائل ذات الدرجات المتفاوتة من الحماسة الإيديولوجية داخل الحكومة، إلى جعل المصالح الإيديولوجية والاستراتيجية يقويّ بعضها البعض الآخر. تضمنت لائحة الأهداف ضمان الأمن بعيد المدى بوصفها دولة غير عربية في الشرق الأوسط، وإيجاد مكانة متفوقة في المنطقة بالرغم من الانقسام العربي ـ الفارسي أو السنّي ـ الشيعي، وأخيراً، النقاوة الإيديولوجية لحماية هوية الثورة واستخدام الإيديولوجية الإسلامية لإيران كوسيلة لتسهيل بلوغ الهدفين السابقَين. 
 (ص 148 ـ 149)
ضرب الشعوب العربية بحكوماتها من سياسات إيران!
لكن الإسلام السياسي والمعارضة لإسرائيل خدما غايات استراتيجية أيضاً. فبعد الفشل في تصدير الثورة وإسقاط الأنظمة في الدول العربية المجاورة، سعت إيران إلى استغلال وتوسيع الفجوة بين الشعوب العربية ـ الشارع العربي ـ وبين والحكومات الفاسدة وغير الشعبية عبر استجداء الاعتزاز الديني لدى العرب وشعورهم بالإحباط من عجز الحكومات العربية إزاء إسرائيل والقوى العظمى.   
 (ص 150)
العراق هو الخطر على إيران!
لكن خطاب إيران العنيف الموجّه ضدّ إسرائيل كان مجرّد خطاب؛ كلمات. ففي انتصار للواقعية على الإيديولوجية، كانت إيران حريصة على عدم ترجمة هذا الخطاب إلى أفعال ملموسة، لأن إيران لا تتحمل الدخول في مواجهة مع الدولة اليهودية في غمرة حربها مع العراق. في هذا الصدد، قال لي نائب وزير الخارجية الإيراني السابق عباس مالكي: "كان صنّاع السياسة الإيرانية أذكى من أن يجعلوا من إسرائيل خطراً مباشراً على إيران، لأنه في ذلك الوقت، كان العراق هو الخطر". 
( ص 151)
 
حقيقة سياسة إيران ودور حزب الله!
ففي العام 1986، اندلعت اشتباكات بين حزب الله والحزب القومي السوري الاجتماعي الموالي لسوريا نتيجة للجهود سوريا الهادفة إلى إخضاع حزب الله لسيطرتها. وهذا ما وضع حليف إيران بلبنان على طرفي نقيض مع حليف إيران ضدّ العراق، فاختارت طهران الحليف الثاني. جدد قرار آية الله الخميني التأكيد على الأهداف الإيديولوجية لإيران مع ضمان عدم متابعة تلك الأهداف بطريقة نشطة بالضرورة. سيبقى تحرير القدس أداة خطابية للفوز بالشرعية في العالم العربي، ولكنه ليس قيمة مثالية في حدّ ذاتها ينبغي السعي إليها عبر القيام بأعمال ملموسة، لكي لا تتعرض حاجات إيران الأمنية قصيرة المدى إلى الخطر. يجادل نائب وزير الخارجية السابق وازي، بالقول: "جدد التأكيد على أن سياستنا تجاه المنطقة تملك جانباً ناعماً وآخر قاسياً للقوة. إننا نعبّر دائماً عن آرائنا ومعتقداتنا. لكن ذلك لا يعني أننا بحاجة إلى تجسيد تلك الآراء في سياستنا الفعلية" . بتجنّب التورّط بشكل مباشر في القضية الفلسطينية، يمكن لإيران مراعاة حاجاتها الأكثر إلحاحاً. ويصرّ نائب وزير الخارجية السابق عباس مالكي على القول بأنه "كان قرارً استراتيجياً عميقاً. ولو أن آية الله الخميني لم يعارض في ذلك الوقت هذه الخطوة، لما كانت إيران ستتمكن من مقاتلة صدام". يمكن فهم المعارضة الشديدة المتفجرة لإسرائيل ـ التي كانت إيران في أمسّ الحاجة إليها للحصول على إمدادات من الأسلحة ـ بدون ترجمة ذلك الخطاب إلى جهود عملية فقط على ضوء مركزية طموحات إيران إلى قيادة العالم الإسلامي.
الأهم من ذلك ربما هو أن دعم إيران لحزب الله كان مدفوعاً بجهودها الهادفة إلى نشر نموذجها الإسلامي السياسي لكي تتبوأ مركزاً قيادياً في العالم الإسلامي أكثر مما كان مدفوعاً بمعارضة إسرائيل. يشرح سفير إيران لدى لبنان الأمر فيقول: "إذا ركّزنا على النقطة التي تقول بأن لبنان يعتبر قلب البلدان العربية في الشرق الأوسط، ومنصة يجري توزيع الأفكار المختلفة إلى باقي أنحاء العالم العربي انطلاقاً منها، يمكننا الاستنتاج بأن وجود حركة إسلامية في ذلك البلد سيثمر عن ظهور حركات إسلامية في مختلف أنحاء العالم العربي. 
( ص 152ـ 153)
إسرائيل تساند إيران في حربها مع العراق!
بعد مرور ثلاثة أيام على دخول القوات العراقية الأراضي الإيرانية، قطع موشي دايان زيارة خاصة كان يقوم بها إلى فيينا لعقد مؤتمر صحفي لحثّ الولايات المتحدة ـ في غمرة أزمة الرهائن ـ على نسيان الماضي ومساعدة إيران على مواصلة دفاعها عن نفسها. بعد ذلك بيومين، قال نائب وزير الدفاع الإسرائيلي موردخاي زيبوري لصحيفة معاريف الإسرائيلية بأن إسرائيل ستقدم مساعدات عسكرية لإيران في حال غيّرت موقفها العدائي من الدولة اليهودية: "يمكن لإسرائيل أن تقدم مساعدات هامة لإيران وأن تمكّنها ـ من وجهة نظر لوجستية ـ من مواصلة حربها مع العراق. بالطبع، هذا لا يمكن أن يحدث طالما أنه لم يطرأ تغيير جدّي في النظام الإيراني المتطرّف".
تنقلت إسرائيل برشاقة على عدة جبهات. ففي زيوريخ، أفيد بأنه تم عقد لقاء جمع بين مسؤولين إيرانيين وإسرائيليين لإبرام صفقة أسلحة. وهناك، ناقش العقيد الإسرائيلي بن يوسف ونظيره الإيراني العقيد زارابي، مدير المجمّع الصناعي العسكري بإيران اقتراحات كثيرة، منها اتفاق يسمح لتقنيين إسرائيليين بتدريب الجيش الإيراني على تعديل العتاد الحرب أميركي الصنع بيحث يتلاءم مع قطع الغيار إسرائيلية الصنع، وفي واشنطن، حثّ السفيرّ الإسرايلي لدى الأمم المتحدة، إفراييم إيفرون، وزيرَ الخراجية الأميركي إدموند موسكي على تليين موقف إدارة كارتر من مبيعات الأسلحة إلى طهران مع نقل هواجس تل أبيب من مضامين الانتصار العراقي. وعلى العكس من رغبات واشنطن، تراجع بيغن عن الوعد الذي قطعه لكارتر واستأنف مبيعات الأسلحة وقطع الغيار لإيران.   
(ص155)
إيران تساعد إسرائيل على ضرب المفاعل النووي العراقي سنة 1981م!
لم تتخلَّ إسرائيل عن فكرة إعادة بناء علاقاتها مع طهران. ربما كانت اتصالات إسرائيل المكثفة مع الجيش الإيراني هي التي مهدت الطريق أمام أكثر تدخلات إسرائيل حسماً في الحرب. ففي 7 يونيو/حزيران 1981، أقلعت، ثماني طائرات إسرائيلية من طراز أف ـ 16 وأربع طائرات من طراز أف ـ 15 قاعدة إتزيون الجوية في ما أُطلق عليه العملية أوبرا. كان هدف تلك المهمة مفاعل البولتونيوم البحثي العراقي في أوزيراك والذي يُشتبه في أنه يُستخدم في تطوير موادّ لصنع أسلحة دمار شامل. أدّت الضربة الجوية إلى تدمير موقع المفاعل بسرعة، وأعادت برنامج الأسلحة النووية العراقي عدة سنين إلى الوراء. عادت جميع الطائرات إلى إسرائيل سالمة مع الغسق في عملية اعتّبرت خالية من الأخطاء، واستناداً إلى صحيفة صنداي تلغراف اللندنية، استعانت إسرائيل بصور فوتوغرافية وخرائط إيرانية للمنشآت النووية. كان هجوم أوزيراك قد نوقش من قبل ضباط إسرائيليين كبار ومندوب عن نظام آية الله الخميني بفرنسا قبل شهر من تنفيذه، استناداً إلى آري بن ميناشي الذي شارك عن قرب في الاتصالات الإسرائيلية الإيرانية في مستهلّ الثمانينيات. في ذلك الاجتماع، شرح الإيرانيون تفاصيل هجومهم غير الموفّق على الموقع في 30/ سبتمبر/ أيلول 1980، ووافقوا على السماح للطائرات الإسرائيلية بالهبوط في مطار إيراني بتبريز في حال الطوارئ. وسواء لعبت إيران دوراً في قصف أوزيراك أم لا، استغلّ العراق الهجوم الإسرائيلي في دعايته الهادفة إلى تقويض الجهود التي تبذلها إيران لإعطاء دورها القيادي في العالم الإسلامي صبغة شرعية. قال العراقيون بأن إيران تخوض حرباً إسرائيلية.   
(ص 157 ـ 158)
إسرائيل هيئت المناخ لتصدير ثورة إيران للبنان!
كان العالم في العام 1983 مكاناً مختلفاً عما هو عليه اليوم. ففيما كان دونالد رامسفيلد، المبعوث الخاص للرئيس ريغان، يغدق الثناء على صدام حسين ببغداد، كانت إسرائيل تحثّ واشنطن على عدم الالتفات إلى الدعوات الإيرانية التي تطالب بتدمير الدولة اليهودية، وكان المحافظون الجدد يخططون للتقارب مع نظام الخميني، فيما كانت إيران ـ وليس الولايات المتحدة ـ تُعتبر بعيدة عن الواقع بتخيّلها بروز هلال شيعي.
بدلاً من مواجهة نفوذ إيران في المنطقة، وتحذير الغرب من الهيمنة الإيرانية، سلّمت إسرائيلُ إيرانَ عن غير قصد ـ باجتياحها لبنان ـ نجاحها الوحيد في تصدير ثورتها إلى العالم العربي. بدأ الاجتياح الإسرائيلي في 6 يونيو/ حزيران 1982 ردّاً في الظاهر على محاولة مسلّحين فلسطينيين اغتيال شلومو أرغوف، سفير إسرائيل لدى المملكة المتحدة. غير أن أرييل شارون، الذي كان حينها وزير الدفاع في إسرائيل، كان يخطط لاجتياح لبنان منذ عدة شهور بغرض التخلّص من وجود منظمة التحرير الفلسطينية هناك؛ منذ أواخر العام 1981 على أقل تقدير. مع أن منظمة التحرير كانت ملتزمة بوقف إطلاق النار منذ صيف العام 1981، حسب شارون ورئيس الوزراء مناحيم بغين أنه في حال استطاعا القضاء على وجود المنظمة بلبنان، فسيتمكنا من عكس ميل القوة الدبلوماسية المتنامية للمنظمة، وإخماد الشعلة الفلسطينية الوطنية داخل الأراضي المحتلّة.
جنوب لبنان موطن تقليدي للطائفة الإسلامية الشيعية المحرومة بلبنان. كان الشيعة مستائين من منافسة اللاجئين الفلسطينيين لهم على الموارد المحلّية، وكذلك كانوا مستائين من تصرفات منظمة التحرير في الجنوب. لكنّ الاجتياح الإسرائيلي للجنوب، وطول المدة التي بقي فيها الإسرائيليون في الجنوب، وإنشاؤهم للمنطقة الأمنية أشعر الشيعة بالخوف، وسرعان ما ثاروا على إسرائيل لأنها حرمت الشيعة من إمكانية الوصول إلى الأسواق الجنوبية، وبدأت تغرق اقتصادهم المحلّي بالبضائع الإسرائيلية، مما ألحق أضراراً جسيمة بالمصالح الاقتصادية المحلّية. بالإضافة إلى ذلك، ألحق الاجتياح الإسرائيلي الكثير من الدمار بلبنان، ولم يعمل سوى على زيادة مأساة اللبنانيين الذين كانوا يعانون أصلاً من حرب أهلية استمرّت سبع سنين. قُتل نحو من 20.000 لبناني في ذلك الاجتياح، وشُرّد 150.000 آخرون. وفي سبتمبر/ أيلول 1982، نُفذت مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين ببيروت. وبموافقة إسرائيلية ضمنية، اغتصب في تلك المجزرة، وقتل، وشوّه عدة آلاف من اللاجئين المدنيين.
هذه المحنة التي عانى منها الشيعة في ظل الاحتلال الإسرائيلي جعلتهم أكثر تقبّلاً لرسالة طهران. في مواجهة خصم إسرائيلي قوي، احتاج الشيعة إلى حليف خارجي، وكانت طهران أكثر من مستعدّة للعب هذا الدور؛ ليس بدافع من مشاعرها المعادية لإسرائيل بل لإيجاد معقل قوي لها في دولة عربية. كانت طهران في أمسّ الحاجة إلى تصدير ثورتها. وهي فشلت في ذلك في العراق بالرغم من أن أغلب السكان هم من الشيعة. والآن، وبفضل الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حصلت إيران على فرصة لزرع بذور ثورة إسلامية في المشرق، ومن رحم الاجتياح الإسرائيلي وُلدت حركة شيعية جديدة ونشيطة تستلهم من الثورة الإيرانية. بدأت الحركة بعدد صغير من المجموعات المسلحة من الشباب المنظمين تحت راية الإسلام، وكرّست نفسها لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي. مع مرور الوقت، توحّدت هذه المجموعات ـ من خلال المعونات والمساعدات الإيرانية ـ ضمن ما تبيّن أنه أكثر أعداء إسرائيل منعة؛ حزب الله اللبناني.
 (ص 161 ـ 162)
نفاق السياسة الإيرانية!
من جانبهم، أنكر الإيرانيون بشدّة إجراء أية مفاوضات مع الإسرائيليين، فأعلن رفسنجاني في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني بأننا "لم نفاوض إسرائيل أبداً... من أجل شراء أسلحة. وفي حال تبين لنا أن الأسلحة التي وصلتنا جاءت عبر إسرائيل، فلن نستخدمها في جبهات القتال". لكن رفسنجاني أوضح بأن إيران لا تزال على استعداد لتحرير الرهائن الأميركيين في لبنان في حال قامت واشنطن بتسليم الأسلحة التي اشتراها الشاه الراحل. وطالبت العناصرُ اليسارية بإيران بفتح تحقيق، لكن بعد استشعار آية الله الخميني بالضرر الذي سيلحقه الكشف عن الاتصالات الإيرانية الإسرائيلية بصورة إيران في العالم الإسلامي، تدخّل شخصياً ووضع حداً للمطالب بفتح تحقيق.
مع فتح تحقيق أو بدونه، كان ضرر كبير قد وقع أصلاً. فقد نفّست الدول العربية عن غضبها من واشنطن لدعمها إيران من خلال إسرائيل ضدّ صدام حسين. بالنسبة إلى بعض الدول، كانت الإيديولوجية الأصولية لإيران أشدّ خطراً من إسرائيل. والنتيجة هي أن هذه القضية وضعت العلاقات العربية الإيرانية على مسار لولبي هابط. فقد أصبحت العلاقات مع بعض الدول العربية غير قابلة للإصلاح. جاء ردّ طهران متوقعاً؛ المزيد من الشجب لإسرائيل ولكافة الحكومات العربية التي تفكر في التفاوض مع الدولة اليهودية. حتى أن آية الله الخميني هاجم منظمة التحرير الفلسطينية في العام التالي عندما اعترفت بإسرائيل مجادلاً بأن "تقسيم فلسطين أمر غير مقبول" وأنه يمكن إقامة دولة فلسطينية فقط عندما "يتم سحق الصهاينة واستعادة الأراضي التي سلبوها". لكن مع ظهور المدى الكامل لتعاملات إيران مع إسرائيل على العلن، باتت التصريحات الإيرانية الشاجبة في غير محلها. 
(ص 181)
 
تحولات سياسة إسرائيل نحو إيران!
جوهر الاستراتيجية الموجّهة لإسرائيل منذ أيام من غوريون؛ المبدأ المحيطي. بالسعي إلى التوصل إلى سلام مع الدول العربية المجاورة لإسرائيل وتصوير دولة محيطية رئيسية ـ إيران ـ بأنها خطر، قلَب رابين وبيريز المبدأ المحيطي رأساً على عقب. كان التحول مثيراً للدهشة على الخصوص لأن بيريز ورابين قادا قبل بضع سنين فقط جهوداً لتحسين العلاقات بين الرئيس الأميركي رونالد ريغان ونظام آية الله الخميني بإيران. دافع بيريز عن موقفه الجديد بالمجادلة بأنه ـ بوصفه أحد الشخصيات المحظية لدى بن غوريون ـ لم يتغّير بل العالم هو الذي تغير. وبدلاً من الاعتماد على المحيط في موازنة العرب، أدى الضعف الذي اعترى العرب، وقوة المحيط، والقوى التي ضغطت في اتجاه بناء نظام جديد إلى وضع إسرائيل وإيران على طرفي متقابلَين في المعادلة الجيوسياسية الجديدة. كان ذلك المسمار الأخير في نعش مبدأ المحيط؛ فلقد بات المحيط الفارسي هو الذي يمكن أن يشكل الآن خطراً على الدولة اليهودية، وليس الجوار العربي. ففي النهاية، جاء الدور الذي تصوّره بيريز لإسرائيل في الشرق الأوسط الجديد على حساب إيران. ولكي تحتل إسرائيل المركز الرئيسي في الشرق الأوسط الجديد، ينبغي أن تبقى إيران على الهامش السياسي للمنطقة ويجب أن تستمر محرومة من الدور الذي تعتقد بأنها تستحقه. يشرح ديفيد ماهوفسكي، وهو خبير في السياسة الخارجية الإسرائيلية، هذا الوضع الجديد بالقول: "ما من شك في أنه عندما برزت احتمالات التوصل إلى سلام مع الدائرة الضيقة، برز تصوّر إيران بأنها خطر". 
(ص 225ـ 226)
دفاع إسرائيل عن إيران الخميني في الثمانينات!
شهد المثلث الإسرائيلي الأميركي الإيراني تحولاً ملحوظاً في سنوات قليلة. ففي الثمانينيات، كانت إسرائيل المدافع غير المتوقَّع عن إيران والذي يختلق الأعذار لها بواشنطن، والمجازف الكبير في الضغط على إدارة ريغان لكي تفتح قنوات اتصال مع إيران. الآن، قامت إسرائيل بالعكس تماماً. أرادت إسرائيل من الولايات المتحدة أن تفرض حصاراً اقتصادياً وسياسياً على إيران. أي أن الشرق الأوسط الجديد الذي تحدث عنه شمعون بيريز والسياسة الأميركية القائمة على الاحتواء المزدوج التي دخلت حيز التأثير في العام 1993 بعد أكثر من عام على الضغوط الإسرائيلية وضعا عزلة إيران في إطار قانوني.  
(ص 254 ـ 255)
حقيقة التهديد الإيراني لإسرائيل!
أهم خطر أوجدته إيران على إسرائيل بعد العام 1996 كان قدرتها على البروز كقوة إقليمية يمكنها تحدّي الاحتكار العسكري والنووي الإسرائيلي والحدّ من قدرة الدولة اليهودية على المناورة السياسية والعسكرية. لم يكن بالضرورة أن يكون التعرض لهجوم نووي إيراني في حدّ ذاته على قمة لائحة المخاوف الإسرائيلية. فإيران لا تفتقر إلى هذه القدرة وحسب، بل وحتى عندما أصبح برنامج إيران الصاروخي عملانياً، لم يكن في مقدورها تدمير إسرائيل بدون أن تجلب الدمار على نفسها بسبب قدرة إسرائيل على توجيه ضربة ثانية. فمن خلال غواصاتها النووية الألمانية الصنع، ستكون إسرائيل قادرة على الثأر من هجوم نووي تشنّه عليها إيران، مما يوفر لإسرائيل قوة ردعية منيعة. يقول غيسين" "بغض النظر عن الإجراء الذي يتخذونه، لا يمكنهم تدمير قدرة إسرائيل على الردّ". لكن يمكن لإيران الصاعدة على أقل تقدير أن تتحدى التصوّر القائم على تفوق إسرائيل العسكري وعلى قدرتها على المناورة التي تحلّت بها نتيجة لهذا التصوّر. ويجادل عموس جلعاد بأن ذلك "سيعرض للخطر صورتنا بأننا قوة عظمى لا يمكن إنزال الهزيمة بها".
 (ص 292)
 
ثانياً: إيران والقضية الفلسطينية
رفض إيران لعملية السلام لأنها عزلتهم!
على الرغم من خطاب إسرائيل الموجّه ضدّ رجال الدين وإيديولوجية الإسلاميين التي لا يمكن التصالح معها، فهم العديد من الإسرائيليين الحسابات الاستراتيجية التي تقف خلف معارضة إيران للعملية السلمية. فقد أقرّت واشنطن وتل أبيب بأن العملية السلمية والجهود الدبلوماسية التي تبذلها إسرائيل لتشكيل نظام جديد في الشرق الأوسط تضرّان بالوضع الاستراتيجي لإيران. فخطوط التقسيم الجديدة للشرق الأوسط أصبحت بين أولئك المنضوين في عملية أوسلو وأولئك الذين هم خارجها. يمكن أن يؤدي السلام مع الفلسطينيين إلى سلام مع سوريا، وهذا بدوره يجعل ميول العالم العربي تصبّ في خانة إسرائيل، ويزيد من إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة. نتيجة لذلك، ظنّ الإسرائيليون بأن لدى إيران مصلحة استراتيجية في معارضة الجهود السلمية. يقول إتمار رابينوفيتش، الذي كان مستشاراً لدى رئيس الوزراء إسحاق رابين والذي خدم كسفير لإسرائيل لدى الأمم المتحدة: "تخيل أنه تم إبرام اتفاق بين إسرائيل وسوريا في العام 1993، وهو الأمر الذي كان قريب المنال، وأن إيران وجدت نفسها بدون الحليف السوري، وبدون إمكانية الوصول إلى لبنان مما يجعلها تخسر قاعدة لبنان، وأن حدّة التوترات تراجعت بين إسرائيل والفلسطينيين. ستفقد السياسة الإيرانية في الشرق الأوسط العديد من أرصدتها ومواردها. ستبدأ بالتالي تطوير مصلحة لها في إفشال العملية السلمية، وإحدى الطرق الرئيسية لإفشال العملية السلمية هي في العمل مع الجماعات الفلسطينية الأصولية".
لم تكن إيران معرّضة لخطر خسارة تحالفها مع سوريا وحسب، بل وكانت العملية السلمية "ستعزز التواجد العسكري الأميركي في المنطقة، وهو دور تراه إيران خطراً على هدفها المتمثل في بسط هيمنتها الإقليمية"، كما كتب معهد سياسات الشرق الأدنى. ويقول كيث وايزمان من إيباك: "شعرت دائماً بأن الإيرانيين أحسّوا بأنهم مهددون لأسباب جيوسياسية. انظر، كان العرب سيتحلون بمزيد من الثقة بالنفس لأنهم كانوا سيشعرون بأن الإسرائيليين سيدعمونهم الآن في مواجهة إيران، فضلاً عن الأميركيين".
على الرغم من خوف إيران الواضح من العزلة، لم تتكهن واشنطن بأن إيران ستنقلب ضدّ العملية السلمية على النحو الذي قامت به. وبالاستناد إلى مارتن إندك، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق، خشيت الولايات المتحدة من أن يشكّل العراق وإيران محوراً لموازنة الولايات المتحدة، ولإفشال الجهود الهادفة إلى عزلهما. ويشرح ذلك فيقول: "كنا أكثر تركيزاً، في ذلك الوقت، على استراتيجية تدفع فيها سياسة الاحتواء المزدوج إيران إلى التقارب مع العراق". والفكرة في أن إيران ستلجأ إلى الإرهاب لم تكن شيئاً ترجحه واشنطن، حتى بالرغم من استخدام تهمة دعم الإيرانيين للإرهاب في تبرير فرض العزلة على إيران. ما قام به الإيرانيون هو أنهم تفوقوا علينا بذكائهم عبر استهداف العملية السلمية. وبالتالي، أصبحوا داعمين شديدي العدوانية للإرهاب الفلسطيني وليس لحزب الله فقط".
بدأت واشنطن تفهم الخطأ الاستراتيجي الخطير في سياستها القائمة على الاحتواء المزدوج. فبرفض مبادرات التودد الإيرانية والتخطيط لإنشاء نظام جديد في الشرق الأوسط يستند إلى إقصاء إيران، كانت الولايات المتحدة توفّر لإيران حوافز قوية لتخريب الحلقة الأضعف في السياسة، وهي المحادثات الإسرائيلية الفلسطينية الهشة. واستناداً إلى إندك، كان لدى الإيرانيين "كل الحوافز لمعارضة العملية السلمية. أما استراتيجيتنا فكانت، من ناحية، استخدام محرّك صنع السلام في تحويل المنطقة، ومن ناحية أخرى، كانت احتواء الإيرانيين عبر فرض العقوبات والعزلة عليهم. كان أحد شقّي هذه الإستراتيجية مكمّلاً للشقّ الآخر. فكلما نجحنا في صنع السلام، كلما زادت عزلة الإيرانيين، وكلما نجحنا في احتوائهم، كلما زادت فرص صنع السلام. لذلك كان لديهم حافز لإفشالنا في العملية السلمية لكي يهزموا سياسة الاحتواء والعزلة. ولهذا السبب استهدفوا العملية السلمية".    
 (ص 267 ـ 269)
سياسة إيران تجاه إسرائيل!
فوجئت طهران بحملة حزب العمل التي هدف من ورائها إلى عزل إيران. فقد اعتقد الإيرانيون بأن إسرائيل ستواصل الإعراض عن انتقادات إيران العنيفة الموجهة ضدّ الدولة اليهودية على غرار ما فعلت في الثمانينيات، واعتقدوا أن التفاهم الضمني بين الدولتين لا يزال سارياً من وجهة نظر الإيرانيين: ستبقى إيران مجرّد ناقد منظّر، وستستمرّ في إلقاء الخطب الملونة المعادية لإسرائيل فيما تدعم بالكلام لا بالأفعال، القضية الفلسطينية. بدورها، ستعبر إسرائيل آذاناً صمّاء لخطاب إيران، وتتذكر أن الشعارات التي تطلقها طهران لا تعكس السياسة الحقيقية لإيران. لكن التحوّل الهجومي لبيريز ورابين أشار إلى أن ذلك الزمان قد ولّى. بشكل تدريجي، بدأت إيران تدرك بأن إسرائيل آخذة في التحول إلى منافس رئيسي في بناء نظام الشرق الأوسط الجديد. بالنسبة إلى الإيرانيين، ليس هناك من اتهام إسرائيلي يكشف عن نوايا إسرائيل الحقيقية أكثر من ادّعائها أن إيران تريد الهيمنة على الشرق الأوسط. 
(ص 243)
غضب إيران لعدم إشراكها في مسيرة السلام!
لم يكن السلام بين العرب وإسرائيل يشكّل بحّد ذاته خطراً على إيران. لكن غضب إيران كان يُثار فقط عندما يجتمع السلام مع جهد إسرائيلي أميركي لعزل إيران بتصويرها بأنها خطر وإقصائها عن صناعة القرار على المستوى الإقليمي. لقد خشي الإيرانيون من أن تسعى إسرائيل إلى استخدام صورة مرعبة عن إيران لزيادة تقبّل العرب لإبرام السلام مع الدولة اليهودية. وخشي رفسنجاني من أنه إذا تكللت اتفاقية أوسلو بالنجاح، واندفع العرب لإبرام سلام مع إسرائيل، ستُترك إيران في حالة من العزلة الطويلة. في النظام الجديد الذي يتمحور حول إسرائيل المزمَع إنشاؤه، ستتولى إسرائيل دور القيادة في حين ستُمنع إيران من "لعب دور يكافئ قدرتها ونفوذها". والشيء الذي كان خطراً سياسياً في الأصل يمكن أن يتحول مع الوقت إلى خطر عسكري. ويشرح مسعود إسلامي من وزارة الخارجية الإيرانية هذه الفكرة فيقول: "إذا اقترب العرب من إسرائيل، ستزداد عزلة إيران. عندئذ، تكون إسرائيل في وضع يمكّنها من تحويل نفسها إلى مشكلة كبيرة تواجه إيران". بعبارات بسيطة، سيتم إخضاع إيران للهيمنة الإسرائيلية، وهو ما بعث الخوف في نفوس الإيرانيين من "الفكرة القديمة المتمثلة في سيطرة اليهود على المنطقة من النيل إلى الفرات". أصرّ الإيرانيون على أنه في حال تم إشراك إيران في العملية السلمية، ستبرز صورة مختلفة كلّياً. يقول علي رضا علوي تابار، وهو إصلاحي إيراني بارز: "كان سيغلب علينا ميل إلى دعم الجهود السلمية والتعاون من أجلها لو أننا مُنحنا دوراً نشطاً وفاعلاً منذ البداية، بدلاً من أن يضعوا خطة مختلفة كلياً ثم يتوقعوا منّا الموافقة عليها ببساطة".
كانت إيران في عهد رفسنجاني، التي قللت من مستوى تدخلها قبل مؤتمر مدريد في القضية الفلسطينية، وأطلقت إشارات بأنها لن تقف في طريق التوصل إلى اتفاقية سلام، ستبدي استعدادها للتعاون من أجل التوصل إلى اتفاقية إسرائيلية فلسطينية لو أن أميركا قبلت بلعب إيران دوراً قيادياً في المنطقة، وفي مقابل ذلك، أنهت سياسة عزل طهران. بإشراك إيران في العملية السلمية، يمكن أن تضمن عدم الإضرار بصالحها من جراء معاهدة السلام مع إثبات قدرتها على أن تكون قوت إيجابية وباعثة على الاستقرار في المنطقة. يقول علوي تابار: "يمكننا لعب دور إيجابي جداً عندما يتم إشراكنا في العملية. تذكر كيف أننا ساعدنا على حل الصراع بين أرمينيا وأذربيجان. لقد قدّمنا مساعدات إنسانية لكِلا الطرفين، فضلاً عن وقود التدفئة الذي اشتدت الحاجة إليه خلال فصل الشتاء البارد هناك... يمكننا لعب دور إيجابي في الشرق الأوسط بكامله".
لعبة بيسبول مختلفة: بدأت إيران لأول مرة ترجمة خطابها المعادي لإسرائيل إلى سياسة عملانية. فعلى النقيض من رأي الخميني، ستتحول إيران الآن إلى دولة على خط المواجهة مع إسرائيل، لأنه إذا فشلت اتفاقية أوسلو، ستفشل معها الجهود الهادفة إلى إيجاد نظام إقليمي جديد على ظهر عزلة إيران، من دواعي السخرية أن دعم إيران لحزب الله تراجع بدرجة كبيرة في السنين السابقة بسبب التوجه الجديد للسياسة الخارجية التي انتهجها الخميني، مما جعل العديد من قادة الشيعة بلبنان يشعرون بأن إيران تخلّت عنهم. أما الآن، فقد عاد تركيز طهران مجدداً إلى حزب الله والجماعات الإسلامية الأخرى. عللت طهران بأن الموقف العلني الإيراني المعارض لإسرائيل والولايات المتحدة سيقوّي موقفها في عيون الجماهير العربية، وهذا بدوره سيزيد من صعوبة تشكيل إسرائيل لجبهة عربية إسرائيلية في مواجهة إيران. وكما فعلت عند بداية الثورة، ناشدت إيران الشارع العرب لإضعاف الحكومات العربية الموالية للغرب من الأسفل بجعلها تبدو ليّنة في مواجهة إسرائيل. كان الهدف، كما تشرح شخصية سياسية إيرانية، "إيجاد وضع لا يتمكّن فيه الإسرائيليون من التوصل إلى اتفاق، لأنه كلما زاد الوضع تأزماً، كلما صار وضعنا أحسن، لأن ذلك يوفر لنا مزيداً من الوقت".
   ( ص 247 ـ 249)
مصالح إيران لا حق الفلسطينيين!
نأت إيران عن التدخل نسبياً أثناء مباحثات كامب ديفيد2. كالعادة، انتقدت المباحثات، وشككت في مزاعم واشنطن بالنزاهة، لكن حدث تغيّر جارف في نهج إيران مقارنة بنهجها في العامين 1994 ـ 1995. في هذا الصدد، يقول هالفي: "لا أذكر أنه كان هناك أي نشاط إيراني على الإطلاق". هناك سببان دفعا إيران إلى الإحجام عن التدخل. السبب الأول هو أن إيران عزلت نفسها عن التطورات الإسرائيلية الفلسطينية عبر تحسين علاقاتها مع الدول المجاورة القريبة ومع أوروبا. لم ترّ إيران في محادثات كامب ديفي2 خطراً استراتيجياً على وضعها، مما يجعل المعارضة الإيرانية للصفقة أمراً غير ضروري. وردّة فعل إيران تجاه انتفاضة الأقصى زادت من التأكيد على أن النهج الإيراني في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يتأثر بالاعتبارات الاستراتيجية أكثر مما يتأثر بالاعتبارات الإيديولوجية. فلو أن الإيديولوجية أو المحنة التي يعاني منها الفلسطينيون كانا المحرّك للسياسة الإسرائيلية، لكانت ردّة فعل طهران على قمع الانتفاضة أشدّ قسوة.
السبب الثاني هو أن انسحاب إسرائيل من لبنان حدّ من قدرة إيران على إفشال المحادثات. كانت إيران بحاجة إلى الوقت لكي تتعافى من ذيول الانسحاب والعثور على قنوات جديدة للتواصل مع الجماعات الفلسطينية الرافضة. يقول بن عامي: "أعتقد أن إيران فوجئت بالانسحاب من لبنان، وجدوا أنفسهم في وضع لم يألفوه من قبل. فلأول مرّة، لم تعد في حوزتهم أداة لعرقلة المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين". واستناداً إلى بن عامي، لو أن إسرائيل لم تنسحب من لبنان، ربما كانت إيران ستستخدم حزب الله في نشر الخراب في المنطقة. كان حرمان إيران من لعب هذه الورقة ـ بالإضافة إلى إشباع رغبة قوية تملكت جمهور الناخبين الإسرائيليين في الانسحاب ـ أحد الأسباب الرئيسية التي دعت إلى الانسحاب من لبنان.     
( ص 306 ـ 307).
الدعم الكلامي لفلسطين!
كما حصل في الماضي، سعت طهران إلى استغلال التوترات بين إسرائيل والعرب عبر دعوة العالم الإسلامي إلى التوحد ضدّ إسرائيل، واصفة الدولة اليهودية "بالورم الخبيث وشجرة الشرّ" وتصويرها "بخطر يهدد العالم الإسلامي بأكمله، وحتى تلك الحكومات التي تعتقد بأن الحكومة الصهيونية الغاصبة تخدم مصالحها. لكن بالمقارنة مع منتصف التسعينيات، بدت الهجمات الكلامية الإيرانية على إسرائيل أقل تكراراً، وفي ما عدا استثناءات جديرة بالملاحظة، لم تكن تلك التهجمات تستهدف إثارة الجماهير العربية. وبذلك تكون إيرن قد فازت بالحكومات العربية؛ عززت الانتفاضةُ والفوز الانتخابي الذي أحرزه أرييل شارون في مستهل العام 2001 جهودَ المصالحة بين إيران والدول العربية، بما في ذلك الحكومات التي وقّعت على معاهدات سلام مع إسرائيل. بدأ الانفراج في العلاقات مع حركة فتح التي يترأسها عرفات، مما قرّب إيران من الجماعات الفلسطينية العلمانية أيضاً. ثم سعت طهران إلى تعبئة الرأي العام الدولي ضدّ إسرائيل عبر الدعوة، على سبيل المثال، إلى "تشكيل محكمة خاصة بجرائم الحرب للتعامل مع الجرائم الإسرائيلية في الأراضي المحتلة" ودعوة مجلس الأمن الدولي إلى إرسال مراقبين دوليين لمنع تصاعد أعمال العنف. لكن في حين اتهمت إسرائيلُ إيران بتمويل الإرهاب الفلسطيني، اشتكى الفلسطينيون أنفسهم من الوعود الإيرانية الكلامية. من الواضح أن خطاب إيران بقي محافظاً على الحس بالواجب الإيراني تجاه الفلسطينيين، فخاطب المرشدّ الأعلى زعيم حماس قائلاً: "بأن الحرب المقدسة لتحرير فلسطين حرب للدفاع عن شرف الإسلام والمسلمين، وسنواصل دعمنا الثابت للشعب الفلسطيني بالرغم من كافة الضغوط السياسية والاقتصادية، وأن مسألة القدس ليست مشكلة فلسطينية، وإنما مشكلة كافة المسلمين". غير أن توفير إيران الدعم الكلامي كان أسهل من توفير الدعم العملي. ونادراً ما أُتبعت الشعارات الإيرانية بأفعال ملموسة، حتى بعد اندلاع الانتفاضة الثانية. احتل الإيرانيون موقع الصدارة في إلقاء الخطب الرنانة التي تتحدث عن القضية الفلسطينية، لكنهم نادراً ما التزموا بالمعايير التي وصفوها في تصريحاتهم. وأشار الدبلوماسيون الأوروبيون الذين أجروا اتصالات مع ممثلين عن الجهاد الإسلامي وحماس ممن زاروا إيران بعد اندلاع الانتفاضة الثانية إلى أن كلتا المجموعتين شعرت بخيبة أمل مريرة من مضيفيهم الإيرانيين. فإيران لم تقدم لهم المال ولا الأسلحة. وانتشرت نكتة في شوارع طهران عكست هذا الادعاء الإيراني: "لماذا لم يعد يوجد أحجار لرجم الزانية؟ وفقاً لأوامر المرشد الأعلى، تم شحن كل الأحجار إلى فلسطين كمساهمة من إيران في الانتفاضة".
 (ص 308 ـ 309)
 
ثالثاً: إيران وأمريكا
التعاون التجاري الأمريكي – الإسرائيلي مع إيران برغم المقاطعة!
إدارة كلينتون قد تبنّت خطاب إسرائيل وموقفها المتشدد من إيران في الميدان السياسي. بلغ حجم التجارة بين البلدين 3.8 مليار دولار في العام 1994، فضلاً عن 1.2 مليار دولار على شكل سلع باعتها شركات أميركية عبر شركات تابعة أجنبية، مما جعل الولايات المتحدة أحد أكبر شركاء إيران التجاريين. لقد لفت هلموت كول، المستشار الألماني، انتباه إيباك إلى هذا التضارب والذي دافع في لقاء مع إيباك في العام 1994 عن تجارة ألمانيا مع إيران بالإشارة إلى علاقات واشنطن التجارية الواسعة مع طهران. يقول كيث وايزمان منظمة إيباك: "نظرنا إلى الأرقام، فوجدنا أنه كان محقاً. من الناحية الأساسية، كانت الأموال الأميركية التي تتدفق إلى طهران تفوق الأموال التي ترسلها أية دولة أخرى. وهذا جعلنا نهتم بالجانب الاقتصادي للمسألة". (المثير في الأمر هو أن إسرائيل لم تقرّ أية قوانين تحظر التجارة الإيرانية الإسرائيلية طوال طوال فترة التسعينيات). شنّت إيباك حملة لردم الهوة بين النهج السياسي والنهج الاقتصادي الأميركي من إيران.  
 (ص 261ـ 262)
التعاون الإيراني الأمريكي في أفغانستان!
في البداية، لم يحرز المحافظون الجدد سوى تقدم متواضع. لكن مع بدء الولايات المتحدة عملياتها العسكرية بأفغانستان، بدأت وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي الاجتماع سرّاً بدبلوماسيين إيرانيين بباريس وجنيف في أكتوبر/ تشرين الأول2001، برعاية الأخضر الإبراهيمي، رئيس لجنة مساعدات الأمم المتحدة بأفغانستان. بدأ الاتصالات السفير جايمس دوبنز، مبعوث إدارة بوش الخاص بأفغانستان. وبدعم كامل من باول، قال دوبنز للإبراهيمي بأنه يرغب في الاجتماع بالإيرانيين. في غضون أيام قلائل، اتصل مسؤولون من وزارة الخارجية الإيرانية بدوبنز، وعرضوا عليه مساعدتهم. كما حضر الاجتماعات التمهيدية وفود ألمانية وإيطالية لتوفير الغطاء السياسي لإيران والولايات المتحدة، حيث أعطى حضورهم المحادثات ـ التي سرعان ما أُطلق عليها اسم قناة جنيف ـ مظهراً متعدد الأطراف. لكن في الحقيقة، كانت المناقشات ثنائية والاتصالات على أعلى مستوى بن مسؤولي البلدين منذ فضيحة إيران ـ كونترا.
سارت المحادثات على نحو أفضل مما كان متوقعاً. ركّزت المناقشات على "كيفية إزاحة طالبان بفاعلية، وكيفية تشكيل حكومة أفغانية بعد رحيل طالبان" لقد قدّم الإيرانيون مساعدة كبيرة للولايات المتحدة في الحرب، من غير أن يعرفوا شيئاً عما سيتكشف بعد النجاح بأفغانستان. لقد أدهش الدبلوماسيون الإيرانيون نظراءهم الأميركيين والأوروبيين بما لديهم من معارف وخبرات بشؤون أفغانستان وطالبان. لم تكن المساعدة التي قدّمتها إيران شكلية، فعرض الإيرانيون السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدهم الجوية، وعرضوا توفير قاعدة لتنفيذ مهام البحث والإنقاذ للطيارين الذين يتم إسقاط طائراتهم، وخدموا كجسر بين التحالف الشمالي والولايات المتحدة في قتال الطالبان. حتى أنهم استخدموا في قليل من المناسبات معلومات أميركية للعثور على زعماء تنظيم القاعدة الفارّين وقتلهم.
بالرغم من أن تكليف دوبنز اقتصر على إجراء محادثات حول أفغانستان، أعدّت مجموعة مغلقة من المسؤولين المحيطين بباول رزمة سرّية كاملة من الجزرات وعصا واحدة لعرضها على الإيرانيين. فعلى النقيض من البنتاغون، آثرت وزارة الخارجية فتح قناة اتصال استراتيجية مع إيران، وليس مجرّد محادثات تكتيكية. أدرك الدبلوماسيون الأميركيون أن التعاون بشأن أفغانستان يمكن أن يتوسّع ليشمل القاعدة والمنظمات الإرهابية الأخرى. بناء على ذلك، يمكن للولايات المتحدة وإيران توسيع تعاونهما على صعيد تقاسم المعلومات الاستخبارية، وتنسيق دوريات حدودية مكثفة لاعتقال مقاتلي القاعدة الذين يريدون الهرب إلى باكستان وإيران. عرف ريان كروكر، وكان عضواً في فريق التفاوض الأميركي ومكلفاً بمناقشة القضايا العامة، بأمر الرزمة. كان كروكر، إلى جانب زملائه الذين يتفقون معه في الرأي بوزارة الخارجية، على استعداد لتنفيذ اقتراح باول على الفور؛ في حال وافق الرئيس عليه. لكنّ المتشددين في البيت الأبيض عملوا بجدّ لمنع بوش من المضي فيه. يقول ويلكرسون: "كان نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد هناك دائماً لتخريب تعاوننا في أفغانستان إذا قطع شوطاً طويلاً".
لم تكن المصلحة المشتركة بين الولايات المتحدة وإيران على هذا القدر من الوضوح كما تبين في مؤتمر بون الذي انعقد في ديسمبر/ كانون الأول 2001، حيث التقى عدد من الأفغان البارزين ومندوبون من بلدان متنوعة، منها الولايات المتحدة وإيران، برعاية الأمم المتحدة في ألمانيا للاتفاق على خطة لحكم أفغانستان. أعدّت الولايات المتحدة وإيران بعناية الأرضية اللازمة للمؤتمر قبل انعقاده بعدة أسابيع. وأثبت النفوذ السياسي الإيراني في أوساط الجماعات الأفغانية المحاربة المتنوعة أنه كان حاسماً، فكان هذا النفوذ بين أوساط الأفغان ـ وليس تهديدات أميركا ووعودها ـ هو الذي حرّك عجلة المفاوضات إلى الأمام. كما أن الوفد الإيراني ـ وليس دوبنز ـ هو الذي أشار إلى أن مسودة إعلان بون لم تتضمن أية إشارة إلى الديموقراطية أو إلى أي التزام من جانب أفغانستان بمحاربة الإرهاب الدولي. لكن المثير للفضول هو أن تعليمات دوبنز لم تحتوِ على أي شيء يشير إلى الديموقراطية.
بحلول الليلة الأخيرة للمؤتمر، تمت الموافقة على دستور موقت، وتمّ حل كافة القضايا الأخرى باستثناء القضية الأصعب: من الذي سيحكم أفغانستان؟ أصرّ التحالف الشمالي، بوصفه المنتصر في الحرب، على أن من حقّه الاستئثار بالغنائم. بالرغم من أنه ممثَّل في حوالي 40 في المائة من البلاد، أراد أن يشغل ثمانية عشر منصباً وزارياً من أصل أربعة وعشرين. وقرابة الساعة الثانية فجراً، جمع دوبنز الأحزاب الأفغانية، والإيرانيين، والروس، والهنود، والألمان، والإبراهيمي من الأمم المتحدة لحل هذه النقطة الأخيرة العالقة. تناوبت الوفود على الكلام على مدى ساعين في محاولة لإقناع يونس قانوني، مندوب التحالف الشمالي بالقبول بعدد أقل من الوزارات، ولكن بدون جدوى. أخيراً، اجتمع كبير المفاوضين الإيرانيين ـ جواد ظريف ـ بالمندوب الأفغاني على انفراد، وبدأ يهمس في أذنه باللغة الفارسية. بعد بضع دقائق، عادا إلى الطاولة، وأذعن الأفغاني، وقال: "حسناً، أنا موافق. يمكن للفصائل الأخرى الحصول على وزارتين أخريين". كانت تلك نقطة تحوّل حاسمة لأن الجهود التي بذلتها الدول الأخرى لإقناع القانوني باءت كلها بالفشل. في هذا الصدد، يقرّ دوبنز بأن "المسألة لم تُحسم إلاّ بعد أن اجتمع به ظريف على انفراد. ربما كنا سنواجه وضعاً مثل الوضع الذي واجهناه بالعراق، حيث لم نتمكن أبداً من اتفاق على زعيم واحد وعلى تشكيل حكومة". في صباح اليوم التالي، تم التوقيع على اتفاقية بون التاريخية. النتيجة هي أن أميركا لم تنتصر في الحرب وحسب، بل وانتصرت، بفضل إيران، في السلام أيضاً.
بالنسبة إلى الإيرانيين، كانت تلك لحظة انتصار. فلم يقتصر الأمر على إلحاق الهزيمة بعدو رئيسي لإيران ـ حركة طالبان ـ بل واظهار كيف يمكن أن تساعد على إرساء دائم الاستقرار في المنطقة، وكيف يمكن أن تساعد على إرساء دعائم الاستقرار في المنطقة، وكيف يمكن أن تستفيد أميركا من بناء علاقة أفضل معها. وفي تلميح إلى استعداد إيران للتوسع في المناقشات لتشمل نواحي أخرى، قال ظريف في إحدى المراحل لكروكر ممازحاً بأنه بعد أن تم حل القضية الأفغانية، ربما آن الوقت لمعالجة النزاع النووي الذي يزرع الخلاف بين البلدين. وبدون أي تردد، أعاد كروكر الكرة إلى معلب ظريف، وسأله إن كان يجدر به التطرّق إلى التعليمات الخاصة بهذا الملف، مشيراً إلى أن وزارة الخارجية سبق أعدّت نقط بحث بشأن هذه القضية. لكن ظريف لم يكن يملك صلاحية الذهاب إلى ما هو أبعد من موضوع أفغانستان في ذلك الوقت علماً بأن الإيرانيين تعاملوا مع تلك المناقشات كقناة استراتيجية. يشرح دوبنز واقع الحال فيقول: "جاء ذلك منسجماً مع رغبتهم في إجراء محادثات استراتيجية". في إشارة إلى أن الإيرانيين لم يكشفوا عن نواياهم الكاملة إلاّ في مرحلة متأخرة جداً.
تمثل المأزق الإيراني في أن جدول أعمال المناقشات ـ أفغانستان، المسألة النووية، الإرهاب ـ تصدّى للهموم الأميركية فقط، بحيث لم يكن هناك مكان لهموم إيران المتعلقة بالسياسات الأميركية. في حين أبدى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله خامنئيي والرئيس خاتمي دعمهما الكامل للمحادثات الأفغانية ولفكرة فتح قناة اتصال استراتيجية مع واشنطن، لكنهما أصراً على أنه ينبغي أن تتضمن المحادثات الأوسع نطاقاً الهموم الإيرانية والهموم الأميركية على حدً سواء. بالنسبة إلى وزارة الخارجية الأميركية ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس، لم يكن في ذلك مشكلة. فكلاهما أراد استكشاف مزيد من الفرص مع إيران، ولكنهما كانا يتعرضان للإعاقة من بعض المسؤولين في البيت الأبيض المتحمسين لعداء إيران. يقول دوبنز: "لم ألحظ أي اهتمام خارج البلاد. بإجراء مناقشة استراتيجية مع الإيرانيين. فعلى الرغم من المساعدة الحاسمة التي قدّمتها إيران للولايات المتحدة بأفغانستان، لم يكن يوجد تقبّل لإجراءات حسن النية الإيرانية في البيت الأبيض في عهد بوش. أي أن أحداث العام 1991 عادت لتتكرر من جديد: لا يوجد تقدير للمصلحة الاستراتيجية الإيرانية في شرق أوسط مستقر، ولإمكانية أن تكون إيران راغبة في ترقيع علاقاتها مع الولايات المتحدة. حتى أن تعهّد إيران في مؤتمر الدول المانحة بطوكيو الذي انعقد في يناير/ كانون الثاني 2002 بتقديم 500 مليون دولار إلى أفغانستان ـ وكان أكبر تعهد من جانب أية دولة شاركت في المؤتمر، بما في ذلك الولايات المتحدة ـ لم يحز على إعجاب المتشددين في البيت الأبيض.
كما لاقى عرض إيران بالمساعدة على إعادة بناء الجيش الأفغاني ـ في ظل قيادة أميركية ـ من أجل تقوية الحكومة الأفغانية إزاء أمراء الحرب المتنوعين الذين كانوا لا يزالون يسيطرون على أجزاء من البلاد، آذاناً صمّاء أيضاً. ففي أحد الاجتماعات التي عُقدت بجنيف، قال الإيرانيون لدوبنز: "نحن على استعداد لاستقبال ما يصل إلى عشرين ألف جندي، وكسوتهم، وتسليحهم، وتدريبهم ضمن برنامج واسع تحت قيادتكم". لكن دوبنز أشار إلى أنه إذا كانت إيران والولايات المتحدة ستتقاسمان المسؤولية في تدريب الجنود، فسينتهي بهم الأمر إلى العمل وفقاً لمذهبين عسكريَّين مختلفَين. عندئذٍ، ضحك قائد الجيش الإيراني، الذي صاحب الوفد الإيراني لمنماقشة العرض مع دوبنز، وقال: "لا تقلق، لا زلنا نستعمل الكتيبات التي تركتموها وراءكم في العام 1979". وأضاف بأنه لن تبرز أية مشكلات تتعلق بولاء الجنود أيضاً، لأن إيران كانت لا تزال تدفع رواتب الجنود الأفغان الذين تستخدمهم الولايات المتحدة في القضاء على عناصر القاعدة وطالبان على الحدود الأفغانية الباكستانية. ووجّه سؤاله إلى دوبنز بطريقة منمّقة وقال: "هل تواجهون أية مشكلات تتعلق بولائهم؟"
 (ص 317 ـ 321)
صراع حول العلاقة بين أمريكا وإيران!
في 3 يناير/ كانون الثاني 2002، اعترض الإسرائيليون السفينة كارين أيه في المياه الدولية في البحر الأحمر. كان يقود السفينة قبطان من البحرية الفلسطينية، وكانت محمّلة بصواريخ كاتيوشا، وقذائف مورتو، وبنادق آلية، وبنادق قنص، وذخائر، وألغام مضادّة للدروع، وأنواع أخرى من المتفجرات. زعم الإسرائييون بأن السفينة قدمت من جزيرة كيش الإيرانية، وبما أن أغلب الأسلحة كانت لا تزال في صناديق المصانع التي أنتجتها، وتحمل رموزاً تشير إلى أنها من صنع إيراني، جادل الإسرائيليون بأن الاستنتاج بديهي: إيران تسعى إلى تزويد السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة عرفات بالأسلحة في خرق للاتفاقات التي أبرمتها السلطة مع إسرائيل. كان ذلك الدليل القاطع الذي احتاج إليه الإسرائيليون لوقف الحوار الأميركي الإيراني، ووضع حدّ للضغوط التي تمارسها واشنطن على إسرائيل لكي تتعامل مع الفلسطينيين. كانت العملية هدية لشارون، وتزامنت بالمصادفة مع زيارة كان يقوم بها الجنرال أنتوني زيني لإٍسرائيل، مبعوث بوش الجديد للشرق الأوسط. بالنسبة إلى العديد من المراقبين، كان الخبر من الروعة بحيث لا يمكن أن يكون صحيحاً لدرجة أنه حتى حلفاء إسرائيل بدأوا يشككون في صحته. فالمسار المعتاد للشحنات الإيرانية المتجهة إلى وكلائها يمرّ عبر دمشق ولبنان ـ جواً، وليس بالقوارب في محيط شبه الجزيرة العربية حيث كان من المعلوم أن البحرية الإسرائيلية تسيّر دوريات هناك.
أنكر الإيرانيون أن تكون لهم أية علاقة بالسفينة، لكن لم يكن الإنكار ليوازي صورة شارون وهو يتفحص السفينة والأسلحة الإيرانية المحمّلة عليها. قبلت واشنطن بالرواية الإسرائيلية للقصة، ووصفت الدليل الإسرائيلي بأنه مقنع. بالنسبة إلى إدارة بوش، زال أي شك ربما كان يساورها في مواصلة إيران اتصالاتها مع الإرهابيين. كانت تلك نكسة كبيرة للمدافعين عن الحوار مع إيران مثل باول. يقول ويلكرسون: "بدد ذلك توقعات باول بما كان من الممكن تحقيقه مع الإيرانيين".
في إيران، أخذ الخبرُ الرئيس خاتمي على حين غرّة، فأمر بعقد اجتمع لمجلس الأمن القومي الإيراني لكي يعرف من الذي يقف خلف هذه الشحنة. كان خاتمي يعلم حق العلم بوجود عناصر شرّيرة داخل الحكومة الإيرانية تسعى متى سنحت لها الفرصة إلى إفشال سياسته القائمة على الانفتاح على الولايات المتحدة. غير أن أحداً في المجلس لم يعترف بأنه كان على علم بأمر السفينة. سارع الإيرانيون، من خلال قناة جنيف، إلى الاتصال بدوبنز وإبلاغه بأمر اجتماع خاتمي بالمجلس، وأمر الدبلوماسيون الإيرانيون بطلب الحصول على دليل من الولايات المتحدة يثبت هوية مصدر تلك الشحنة لكي تتمكن السلطات بطهران من التصرف بناء على ذلك. في نفس الوقت، بعثت حكومة خاتمي برسالة إلى واشنطن عبر السفارة السويسرية بطهران أنكرت فيها أية مشاركة إيرانية في القضية. كررت طلب الحصول على معلومات من الولايات المتحدة، وعرضت إعطاء واشنطن أية معلومات ربما تتوصل إليها إيرن. لكن لا الرسالة التي وصلت إلى دوبنز ولا المذكرة التي أُرسلت عبر السويسريين عوملت بطريقة جادّة من قبل إدارة بوش. لم تقدّم واشنطن أي دليل إلى طهران يثبت المزاعم الإسرائيلية، ولكنها ردّت على طهران بعد أسابيع قليلة، وأكدت على أن المعلومات كافية وجديرة بالاعتماد، مما يعني من الناحية العملية رفض الإنكار الإيراني.
بالنسبة إلى الإيرانيين المرتابين دوماً، كانت المسألة بأكملها ملفّقة. ورأوا أنها تحولت سياسة التعاون إلى سياسة مواجهة. ولا تزال كارين أيه لغزاً ظهر في الوقت المناسب بالنسبة إلى الأشخاص الذين أرادوا منع حدوث تقارب أميركي إيراني". ولو عدنا إلى الماضي، نجد أن بعض المسؤولين في إدارة بوش بدأوا يشككون في القضية. تكهن البعض بأنها من تدبير إسرائيل، وجادل البعض بأن عناصر شرّيرة بإيران ربما تقف خلفها. لكن ما من أحد في إدارة بوش تابع القضية إلى ما هو أبعد من ذلك. فبعد أن أكدت الاستخبارات الأميركية صحة الرواية الإسرائيلية، بات الأمر مفروغاً منه. ويعترف ويلكرسون فيقول: "لكن بالنتيجة، تساءلنا جميعاً إن كانت خدعة أم حقيقة". 
 (ص324ـ 326)
التعاون في العراق!
كان لا يزال في حوزة رجال الدين القليل من الأوراق القيّمة التي أملوا بأن يلعبوها لقلب الجدال الدائر بواشنطن لمصلحة وزارة الخارجية الأميركية وأولئك الذين يفضّلون الحوار. إحدى هذه الأوراق كانت المعلومات الاستخبارية الإيرانية فائقة النوعية، واطلاع الإيرانيين على الأوضاع بالعراق. بفضل سنوات الحرب الثماني في الثمانينيات، استوعب الإيرانيون، بخلاف الأميركيين، الشبكات الاجتماعية العشائرية العراقية المعقدة، وعرفوا كيفية التعامل معها. رأت طهران أن واشنطن ستكون بحاجة إلى هذه المعرفة، وهذا ما سيعطي الإيرانيين بعض النفوذ على المحافظين الجدد. فبدون قناة اتصال، يمكن أن يحدث سوء تفاهم، وهو ما سيفيد المنافسين الإقليميين لإيران، بما في ذلك إسرائيل والدول العربية. كما ضغطت جماعات المعارضة العراقية التي لديها روابط وثيقة مع طهران ـ سواء المنظمات الشيعية أم الفصائل الكردية بقيادة جلال الطالباني (الذي أصبح في وقت لاحق رئيس العراق) ـ على الإيرانيين لكي يساعدوا الأميركيين. في النهاية، احتاج الإيرانيون إلى قناة لفهم القرارات الأميركية الخاصة بالعراق والتأثير فيها، واحتاج الأميركيون إلى إيران لكي لا تعقّد الخطط الأميركية. لذلك، أعيد فتح قناة جنيف في أواخر ربيع العام 2002 بعد اتصال وزارة الخارجية الأميركية بالإيرانيين.    
 (ص 334 ـ 335)
الصفقة الكبري بين أمريكا وإيران!
أعدّ الإيرانيون اقتراحاً شاملاً بيّن حدود صفقة ضخمة محتملة بين البلدين تعالج كافة نقاط النزاع بينهما. كتب صادق خرازي، نجل شقيق وزير الخارجية الإيراني وسفير إيران لدى فرنسا، المسودة الأولى للاقتراح. ثم رُفعت المسودة إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية للمصادقة عليها، والذي طلب بدوره من ظريف ـ السفير لدى الأمم المتحدة ـ مراجعتها قبل إرسالها إلى الأميركيين، ووضع اللمسات الأخيرة عليها. لم يكن على علم بهذا الاقتراح ويشارك في إعداده سوى دائرة مغلقة من صنّاع القرار بطهران؛ وزير الخارجية كمال خرازي، والرئيس محمد خاتمي، والسفير لدى الأمم المتحدة ظريف، والسفير لدى فرنسا خرازي، والمرشد الأعلى للثورة علي خامنئي. بالإضافة إلى ذلك، أجرى الإيرانيون مشاورات مع تيم غالديمان، السفير السويسري لدى إيران، والذي كان سيسلّم الاقتراح في النهاية إلى واشنطن.
أذهل الاقتراحُ الأميركيين. فهو لم يكن اقتراحاً رسمياً وحسب ـ على اعتبار أنه حصل على موافقة المرشد الأعلى ـ بل إن ما تضمنه من بنود كان مدهشاً أيضاً. يقول فينت ليفيريت الذي خدم كمدير رفيع في شؤون الشرق الأوسط لدى مجلس الأمن القومي حينها: "اعترف الإيرانيون بأن أسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب قضيتان هامتان بالنسبة إليهم، وأنهم على استعداد للتفاوض عليهما. لقد حضيت الرسالة بموافقة كافة المستويات العليا للسلطة". بذلك، وضع الإيرانيون كافة أوراقهم على الطاولة، وصرّحوا عن كل ما يريدونه من الولايات المتحدة، وعن الأشياء التي هم على استعداد لتقديمها بالمقابل. يقول محمد حسين عادلي الذي كان حينها نائب وزير الخارجية الإيراني: "مضت تلك الرسالة التي جرى تسليمها للأميركيين إلى حدّ القول بأننا على استعداد للتحاور، وعلى استعداد لمعالجة قضايانا".
في حوار حول الاحترام المتبادل، عرض الإيرانيون وقف دعمهم لحماس والجهاد الإسلامي ـ الإخوة الإيديولوجيون لإيران في صراعها مع الدولة اليهودية ـ والضغط على المجموعتين لكي توقفا هجماتهما على إسرائيل، وفي ما يتعلق بحزب الله؛ وليد أفكار إيران، وشريكها الأكثر جدارة بالاعتماد عليه في العالم العربي، عرض رجال الدين دعم عملية نزع سلاحه وتحويله إلى حزب سياسي صرف. في الموضوع النووي، عرض الاقتراح فتح البرنامج النووي الإيراني بالكامل أمام عمليات تفتيش دولية غير مقيدة من أجل إزالة أية مخاوف من برامج التسلّح الإيرانية. وسيوقّع الإيرانيون على البروتوكول الإضافي الخاص بمعاهدة عدم الانتشار، كما سيعرضون على الأميركيين إمكانية المشاركة الكثيفة في البرنامج كضمانة إضافية وإيماءة على حسن النية. في موضوع الإرهاب، عرضت طهران التعاون الكامل في مواجهة كافة المنظمات الإرهابية؛ وأهمها القاعدة. في الموضوع العراقي، ستعمل إيران بنشاط مع الولايات المتحدة على دعم الاستقرار السياسي وإقامة مؤسسات ديموقراطية، والأهم من ذلك، تشكيل حكومة غير دينية.
ربما كان البند الأكثر إثارة للدهشة ذلك المتعلق بعرض إيران القبول بإعلان بيروت الصادر عن القمة العربية؛ أي خطة السلام التي أعلنها ولي العهد السعودي في مارس/ آذار 2002 والتي عرض العرب بموجبها إبرام سلام جماعي مع إسرائيل، مقابل موافقة إسرائيل على الانسحاب من كافة الأراضي المحتلة والقبول بدولة فلسطينية مستقلة بالكامل، والتوصل إلى حلّ عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. من خلال هذه الخطوة، ستعترف إيران رسمياً بالحل القائم على دولتين. وكان المتشددون بطهران قد رفضوا قبل سنة واحدة المبادرة العربية، مجادلين بأن عودة إسرائيل إلى حدود ما قبل العام 1967 ستكون حلاً غير عادل بالنسبة إلى الفلسطينيين.  
(ص 338 ـ 340)
الأمنيات الإقليمية الإيرانية!
بالرغم من أن إيران لم تكن في وضع يمكّنها من تحدّي الولايات المتحدة أو الحلول محلها كقوة منفردة في المنطقة ـ أصبحت أميركا قوة بحكم الأمر الواقع في المنطقة من خلال تواجدها العسكري في دول مجلس التعاون الخليجي ـ فقد غذّى تصاعد إيران وسعيها إلى إيجاد نظام جديد شهية إيران بالتأكيد للعب دور سياسي واقتصادي على حساب مكانة إسرائيل. لقد رأى رجال الدين أن العزلة المفروضة على إيران غير طبيعية، وغير عادلة، ولا يمكن تبريرها. كان يجدر أن تتعلم واشنطن من فشل مؤتمر مدريد عام 1991 درساً قيّماً؛ لا يمكن أن يحدث تغير جوهري بدون تعاون من جانب إيران. يشرح هادي نجاد حسينيان، الذي خدم في وزارة الرئيس هاشمي رفسنجاني في التسعينيات، "ما من شك في أن إيران أرادت وشعرت بأنه من حقها أن تلعب دور قوة إقليمية. ينبغي أن نكون القوة الأوسع نفوذاً في المنطقة، وأن نلعب دوراً بناء على ذلك، فنحن نملك الإمكانيات وينبغي علينا أن نجسّد ذلك". وسواء راق الأمر لأميركا وإسرائيل أم لا، فليس أمامهما خيار سوى الاعتراف بحقيقة قوة إيران ونفوذها. ويجادل عباس مالكي، الذي خدم كنائب لوزير الخارجية في ذلك الوقت قائلاً: "إيران قوة إقليمية. وإيران يمكنها حل المشكلة الأرمينية أذربيجانية. وينبغي أن تكون إيران جزءاً من مؤتمر شنغهاي. وإيران جزء من منظمة التعاون الاقتصادي، وينبغي أن تكون طهران جزءاً من مجلس التعاون الخليجي". 
 (ص 243 ـ 244)
المصالح المتناقضة!
فلو وضعنا الإيديولوجية والخطب جانباً، نجد أن إيران والولايات المتحدة تتقاسمان العديد من المصالح المشتركة في المنطقة. فكلتاهما في حالة عداء مع العراق، وكلتاهما بحاجة إلى إرساء الاستقرار في الخليج العربي، وكلتاهما تؤيد تدفق النفط بدون إعاقة، وكلتاهما تعارض ـ بدرجات متفاوتة ـ تنامي قوة حركة طالبان بأفغانستان وتجارة المخدرات الأفغانية. خافت إسرائيل من أن تطغى هذه المصالح المشتركة بين إيران والولايات المتحدة في أي حوار أميركي إيراني على هواجس إسرائيل حيال طهران، وتترك إسرائيل بمفردها في مواجهة منافستها الفارسية. 
 (ص 256)
 
 
 
 
البعد الأيديولوجي في العلاقات السعودية-الإيرانية
الأثنين 20 يوليو 2009

الفصل الثامن من كتاب "إيران والخليج: البحث عن الاستقرار"

تأليف صالح المانع - صفحة 223-243

  

 وكان اندلاع حرب الخليج الأولى-بين العراق وإيران-هو نتيجة حتمية للتناقضات القائمة بين قطبين يمثلان نوعين مختلفين تماما من أنظمة الحكم، وبينهما صراعات إقليمية وحدودية، وتاريخ حافل بتدخلات كل منهما في شؤون الأقليات لدى الطرف الآخر. كل ذالك يبرر كيف اعتبرت الخلافات الإقليمية الأخرى مجرد عامل ثانوي في هذه الحروب الدامية والمكلفة. وقد طغت ذكريات هذه الصراعات على القضايا الإقليمية والايدولوجية الأخرى القابلة للانفجار، والتي أدت إلى التنافس الايدولوجي بين إيران والمملكة العربية السعودية خلال العقد الماضي.

   ويحاول التحليل التالي أن يدرس تطور السياسة الخارجية ضمن إطار المؤسسات الدينية المتوازية والمتنافسة، التي تديرها مجموعتان متنافستان من العلماء، تتمسكان بالقيم الإسلامية الشاملة، وتؤثران في السياسة الخارجية لدولتيهما، وإن ظلتا أسيرتين للشكوك والمعتقدات العدائية في بعض الأحيان.

 

 كما هو معروف فان أي بحيرة صغيرة ضحلة تعكس المد والجزر بسرعة ووضوح، وكذالك كان الخليج العربي على الدوام يعكس حالات المد والجزر في النفوذ العسكري للقوى العربية والإيرانية.  وعلى مر التاريخ، تعاملت إيران-سياسيا واقتصاديا- مع السواحل الغربية العربية للخليج، فقد مد حكام عمان نطاق نفوذهم في القرن السابع عشر ليشمل مساحة صغيرة من الأراضي الإيرانية المطلة على الخليج، وأقاموا مستعمرات تابعة لهم امتدت شرقا حتى إقليم السند (باكستان). 

وقام نادر شاه خلال حكمه باحتلال مسقط لمدة أربع سنوات بين عامي 1738 و1741. ثم قام شاه إيران في فترة السبعينات بإرسال 35.000 جندي لمحاربة المتمردين الماركسيين في منطقة ظفار جنوب سلطنة عمان. وتشكل منطقة الخليج مركزا تجاريا هاما بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ 1980، حيث كانت موانئ دبي والشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة تمثل بابا خلفيا مهما، يمكن عن طريقة نقل البضائع الغربية المحظورة إلى إيران.

  وبنجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، نشأ في طهران نوع جديد من العلاقات والسياسات تجاه المملكة العربية السعودية ودول الخليج، لم يأخذ شكل الحماس الثوري فحسب، بل اتخذ شكل وجهة نظر ذات طبيعة خاصة وتبشيرية أحيانا تحاول استخدام هيكل الدولة كآلية لطرح موقف أيديولوجي في الداخل، وفي المنطقة المتاخمة لإيران مباشرة على حد سواء.

 

نشأة الجمهورية الإسلامية

تنزع بعض الثورات الإسلامية و"التقليدية" في الشرق الأوسط _التي تنجح في إقامة دولة_ لأن تستند على عقد ديني/عسكري بين أهل السيف (الحكام) وأهل القلم (العلماء). ويؤدي هذا التحالف بين القائد العسكري –والسياسي لاحقا- وبين رجل الدين إلى إضفاء الشرعية السياسية على الدولة، ويضع الأيديولوجيا في إطار دينامي أو في حالة من الغليان،  ليس فقط لتوسيع النطاق المذهبي، بل أيضا لتدعيم هياكل الدولة ومؤسساتها ومد نفوذها إلى نطاق سياسي أكبر وأشمل.

وبعقد تحالف ديني وسياسي ناجح بين محمد بن سعود – مؤسس أسرة آل سعود الثانية الحاكمة- ومحمد بن عبد الوهاب عام 1744، أمكن إقامة دولة مزدهرة في منطقة نجد في القرن الثامن عشر.  وتعتبر المملكة العربية السعودية اليوم امتدادا لهذه الدولة،  حيث تطبق الأنظمة والايدولوجيا نفسها، وتلتزم بالعقد نفسه الذي ربط آل سعود بآل الشيخ محمد عبد الوهاب أو بأحفاده.

وفي النصف الثاني من القرن الخامس عشر جرت في إيران عملية مشابهة لبناء الدولة، على أساس تحالف ناجح بين رجال الدين الشيعة – المنتمين إلى القبائل التركمانية- وأسرة الصفويين الحاكمة. ونجح هذا التحالف عام 1501 في إقامة واحدة من أوائل الدول الشيعية في الشرق الإسلامي.

كما نجح هذا التحالف في حمل معظم قاطني الهضبة الإيرانية وأجزاء من العراق على اعتناق المذهب الجعفري. وتوسع حكم الصفويين بمرور الزمن في اتجاه الشرق إلى أن وصل إلى شمال الهند وتركستان. وبحلول العقود الأولى لحكم آل قاجار في إيران (1785-1925) باتت طبقة رجال الدين الشيعة على درجة من القوة والثراء،  حررتهم من الوصاية السياسية التي اتسم بها عصر الصفويين (1501-1722)، بل مكنتهم من الحصول على استقلالهم الذاتي.

كانت الخطوة المنطقية التالية هي تأكيد هيمنة طبقة رجال الدين على الدولة، عبر بسط سلطتهم الدينية على الساحة السياسية. فقد نجح الخميني في رحلته الطويلة،  ليس فقط في إقامة دولة شيعية، وإنما في إقامة دولة شيعية ثيوقراطية، يمسك فيها رجال الدين بكل مقاليد الحكم، ويفرضون قوانين الدولة،  ويديرون معظم مؤسساتها.

أما بالنسبة إلى جارتها المملكة العربية السعودية، فقد اكتفى العلماء  – بما لهم من صلاحيات دينية وأيديولوجية مميزة في نطاق المجتمع المدني، علاوة على حصتهم من المكاسب الاقتصادية المتحققة من الثروة النفطية -  بالقيام بدور ثانوي، يلي في درجة الأهمية دور قادة الدولة السياسيين.

وأضفى العلماء ثوب الشرعية على الدولة وعلى الفتاوى في أوقات التغيرات أو الأزمات الشديدة.  وأصبحت الشريعة هي المرجع في الحكم،  وشكلت أحكامها القانون الأساسي للدولة. وشهدت المملكة فترات تنافس بين الرموز القائمة والجماعات الفتية الهامشية المنادية بالصحوة الإسلامية،  التي سعت إلى تحدي دور العلماء الثانوي في الهيكل السياسي،  لكن هذه الجماعات ظلت هامشية بسبب النزعة البراجماتية لدى طائفة العلماء.

وبرغم هذا، تحققت مطالب هذه الجماعات وتم استيعابها في النظام، ضمن إطار القوانين القائمة، ودون إعطاء عناصرها بالضرورة ثقلًا سياسيًا كبيرًا،  مما أدى إلى استعدائهم، وربما إبعاد البعض منهم عن الساحة السياسية والدينية الرئيسة. أما في إيران، إبان فترة حكم آل بهلوي، فلم ينصت الشاه إلى النداءات العديدة التي طالبت بإجراء إصلاحات دينية، وسعى _ بدلًا من ذلك _ إلى فرض سياسة الإكراه على المؤسسة الدينية والطبقات الاجتماعية الأخرى. في حين أن المؤسسة الدينية في المملكة العربية السعودية – برغم كونها أقل تنظيمًا وأقل عدداً من حيث الكوادر – ظلت أثناء فترة بناء الدولة تتمتع بوضع متميز من الناحيتين الاقتصادية والأيديولوجية.   

 

 ومن خلال الآيديولوجيا (أي العقيدة الإسلامية) نشأ إحساس بالمشاركة غير المباشرة لدى النخبة الجديدة_ من خلال الوظائف المكلفين بأدائها _ ولدى أبناء المجتمع القبلي.  وجرى أيضا استيعاب الطبقة المتوسطة ذات التعليم الديني داخل إطار الخدمة المدنية ،  إلى الحد الذي شغل فيه خريجو المعاهد والجامعات الدينية ما يقرب من ثلث عدد الوظائف المتاحة في البيروقراطية السعودية،  خلال السنوات العشر الماضية .

وهكذا استوعبت المشاركة – إما عن طريق الوظائف وإما عن طريق الإيديولوجيا – طبقة متعددة الأبعاد تضم النخبتين التقليدية والجديدة . وجرى تأكيد دور العلماء الإرشادي عندما هبت رياح الصحوة الدينية على هذه النخبة المتعلمة الجديدة . ومع تزايد التعقيد في بنية المجتمع،  أصبحت المشاركة في الإيديولوجيا مرادفا للمشاركة السياسية السلبية .

ومع تعاظم دور البيروقراطية في استيعاب شرائح أكبر من المجتمع أصبحت المشاركة الوظيفية – ضمن أمور أخرى – بديلا للمشاركة السياسية . واتسم هذا الدور المتعاظم للبيروقراطية بأهمية كبرى في عملية توزيع خيرات الدولة الغنية وخدماتها. وعموماً،  فقد اصطبغ تطور البيروقراطية بهيمنة الايدولوجيا وسيطرة المؤسسات الدينية،  التي أصبحت حارساً للسلوكيات الأخلاقية العامة، ومهيمناً على العديد من المسؤوليات المهمة في المجتمع،  مثل سياسات تعليم الإناث على مستوى المراحل التعليمية كلها،  بدءاً من المرحلة الابتدائية وانتهاء بالجامعة.

وتركت حركة الحصوة الإسلامية – التي طالت معظم دول العالم العربي، وإيران في فترة الثمانيات – بصماتها على المتمرسين من النخبة الجديدة، الذين بدأوا في إتباع الاتجاه الشعبي السائد ، بتبني إيديولوجيا شبه دينية،  جعلتهم أكثر قبولاَ لدى شرائح المجتمع التقليدية ،  وأدت إلى طمس الخلافات القائمة بين الجماعات الدينية الجديدة ودراسي أصول الدين القدامى . لكن المنافسة بين القدامى والجدد – من هذه النخبة – لم تحسم دون وقوع مناوشات،  مثل ما حدث حول حقوق المرأة ، وما دار إثر وصف مؤيدي المدرسة التحديثية في الأدب بالهرطقة .

والتماثل بين إيران ما بعد الثورة والمملكة العربية السعودية يبدو مدهشاً للغاية، إذ يطرح كلا النظامين السياسيين نموذجاً معينا ًللدولة الإسلامية، ويشتركان في تمسكهما بالقيم الإسلامية العامة، وفي كون الشريعة الإسلامية القانون الأساسي للدولة، ولرجال الدين في كليهما دور بارز في تنظيم المجتمع وتوجيهه. ويؤدي "مجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في كلتا الدولتين دور الشرطة الدينية الساهرة على التأكيد من الالتزام الكامل بأوامر الشريعة الإسلامية وحرفية نصوصها .

وتقوم المؤسسة الدينية في كلتا الدولتين بتوجيه العملية التعليمية ،  وخاصة بالنسبة للإناث . وللصفوة من رجال الدين دور هام – برغم ثانويته – في وضع الهيكل التنظيمي للبعاث الدبلوماسية وتعيين موظفيها . ومع أن آيات الله يحكمون اليوم سيطرتهم الكاملة على معظم الوزارات  والمؤسسات الحكومية في إيران، فإن العلماء في المملكة العربية السعودية يكتفون بوضع المعايير السلوكية للمجتمع، وبعض اللوائح التنظيمية الخاصة بالدولة، مع الاحتفاظ بحق الاعتراض على أية تشريعات يرون أنها تتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية .

وخلاصة القول إن هياكل سلطة العلماء في إيران سارت – عبر التاريخ – في مسارات متوازية مع هياكل سلطة الدولة، أما في المملكة العربية السعودية فقد كانت جزءاً من سلطة الدولة.

 

 

 

إن الدور الشامل للدين في إيران والمملكة العربية السعودية لم يؤثر فحسب في الطبيعة شبه الثيروقراطية للنظام السياسي،  بل أثر أيضا ً في السياسة الخارجية وصبغها بصبغة معينة. ولوجود الحرمين الشريفين على أراضيها،  فقد اعتزت المملكة العربية السعودية بقيادتها للدول الإسلامية، وكافحت من أجل تنسيق السياسات الخارجية لكثير من الدول الإسلامية، وتعبئة الرأي العام في هذه الدول لدعم القضايا العربية، مثل دعم الحركة الوطنية الفلسطينية،  والدعوة إلى عودة القدس إلى السلطة الفلسطينية، ودعم المجاهدين في أفغانستان،  وتقديم الدعم الإنساني والسياسي لمسلمي البوسنة مؤخراَ .

واتبعت السياسة الخارجية السعودية وسيلتين لإدارة هذه السياسة الإسلامية؛ الأولى رسمية عن طريق رعايتها المباشرة لـ "منظمة المؤتمر الإسلامي"، والثانية غير رسمية، من خلال المنظمات غير الحكومية مثل "رابطة العالم الإسلامي"، التي تقدم أعمال الإغاثة الإنسانية للمجتمعات الإسلامية المعدمة في أفغانستان وأفريقيا،  كما تعمل في مجال الأنشطة المرتبطة بالدعوة الإسلامية . وهناك منظمة ثالثة _ ربما أكثر أهمية_ وهي "مؤتمر (مجمع) الفقه الإسلامي"، وهي منظمة غير حكومية تعقد اجتماعاتها السنوية في مكة المكرمة قبل موسم الحج،  لمناقشة القضايا الدينية الكبرى التي تواجه العالم الإسلامي .

ويشكل هذا المؤتمر (المجمع) منبراَ للعلماء والفقهاء والشيوخ الأفاضل من جميع أنحاء العالم،  بهدف إصدار الفتاوى الخاصة بالقضايا الحيوية التي تواجه الأمة الإسلامية. ومن خلال هذا الثالوث من المنظمات الإسلامية _ الحكومية وغير الحكومية _تمكنت المملكة العربية السعودية من تدعيم منزلتها بين دول العالم الإسلامي، وانتهاج سياسات لها تأثيرها في العالم الإسلامي، الأمر الذي عزز من دورها الإقليمي وسياساتها الإقليمية .

وفي ظل هذه الخلفية وهذا الوعي بوجود خلافات مذهبية وفلسفية تباعد بين الدولتين،  حاولت إيران _منذ قيام الثورة _تحدي الموقع القيادي المهيمن للمملكة العربية السعودية. ومع أن إيران ما زالت عضواَ كامل العضوية في "منظمة المؤتمر الإسلامي"، إلا أنها ارتأت مقاطعة معظم اجتماعات المنظمة. ولم تشارك إلا في اجتماعات مختارة عندما كان لهذه الاجتماعات تأثير في اهتماماتها الأمنية. وهذا ما حدث عندما دُعيت الدول الإسلامية عام 1980 إلى اجتماع "لاهور" لوزراء خارجية  منظمة المؤتمر الإسلامي، من أجل مناقشة إستراتيجية المنظمة في كيفية التعامل مع الغزو السوفيتي لأفغانستان .

وعندما نجح العراق عام 1982 في كسب تأييد بعض قطاعات الرأي الإسلامي الرسمي لوجهة نظرة من الحرب الدائرة مع إيران،  قررت الأخيرة إنهاء مقاطعتها لاجتماعات المنظمة بصفة مؤقتة، وشاركت في الاجتماع الثاني عشر لوزراء الخارجية، الذي عُقد في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1982 في مدينة نيامي عاصمة النيجر. وعندما أصبح الانسحاب السوفيتي من أفغانستان وشيكاً في كانون الأول/ ديسمبر 1988 ارتأت إيران ضرورة إحياء دورها المستقل – لأسباب مذهبية بحتة أحياناً – من أجل الوقوف إلى جانب مصالح بعض الجماعات الفدائية داخل صفوف المجاهدين،  الأمر الذي أدى تقريباً إلى انهيار الوحدة الهشة لحكومة المجاهدين المؤقتة.

وبدلاً من تزعّم المنظمات الحكومية الرسمية المتاحة لها، ناضلت إيران في عهد الخميني، لتتزعم وترعى بعض جماعات الصحوة الداعية إلى الوحدة الإسلامية،  رغم اقتصار عضويتها – إلى حد كبير – على أبناء الطائفة الجعفرية. وهكذا استمرت إيران في دعمها لحزب الله في لبنان، وحزب الدعوة في العراق، وجماعة خط الإمام في الكويت .

وأصبح تهديد الوضع القائم في دول الخليج المجاورة السمة المميزة للجمهورية الإسلامية الإيرانية وأسلوب عملها. ولذالك ، ظلت مثل تلك الدعوات – المنادية بتحقيق الوحدة الإسلامية – مثار شك وريبة،  فقد دأب نظام طهران على استخدام سياسة الترهيب والترغيب مع الدول المجاورة،  ليبعدها عن العراق أثناء الحرب. ولذالك، فإن الطبيعة الأيديولوجية للثورة ورسالتها الأيديولوجية تم توظيفها بطريقة فعالة – أثناء فترة حكم الخميني – لخدمة المصالح الأمنية العليا للدولة.

 

 

 

 

 

 

ترك الصدع التاريخي الذي حدث في العالم الإسلامي – بين المدارس الفقهية السنية الأربع، والمدارس الشيعية الثلاث الكبرى – ظلالا سوداء في قلب كل مسلم. وقد حاول آية الله الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية" التوفيق بين المذهبين الإسلاميين.  فسعى للتقليل من شأن الخلافات المذهبية وتجاهلها، وحاول استرضاء أغلبية المسلمين عن طريق الاعترافات بالإسهامات الكبيرة التي قدمتها الإمبراطورية العثمانية للأمة الإسلامية، وإن كان قد رفع أئمة الشيعة إلى منزلة التقديس، متجاوزاً بذالك منزلة الرسل. واتضح إيمانه بـ "الاصطفائية" (نظرية لاهوتيه تؤمن بأن الخلاص مقصور على النخبة فقط) في استخدامه للرموز والأحاديث التي وردت على لسان النبي محمد، صلى الله عليه وسلم،  والأئمة الأثنى عشر وعلى رأسهم الإمام علي كرم الله وجهه.

إلا أنه بمجرد استلام آية الله الخميني مقاليد الحكم،  تخلى على ما يبدو عن دعوته للوحدة الإسلامية، فالدستور الإيراني لعام 1979، والتعديلات التي أجريت عليه في شهر آب/ أغسطس 1989، لم تلتفت إلى الحقوق الدينية والسياسية لأبناء الطوائف غير الجعفرية في إيران، وبالذات للأكراد الحنفيين،  والتركمان والبلوش المالكيين. ويرى كثير من المراقبين في منطقة الخليج أن هذا التجاهل المتعمد لم يكن في صالح قضية الوحدة الإسلامية .

خلال العقد الماضي صدر عدد من الكتب في العالم الإسلامي، ترفض أن يتحدث الخميني باسم الأمة الإسلامية. وقد غلبت النبرة الخطابية على بعض هذه الكتب،  ولكن البعض الأخر تناول الأسس النظرية للفكر الشيعي بالتشكيك. ومن أمثلة ذلك ما تعرض له كتاب الكليني – تحت عنوان "الكافي" – من انتقادات، فقد اعتُبر رمزاً لـ "الغلو" لأنه يضفي على الأئمة هالة من الغموض والقداسة. ومن ثم فقد وُصفت مثل هذه الكتب بأنها كتب بدع وهرطقة، وأنها تحريف للقرآن الكريم. وإذا كانت الغيرة الدينية هي التي دفعت بعض هؤلاء الكتاب،  فإن البعض الآخر كان وراءه دوافع سياسية . جدير بالذكر أن عدد هذه الكتب لم يتجاوز 21 كتاباً منذ عام 1979.

في الوقت ذاته بدأت مجموعة صغيرة من الكتاب في مصر تدعو إلى فتح حوار بين علماء الشيعة وعلماء السنة،  وكان من بينهم الكاتب علي عبدالواحد وافي الذي ألف كتاب "بين الشيعة والسنة" عام 1983، ودعا إلى عقد تسوية تاريخية بين علماء المذهبين. ولم تكن هذه الدعوة جديدة، إذ دعا نادر شاه ( 1688_1747) إلى الأمر ذاته، عندما جمع علماء السنة والشيعة في مدينة النجف عام 1743،  داعياً إلى عقد اتفاقية دينية جديدة بين المذهبين،  يمتنع علماء الشيعة بموجبها عن سب أبي بكر وعمر وعن الغلو (اعتبار الإمام علي في منزلة تقارب منزلة النبوة).

وكان الدافع وراء محاولة نادر شاه التاريخية المذكورة هو تحقيق مخطط إمبراطوري، إذ كانت الاختلافات المذهبية سبباً في انقسام قيادته العسكرية إلى فئتين. ويبدو أن هذه التسوية التاريخية قد انتهت باغتيال نادر شاه بعد ذالك بأربع سنوات.

 

 

 

ولقيت فتوى الشيخ شلتوت معارضة مجموعة من علماء السنة، من بينهم العالم الإسلامي السوري محب الدين الخطيب، الذي بنى نقده على أساس أن أبرز أربعة مؤلفات في فقه المذهب الشيعي – " الكافي " للكليني ،  و"السرائر" للحلّي، و"الإرشاد" لابن النعمان، و"المسائل الناصرية " للسيد المرتضى – تسيء للخليفتين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وادّعى أن بعض هذه النصوص – خاصة مؤلف "الكافي" – لا يمكن اعتبارها جزءاً من الفقه الإسلامي،  لأنها ترفع الأئمة إلى منزلة الرسل. بل ذهب الخطيب إلى أبعد من ذالك،  إذ نظر إلى مقولة الطوسي – بأن القرآن الكريم قد حُذفت منه "سورة الولاية" التي تنص على حق الإمام علي في الولاية – باعتبارها "كفراً مبيناً" .  

والاتجاه الذي تبناه محب الدين الخطيب ضد محاولة إيجاد تطابق بين "نظامين متعارضين للإيمان" – في الكتاب الذي نشر للمرة الأولى عام 1960 – عاود الظهور مرة أخرى في كتابات إبراهيم الجبهان بالمملكة العربية السعودية ، وإحسان إلهي ظهير بباكستان، ومحمد مال الله بمصر (كان يدرس في مصر لكنه من البحرين. الراصد). ومضى كل هؤلاء الكتاب على الخط نفسه الرافض لإقامة حوار مع علماء الشيعة، إلا بعد أن يطهر الشيعة تعاليمهم وكتاباتهم من النقائص التي ألصقوها بالصحابة. وكان إحساس إلهي ظهير سيء الحظ فدفع حياته ثمناً لإثارة هذه القضايا في باكستان.

أما محاولات علماء الشيعة التوفيق بين منهجهم التقليدي ومنهج علماء السنة فيبدو أنها دفعت العالم العراقي الكبير، آية الله محمد باقر الصدر، إلى إعادة تقييم عداء الشيعة التقليدي لمعاوية بن أبي سفيان. وبرغم انتقاده سياسات معاوية وتوجهه السياسي، فقد أسند إليه الفضل في إنقاذ الدولة الإسلامية في فترة اتسمت بالتقلبات والشكوك. وربما يكون هذا التفسير الجديد للتاريخ من قبل الصدر – طبقا لما أورده شبلي ملاط – قد خدم هدفاً سياسياً للمعارضة العراقية في بحثها عن مدخل إلى قلوب السنة في العراق.

ثم كتب أبو الحسن موسى الموسوي – وهو عالم إيراني مستقل – عرضاً نقدياً لكتب الفقه الشيعي التقليدي. ففي كتابه بعنوان "الشيعة والتصحيح " دعا علماء الشيعة إلى تنقيح مراجعهم من كل أوجه الدنس التي وصموا بها صحابة النبي صلى الله عليه وسلم،  وإلى تنقية المذهب من كل البدع والممارسات المنافية لتعاليم الإسلام الحقة. وأخيراُ، أصدر آية الله علي خامنئي، المرشد الروحي لإيران، فتوى في 14 حزيران/ يونيو 1994 تحرم عادة تعذيب النفس التي يمارسها الشيعة عند إحياء ذكرى عاشوراء،  ندماً  على تخاذلهم في نصرة الإمام الحسين. وأعتبر خامنئي هذه الممارسات بعيدة عن الدين ولا تليق بالمسلم الورع.

  

 ذكر هنري كيسنجر في إحدى كتاباته عام 1961، أن الدول ذات الدوافع الأيديولوجية تميل إلى تطبيق سياسة خارجية نشطة ذات مخططات كبرى، من العسير تحقيقها، كما تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام العالمي القائم.

وقد انتهجت إيران ـ  كدولة ثورية ـ سياسة خارجية ذات مخططات كبرى منذ عام 1979 ففضلاً عن تحديها التوزيع الحالي للقوة والثروة في النظام العالمي، سعت إلى كسب تأييد الجماهير الإسلامية من خلال إيماءات رمزية، مثل إصدار الفتوى بحق سلمان رشدي، وتحدي شرعية نظم الحكم القائمة بالدول الإسلامية.

وجنحت النظرة الثنائية تجاه العالم ـ التي تحكم أفكار آية الله الخميني ـ إلى تقسيم العالم قسمين: المستضعفين والمستكبرين. وانسحبت هذه النظرة على العالم الإسلامي أيضاً، فدعت إلى التمييز بين الإسلام الشعبي، وبين ما يعرف بالإسلام الرسمي. ولم يكن آية الله الخميني مهتماً بالضرورة بمعرفة أثر مثل هذه النظرة على الصدع التاريخي بين السنة والشيعة الأمامية (إحدى مدارس الشيعة الكبرى)، ولكن الواضح أن الخميني ـ من خلال إطاره الثنائي ـ كان ينظر إلى دول الخليج كحليف لقوى "المستكبرين" .

كان سعي الخميني إلى استخدام الدين كمحدد لسياسته الخارجية تجاه دول الخليج أحد أبرز العوامل في محاولة تحدي الشرعية الإسلامية لهذه الدول كما اصطبغ رد فعل تلك الدول بالأسلوب ذاته. فقد دعا الخميني إلى وضع المدينتين الإسلاميتين المقدستين،  مكة المكرمة والمدينة المنورة، تحت سيادة إسلامية مشتركة. كما طالب رئيس وزرائه موسوي عام 1984 بإرسال "قوات من كافة الدول الإسلامية" إلى مكة والمدينة.

ولكن هاشمي رفسنجاني ـ رئيس مجلس الشورى آنذاك ـ سحب تصريح موسوي في نهاية تلك السنة. ومع ذلك نظمت الحكومة الإيرانية في كانون الثاني/ يناير 1988 مؤتمراً عقد في لندن، للدعوة إلى نزع السيادة السعودية عن الحرمين الشريفين.

ونظراً للاحتجاج الشديد على مثل هذا التدخل في الشؤون الداخلية للمملكة العربية السعودية، عدّل الناطقون الرسميون الإيرانيون من أسلوبهم الدعائي، فأصدر حجة الإسلام حسن روحاني،  نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) تصريحاً في 31 أيار/ مايو 1994 بعد موسم الحج، دعا فيه إلى قيام الدول الإسلامية بإدارة موسم الحج "، وأضاف أن إيران مستعدة لإرسال متطوعين إلى مكة المكرمة لإدارة موسم الحج".

 ورفض الشعب السعودي مثل هذه الموقف من جانب الحكومة الإيرانية، كما رفض مخططاتها ودعايتها المغرضة. ووجدت الحكومة السعودية في اقتراحات القادة الإيرانيين هذه تهديداً لسيادتها ووحدتها، التي لم تبلغها إلا بعد رحلة تاريخية طويلة وشاقة، بدأت منذ انعقاد المؤتمر الإسلامي في مكة المكرمة عام 1926 .

وبهدف زعزعة الصورة الايجابية التي اكتسبتها المملكة العربية السعودية في العالم الإسلامي، بدأت القيادة الإيرانية بالفعل في وضع سياسة منظمة لإثارة القلاقل أثناء موسم الحج، وهي القلاقل التي أفرزتها ـ جزئياً ـ الخلافات القائمة بين البلدين حول المعنى الرمزي للحج. ولم تقتصر هذه القلاقل على المسيرات السلمية فحسب، بل شملت أحياناً وقوع صدامات عنيفة مع قوات الشرطة أودت بحياة البعض . وقد أدى هذا السلوك بالخميني أحياناً إلى تقديم اعتذاره عن أفعال بعض الحجاج الإيرانيين،  ولكن الحملة لم تتوقف طيلة حياته.

واتُهمت إيران في عدد من المرات بتهريب كمية ضخمة من المتفجرات أثناء موسم الحج، كما حدث عام 1987،  في حين أدت الصدامات التي وقعت بين الحجاج الإيرانيين وحجاج الدول الإسلامية الأخرى إلى وفاة ما يقرب من 400 شخص في مكة المكرمة، منهم 275 إيرانياً، و42 من دول أخرى، و85 من رجال الشرطة السعودية. ونتيجة ذلك،  قاطعت إيران موسم الحج لمدة عامين وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع المملكة، وقام عملاء إيرانيون بتفجير قنابل حقيقية في مكة المكرمة عام 1989 . وبربط هذه الأحداث بأعمال العنف الأخرى الموجهة ضد الدبلوماسيين السعوديين ـ في فترة الثمانينيات ـ لا بد أن يخرج المرء بمحصلة مؤداها أن إيران كانت تسعى إلى تخويف القيادة السعودية، وتحدي مرجعيتها الإسلامية وإدارتها لشعائر الحج.

 

رد فعل المملكة العربية السعودية

تتمسك المملكة العربية السعودية ـ مثلها في ذلك مثل إيران ـ بالعقيدة الإسلامية في سياساتها مع سائر الدول الإسلامية الأخرى. وقد سعت المملكة إلى تحديد العدد الإجمالي للحجاج، وحددت نصيب إيران بما لا يزيد على 55.000 حاج سنوياً، بعد أن زاد عددهم الفعلي من 74.963 عام 1979 إلى 157.195 حاج عام 1987،  خاصة بعد أن تعمد بعض الحجاج الإيرانيين إثارة القلاقل للسلطات الأمنية السعودية،  وإزعاج حجاج دول العالم الإسلامي الأخرى.

وسعت المملكة إلى كسب تأييد المؤتمر السابع عشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية الذي عقد في عمان عام 1987،  ونجحت في ذلك بالفعل، إذ تبنى المؤتمر صيغة محددة يتم بمقتضاها تحديد عدد الحجاج بمعدل واحد لكل ألف نسمة من إجمالي عدد سكان أي دولة  إسلامية. ولاقت هذه الصيغة تأييداً كبيراً من جانب الدول الإسلامية وأعضاء منظمة المؤتمر الإسلامي، إذ وفرت على هذه الدول احتياطيات ضخمة من العملة الصعبة. وساهمت هذه الصيغة الجديدة ـ بالنسبة للمملكة ـ في تخفيف الضغط عن خدمات الإسكان التي تقدمها للحجاج بشكل مجاني، كما أدت إلى تحسين عملية المحافظة على استتباب الأمن أثناء موسم الحج .

وبسعي المملكة وراء كسب تأييد الدول الأخرى الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، نجحت في تأكيد سلطتها بوصفها "خادمة الحرمين الشرفيين"،  وفي إعلاء مكانتها المتميزة في العالم الإسلامي. وقد يكون هذا النجاح الدبلوماسي الواضح ـ علاوة على حادثة الحرم المكي عام 1987 ـ هو ما دفع الحكومة الإيرانية إلى اتخاذ قرارها المتطرف بمقاطعة موسم الحج عامي 1988 و 1989. ومع ذلك ظل عملاء إيران يحرضون على رفع راية التحدي في مكة المكرمة، مما قد يكون انعكاساً لإحساس النظام الإيراني بالعزلة، أو محاولة إرغام دول الخليج العربية على تقديم المعونات المادية لإيران لمساعدتها في تنفيذ برنامج الإعمار بعد الحرب.

سعت المملكة العربية السعودية أيضاً إلى كسب الدعم السياسي من جانب المؤسسات التقليدية في العالم الإسلامي، مثل الأزهر الشريف في مصر،  والجماعة الإسلامية في الهند. وهكذا استمرت المنافسة لكسب ود الرأي العام الإسلامي، لا سيما علماء المسلمين. وبرغم قدرة كلا الطرفين على تقديم المعونات المادية للجمعيات والمدارس الخيرية الإسلامية في جميع أنحاء العالم النامي والمتحضر، إلا أن المملكة تنفرد وحدها بالقدرة على دعوة المسلمين الأتقياء من كل مذهب لزيارة الأماكن المقدسة في مكة والمدينة.

وبرغم ما سبق،  خفت حدة التنافس بين الدولتين نتيجة لاتخاذ القيادة السعودية مبادرات ـ بين الحين والآخر ـ لإثبات حسن نواياها تجاه إيران، ففي الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الإسلامي التاسع لوزراء الإعلام في الدول الإسلامية، الذي عقد بجدة في تشرين الثاني/ أكتوبر 1988 ، أعرب العاهل السعودي عن آماله في "مشاركة إخواننا الإيرانيين مشاركة كاملة في أعمال المؤتمر في المستقبل القريب" .

وبعد أقل من شهرين قام عملاء تابعون لجماعة "جند العدالة " ـ وهي إحدى الجماعات الفدائية اللبنانية الموالية لإيران ـ باغتيال الدبلوماسيين السعوديين صالح المالكي وأحمد العمري، في بانكوك وكراتشي على التوالي، ويذكر أن المملكة كانت تحاول منذ عام 1985 جذب طهران لإقامة حوار دبلوماسي، على مستوى وزراء الخارجية.

هذا وقد تعاونت إيران ـ من جانبها ـ مع المملكة العربية السعودية في مفاوضات تحديد حصص إنتاج النفط أثناء اجتماعات دول الأوبك، وفي مكافحة تهريب المخدرات. كما عملت الدولتان بشكل وثيق مع بعضهما البعض،  حتى في أحلك أوقات الحرب الإيرانية ـ العراقية، لإنقاذ الحياة النباتية والحيوانية في منطقة الخليج من الأخطار البيئية الناتجة عن تسرب بقع الزيت. وبرغم هذا التعاون العملي ظلت الخلافات الأيديولوجية والمذهبية حاجزاً كبيراً، يحول دون مضي العلاقات بشكل طبيعي بين هاتين الدولتين الإسلاميتين.

 

 طرأ تغير كبير على العلاقة بين المملكة العربية السعودية وإيران في أعقاب الغزو العراقي للكويت. فقد ساهم موقف إيران الحيادي من الصراع في التخفيف من حدة توتر العلاقات السعودية ـ الإيرانية، بل بدأت العلاقة بين الدولتين تعكس مؤشرات ودية في فترة ما بعد الحرب.

ولأول مرة منذ عقد كامل، اجتمع ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بالرئيس رفسنجاني في داكار عاصمة السنغال، في كانون الأول/ ديسمبر 1990. واتفقت الدولتان على إعادة فتح سفارتيهما في الرياض وطهران، ورفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفراء، اعتباراً من 2 آذار/ مارس 1992.

وقامت الرياض وطهران بمناقشة مستقبل العراق بعد الإطاحة المفترضة بالحكومة الحالية. وخفت حدة الحملات الإعلامية العدائية المتبادلة، وقامت مجموعات من الحجاج الإيرانيين بتنظيم مظاهرات سلمية في مكة المكرمة والمدينة المنورة عام 1991 ،  الأمر الذي لم يكن معهوداً منذ عام 1980 .

وأصبحت إيران مثل مصر ـ ومثل تركيا إالى حد ما ـ مستفيداً أساسياً من حرب الخليج الثانية، إذ زادت ترسانة أسلحتها بدرجة كبيرة، بعد أن صادرت 150 طائرة حربية عراقية وصلت إليها أثناء العمليات الحربية. واستأنف الرئيس رفسنجاني مشاركة بلاده في المحافل الإسلامية الدولية مثل منظمة المؤتمر الإسلامي، وتلقت المؤسسات والجامعات الإيرانية منحاً وقروضاً من البنك الإسلامي للتنمية. ويبدو أن ما عجزت إيران الثورة عن تحقيقه من خلال دعم مختلف الجماعات والمنظمات المنشقة ،  أفلحت في تحقيقه من خلال المداولات الدبلوماسية للمؤتمر الإسلامي .

وأثناء انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي السادس في داكار في كانون الأول/ ديسمبر 1990، استطاعت إيران أن تنال شرف تمثيل المجموعة الإسلامية الآسيوية. وسعى رفسنجاني أثناء انعقاد المؤتمر إلى تصعيد حدة التوتر بين المملكة العربية السعودية وصديقيها السابقين، اليمن والسودان. وقام بعد انتهاء المؤتمر بزيارة كلتا الدولتين وطرح مبادرتين متوازيتين، تتمثل أولاهما في إقامة علاقات رسمية مباشرة،  أما الأخرى فتتمثل في إجراء اتصالات غير رسمية مع الأحزاب السياسية والمنظمات الجماهيرية المتعاطفة مع إيران.

ولم تمنع الخلافات المذهبية مع السودان مثل هذا التوجه،  فكل من اليمن والسودان في أمس الحاجة إلى النفط والأسلحة والى حليف خارجي. ويمكن لإيران ـ على المدى القصير ـ أن تسد بعض هذه الاحتياجات،  لكنها ـ على المدى البعيد ـ لن تستطيع أن تقترب من مستوى المعونات السابقة التي كانت المملكة تقدمها لهما. وسرعان ما أدرك اليمن هذه الحقيقة، فبادر الى التقرب من جارته في الشمال مرة أخرى.

لكن الأسلوب العدواني الذي اتبعه رفسنجاني مع بقية دول الخليج لم يحظ بقبول المملكة العربية السعودية، ففي صيف عام 1992 استعرضت إيران عضلاتها أمام دولة الإمارات العربية المتحدة،  باحتلالها لجزيرة أبو موسى. وصاحب هذا الموقف العدواني ظهور مؤشرات أخرى على التسليح،  وهو الأمر الذي ثبت من خلال المشتريات الإيرانية الكبيرة للأسلحة المتطورة من روسيا، ومن ضمنها طائرات مقاتلة وثلاث غواصات، علاوة على المعدات اللاّزمة لاستئناف برنامجها النووي .

 

 ولم ينجح الاجتماع في الإعلان عن تشكيل حكومة في المنفى، ولكنه أدى إلى توحيد صفوف الجماعات والمنظمات والشخصيات المختلفة داخل جبهة مناوئة لنظام صدام حسين. والأهم من ذالك، أن زيارة الحكيم عززت الأسلوب البراجماتي الجديد للمملكة،  حيث قبلت فكرة قيام نظام مستقبلي في بغداد، يشارك فيه رجال الدين الشيعة بنسبة كبيرة. ونجحت المقابلات التي أجراها الحكيم ـ أثناء زيارته للرياض ـ في تقليل المخاوف من سعي إيران لإقامة دولة تابعة لها في العراق بعد رحيل صدام حسين. 

 

التطورات منذ عام 1990

بدأ شهر العسل ـ الذي ساد العلاقات السعودية ـ الإيرانية في شهر آب/أغسطس  1990، وأتاح للدولتين المتنافستين الفرصة لدراسة القضايا ذات الاهتمام المشترك بدرجة أعمق، لتحديد مجالات التعاون المحتمل. وعاد هذا الأسلوب بالنفع على كلتا الدولتين، بعد أن أصبحت العوامل الايديولوجية لا تشكل عائقاً امام سياسة تسوية الخلافات.

وظلت المملكة العربية السعودية تواقة إلى تطبيع علاقاتها مع جارتها الشرقية. ومع أن هذه العلاقات لن تكون بالمستوى الجيد الذي كانت عليه فيما مضى ـ في عهد الشاه السابق ـ إلا أن المملكة كانت ترى أن منطقة الخليج قد عانت ويلات حروب كثيرة وأنها في أمس الحاجة إلى بيئة مستقرة .

أما إيران فكانت تواقة إلى عقد تسوية مؤقتة مع جيرانها العرب في منطقة الخليج . وكما يحدث مع أي دولة أخرى لا يصادف تخطيط وإدارة السياسة الخارجية سبلا ممهدة دائماً . فقد تعرض رفسنجاني ونظامه لضغوط من جماعتين قويتين داخل إيران،  إحداهما جماعة "القوميين" الرافضين لسياسة الخميني التي أهملت الاستعداد العسكري وكانوا يحلمون ببناء دولة إيرانية قوية.

ولم يكتف القوميون للسعي إلى تحديث الأسطول الإيراني وقوات البرية الإيرانية فحسب، بل مارسوا بعض الاستفزازات ضد الدول المجاورة، وسادت المنطقة كلها حالة من القلق الشديد إزاء توسيع إيران احتلالها لجزيرة أبو موسى عام 1992، وما تلا ذالك من الاستيلاء على جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى بقرار من البرلمان الإيراني، في نيسان/ أبريل 1993.

ويبدو أن ميزان القوى داخل إيران ـ الذي ظل متأرجحاً منذ وفاة الإمام الخميني ـ قد استقر بحلول عام 1993 لصالح المرشد الأعلى علي خامنئي وحلفائه المحافظين، على حساب الرئيس رفسنجاني وجماعته البراجماتية، وبرغم رجحان كفة خامنئي وجماعته،  إلا أن رفسنجاني كان مصمماً على أن يثبت للعناصر المحافظة، أن إقامة علاقات أفضل مع المملكة العربية السعودية من شأنها تحسين الاقتصاد الإيراني .

وقام رفسنجاني في شهر أيلول/ سبتمبر 1993 بمحاولات جادة للتقارب مع القيادة السعودية، بهدف مساعدة إيران في زيادة حصة إنتاجها في منظمة أوبك، وأجرى اتصالا هاتفيا بالعاهل السعودي في 27 أيلول/ سبتمبر، وتبادلت الدولتان لمدة قصيرة سلسلة من الإتصالات الدبلوماسية.

وأسفرت المشاورات عن موافقة المملكة العربية السعودية ـ داخل أوبك ـ على زيادة مستويات الإنتاج بالنسبة للكويت وإيران، وتجميد حصص الإنتاج بالنسبة للمملكة ودولة الإمارات العربية المتحدة. ونتيجة ذلك، ارتفعت حصة الإنتاج اليومي بالنسبة لإيران بمعدل 260000 برميل يومياً .

وفي المقابل، كان الفهم السائد في "أبو ظبي" و"الرياض" أن إيران قد أصبحت أخيراً على استعداد لتسوية نزاعها مع دولة الإمارات حول الجزر بالطرق السلمية، وعن طريق المفاوضات الثنائية. وقام وزير الخارجية الإيراني علي ولايتي بزيارة المملكة العربية السعودية، وأعلن أثناء زيارته لدولة قطر في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 1993 أنه حمل دعوة رسمية للملك فهد لزيارة إيران،  وأن العاهل السعودي قد قبلها . وبدا أن ذلك هو ذروة شهر العسل، وكانت الدولتان على وشك عقد تسوية تاريخية تضع حداً لمعظم القضايا الجوهرية محل الخلاف .

ولكن شيئاً من هذا لم يحدث،  إذ لم ترق هذه الأنباء لبعض قطاعات الرأي العام الإيراني،  وخاصة المتشددين منهم. ونظم مائة إيراني مسيرة داخل جامعة طهران للاحتجاج على توجيه الدعوة. وبدأت بعض الشخصيات الدينية في التهجم على المملكة العربية السعودية وقادتها على صفحات الصحف الإيرانية. وكانت الحملة الإعلامية ـ التي جاءت بعد أسابيع قليلة فقط من تقديم التنازلات السعودية لإيران في اجتماع فيينا ـ بمثابة إهانة للملكة. وصدر بيان سعودي في 16 آذار/ مارس 1993 أعرب بوضوح عن عجز المملكة عن فهم السياسات الإيرانية المتضاربة.

وساءت العلاقات أكثر فأكثر نتيجة قرار الحكومة الإيرانية المفاجئ بعدم طرح قضية الجزر للنقاش، أثناء جولة المفاوضات المقرر عقدها في طهران أوائل شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1993 ، بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران. وهكذا نُسفت المفاوضات عشية انعقاد الاجتماع المقترح، وأحست المملكة العربية السعودية أن إيران قد أساءت فهم سياسات المملكة الوفاقية تجاهها، وأن إيران فسرتها على أنها دليل ضعف،  ولذالك غيرت المملكة موقفها واتخذت موقفاً أكثر صرامة .

واتضح هذا الموقف السعودي الصارم أثناء موسم الحج عام 1994 ،  حيث خفضت المملكة العدد المسموح به من الحجاج الإيرانيين، فقد كانت حصة إيران من الحجاج 55.000 حاج، طبقاً للصيغة التي تبنتها منظمة المؤتمر الإسلامي. وكانت المملكة تسمح ـ منذ عام 1990 ـ لضعف هذا العدد بتأدية مناسك الحج. ولكن نظراً لنقص الوحدات السكنية والأعمال الإنشائية الجارية في الحرمين المكي والنبوي،  تبنت المملكة سياسة جديدة ـ في موسم الحج لعام 1994 ـ بألا يزيد العدد على 55.000 حاج، وفقاً للحصة المخصصة لإيران. وأعلن وزير الداخلية السعودي أيضاً حظر تنظيم مسيرات سياسية أو توزيع أي منشورات أو مطبوعات سياسية في الأماكن المقدسة أثناء موسم الحج .

ورفضت القيادة  الإيرانية هذا التخفيض وسعت إلى زيادة عدد حجاجها المسموح لهم بدخول المملكة. وادعى الإيرانيون أن لديهم أكثر من 170.000 طلب للحج على قائمة الانتظار،  وأن الدول الإسلامية الأخرى لم تستنفد حصتها المتفق عليها في منظمة المؤتمر الإسلامي، وأن إيران ـ على حد قول آية الله خامنئي ـ يجب أن تُعطى لها امتيازات أكبر في هذه المسألة .

وقام السعوديون من جانبهم بزيادة عدد التأشيرات الصادرة للحجاج الإيرانيين إلى 65.000 تأشيرة، إلا أنهم التزموا بقرارهم المعلن من قبل،  بعدم السماح لرئيس بعثة الحج الإيرانية في مكة المكرمة بتنظيم المسيرات الجماعية أو عقد التجمعات .

وأوضح السعوديون أن تجمع مثل هذا العدد الهائل من الحجاج الإيرانيين ـ أو بعض منهم ـ في شوارع  مكة الضيقة، من شأنه أن يؤدي إلى إعاقة حركة السير والخدمات داخل المدينة المقدسة، خاصة قبل نفرة الحجيج من مكة المكرمة إلى منى وعرفات. وانزعجت قطاعات أخرى من الشعب السعودي ـ ومعظمها من الحنابلة المحافظين ـ من عزم آية الله خامنئي على بناء ضريح للإمام الخميني في المدينة المنورة، الأمر الذي ينافي تعاليم الحنابلة. ولذا، لاقت السياسات السعودية الأخيرة تجاه إيران بعض التأييد الشعبي .

وربما يكون رد الفعل الإيراني تجاه الأسلوب السعودي الجديد قد حقق ـ عملياً ـ بعض النتائج الإيجابية . فبرغم استمرار الحملة الإعلامية المغرضة ضد المملكة العربية السعودية،  أصدر آية الله علي خامنئي ـ المرشد الروحي الإيراني ـ أوامره بإلغاء مسيرات الحجاج المزمعة، وبدأ في تخفيف حدة موقفه تجاه المملكة.

 ودعا خامنئي في خطابه إلى الأمة الإيرانية في 23 أيار/ مايو 1994 ـ بمناسبة عيد الأضحى المبارك ـ إلى عقد جولة جديدة من المفاوضات مع المملكة العربية السعودية،  للوصول بمسألة حصة إيران من الحجاج إلى مستوى مرض للطرفين. وردد الدعوة نفسها متشدد  آخر هو آية الله يزدي رئيس المحكمة العليا . ولقي هذا التغير في الموقف الإيراني ـ من جانب خامنئي ويزدي ـ انتقاداً حاداً من أتباعهما،  وخاصة على صفحات جريدة "كيهان" وغيرها من الصحف الإيرانية. وبدا لبعض الوقت أن سياسة إيران تجاه المملكة العربية السعودية قد أصبحت قضية سياسية داخلية. وبالإضافة إلى ذالك، دفعت الضغوط الاقتصادية رئيس مجلس الشورى وزير الداخلية السابق علي أكبر ناطق نوري،  إلى الدعوة لتطبيع العلاقات مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى .

  

 

صالح المانع: حصل صالح المانع على درجة الدكتوراة في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا عام 1981،  قام بعهدها بالتدريس، وعين كوكيل لإحدى كليات جامعة الملك سعود بالرياض في المملكة العربية السعودية،  وظل بها إلى جانب عمله كمستشار لوزارة المالية والاقتصاد الوطني السعودية، كما عمل أستاذا ً زائراً بكلية الدراسات الدولية المتقدمة بالعاصمة الأمريكية واشنطن،  ومستشاراً لمعهد أبحاث نزع السلاح التابع للأمم المتحدة بجنيف، في مشروع ضبط التسلح بالشرق الأوسط .  

 

وبرغم تعاظم الترسانة العسكرية في إيران، فإن علاقتها بالمملكة العربية السعودية لم تتأثر، وإن اتسمت بقدر أكبر من الهشاشة. وفي ربيع عام 1992 بدا وكأن هناك تنسيقاً في سياسات كلا الدولتين تجاه جماعات المعارضة العراقية، إذ قامت المملكة العربية السعودية بدعوة رئيس حزب الدعوة العراقي ـ الشيخ محمد باقر الحكيم المقيم في طهران ـ للمشاركة في لقاء جماعات المعارضة العراقية المنعقد في الرياض في شهر شباط/ فبراير.

 

الغزو العراقي للكويت وأثره في المنافسة الأيديولوجية

 

أثر الصدع الأيديولوجي في السياسة الخارجية

 

وجرت محاولة أخرى للتسوية على يد جمال الدين الأفغاني ومريديه في مصر،  الذين سعوا في نهاية القرن الماضي إلى إقامة دولة إسلامية موحدة تتجاوز الانتماءات الخاصة والمذهبية. وجرت محاولة ثالثة في عام 1959 على يد الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر، الذي أصدر – بإيعاز من جمال عبد الناصر – فتوى تقضي باعتبار الشيعة الأثنى عشرية المذهب الخامس للتشريع الإسلامي،  وأباح لعلماء الأزهر الاستناد في فتاواهم إلى كتب الفقه الجعفرية.

 

العوائق المذهبية

 

نشأت في إيران ما بعد الخميني – على ما يبدو – سياسة خارجية إيرانية ذات مسارين، يضم كل منهما آراء متعارضة في الغالب مع الآخر. ويرتكز المسار الأول،  الذي تنادي به العناصر المحافظة الموالية للخميني، على النظرية التقليدية – الثورية ،  بينما يرتكز الثاني على المفهوم الدبلوماسي التقليدي، القائم على علاقة الدول ببعضها البعض. وما زال المنطق الثوري يجد متنفساً له على المستوى الإقليمي،  الأمر الذي قد يعوق سياسات الدولة التقليدية في بعض الأحيان. ومع نضج الثورة قد تنضج مثل هذه الوسائل .

 

أثر الدين في السياسة الخارجية

 

كانت معظم الجماعات السياسية النشطة في المملكة العربية السعودية صغيرة الحجم. وكان لزعماء القبائل وعلماء الدين جذور عميقة في المجتمع على مر التاريخ. وسعت الدولة الجديدة الى صهر الصفوة التقليدية من رجال الدين وزعماء القبائل داخل بوتقة النظام السياسي، من خلال عملية تمدين المجتمع. وأدت المعيشة في المدن إلى نشوء علاقة مباشرة بين أبناء المجتمع القبلي والسلطة الدينية. وحتى عندما عرضت النخبة من الشباب المتعلم الطموح خدماتها على الدولة،  أمكن صهرهم بسهولة داخل بوتقة البيروقراطية المتنامية .

 

الخلفية التاريخية

 

شغل كثير من المحللين السياسيين الغربيين، على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية منذ قيام الثورة في إيران، بالحرب الإيرانية-العراقية ثم بالغزو العراقي للكويت، وغالبا ما كانوا ينظرون إلى العلاقات الإيرانية- السعودية كنتاج ثانوي لهذه الحروب الإقليمية. بينما يرى محللون آخرون أن التنافس الدائر بين الدولتين ما هو إلا انعكاس للصدام بين القوميتين العربية والفارسية. 

 
 
 
رد علامة العراق محمود شكري الآلوسي على حصون العاملي الرافضي
الأحد 8 يونيو 2008
 رد علامة العراق محمود شكري الآلوسي
على حصون العاملي الرافضي
 
حققه وعلق عليه
إياد بن عبد اللطيف بن إبراهيم القيسي
 
 
 
 إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ان لا اله الا الله وحده لاشريك له ، واشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد :
 فهذه رسالة صغيرة من رسائل علامة العراق محمود شكري الألوسي لم تنشر إلا في كتاب "السنة والشيعة" لصاحب المنار محمد رشيد رضا، والرسالة على صغرها إلا أنها حوت معلومات قيمة ، وكثير من معلوماتها موجود في كتابه "صب العذاب" وفي كتابه المفقود "رجوم الشياطين" .
ورسالتنا هذه هي عبارة عن رسالة أرسلها محمود شكري إلى علامة الشام جمال الدين القاسمي للرد على كتاب "الحصون المنيعة في ردّ ما اورده صاحب المنار في حقّ الشيعة" للشيعي محسن الأمين العاملي مؤلف الكتاب المشهور "أعيان الشيعة" المتوفى سنة (1371هـ/1952م ) .
وهذه الرسالة ليست لدينا نسخة مخطوطة في العراق بل هي مما بعث للقاسمي مباشرة[1]، وقد حذف منها الشيخ رشيد رضا عبارات وصفها بالقاسية.
وهذه الرسالة تعتبر بداية لنشر مؤلفات الألوسي والتي سننشرها جميعا متفرقة ومجموعة كي تعم الفائدة للجميع بعد أن ضلت حبيسة أدراج المخطوطات في العراق الجريح.
ورسالتنا هذه تعد مثالا لتلك الحقبة الزمنية من شعور العلماء المتبادل للخطر الشيعي القادم وكفاحهم في مقارعة البدعة والفرق المنحرفة.
ولا يفوتنا أن اذكر أن أحد الدوافع وراء نشر هذه الرسالة هو المساهمة لنشرها من جديد في مجلة الراصد الألكترونية الغراء بعد مرور خمسة أعوام على عطائها المستمر في رفد العالم الإسلامي ببحوث ودراسات قيمة منشورة هنا وهناك فكانت هذه المجلة بحق اسم على مسمى ، ولتكون هذه الرسالة جهد متواضع مساهمة من محققها في دعم المجلة ، نسال الله أن يوفق جميع العاملين عليها ، وأن يوفقهم للاستمرار والله من وراء القصد.
 
أسال الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل عملنا هذا لوجهه خاصا ولا يجعل منه لأحد شيئا.                                                                           المحقق

 


 

 

ترجمة الإمام الآلوسي:
الشيخ محمود شكري الآلوسي من أسرة علمية عريقة بدأت بجد الآلوسي أبي الثناء محمود الآلوسي صاحب تفسير "روح المعاني" الشهير، وهي أسرة بغدادية رغم أنها من بلدة (ألوس)، وهي ناحية صغيرة في نهر الفرات قرب مدينة الحديثة، وتقع وسط النهر في جزيرة، وبعض المؤرخين يذكر أنها عائلة بغدادية رحلت الى آلوس ثم عادت، ونسبهم ينتهي الى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فهم سادة أشراف.
واشهر رجالات هذا البيت:
ـ أبي الثناء الآلوسي صاحب التفسير(1217 ـ 1270 هـ).
ـ نعمان الآلوسي صاحب "جلاء العينين بمحاكمة الأحمدين" وهو ابن أبي الثناء ( 1252 ـ 1317 هـ) .
ـ عبد الله الآلوسي أخو نعمان ووالد مصنّفنا (1248 ـ 1291 هـ) .
ولادته ونشأته:
ولد الشيخ محمود في دار جده أبي الثناء ، وهي دار كبيرة شملت عدة دور يؤمها طلاب العلم في بغداد من كل مكان حتى علماء الأكراد من العراق وإيران وتركيا يأتون الى دار ابي الثناء لمدارسة العلم.
والآلوسي لم يدرك جده فقد كان صغيرا، فبين ولادته ووفاة جده سنتان.
والآلوسي تأثر بأبيه عبد الله فكان أول شيخ درس عليه ولما كان أبوه متأثراً بالتصوف أثر في ذلك على ابنه محمود ، وأخذ من أبيه علوم شتى إلى أن بلغ (18 سنة) فتوفي والده سنة (1291 هـ).
فكفله عمه نعمان الآلوسي والذي كان أول سلفي في الأسرة الآلوسية ، وكان عمه شيخه الثاني الذي كان تتلمذه عليه بركة عليه لتصحيح ما ورثه من أبيه بل من جميع علماء عصره من التصوف والتقليد والجمود.
ومن بعد ذلك لازم شيوخاً عدة كان أشهرهم:
ـ الشيخ اسماعيل بن مصطفى الموصلي( 1200 ـ 1302 هـ)وأخذ عليه علوماً جمة كالنحو والفقه والحديث والتفسير والبلاغة والمنطق والأصول.
ـ ومن مشايخه أيضاً الشيخ بهاء الحق الهندي نزيل مدينة بغداد(1256 ـ1300 هـ) وأخذ عليه العلوم العقلية والنقلية.
ـ ومن مشايخه عبد السلام بن محمد بن سعيد النجدي الشهير بالشواف(1243 ـ 1318 هـ)وأخذ عليه علم المصطلح والحديث.
كان الآلوسي ذكياً ألمعياً ولم يقنع بكل ما يسمعه ، بل كان ينتقي مايراه صواباً ،كما إن أهم ما ميّز الألوسي سعة اطلاعه فقد اطلع على خزائن مدينة بغداد بالمخطوطات والتي كانت توضع في المساجد، ونسخ منها كثيراً لنفسه، ثم انتقل بعد ذلك إلى مخطوطات الشام والقاهرة ونجد والحجاز واستانبول والهند ، وكان يراسل محبيه وأصدقاءه وتلامذته لنسخ ما يحتاج وقد انفق مالاًً كبيراً على ذلك.
جلس العلامة الألوسي للتدريس في عدة مساجد من مساجد بغداد مثل مسجد عادلة خاتون وذلك قبل سن الثلاثين.
وعين رسمياً في مدرسة داود باشا، ومدرسة السيد سلطان علي و عمره في الثلاثين.
وفي آخر حياته(1340 هـ) درّس في مدرسة " مرجان" وهذه الأخيرة كان لا يعين بها إلا الكبار من العلماء ويلقب من يدرس بها " رئيس المدرسين" وكان يمضي كل يومه في التدريس إذْ أن الآلوسي مرجعاً لطلاب العلم الشرعي في بغداد ومرجعاً للإصلاح ؛ لأن الجمود والتقليد كانا قد ضربا أطنابهما في ذلك الزمان.وجذور الدعوة السلفية المعاصرة في العراق مرجعها المباشر هي للشيخ الآلوسي رحمه الله.
عُني الألوسي بالتأليف في مقتبل عمره وليس هذا بجديد على عائلة الآلوسي فجدّه أبي الثناء الآلوسي كتب و عمره (13سنة) بينما بدأ الألوسي بالكتابة وعمره (21سنة) فألف جمع من الرسائل.
وأهم مؤلفات الآلوسي هو: كتاب " بلوغ الأرب في أحوال العرب" ولهذا الكتاب قصة جميلة وهي أن ملك السويد والنرويج رأى أن يعد جائزة لمن يؤلف كتاباً عن تاريخ العرب قبل الإسلام وعوائدهم؛ لأن الغرب لا معلومات عندهم عن ذلك ، ووضع هذا الملك شروطاً لهذه الجائزة ومدة زمنية معينة.
تردد الآلوسي في الإشتراك بها خوفاً من توجه نيته الى الجائزة, الا أن تلامذته وأصدقاءه أقنعوه بالمشاركة.
وفعلاً ألّف الآلوسي هذا الكتاب ومن بين مجموعة كتب اختارت اللجنة كتاب الآلوسي للجائزة، ومن ثم كتبت مجلات العالم بمشرقه ومغربه عن ذلك الكتاب فذاع صيته وكان عمره يومئذ (30سنة) وكان الآلوسي لا يحتفظ بنيشان الذهب والذي كان مُعَلّماً بالصليب ويهمله ويسأله عن ذلك تلامذته فيقول: (إنه نجس به صليب).
مرّالآلوسي في حياته بثلاثة أطوار:
الأولى: تأثر بأبيه وتصوفه وقد ظلت هذه الفترة إلى سنة(1303هـ)وكان عمره وقتئذ(30سنة).
الثانية: بدأ عقله يمزج بين القديم والجديد واستمرت بين (1303 ـ1306هـ).
الثالثة:من سنة 1306هـ إلى سنة 1342هـ وهي مرحلة الوضوح والعقيدة السليمة.
وهذا التقسيم ينفع كل من يطالع مؤلفاته ومن خلال سنة تأليفه يعرف عقلية الآلوسي وأفكاره.
للآلوسي جمع من التلاميذ الذين تأثروا به ونشروا علمه وعقيدته من بعده,وهم كانوا السند المتصل ـ خاصة بالعراق ـ لبقاء العقيدة الحقّة والتي كانت تُحَارب في كل مكان، حتى من قبل الدولة العثمانية فضلاً عن الوزراء وولاة الأمصار التابعة للدولة العلية، ومن أشهر تلامذته:
1ـ الأستاذ العلاّمة الشيخ محمد بهجت الأثري( 1320ـ1417هـ) وهو ناقا مؤلفاته وأحد تلامذته الأصفياء، والأثري لقب لتتبعه الأثر من الكتاب والسنة. وكانت له جهوداً عظيمة في التعريف بحياة الشيخ الآلوسي؛ فقد ألّف عدة مؤلفات بذلك منها :"أعلام العراق"، و"محمود شكري الألوسي وآراؤه اللغوية".
2ـ الحاج نعمان بن أحمد الأعظمي العبيدي(1293ـ1357هـ).
3ـ علي علاء الدين الآلوسي(1277ـ1340هـ) وهو من السياسين.
4ـ عبد العزيز الرشيد الكويتي ، أصله من نجد وكانت له اليد الطولى بنشر الدعوة الحقة في الكويت(ت:1357هـ).
5ـ طه الراوي(1310ـ1365هـ)وهو من الأدباء المؤرخين.
6ـ عباس العزاوي مؤرخ العراق وهو أشهر مؤرخ عراقي لكنه لم يعط حظه من العناية عند الباحثين وكان مؤرخاً رحالة وله تآليف وكتابات في شتى المجالات الاجتماعية والتاريخية والسياسية والدينية لكنها لا تزال حبيسة دور المخطوطات(1391هـ).
7ـ السيد منير القاضي(1313ـ1390هـ).
8ـ سليمان الدخيل النجدي(1294ـ1364هـ) صاحب جريدة الرياض في بغداد وصاحب مجلة الحياة وهو نجدي سكن بغداد.
9ـ محمد بن مانع النجدي(1300ـ1385هـ) من فقهاء نجد.
10ـ الأب إنستاس ماري الكرملي(1283ـ1366هـ) الأب النصراني أحد علماء اللغة العربية وصاحب مجلة " لغة العرب".
11ـ عبد الكريم الشيخلي المعروف بالصاعقة(1379هـ) ناشر علم الحديث والعقيدة الحقة في بغداد.
12ـ المستشرق مرجليوت من انكلترا(1274ـ1359هـ).
13ـالمستشرق لويس ماسينون الفرنسي(1299ـ1382هـ).
وغيرهم من التلاميذ.
والآلوسي لم يكن عالماً عراقياً محلياً؛ بل هو عالم من علماء الأمة وله علاقات متنوعة مع جميع علماء الإصلاح في وقته كعلاّمة الشام جمال الدين القاسمي، ومحمد رشيد رضا، وغيرهم من أهل الإصلاح، وقد أدركت الدولة العثمانية آخراًـ بعد أن أمضت فترة من الزمن تحارب دعاة الإصلاح ـ أنها بحاجة لهؤلاء سيما بعد الحرب العالمية الأولى فأرسلت الى الآلوسي ليكلم آل سعود في مؤازرة الدولة العثمانية في حربها ضد الإنكليز.
كما إن الآلوسي لم يكن خطيباً او مدرساً بل كان داعية ومؤلفاً، يسعى لجمع مؤلفات المصلحين كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيّم ومن ثم طباعتها ونشرها.
كما ساهم بالرد على فِرق المبتدعة سيما الصوفية والرافضة فقد كان يتحسس خطرهم وانتشارهم في جنوب العراق وتحويل العشائروالقبائل والبيوت السنية الى شيعية وقد ساهمت بذلك دولة إيران بإرسالها المئات من علماء العجم ، مستغلة غفلة الدولة العثمانية، وقلة العلماء السنة في الجنوب وجهل أهل الجنوب وعدم استقراره، ورغم أنه كان للآلوسي خطة لتوعية مناطق جنوب العراق لمنع انتشار التشيع إلا أن المنية عاجلته (وكان أمر الله مفعولا)[الأحزاب:38] ،(ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً)[المائدة:41]،وللآلوسي جهوداً عظيمة في نشر الكتب وجهده متوزع في تحصيل المخطوطات ومن ثمَ السعي لنشرها، وقد نشر:
" منهاج السنة" لشيخ الإسلام ابن تيمية و"بيان صريح المعقول الصحيح المنقول" وقد طبع بهامش منهاج السنة.
وتفسير سورة الإخلاص طبع في سنة(1323هـ) بالمطبعة الحسينية،بالقاهرة.
وجواب أهل العلم والإيمان طبع سنة (1322هـ).بمطبعة التقدم بالقاهرة.ومفتاح دار السعادة بالقاهرة.
وشفاء العليل في القضاء والقدروالحكمة والتعليل ،طبع سنة (1323هـ) بالمطبعة الحسينية بالقاهرة.
وغير ذلك من المؤلفات.
وفاته:
أصيب الألوسي برمل في المثانة وذلك سنة1337هـ فأهمله وتراكم المرض إلى سنة 1341هـ فانقطع عن التدريس، ولكنه عاود التدريس فهزل جسمه وتعب قلبه وفي العشر الأواخر من رمضان سنة 1342هـ أصيب بذات الرئة ، وأحس بموته وفي الرابع من شوال من هذه السنة توفي عند أذان الظهر وحوله كتب العلم، رحم الله الآلوسي وألحقه بالصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا.
ودفن بمقبرة الشيخ الجنيد وكانت له جنازة مهيبة، وصُلي عليه في نجد صلاة الغائب ،ورثاه العلماء وأهل الفضل والدعاة.
 
 
 رد السيد الآلوسي
على حصون العاملي الرافضي
 
نص الكتاب الذي أرسله علاَمة العراق السيد محمود شكري الآلوسي إلى علامة الشام الشيخ جمال الدين القاسمي في الردّ على صاحب رسالة ( الحصون المنيعة فيما أورده صاحب المنار في الشيعة) وشُنعهم القبيحة.
 
بسم الله الرحمن الرحيم
   إلى حضرة العلم الأوحد ، والعلم المفرد، فخر هذا الزمان، والمشارإليه بالبنان، الأخ الأكمل، والخل المفضّل ، جمال الدنيا والدين، وبهجة الإسلام والمسلمين، جناب السيد جمال الدين أفندي القاسمي كان الله تعالى له، وأناله من الدين ما أمله.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فلم أزل أتشرّف بألطافكم العليّة، وتتوارد على المخلص نعمكم السَنية ، فأتضرع إلى الله تعالى ، وأسأله أن يجزيكم عنّي خير الجزاء.
قبل هذا وصل إليّ كتاب( النصائح الكافية)[2]  فرأيت مصنفه ممن اتبع هواه، ولم يراقب مولاه، وفي هذه الأيام وردني كتاب (الحصون المنيعة) فلما طالعته وجدته أيضاً كتابا دلّ دلالة صريحة على أنّ مصنفه من المتعصبين في الرفض ، المغالين في البغضاء للسُنة النبوية ، ورأيت الإعراض عن كلا الكتابين هو الحزم، فإنا لو رمينا....[3]
وأظن أنّ المقالة التي في (المنار) حررها الشيخ كامل آفندي الرافعي[4]، فقد مرّ عند ذلك التاريخ على العراق، واجتمعنا به ، وسررنا بملاقاته حيث كان سَلفي العقيدة، منوّر الفكر، فكتب ما كتب عمّا رأى من أحوال رافضة العراق.
ومن العَجب أنّ الرافضي ادّعى أنّ فرقته أطوع الناس للحكومة مع أنّ سيفها لم يزل على رقابهم ، ولم يمض يوم من الأيام إلا والحرب معهم قائمة على ساقها، فكم الجأوا الحكومة إلى خسائر أموال ونفوس ، وجميع القبائل الذين ترفضوا هم أعدى الناس لدولة الإسلام، وفي هذا الأسبوع ورد تلغراف يخبر عن هجوم جمع منهم على شطرة المنتفق، وقتلهم جمعا من الضباط وعددا كثيرا من الأفراد. وحروبهم في العمارة شهيرة، وكذلك قبائل الديوانية، والنجف، والسماوة ، وكربلاء لم يزالوا قائمين على ساق الحرب مع الحكومة [5]، واحتلال العراق دائما إنما هو من الأرفاض، فقد تهرّى أديمهم من سُم ضَلالهم، ولم يزالوا يفرحون بنكبات المسلمين ، حتى أنهم اتخذوا يوم انتصار الروس على المسلمين عيدا سعيدا[6].
 وأهل ايران زينوا بلادهم يومئذ فرحا وسرورا، ولو بسطنا القول في هذا الباب ، وذكرنا حروبهم ومخازيهم لاستوجب إفراد مجلد كبير[7]، والمنكر لذلك كالمنكر للشمس رأد الضحى[8].
 
 بغض الروافض لبعض أهل البيت
 وأعجب من ذلك دعوى الرافضي حب أهل البيت والعمل بعلومهم، ويكفرون ببعض؛ وذلك لأنّ العترة[9] بإجماع أهل اللغة تقال لأقارب الرجل، وهم ينكرون نسب بعض العترة؛ كرقية ، وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا يعدّون بعضهم داخلا فيها ؛ كالعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجميع أولاده[10]، وكالزبير بن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم [11].
 ويبغضون كثيرا من أولاد فاطمة رضي الله عنها بل يسبونهم؛ كزيد بن علي بن الحسين، وقد كان في العلم والزهد على جانب عظيم ، وكذا يحيى ابنه، فإنهم أيضا يبغضونه، وكذا إبراهيم وجعفر ابنا موسى الكاظم رضي الله عنهم [12]، وقد لقبوا الثاني بالكذاب مع أنه كان من أكابر الأولياء، وعنه أخذ أبو يزيد البسطامي[13]، ولقبوا بالكذاب أيضا جعفر بن علي أخا الإمام الحسن العسكري[14]، ويعتقدون أن الحسن بن الحسن المثنى  وابنه عبد الله المحض وابنه محمد الملقب بالنفس الزكية ارتدوا ـ حاشاهم ـ عن دين الإسلام[15].
وهكذا اعتقدوا في إبراهيم بن عبد الله، وزكريا بن محمد الباقر[16]، ومحمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن، ومحمد بن القاسم بن الحسن، ويحيى بن عمر الذي كان من أحفاد زيد بن علي بن الحسين، وكذلك في جماعة حُسينين وحَسنيين، كانوا قائلين بإمامة زيد بن علي بن الحسين، الى غير ذلك مما لا يسعه المقام.
 وهم حصروا حبهم بعدد منهم قليل[17]، كل فرقة منهم تخص عددا، وتلعن الباقين، هذا حبهم لأهل البيت ، والمودة في القربى المسئول عنها، على أن الحب ليس عبارة عن لطم الخدود، وشق الجيوب، وهتك سادة الأمة في كل عام[18]. وما أحسن ما قال الأخرس في ذلك:
         هتكوا الحسين بكل عام مرة       وتمثلوا بعداوة وتصوروا
         ويلاه من تلك الفضيحة إنها       تطوى وفي أيدي الروافض تنشرُ[19]
 
(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)[ آل عمران :31 ]، وأين أهل الابتداع من الاتباع؟
 
زعم الرافضة تحريم القرآن
 ادعوا انهم أخذوا دينهم من الكتاب والسُنة وأقوال العترة ، كذبواـ والله ـ في ذلك، فإنّ الكتاب الكريم محرّف بزعمهم، قد أسقطوا منه نحو ثلثه[20]، كما صرحت بذلك كتبهم فلا يعبأون به، ولا يعرجون عليه، ولا يقيمون له وزنا[21]، وأنه مخلوق لا ينزهونه[22]. هذا شأن الكتاب لديهم.
وأما السُنة ؛ فعندهم أنّ الصحابة ارتدوا جميعا عن دين الإسلام إلا سلمان ، وعددا يسيرا معه لا يبلغون العشرة بسبب عدم قيامهم بنص الغدير على زعمهم[23].
 
الكتب المعتمدة عند الشيعة الإمامية
 وأما العترة ؛ فاعلم أنّ الروافض زعموا أن أصح كتبهم أربعة: (الكافي) و( فقه من لا يحضره الفقيه ) و(التهذيب) و(الإستبصار).
وقالوا :أن العمل بما في الكتب الأربعة من الأخبار واجب، وكذا بما رواه الإمامي ، ودونه أصحاب الأخبار منهم. نص عليه المرتضى، وأبو جعفر الطوسي [24].
 وفخر الدين الملقب عندهم بالمحقق المحلى[25]، وهو باطل ؛لأنها أخبار آحاد ، وأصحها (الكافي).
 ومنهم من قال: أصحها (فقه من لا يحضره الفقيه).
 وقال بعض المتأخرين منهم ، الناقد لكلام المتقدمين: أحسن ما جمع من الأصول كتاب (الكافي) للكليني، و(التهذيب) و( الاستبصار ) وكتاب ( من لا يحضره الفقيه ) حَسن.
 وقد طالعت في بعضها، وما زعموه من الصحة باطل من وجوه؛ لأنّ  في أسانيدها من هو من المجسمة كالهشامين[26] ، وشيطان الطاق المعبر عنه لديهم بمؤمنه[27]، وأمثال هؤلاء ممن اعترف الرافضة أنفسهم باتصافهم بما ذكرنا.
   (ومنهم) من أثبت الجهل لله في الأزل كزرارة بن أعين[28]، والأحولين[29]، وسليمان الجعفري[30]، ومحمد بن مسلم [31] وغيرهم.
   (ومنهم) فاسد المذهب كابن مهران[32]، وابن بكير[33] وجماعة أخرى.
 (ومنهم)الوضاع كجعفر القزاز[34]، وابن عياش[35].
 (ومنهم)الكذاب كمحمد بن عيسى[36].
   (ومنهم) الضعفاء، وهم كثيرون.
   (ومنهم) المجاهيل وهم أكثر كابن عمار[37]، وابن سكرة[38].
 (ومنهم) المستور حاله كالتفليسي[39]، وقاسم الخزاز، وابن فرقد [40]وغيرهم، وهؤلاء رواة أصح كتبهم.
وقد اعترف الطوسي بنفي وجوب العمل بكثير من أحاديثهم التي صرحوا بصحتها، والكليني يروى عن ابن عياش وهو كذاب.
والطوسي يروى عمن يدعي الرواية عن إمام مع ان غيره يكذبه، كابن مسكان[41]، فانه يدعي الرواية عن الصادق، وقد كذبه غيره ، ويروي عن ابن المعلم[42]، وهو يروى عن ابن بابويه[43] الكذوب صاحب الرقعة المزورة ، ويروى عن المرتضى أيضا، وقد طلبا العلم معا، وقرآ على شيخهما محمد بن النعمان[44] وهو أكذب من مسيلمة، وقد جوّز الكذب لنصرة المذهب .
والكلام على أكاذيبهم، وفاسد رواياتهم يطول، والمقصود تكذيب قول الرافضي: إنهم تلقوا علوم العترة[45].
 
تعبد الإمامية بالرقاع الصادرة من المهدي المنتظر
 نعم ؛ إنهم أخذوا غالب مذهبهم ـ كما اعترفواـ من الرقاع المزورة التي لا يشك عاقل أنها افتراء على الله[46]، والعجب من الروافض أنهم سموا صاحب الرقاع بالصدوق وهو الكذوب بل إنه عن الدين المبين بمعزل.
كان يزعم انه يكتب مسألة في رقعة، فيضعها في ثقب شجرة ليلا، فيكتب الجواب عنها المهدي صاحب الزمان بزعمهم ، فهذه الرقاع عند الرافضة من أقوى دلائلهم ،وأوثق حججهم، فُتيا.....[47]
واعلم أن الرقاع كثيرة:
  ( منها) رقعة على بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي فإنه كان يظهر رقعة بخط الصاحب في جواب سؤاله ويزعم أنه كاتب أبا القاسم بن أبي الحسين بن روح [48] أحد السفرة على يد علي بن جعفر بن الأسود [49]أن يوصل له رقعته الى الصاحب، فأوصلها اليه، فزعم أبو القاسم أنه أوصل رقعته الى الصاحب(أي المهدي) وأرسل اليه رقعة زعم أنها جواب صاحب الأمر له[50].
   (ومنها) رقاع محمد بن عبد الله بن جعفر بن حسين بن جامع بن مالك الحميري أبو جعفر القمي[51] كاتب صاحب الأمر وسأله مسائل في أبواب الشريعة قال[52]: قال لنا أحمد بن الحسين[53]: وقفت على هذه المسائل من أصلها، والتوقيعات بين السطور. ذكر تلك الأجوبة محمد بن الحسن الطوسي في كتاب ( الغيبة) ، وكتاب (الاحتجاج)[54].
والتوقيعات خطوط الأئمة بزعمهم في جواب مسائل الشيعة. وقد رجحوا التوقيع على المروي بالإسناد الصحيح لدى التعارض.
 قال ابن بابويه في الفقه بعد ذكر التوقيعات الواردة من الناحية المقدسة في ( باب الرجل يوصي الى الرجلين)[55] هذا التوقيع عندي بخط أبي محمد الحسن[56] بن علي .
 وفي الكافي للكليني[57] رواية بخلاف ذلك التوقيع عن الصادق، ثم قال: لا أفتي بهذا الحديث بل أفتى من خط الحسن بن علي[58].
 (ومنها) رقاع أبي العباس جعفر بن عبد الله بن جعفر الحميري القمي[59].
 (ومنها) رقاع أخيه الحسين، ورقاع أخيه أحمد[60].
 فهؤلاء كلهم كانوا يزعمون أنهم يكاتبون صاحب الأمر (المهدي المنتظر) ويسألونه مسائل في أحكام الشرع، وأنه يكتب جواب أسئلتهم كما ذكره النجاشي وغيره من علمائهم.
 وأبو العباس [61]هذا قد جمع كتابا في الأخبار المرويةعنه وسمّاه (قرب الإسناد الى صاحب الأمر).
 (ومنها) رقاع علي بن سليمان بن الحسين[62] بن الجهم بن بكير بن أعين أبي الحسن الرازي[63] فإنه كان يدعي المكاتبة أيضاً ، ويظهر الرقاع.
قال النجاشي: كان له اتصال بصاحب الأمر وخرجت له التوقيعات[64].
هذه نبذة مما بنو عليه أحكامهم ، ودانوا به وهي نغبة من دأماء[65]، وقد تبيّن بها حال دعوى الرافضى في تلقى دينهم عن العترة.
 والعبد[66] كتب عليهم عدّة ردود قبل نحو عشرين سنة[67]، وشكوا عليّ إلى شاه العجم ناصر الدين - وهو خاذله-  وكُتب عليّ إلى السلطان المخلوع [68]، فصادرت الحكومة ما وجدوه من كتبي المطبوعة في الهند[69] . وهذا الرافضي له علم بما جرى ، فلا لوم عليه إنّ نبزني بما نبزني[70].
 
طعن الشيخ محسن في الوهابية
 كل أحد يعلم أنه لا حقيقة له عندهم بل دلّ على جهله، على أنّ زخرفة القبور حرام لدى كافة المسلمين، وهم أوّل من ابتدع ذلك، وسرى الى غيرهم، والرافضة يصرّحون في كتبهم ـ وقد رأيته بعيني ـ أن زيارة أحد قبور الأئمة أفضل من سبعين حُجّة[71]. وبنوا عليها القباب من الذهب، وعلقوا عليها كل ما يستطرف، ويوقدون عليها كل ليلة ما يكفي لتنوير مدينة عظيمة[72]( وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) [ الكهف: 104 ].
 
ندب الحسين وسب الصحابة
 واجتماع رجالهم في النجف وغيره للطم الخدود، وقراءة القصص المكذوبة ، وأكل النذور، واضلالهم لجهلة الأعراب أيضاً لهذه العلّة. ودينهم الذي يدينون به سب الصحابة وتكفيرهم، وإضلالهم الأعراب بذلك، وإلا فهم أجهل الناس بكل علم، وكم بحثت مع من ادعى منهم الاجتهاد فألقمتهم - ولله الحمد - بحجر السكوت ، واعترفوا بجهلهم لدى خاصتهم .
 وهؤلاء[73] الدجالون أضر على المسلمين من جميع المخالفين ؛ فإنّ اليهود والنصارى، وعبّاد الأوثان لا يتمكنون من إغواء أحد من الأعراب، ولا يمكنهم التقرب إليهم ، ولا تسمع منهم كلمة لديهم ، فالأعراب آمنون من شر هؤلاء.
أما هؤلاء الدجالون ، والضالون المضلون ، فقد تزيّوا بزي المسلمين،  وشاركونا في كثير من الشعائر، فربما نفقت خُزعبلاتهم على عوام الأعراب لنيل شهواتهم، والتوصل الى مقاصدهم، منْ جمع النذور، وأخذ الخمس، وأجرة قصص التعازي ونحو ذلك، مع حثّهم ووعظهم على عدم طاعة الحكومة، ولا إعانتها في شيء ، حتى حصل مقصودهم وأصبح العراق نيراناً تستعر . فكم أسالوا دماء المسلمين، وأضروا الحكومة ضررا عظيماً , والحكومة لم تنتبه لذلك إلا بعد أنْ اتسع الخرقُ على الراقع.[74]
 
والرافضي يقول:( إنّ العراق كان ولم يزل دار الروافض.[75])
مع إنّي أعلمُ أنّ أقواما من القبائل كانوا على مذهب أهل السُنة وفي هذا العصر ترفّضوا:
·  منهم قبائل زُبيد وهم عمدة  قبائل الطرق قوة وشجاعة وكثرة عدد[76] .
·  وهكذا قسم عظيم من شمّر[77].
·  وقسم من بني تميم [78]،  فضلا عن العصور التي لم أدركها.
ومن العجب من هذا الرافضي أنه عدّ فرقته من المتبعين , وجعل أهل السُنة كالوهابية وأضرابهم من المبتدعين،  مع أن الروافض يبيحون شتم جمهور أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،  بل يحكمون بارتدادهم إلا عددا يسيرا[79].
 ويفضّلون الأئمة الإثنى عشر على أولي العزم من المرسلين.
 ويقولون: أن الأئمة يوحى إليهم .
 ويقولون بالرجعة ؛ أي بأن الأئمة سيرجعون الى الدنيا , وينتصفون من أعدائهم : أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ومن والاهما , ويصلبونهم ، ويقتلونهم .
 وإن إمام الوقت هو محمد المهدي الذي غاب في سرداب (سر من رأى)[80] ، وأنه حي يرزق ، ويزعمون أنه اذا ذكر في مجلس حضر فيقومون له.
 واعتقدوا بتحريف القرآن ونقصانه .
 وأن الله لا يرى في الآخرة.
 وانكروا كثيرا من ضروريات الدين, ومع ذلك يقولون : أنهم على الحق، وغيرهم - المتبعون لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحافظون على ما جاء به من الهدى - هم المبتدعون، وما أحسن ما قال فيه القائل[81]:
ليس التقى هذي التقية إنّما         هذا النفاق وما سواه المنكرُ
وما تكلم به في المتعة يكفي لإثبات ضلالهم.
 وعندهم متعة أخرى يسمّونها المتعة الدورية[82] ويروون في فضلها ما يروون ؛ وهي أن يتمتّع جماعة بامرأة واحدة، فتكون لهم من الصبح الى الضحى في متعة هذا، ومن الضحى الى الظهر في متعة هذا ، ومن الظهر الى العصر في متعة هذا، ومن العصر الى المغرب في متعة هذا ، ومن المغرب الى العشاء في متعة هذا ، ومن العشاء الى نصف الليل في متعة هذا, ومن نصف الليل الى الصبح في متعة هذا[83]. فلا يدع ممن جوّز مثل هذا النكاح ان يتكلم بما تكلم به، ويسميه(الحصون المنيعة) ، وينبز أهل الإيمان والتوحيد بما ينبزهم به، (ولتسمعن من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا اذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الأمور)[ آل عمران :186 ].
 وقد ردوا على الرافضة قولهم بالمتعة في كتب مفردة, وقد ردّها عليهم الجد في تفسيره[84].
 والردود العامة عليهم لا تٌحصى :
· فالعلامة محمد أمين السويدي ردّ عليهم بأربع مجلدات سمّاه (الصارم الحديد)[85].
· و(الصواقع ) بتقديم القاف لأحد علماء الهند مجلد ضخم, ردّ عليهم أيضا[86].
· والتحفة[87].
· وللجد ثلاثة ردود مختصرة[88].
· والفقير ردّ عليهم بنحو ألف ورقة[89]، فاغتصبته الحكومة ، وذلك بثلاثة مصنفات أحدها المسمّى (صبّ العذاب على من سبّ الأصحاب).
يوم المولد سنة 1328هـ
عبد الله محمود شكري
 
 
 

 

 


 

[1] - نشر المحقق الفاضل صديقنا محمد بن ناصر العجمي كتابا بعنوان (الرسائل المتبادلة بين القاسمي والألوسي) وهي عبارة عن الرسائل المتبادلة بينهما و المستلة من مخطوط ( رياض الناضرين في مراسلات المعاصرين) للألوسي.
[2] - الكتاب اسمه (النصائح الكافية لمن يتولى معاوية ) لمحمد بن يحيى بن عقيل بن عبد الله الحضرمي العلوي كان يتشيع بغلو مع أنه على مذهب زيدي على الأصح ، وكان يمنيا مقيما في سنغافورة ، وقد رد عليه الشيخ حسن بن علوي بن شهاب الدين العلوي الحضرمي (ت :1332): "الرقية الشافية من نفثات سموم النصائح الكافية" ، طبع في سنغافورة عام 1328  وأعيد طبعه حديثا ، والعلامة جمال الدين القاسمي في مؤلف سماه (نقد النصائح الكافية ) وطبع في مطبعة الفيحاء بدمشق سنة 1328هـ وقد طبع على نفقة الشيخين عبد العزيز البسام ومحمد نصيف.  
[3] - هنا كلام حذفه محمد رشيد رضا لأن فيه كلاما قاسيا كما قال.
[4] - في أول عدد في المجلد 16 سنة 1326هـ، ونشرها بدون اسم خوفا من الحكومة العثمانية، وهذه المقالة هي سبب تأليف (الحصون المنيعة ).
[5] - جنوب العراق منطقة ملتهبة منذ أمد بعيد وغير مستقرة قبل أن تتشيع ومع تشيعها ازداد الأمر سوءا حتى أضحى في مواجهة بل مواجهات مع الدولة ؛ سواء في عهد الدولة العثمانية ومن بعدها ، وعند تأسيس الدولة العراقية الحديثة وهم في اضطراب وهياج ؛ فقد خالفوا تكوين الدولة العراقية سنة 1921م وافتوا ضد الإنتخابات ثم حالوا سنة 1927م الإنفصال من العراق ، ووقفوا ضد استقلال العراق سنة 1932م ، ثم ثورة 1936م ، ثم وقوفهم مع الشيوعية وحكم عبد الكريم قاسم في زمن تكوين الجمهورية العراقية سنة 1958م ، ثم حوادث حزب الدعوة في أواخر السبيعينات مع ظهور ثورة خميني، ومن ثم التفجيرات في أوائل الثمانينات ، ثم التجسس لحساب إيران في الحرب العراقية الإيرانية، ثم الانتفاضة الشعبانية سنة 1991م ، ثم تكوين معارضة عراقية شاركت في اسقاط العراق بيد الأمريكان ، ثم حكم العراق من قبلهم في أسوء مرحلة في تاريخ العراق الحديث.
[6] - لا أدري هل يعني بهذا خسارة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى مع ألمانيا أو الدولة العثمانية مع روسيا في سنة 1294هـ/1877م في أوائل عهد السلطان عبد الحميد رحمه الله.
[7] - وقد ألف في ذلك الأخ الدكتور عماد علي عبد السميع حسين كتابا بعنوان (خيانات الشيعة وأثرها في هزائم الأمة الإسلامية ) مرّ فيه على حوادث كثيرة وفاته ما ذكره الألوسي .
 
[8] - رأد الضحى أي عند ارتفاع الشمس ووضوحها ؛ أي الحق كظهور الشمس في الظهيرة .
[9] - ذكر الآلوسي في شرح معنى العترة : ( والعترة في تفسيرها أقوال : منها عترة الرجل أقرباؤه من ولد وغيره ، ومنهم من قال هم قومه دِنْيا ، ومنهم من قال هم رهطه وعشيرته الأدنون من مضى منهم ومن غبر ، ومنه قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه:" نحن عترة رسول الله e التي خرج منها وبيضته التي تفقأت عنه، وإنما جيبت العرب عنا كما جيبت الرحا عن قطبها " ) . سعادة الدارين في شرح حديث الثقلين   (مخطوط عندي )  
[10] - صحيح ما قاله الألوسي فلو أنّ الشيعة يؤمنون بالعباس من عترة النبي لوقّروه و ابنه عبد الله وأحفاده الذين كونوا الدولة العباسية والتي يلعنونها الشيعة ليل نهار وهو من النسل هاشمي قرشي ومن البيت النبوي . 
[11] - يلعن الشيعة الصحابة بصورة عامة والزبير بصورة خاصة ؛ لأنه شارك في فتنة الجمل ضد علي رضي الله عنه، ومدار الأمر عند الشيعة يدور في فلك علي، فمن حاربه أو خالفه فهو مطرود من حظيرة أهل الدين والإيمان .
 والزبير من نسل النبي من جهة أم الزبير(صفية ) فهي عمة النبي ، والحسين رضي الله عنه من نسل النبي من جهة أمه (فاطمة رضي الله عنها) .فما الفرق !
[12] - واختلف الشيعة الإمامية في إبراهيم بن موسى ، فقال بعضهم : أن له ابناً واحداً يحمل هذا الاسم ، ولكن المحققون منهم أثبتوا لـه اثنان الأول يعرف بإبراهيم الأكبر ، والثاني إبراهيم الأصغر ، والراجح هنا أنه الأكبر ، وهو أحد أئمة الزيدية ظهر باليمن في أيام المأمون ، أمه أم ولد نوبيه اسمها نجية ، وقد ظهر بمكة سنة 201هـ وبايع الناس خلقاً كثيراً ممن يرى رأي العباسية أن الإمامة في قريش وأنها ليست مختصة بآل علي ، فخشي المأمون منه فحاربه وأسره ثم مات في بغداد سنة 213هـ . بحار الأنوار : ( 48 /306 )
 أما جعفر بن موسى الكاظم ، أبو عبد الله ، لقبه الشيعة بالكذاب لادعائه الإمامة بعد أخيه الحسن ، ويدعى أبا البنين لأنه أولد مائة وعشرين ولداً ( ت 271هـ ). عمدة الطالب في أنساب أبي طالب ( ص199 ).
والإمامية يروون الروايات في تكذيبه ولعنه وينسبونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويستحلون لعنه والطعن فيه رغم أنه من سادات أهل البيت ، فقد أخرج الطوسي في رواية طويلة عن أبي خالد الكابلي قال دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين فقلت لـه : (( يا سيدي كيف صار اسمه الصادق وكلكم صادقون ؟ فقال حدثني أبي عن أبيه : أن رسول الله قال : إذا ولد أبني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، فسموه الصادق ، فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراءً على الله وكذباً عليه ، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله ، المدعي لما ليس له بأهل ، المخالف على أبيه والحاسد لأخيه ، ذلك الذي يكشف سـر الله عند غيبة ولي الله )). الاحتجاج : ص 318 ؛ وأخرج الرواية أيضاً القطب الراوندي ، الخرائج : 1/268 ؛ المجلسي ، بحار الأنوار : 50/277
[13] - يذكر بعض أهل التاريخ أنه أخذ من جعفر الصادق وهذا غلط فإن جعفرا مات سنة 147 هـ بينما ولد البسطامي سنة 188هـ.
[14] -هو أبو عبد الله جعفر بن علي بن محمد الهادي العسكري ، اتهمه الإمامية بالفسق والفجور وشرب الخمر ، لأنه أخذ تركة أخيه بعد وفاته وأنكر أن يكون له ولد ، مات سنة 271هـ . دائرة المعارف الشيعية العامة ( 7/196 ).
 ويدعي الإمامية بأن جعفرا هذا كان قد طمع منذ البداية بميراث أخيه ، ولذلك أخفى الحسن العسكري خبر مولد ابنه عن الناس ، قال شيخ الطائفة الطوسي : ( لأن الحسن  عليه السلام كان كالمحجور عليه وكان الوالد يخاف عليه لما علم وانتشر من مذهبهم أن الثاني عشر هو القائم بالأمر لإزالة الدول فهو المطلوب لا محالة ، وخاف عليه أيضاً من أهله كجعفر أخيه الذي طمع في الميراث والأموال ، فلذلك أخفاه ووقعت الشبهة في ولادته ) . الغيبة ( ص 76 ) .
[15] - يكاد أغلب الشيعة أن يكونوا حسينيين الهوى ولا يميلون للحسن ولا الى ذريته حتى روى المامقاني في تنقيح المقال(3/142) (إن سائر بني الحسن بن علي كانت لهم أفعال شنيعة ولا تحمل على التقية ).
[16] - هذا الأسم منقول من( التحفة الأثني عشرية ) الأصل ولعل فيه خطأ فإني لم أجد ذلك في أولاد محمد الباقر والذي وجدته في مقالة على الأنترنت بعنوان(كم مهدي منتظر عند الشيعة ؟) قال فيه:
  -11 زكريا بن محمد الباقرواسم أتباعه الحاضرية : يقولونان الامامة (بعد) محمد الباقر لابنه زكريا وهو مختف في جبل الحاضر لا يخرج حتى يؤذنله.     
[17] - لا يعرف الشيعة اليوم إلا عدد معين من آل البيت، أما البقية فعلماء الشيعة ومراجعهم يحاولون طمس البقية فقد قتل مع الحسين اولاده من اسمه عمر وابو بكر فاين مقابر هم في كربلاء !
[18] - هذه كلمة حق فليس الحب انفعال للتعبيرعنه ، بل هو التأسي بالمحبوب ومتابعته ولقد أدركت الكثير ممن يحبون آل البيت في العراق وهم لا يصلون ولا يصومون ، فهل هذا هو الحب لآل البيت ؟
[19] - هذه القصيدة للشاعر الموصلي البغدادي عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب ،المشهور بالأخرس ولد سنة 1220هـ وتتلمذ على الألوسي الجد كان حسن العقيدة ناقدا للشيعة ومات سنة 1291هـ وقصيدته هذه ضمن ديوانه (49) في مدح أبي حنيفة رادا من خلالها على الشيعة لقدحهم في هذا الإمام.
[20] - لا أريد أن اتكلم عن قضية التحريف عند الشيعة فقد قال بها جل علماءهم وهم لم يردوا هذا المطعن سابقا ، إلا في القرن العشرين عندما أربكتهم هذه الفرية فأنكروها جملة وتفصيلا وهذا عجب منهم ؛ فإن كتبهم مليئة باثبات هذه القضية ، ولو كانت حقا فالحق لا يستحى منه، ولو كانت باطلا فليتبرؤا منه ومن قائله ، ولكن هيهات أن يفعلوا ! إذن فسيذهب المذهب برمته.
[21] - هذه مسألة أخرى غير التحريف ، وهي عدم اهتمام الشيعة علماء وعامة بكتاب الله فحفاظ كتاب الله عندهم قلة وتفاسير الشيعة قليلة ، وقد جعلوا كتاب الله كله أو جله يدور في خدمة قضية الإمامة.
[22] - لأنهم معتزلة سلكوا مسلكهم في خلق القرآن منذ القرن الرابع للهجرة .
[23] - ردة الصحابة عند الشيعة أمر معروف وروياته أشهر من أن تذكر .
[24] - أما المرتضى فهو الشريف صاحب (نهج البلاغة ) وهو شيعي معتزلي من ميزاته عن الشيعة أنه كفر من قال بتحريف القرآن مات سنة 436هـ.
وأما الطوسي فهو محمد بن الحسن بن علي الطوسي وهو مؤلف التهذيب والاستبصار مات سنة 460هـ.
[25] - هو نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى الحلي صاحب كتاب شرائع الإسلام مات سنة 676هـ
[26] -هما هشام بن الحكم وهشام بن سالم الجواليقي ؛ كان الأول يقول : إن بين الله وبين الأجسام تشابهاً ما بوجه من الوجوه ، وحكى الكعبي عنه أيضاً قوله: ( هو سبعة أشبار بشبر نفسه وانه في مكان مخصوص وجهة مخصوصة وانه يتحرك وحركته فعله وليست من مكان إلى مكان ) .
وقال هشام بن سالم الجواليقي : (إنه تعالى على صورة إنسان أعلاه مجوف وأسفله مصمت وهو نور يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وفم ... ) انظر: الفرق بين الفرق ( ص 216 ) ؛ الملل والنحل ( 1/184 – 185 )؛ المواقف  (ص 674 ). 
[27] - هو محمد بن علي بن النعمان البجلي الكوفي ، الملقب بشيطان الطاق ، نسب إلى سوق طاق المحامل بالكوفة ، وكان صاحبه هشام بن الحكم يسميه الشيعة مؤمن الطاق ، ويقال أول من لقبه بشيطان الطاق أبو حنيفة ، وله مناظرات معه. انظر اعتقادات فرق المسلمين ( ص 65 )؛ الملل والنحل ( 1/186 ) ؛ لسان الميزان ( 5/300) .
 وهو عند الشيعة من أوثق الرجال ، كما ذهب إلى ذلك الطوسي ، وقال النجاشي :
( فأما منـزلته في العلم وحسن الخاطر فأشهر ، وقد نسب إليه أشياء لم تثبت عندنا ) . رجال النجاشي ( 2/203 )؛ تنقيح المقال ( 3/162) . وقد نقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (1/294) أنه كان يقول: ( إن الله نور على صورة إنسان ).
[28] - هو زرارة بن أعين بن سنسن مات سنة 150هـ .
[29] - عدد لابأس به من رواة الشيعة يلقب بالأحول، ولم يتبين لي المقصود.
[30] - هو سليمان بن جعفر بن إبراهيم الجعفري له رواية عن علي الرضا .
[31] -هو محمد بن مسلم بن رباح الثقفي صاحب الباقر والصادق والكاظم مات سنة 150هـ .
[32] - هو محمد بن عبد الله بن مهران أبو جعفر الكرخي صحب الجواد وعلي بن محمد الهادي أو لعله سماعة بن مهران الحضرمي مات سنة 145هـ.
[33] - هو عبد الله بن بكير بن أعين بن سنسن صحب الصادق.
[34] - عندي شك أن ثمة تحريف في هذا اللقب فقد ورد في التحفة (ص69) أنه الأودي وهناك من رجال الشيعة من يحمل هذا اللقب جعفر بن أحمد الأودي وجعفر الأودي الكوفي .
[35] -هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن عياش مات سنة 401هـ.
[36] - هو محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين أو جعفر اتهم بالكذب والغلو .
[37] -ابن عمار عدد من رواة الشيعة وكلهم مجاهيل عندهم.
[38] -هو الفضيل بن سكرة الأسدي صحب الصادق .
[39] - هو ابو محمد التفليسي له ترجمة في تنقيح المقال .
[40] -هو زكار بن فرقد .
[41] -هو أبو محمد عبد الله بن مسكان الكوفي العنزي مولاهم ، قال عنه النجاشي : (( ثقة عين روى عن الكاظم والصـادق )) ، ولم يثبت النجاشي روايته عن الصادق ، مات سنة 183هـ . رجال النجاشي : 2/9 ؛ تنقيح المقال : 2/216  . وفي رواية أخرجها ( شيخ الطائفة ) الطوسي ورد فيها الذم الصريح لابن مسكان ولعنه ، قال ابن مسكان :
( كنا عند أبي إبراهيم عليه السلام إذ قال : يدخل عليكم الساعة خير أهل الارض ، فدخل أبو الحسن الرضا عليه السلام ، وهو صبي ، فقلنا : خير أهل الأرض ؟ ثم دنا فضمه إليه فقبله ، وقال : يا بني تدري ما قال هذان ؟ قال : نعم يا سيدي ، هذان يشكان في ، فقال أبو إبراهيم عليه السلام لهما : إن جحدتماه حقه أو خنتماه فعليكما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، يا زياد لا تنجب أنت وأصحابك أبدا ... ). الغيبة (ص 68)  
[42] - هو محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالفيد شيخ الشيعة المعروف مات سنة 413هـ
[43] - جاءت في الأصل مابويه وهو تحريف فقد ورد في(صب العذاب )(ص292) (بابويه )وهو رأس الشيعة الإمامية أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى القمي وهو الملقب بالصدوق وهو صاحب كتاب ( من لا يحضره الفقيه) أما قوله المزورة لأنه ادعى أنه راسل والد المهدي.
[44] - هو ابن المعلم المذكور قبل قليل .
[45] - كي ينفق مذهب الشيعة على عامة الناس يروجون دائما أنهم حملة منهج آل البيت مع أن كتبهم ظهرت للوجود في القرن الرابع للهجرة في عهد الدولة البويهية .
[46] - حاول بعض علماء الشيعة أن يقلل من أهمية الرقاع عند الشيعة ، والحقيقة أن قصة نواب المهدي الأربعة وأخذ التوقيعات من المهدي الى الناس معروفة في المذهب ولعل كتاب (الغيبة ) للطوسي مليء بهذه القصص وفيه أن المهدي كان يكتب للناس أمر دينهم ودنياهم ، فلماذا يحاول بعض من يريد الرد على الألوسي أن يكذبه بأن الرقاع والتوقيعات ليست مهمة ، أو ليست هي الدليل القطعي عند الشيعة على صحة وجود المهدي !
 والغريب إني اطلعت على مقال كتب في موقع عن بحث عن مقامات المهدي فذكر مقاما للمهدي في مدينة كربلاء وقال إن من تولاه سيد هندي كان يكتب الرقاع للناس ويرميها في النهر وذلك سنة 1960م 
انظر موقعwww.alyaqeen.net/vb/archive/index.php/t-956.html - 17k -
[47] - كلام حذفه رشيد رضا وجاء في (صب العذاب ) (ص300):( وأوثق حججهم فتبا لقوم أثبتوا أحكام دينهم بمثل هذه الترهات ، واستنبطوا الحرام والحلال من نظائر هذه الخزعبلات ).
[48] - هو أحد السفراء الأربعة عند الشيعة وهو السفير الثالث مات سنة 326هـ.
[49] - هو في بعض المصادر الشيعية محمد بن علي الأسود .
[50] - ومضمون السؤال ورد في كتاب (الغيبة ) للطوسي (187، 194-195) ، ورجال النجاشي (ص184) وكان قد سأل المهدي أن يدعو له أن يهبه الله ولد ذكر وجاءه الجواب بالموافقة .
[51] - جاء عند الألوسي( الحريري ) والصواب الذي ذكرته وهذا المذكور مؤلف كتاب (قرب الإسناد الى صاحب الأمر ) كان حيا في القرن الرابع للهجرة .
[52] أي النجاشي كما في (صب العذاب )
[53] - هوتلميذ النجاشي أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد الصيقل أبو جعفر.
[54] أما الغيبة فهي للطوسي وأما الإحتجاج فهو للطبرسي فلعل العطف يوهم أن كلاهما للطوسي.
[55] -في كتاب (من لا يحضره الفقيه) (باب الرجلين يوصي إليهما فينفرد كل واحد منهما بنصف التركة )
[56] - ورد خطأ عند الألوسي في صب العذاب وهنا فقال (أبي محمد بن الحسن و(بن ) زائدة كما في كتب التراجم .)
[57] - الفروع في الكافي (7/46- 47 )
[58] - الى هنا انتهى النقل من كتاب (من لا يحضره الفقيه) (4/151).
[59] - ذكر النجاشي في رجاله (251) أن لهم مكاتبة .
[60] - ذكر النجاشي في رجاله (251) أن لهم مكاتبة.
[61] - أشار الدكتور عبد الله البخاري في تحقيقه لصب العذاب (304 ) الى أنه لم يعرف من كناه بأبي العباس وإنما هذه كنية أبيه .
[62] - في مصادرؤ الترجمة (الحسن ) والخطأ وارد بذلك .
[63] - نبه المامقاني في تنقيح المقال (رقم 8307) الى أن هذا الخطأ موجود بين الرازي والزراري والثاني أصح .
[64] - رجال النجاشي (ص184)
[65] - النغبة : الجرعة ، الدأماء : البحر فتكون العبارة( هذه جرعة من بحر)، وهذا التعبير استخدمه المقري في( نفح الطيب ).
[66] - أي الألوسي نفسه.
[67] - مما كتب:
 ( مختصر التحفة الأثني عشرية) ، وهو مطبوع منها لأول مرة في الهند وهي التي أشار لها الألوسي.
(صب العذاب على من سب الأصحاب ) وهو مطبوع بتحقيق الدكتور عبد الله البخاري في دار أضواء السلف ، وللكتاب اسم آخر وهو ( كشف غياهب الجهالات ) فوجب التنبيه لأن بعض من يترجم للألوسي يجعلهم كتابين .
وكتاب (السيوف المشرقة ) لازال مخطوطا وهو عندي قيد التحقيق .
وكتاب (رجوم الشيطين ) وهو مما فقد .
 ورسالة صغيرة (سعادة الدارين في شرح حديث الثقلين ) نشرت في دار الإمام البخاري بتحقيق عبد العزيز بن صالح المحمود، وكانت قد نشرت في مجلة الحكمة من قبل.
[68] - هو السلطان عبد الحميد رحمه الله .
[69] - وهو تصرف سياسي غير مقبول وغير مبرر، كما تفعل اليوم دول سُنية - يدعي بعضها السلفية - من مصادرة كتب الردود على الشيعة في المعارض والأسواق ، واغربتاه ، واغربتاه!
[70] - ما أشبه الليلة بالبارحة واليوم يسهم الشيعة على قلتهم في بلدان أهل السنة بنفس الفعل فبحجة الطائفية يشتكون على كل مؤلف يؤلف في فضح نواياهم ، ويستجاب لهم مع الأسف من قبل حكامنا.
[71] - وهذا معروف مشهور في كتبهم ولا داعي للتدليل عليه.
[72] - هذا قبل ظهور الكهرباء .
[73] - من هنا كلام وجب أن ينتبه إليه كل مسلم عن خطر الشيعة.
[74] - إلى هنا أهدي هذا المقطع الذي كتب في سنة 1918م ونحن اليوم 2008 أي قبل تسعين سنة ، فهم الألوسي ما لم يفهمه سياسوا العراق ولا فلسطين ولا المحللين السياسيين ولا قسم من سلفية السعودية حقيقة الفرق بين الخطر الشيعي والخطر الأمريكي والصهويني . ليس لأن الشيعة أسأوأ من هؤلاء كحكم شرعي ولكن قدرتهم على التأثير بالمجتمع أقوى لأنهم منا ومن جلدتنا في أسماؤهم وكثير من تصرفاتهم ولذا يسير خطرهم فينا دون أن نشعر بخلاف الصليبي والصهيوني !!!
[75] - العراق كان و لم يزل بلد من بلدان أهل السنة ، وإنما لعب الإنكليز بلعبة الأرقام ليغيروا ويزيدوا نسبة الشيعة ليثيروا مشكلة أكثرية الشيعة ، وبلغني أن الباحث عبد العزيز المحمود يكتب تاريخ تشيع العشائر العراق ، ويكتب في نسب سكان الطوائف في العراق العراق .
[76]تعتبر قبيلة زبيد من أكبر وأقوى القبائل العربية في العراق، تنقسم في انتمائها إلى فرعين رئيسين "زبيد الأكبر" و"زبيد الأصغر". ويتفرع من زبيد : الجبور والدليم والعزة والعبيد واللهيب والبو سلطان والعكيدات والبعض يذكر الجنابيون هذه العشائر مع كل تفرعاتهم     من أكابر عشائر العراق السنية والشيعية اليوم ، أما تاريخ دخولهم للعراق من نجد فهو في القرن السادس للهجرة .
 وأما تاريخ تشيعهم فقد أرخه الحيدري في (عنوان المجد) 1206هـ
[77] - شمّر قبيلة من العرب تعد بطناً من طي وفيهم بطون أخرى تعود إلى القبائل القحطانية، وتنتمي لقبائل شمّر المجموعات التالية:
- شمّر الجبل وهم شمر نجد .
- شمّر الجرباء – وهي قبائل انفصلت قبل قيام إمارة آل رشيد وانضوت تحت لواء آل الجرباء.- شمّر طوكه (طوقه) – وهي قبائل هجرت أرضها ورؤساءها، ووردت بلاد الرافدين في القرن الثامن عشر ربما في عهد المماليك الكرج.
- الصايح – وهؤلاء انفصلوا كما كان الحال مع شمّر طوكه وكانت هجرتهم إلى العراق في عهد حسن باشا أي في بداية القرن الثامن عشر.
مع حلول القرن الثامن عشر الميلادي أصبحت قبيلة شمّر تهيمن على بوادي العراق، واستمر توارد عشائرها حتى القرن التاسع عشر،.
أما تاريخ تشيعهم فقد ذكره صاحب (عنوان المجد ) كان سنة 1216هـ
[78] - تميم من العشائر العربية الكبيرة وقد دخات العراق قبل فتحه اسلاميا ولكن أغلب تميم في العراق مكن الهجرة الثانية في القرن الثمن عشر .
اما تاريخ تشيعها فهو حوالي سنة 1206 هـ كما في (عنوان المجد ) للحيدري
[79] - أي أراد صاحب الحصون أن يجعل خصومة الشيعة مع الوهابيين مع أنهم يعادون كل أهل السنة.
[80] - هي مدينة سامراء اليوم وكانت عاصمة الدولة العباسية زمن الخليفة المعتصم .
[81] - هي الشاعر المعروف عبد الغفار الأخرس وقد مرت ترجمته.
[82] - حاول عبد الحسين أحمد الأميني النجفي في كتابه (الغدير ) أن يتهم الألوسي أنه أول من قال بالمتعة الدورية افتراءا على الشيعة ، والحقيقة أن الألوسي لم يقلها بل صاحب التحفة الأثني عشرية هو من قال بها وتبعه الألوسي ، ثم أن البرزنجي (ت: 1103هـ) ذكرها في (النوافض للروافض ) عن الكركي (ت : 937هـ ) كان يقول بها والسويدي في (الصارم الحديد )ونقل عن محمد العاني في كتابه (الذريعة لإزالة شبع الشيعة ) أن صالح الحلي وحسن المحلي ذكروا أنها كانت معمول بها في النجف
[83] - هذا كلام البرزنجي في (النوافض ) نقلا عن محقق (صب العذاب )
[84] - في تفسيره (روح المعاني)
[85] - هو كتاب (الصارم الحديد في عنق صاحجب سلاسل الحديد) وهو مخطوط في العراق في 700 صفحة ،حقق في ثلاث رسائل علمية( دكتوراه) في المملكة العربية السعودية ، رد فيه السويد ي على البحريني يوسف الأوالي الهالك سنة (1186هـ) في كتابه (سلاسل الحديد) ومؤلفه الرد هو محمد أمين علي بن سعيد السويدي العباسي البغدادي أبو الفوز ولد في بغداد في آخر المائة الثانية بعد الألف من أهم مؤلفاته هذا الكتاب وكتاب (التوضيح والتبيين في شرح العقد الثمين ) والعقد الثمين لوالده توفي في بريدة سنة 1246هـ.
قال الألوسي في( صب العذاب )(352) في الثناء على هذا الكتاب : (.....وهو من أجلة الكتب في هذا الباب ، حيث لم يدع للروافض مسألة إلا وجعلها كسراب) ا.هـ
[86] - هوكتاب هيالصواقع المحرقةفي الرد على الرافضة للشيخ نصير الدين الشيخ محمد الشهيربخواجة نصر الله الهندي ، مخطوط كبير عندي نسخة منه وقد أختصره العلامة محمود شكري الآلوسي بعنوان (السيوف المشرقة مختصر الصواعق المحرقة ) سنة 1303هـ وهو عندي قيد التحقيق.
[87]  - أُلف هذا الكتاب أولاً باللغة الفارسية ألفه شاه عبدالعزيز الدهلوي ( 1159 – 1239هـ ( وسمى كتابه (التحفة الاثني عشرية ) وجعل مع اسمه لقباً هو ( نصيحة المؤمنين وفضيحةالشياطين   (
ثم قام بتعريب الكتاب ونقله من الفارسية للعربية الشيخ غلام محمدالأسلمي وسمى ترجمته ( الترجمة العبقرية والصولة الحيدرية( ثم قام الشيخ محمودشكري الآلوسي باختصار هذا الكتاب .
[88]-هي:1-الأجوبة العراقية على الأسئلة اللاهورية،مطبوع قديما وحديثا بتحقيق عبد الله البخاري.
        2-النفحات القدسية (مخطوط) بلغني أن عبد العزيز المحمود يحققه لدار الإمام البخاري.
        3- نهج السلامة في مباحث الإمامة ، طبع بتحقيق مجيد خلف .           
[89] - الذي أعرفه أن كتاب (رجوم الشياطين )هو ما فقد للشيخ .
 
 
 
الصوفية وتدمير المجتمع الإسلامي
السبت 12 يناير 2008
           ( من كتاب " الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ" تأليف الأستاذ العلامة محمود عبد الرؤوف القاسم ) 
قلنا ونعيد:
لإبليس شركان يصيد بهما بني آدم، فيخرجهم من الهدى إلى الضلال، ومن استقامة الفطرة إلى الانحراف والانحلال، واتباع الأهواء.
* الشرك الأول: الجنس وملحقاته:
بهذا الشرك يستطيع إبليس أن يبعد ابن آدم عن نداء الفطرة، وعن السلوك المستقيم الموجه بالغرائز السليمة (المتوازنة فيما بينها حسب الفطرة التي فطرها الله عليها)، فتنحرف فيه غرائز، وتتضخم أخرى على حساب بقية الغرائز التي تضمر بسبب هذا التضخم.
وأرسل الله سبحانه الرسل بالتعاليم الاعتقادية والفكرية والعملية التي تحفظ على الإنسان سيره المستقيم، وتعيد الغرائز إلى توازنها الفطري، وتحقق عبادة الله في الأرض. والإسلام هو الرسالة التي جاء بها كل الرسل: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ)) [آل عمران:19].
* الشرك الثاني: الإشراق.
قد يتغلب نداء الفطرة في الإنسان على نداء الهوى، فيسير في الطريق المستقيم ملتزماً التعاليم الإلهية، متخذاً منها المنطلقات التي توجه كل تصرفاته.
وهذا يعني أنه أفلت من الشرك الأول، وأنه سار على الصراط المستقيم. لكنه سيجد أيضاً إبليس أمامه، ينتظره على هذا الطريق: ((قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)) [الأعراف:16]، سيجده وقد نصب له الشرك الثاني (الإشراق).
ويستغل إبليس الغرور والجهل في الإنسان ليوقعه في هذا الشرك باسم الإسلام وباسم الولاية وباسم مقام الإحسان، والقرب والمعرفة...و...إلخ.
وللوصول إلى الإشراق يوجد طريقان:
الطريق الأول: طريق شجرة الخلد وملك لا يبلى، وهي أنواع، فعند بعض الشعوب القديمة، وفي الهند خاصة، كانت شجرة الحشيش، وفي الشرق الأوسط، كانت شجرة الخشخاش (الأفيون)، وفي المكسيك كانت فطر المكسيك، وفي البيرو (أمريكا الجنوبية) كانت شجرة الكوكا، وفي ماليزيا كانت شجرة الكافا...إلى غير ذلك مما لم أقف عليه.
كانت شجرة الخلد هذه، وفي قمتها الحشيش والخشخاش، حكراً على الكهان، كما كانت تدخل قصور الملوك في أحيان كثيرة.
وكانت سراً مقدساً يتعاطاها الكهان ضمن طقوس تعبدية سرية كي يقعوا في الجذبة، حيث تشرق عليهم الأنوار الهلوسية، ويتلقون العلوم اللدنية الهذيانية، وينطقون بما يتوهمون أنه الحكمة.
وبهذه الإشراقات الباطلة، والحكمة المتوهمة، كانوا يخرجون من الإسلام، باباً بعد باب، وتدخل عليهم الوثنية من كل باب.
والطريق الثاني: طريق الرياضة والمجاهدة الصوفية، فكثيراً ما كان يتعذر الحصول على المهلس الخارجى لسبب أو لآخر، حينئذ، كان إبليس يهيئ لأوليائه البديل الناجع، وباسم الإحسان، وباسم السير إلى الله والعروج إليه، وباسم المعرفة، كان يستجرهم إلى الرياضة الصوفية التي تهيئ لهم المهلس الداخلي (الإندورفين) ورفيقه الذي توقعهم دفقاته في الجذبة، حيث تشرق عليهم الأنوار الهلوسية، ويتلقون العلوم اللدنية الهذيانية، وينطقون بما يتوهمون أنه الحكمة.
وطريق الرياضة هذه هي طريق خداعة، تخدع الإنسان أكثر من طريق شجر الهلوسة، لذلك كان اعتماد إبليس عليها أكثر من اعتماده على الشجر، وكان اسمها (الكهانة والمعرفة)، وعندما حاربها الإسلام، حولوا اسمها إلى (الصوفية)، وعندما كُفِّر من كهانها من كفر وقُتل من قتل، ظهرت الطريقة البرهانية الغزالية.
والطريقة البرهانية الغزالية، والتي هي الإشراق الممزوج بالإسلام، هي أسلوب إبليسي استعمله إبليس، ويستعمله، للإبقاء على مسيرة الإشراق الذي فتن به بني آدم كما أخرج أبويهم من الجنة.
فأصل الأديان كلها الإسلام: ((وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ)) [فاطر:24] و((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ)) [آل عمران:19]، وعن طريق ((شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى)) [طه:120]، أو بديلها (الصوفية)، أخرج إبليس بني آدم من إسلامهم إلى مختلف الوثنيات التي عرفها التاريخ.
لقد كان، وما زال، يوحي إلى أوليائه أن يتستروا بدين الله، ليهدمه بهم من الداخل، حيث يوهمهم أن هلوساتهم الجذبية هي إشراقات إلهية، وأنها نور اليقين وعين اليقين وحق اليقين، ثم يوحي إليهم أن يضيفوا علومهم اللدنية الهلوسية إلى الدين الحق، حيث تتراكم البدع شيئاً فشيئاً، ومع الزمن يختفي الدين الحق، وتسود البدع ويعتقد الناس أنها هي هو.
ومع الزمن، وبإيحاءات الأبالسة وأهواء الكهان وولائجهم، تتشعب البدع وتأخذ طرقاً مختلفة بعيدة كلها عن الدين الحق.
وكثيراً ما يكون للفئات المسيطرة دور في تشجيع مذهب بتشجيع دعاته ودعمهم ومحاولة منع المذاهب المنافسة من التحرك المكشوف، أما التحرك المستور فلا سلطان لهم عليه.
وهكذا ظهرت كل وثنيات التاريخ، وهكذا وجدت الهندوسية والبوذية والطاوية والجينية، أما اليهودية والنصرانية فقد تدخلت فيها عوامل أخرى.
وطبعاً لم ينج المسلمون من هذا الشرك الروحاني، حيث ظهرت (وتظهر) آثاره المدمرة في أشكال متعددة، لعل أبرزها ثلاثة:
1- الاستسلام العجيب للتتار.
2- تمزيق الأمة الإسلامية إلى فرق مذهبية تحارب الإسلام باسم إسلام محرف ينتهجونه.
3- إفساد عام في العقائد والعبادات والأخلاق والسلوك وأساليب التفكير.
وفيما يلي بيان لهذه الأشكال التدميرية نذكرها بإيجاز شديد لأن تفصيلها يستوعب مجلدات، مع التذكير أن الكشوف والمشاهدات الجذبية هي دائماً موجهة بالقناعات الفكرية المسبقة، أي: بالأماني والطموحات والمعلومات المختزنة والعواطف المهيمنة.
في العقود الأخيرة من القرن السادس الهجري وما يليها، كانت الصوفية واسعة الانتشار جداً، وقد مر معنا في الفصول السابقة أمثلة كثيرة عن الحالة التي وصلت إليها الأمة، والتي ظهرت نبتاتها الأولى في أزمنة سابقة، حتى استوت على أيدي دعاة للصوفية (مشايخ) يقدسهم حتى غير الصوفيين، جهلاً بالصوفية، ومن هؤلاء الدعاة: الغزالي (حجة الإسلام)، والجيلاني، والرفاعي، وعدي بن مسافر، والشاذلي، والدسوقي، والبدوي... وغيرهم.
بالإضافة إلى ما مر من الأمثلة في الفصول السابقة، نورد مثالاً (على الماشي) فيه كفاية لأخذ فكرة عن الواقع.
يورد ابن العماد الحنبلي في (الشذرات) في حوادث سنة 657 هـ:
وفيها (أي: توفي في هذه السنة) الشيخ يوسف القميني الموله:
قال الذهبي في (العبر): الذي تعتقده العامة أنه ولي الله، وحجتهم الكشف والكلام على الخواطر، وهذا شيء يقع من الكاهن والراهب والمجنون الذي له قرين من الجن، وقد كثر هذا في عصرنا والله المستعان، وكان يوسف يتنجس ببوله، ويمشي حافياً، ويأوي أقميم حمام نور الدين، ولا يصلي.
وقال ابن شهبة في (تاريخ الإسلام): كان يأوي القمامين والمزابل، وغالب إقامته بإقميم حمام نور الدين بسوق القمح، وكان يلبس ثياباً طوالاً تكنس الأرض ولا يلتفت إلى أحد، والناس يعتقدون فيه الصلاح، ويحكى عنه عجائب وغرائب، ودفن بتربة المولهين بسفح قاسيون، ولم يتخلف عن جنازته إلا القليل. اهـ.
- لا تعليق، لكن ملحوظة أنه لم يتخلف عن جنازته إلا القليل، وأن هذا حدث في دمشق، التي ما خلت منذ أسلمت من دعاة للإسلام الحق، لا يخافون في الله لومة لائم، فكيف تكون الحالة في غيرها.
ثم ننتقل إلى القطاع الذي اجتاحه المغول:
هذا القطاع هو العراق وفارس، وأبرز الطرق التي كانت منتشرة فيه أواخر القرن السادس الهجري هي: الجنبلانية، الملامتية، القشيرية، الصديقية، القادرية، الرفاعية، العدوية، الكبروية، وهناك غيرها طبعاً، مع العلم أن الرفاعية ثم القادرية كانت أبرزها على الإطلاق وأوسعها انتشاراً!
وفي العقود الأولى من القرن السابع ظهرت: الجشتية، السهروردية، البابائية، البكطاشية، وبقيت الرفاعية ثم القادرية هما الأبرز والأوسع انتشاراً، وتليهما السهروردية والملامتية.
من النتائج لهذا الانتشار الصوفي، النتيجة الظاهرة الصارخة، ألا وهي الاستسلام العجيب للغزو التتري الذي كان يبيد المدن والقرى ويقتل الملايين، بينما كان المسلمون يهرعون إلى المشايخ والقبور، ويلجئون إلى الأوراد والطلاسم لاستجلاب النصر، ويستسلمون للذبح استسلام النعاج!!
لأخذ فكرة عن هذا الاستسلام العجيب نورد نبذاً من (الكامل في التاريخ) لابن الأثير، منها:
ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام:
لقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلاً وأؤخر أخرى، فمن ذا الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين، ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك، فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً... هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها... ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا([1])...
- أقول: رحم الله ابن الأثير، فلقد رأى الخلق قبل أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا أبشع من تلك الحادثة بكثير بكثير بكثير؟ فالماركسية حتى الآن، وفي أقل من سبعين سنة، قتلت من المسلمين ما يزيد عن (100) مليون نسمة، واحتلت من أراضيهم ما يزيد عن (23) مليون كيلومتر مربع (أرقام فلكية)، وهي تزحف وتزحف، وتقتل من المسلمين في أفغانستان والحبشة وغيرها ما يزيد معدله عن (1200) قتيل يومياً عدا عن أضعافهم من المشردين وعدا عن المجازر الاستثنائية التي جرت وتجري في بلاد العرب وغيرها والتي يذهب ضحيتها عشرات الألوف ومئاتهم في أيام أو أسابيع. والفرق بين حالة المسلمين في ذلك الوقت وبين حالتهم الآن، أنهم في ذلك الوقت كانوا يعرفون أن الذين يقتلونهم هم التتر، أما الآن؟ فيرون ويسمعون ويلمسون ولا يحسون ولا يعرفون؟! وإلى الله المشتكى.
ومنها:
ذكر مسير التتر إلى أذربيجان وملكهم أردبيل وغيرها:
.. ثم إنهم ملكوا البلد عنوة في شهر رمضان سنة ثمان عشرة (بعد الستمائة)، ووضعوا السيف فلم يبقوا على صغير ولا كبير ولا امرأة حتى إنهم يشقون بطون الحبالى، ويقتلون الأجنة، وكانوا يفجرون بالمرأة ثم يقتلونها، وكان الإنسان منهم يدخل الدرب فيه الجماعة فيقتلهم واحداً بعد واحد، حتى يفرغ من الجميع، لا يمد أحد منهم إليه يداً([2])...
ومنها:
ذكر ملك التتر مراغة:
...وبلغني أن امرأة من التتر دخلت داراً وقتلت جماعة من أهلها، وهم يظنونها رجلاً، فوضعت السلاح، وإذا هي امرأة، فقتلها رجل أخذته أسيراً. وسمعت من بعض أهلها أن رجلاً من التتر دخل درباً فيه مائة رجل، فما زال يقتلهم واحداً واحداً، حتى أفناهم، ولم يمد أحد يده إليه بسوء، ووضعت الذلة على الناس، فلا يدفعون عن نفوسهم قليلاً ولا كثيراً([3])...
ومنها:
ذكر دخول التتر ديار بكر والجزيرة وما فعلوه في البلاد من الفساد:
...إن الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية أو الدرب، وبه جمع كثير من الناس، فلا يزال يقتلهم واحداً بعد واحد، لا يتجاسر أحد يمد يده إلى ذلك الفارس، ولقد بلغني أن إنساناً منهم أخذ رجلاً، ولم يكن مع التتري ما يقتله به، فقال له ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه، ومضى التتري أحضر سيفاً فقتله به. وحكى لي رجل قال: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلاً في طريق، فجاءنا فارس من التتر، وقال لنا حتى يكتف بعضنا بعضاً، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، فقلت لهم: هذا واحد، فلم لا نقتله ونهرب؟ فقالوا: نخاف! فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة، فنحن نقتله، فلعل الله يخلصنا، فوالله ما جسر أحد أن يفعل ذلك! فأخذت سكيناً وقتلته وهربنا فنجونا، وأمثال ذلك كثير([4])...
- أقول: ما دام القتل مؤكداً، وما دام في الدفاع عن النفس إمكانية للنجاة، إذن، فلم يكن ذلك الاستسلام بسبب الخوف فقط، ولو كان الخوف وحده هو السبب لهربوا على الأقل، إن لم يدافعوا! ولو محصنا الأمور لرأينا أن السبب الأساسي هو (مقام التوكل، أو التسليم، أو عدم الاعتراض)، الذي جرتهم إليه الصوفية، وعلى رأسها الرفاعية التي كانت واسعة الانتشار، بسبب ضرب الشيش، والهجوم على النار، وأكل الحيات... ثم القادرية ثم بقية الطرق.
ومنها:
ذكر وصول طائفة من التتر إلى أربل ودقوقا:
...(يذكر حوادث مذهلة) إلى أن يقول: وعادوا (أي: التتر) سالمين، لم يذعرهم أحد، ولا وقف في وجههم فارس! وهذه مصائب وحوادث لم ير الناس من قديم الزمان وحديثه ما يقاربها! فالله سبحانه يلطف بالمسلمين ويرحمهم ويرد هذا العدو عنهم([5])...اهـ.
- هنا أذكر تقريراً لصاحب كتاب (الفكر الشيعي والنزعات الصوفية)، يقول:
...وجلا ابن تيمية حقيقة أخرى، حين قرر أن ظهور الأحمدية (الرفاعية)، وإضعافهم الوازع الديني المتصل بالفقه الإسلامي مباشرة، وتخديرهم الناس، وحملهم على الخمول والكسل والتسليم، كان أكبر أسباب ظهور التتار([6]). اهـ.
- أقول: إن دور العقيدة التي غرستها الصوفية أقوى من دور الخمول والكسل، ولنسمع شاعرهم يقول:
يا خائفين من التتر
عوذوا بقبر أبي عمر
ينجيكمو من الضرر([7])
وهذا تقرير آخر، لأبي الحسن الندوي، يقول:
كانت العقائد والتقاليد المشركة نالت رواجاً بين عامة المسلمين باختلاطهم مع غير المسلمين... وانتشار تعليمات الجهلة والضالة من الصوفية وأعمالهم، فقد وجد عدد وجيه من المسلمين في ذلك الحين يعتقدون في أئمة دينهم ومشايخهم والأولياء والصالحين منهم الاعتقادات الفاسدة... وكل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشايخ كان تقليداً ناجحاً للأعمال والتقاليد التي كانت تنجز في معابد غير المسلمين وقبور المقدسين عندهم، فالاستغاثة منهم والاستعانة بهم، ومد يد الطلب والضراعة إليهم، كل ذلك كان عاماً شائعاً بينهم، كما عمت عادة بناء المساجد الفخمة على قبورهم وجعلها مسجداً، وعقد المهرجانات عليها عاماً فعاماً، وقطع المسافات الطويلة للوصول إليها، وقد تفاقمت هذه العقائد السيئة وانتشرت هذه البدع والمنكرات في أواخر القرن السابع بشكل فظيع([8])... إلخ.
- أقول: كل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشايخ، لم يكن تقليداً ناجحاً للأعمال والتقاليد التي كانت تنجز في معابد غير المسلمين كما قال أبو الحسن! وإنما هو نتيجة طبيعية للصوفية أينما وجدت، يؤمن به كل الصوفية، لكنهم يظهرونه عندما يأخذون قسطاً كافياً من الحرية، ويكتمونه تقيَّةً عندما تتفتح عليهم أعين المسلمين اعتقاداً منهم أن هذا هو رسالة الإسلام، وقد رأينا من أقوالهم مئات النصوص التي تشير إلى هذا.
وترد هنا ملحوظة هامة، هي أن التتر عرفوا للصوفية فضلها في انتصاراتهم التدميرية وقدروها كثيراً، وأعطوها مركزاً مرموقاً، جعلها تهيمن على كل البلاد التي اجتاحها التتر، وقد جلى هذه الحقيقة أحد مشايخ الرفاعية، هو صالح بن عبد الله البطائحي، عندما قال في صراحة تامة لابن تيمية في مناظرته له في مصر سنة 705هـ / 1305م: نحن ما ينفق حالنا إلا عند التتر، وأما عند الشرع فلا.
وكان هذا التقدير الكبير للصوفية من قِبَل التتر الذين دمروا البلاد وأهلكوا العباد سبباً آخر لإقبال الناس، من أهل البلاد التي اجتاحها التتر، ومن التتر أيضاً، إقبالاً كاملاً على الصوفية وتقديس مشايخها إلى درجة التأليه، حتى عم البلاء إلا من رحم ربك.
* النتيجة:
الصوفية كانت العامل الأساسي الوحيد وراء الاستسلام العجيب لتلك المجازر التي ما عرف التاريخ مثل هولها حتى ظهور الماركسية سنة 1917م في روسيا، ثم امتدادها بعد ذلك، حيث قتلت من المسلمين وحدهم في مدة (68 عاماً) يزيد عن (100 مليون نسمة)، واحتلت من أراضيهم ما يزيد عن (23 مليون كيلو متر) مربع، وهي تزحف بإصرار وبأساليب مبنية على القوانين العلمية للقضاء على العالم الإسلامي عامة، والعربي خاصة، والمسلمون هم الذين يمهدون لها الطريق، ويزيلون من أمامها العقبات، ويعدون مقاتلة أعداء الماركسية جهاداً في سبيل الله، ولعلهم لم يشعروا بعد أن الماركسية هي اليهودية، وأنها التطبيق العملي لأسطورة الشعب المختار، وأنها تجند البشر لخدمة اليهود، ولعلهم لم يشعروا بعد أنهم مجروفون فيها بشكل أو بآخر، دون أن يشعروا كما وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم: {غثاء كغثاء السيل}. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون.
ولعلهم لم يشعروا بعد أن الماركسية هي فتنة الدجال، وستبلغ قمتها بظهور المسيح الدجال، ملك اليهود، مع العلم أن أحوال الماركسية وأساليبها وغاياتها (التي لم يشعر بها المسلمون بعد) تطابق أوصاف الرسول لفتنة الدجال مطابقة تامة، وأنها لا تجري بقوى سحرية، وإنما بالدعاية الرمادية الغزيرة منذ عقودها الأولى، حيث اقتنع المسلمون بأوهام لا واقع لها، وصارت عندهم هذه الأوهام حقائق بدهية من طول ما سمعوه من دعاية موجهة وكثرتها، وأصبح المسلمون لا يرون كافراً ولا عدواً للإسلام إلا مَنْ يحارب الماركسية.
* الفرق المذهبية:
يمكن أن نميز في الفرق المذهبية عند المسلمين عدة حالات:
أ- فرق ذاتُ منشأ غير صوفي، نشأت فيها طرق صوفية، فشحنتها بالأعداد الكثيرة التي أعطتها الدفع اللازم للاستمرار.
ب- فرق صوفية المنشأ والمسير، يعتبرون أنفسهم صوفية حتى الآن، بينما هم غدوا فرقاً متميزة.
ج- فرق صوفية المنشأ، تطورت حتى نسي أهلها منشأهم الصوفي، وصاروا على دين جديد.
د- فرق لم تنشأ فيها طرق صوفية، فاضمحلت وذابت في إحدى الفرق السابقة أو رجعت إلى الإسلام.
هـ- فرق لم يكن للصوفية فيها دور ملحوظ، ورغم ذلك استمرت مسيرتها، لكنها الآن قليلة الأتباع نسبياً، ولعله لا يوجد منها غير فرقتين: الزيدية بفروعها (السليمانية، والصالحية، والجارودية..)، والإباضية، مع ملحوظة هامة هي: لو اعتبرت الزيدية الصالحية والسليمانية (فقط) مذهباً خامساً، والإباضية مذهباً سادساً، لما كان هذا الاعتبار بعيداً عن الواقع، مع اعتراض على الإباضية، لقولهم بتكفير علي بن أبي طالب.
وفيما يلي، نستعرض بإيجاز أبرز الفرق في عصرنا الحاضر، التي لعبت الصوفية دورها في وجودها أو في استمراريتها:
* الإسماعيلية:
يحتاج التوضيح الموجز إلى دور الصوفية فيها إلى صفحات كثيرة، لذلك نكتفي بإيراد بعض أقوال لبعض الباحثين:
يقول عارف تامر، وهو إسماعيلي من السلمية، في تقديمه لقصيدة عامر بن عامر:
...مما لا ريب فيه أن في القصيدة آراء إسماعيلية ظاهرة، وتعابير إسماعيلية باطنية لا تخفى على المطلعين، ولعل هذا يثبت نظريتنا القائلة بأن المدرستين، الإسماعيلية والصوفية، كانتا متلازمتين تتأثران ببعضهما البعض بالنسبة لوقائع الأزمنة والأحوال([9])...
ويقول الدكتور سيد حسين نصر:
فقد كانت هناك بعض الصلات بين التصوف والتشيع- وعلى الأخص بطابعه الإسماعيلي- كما يبدو مما ذكره إخوان الصفا عن التصوف في رسائلهم، وهم إن لم يكونوا حتماً من أصل إسماعيلي، فهم بلا ريب قد نشئوا في وسط شيعي، واقترن ذكرهم فيما بعد بالحركة الإسماعيلية([10])... اهـ.
- وأضيف: إن العقائد والشطحات عند الإسماعيلية بشكل عام، وعند الحسن بن الصباح منذ استيلائه على قلعة (آلَهْ مُوت) في نواحي قزوين سنة 483 هـ، وعند خلفائه، بشكل خاص، سواء في الأقوال أو الأفعال، وكذلك عند سنان راشد الدين الذي استولى على عدة قلاع في الشمال الغربي من الشام، في النصف الثاني من القرن السادس الهجري، وما يذكر عنه من خوارق تدل على قيامه بالرياضة الإشراقية، وتقديسهم لابن عربي وأفعاله، وتبنيهم تفاسيره الإشارية، كل هذا دليل على دور الصوفية في الإسماعيلية.
وهذه كلمة لعالم من علمائهم شهاب الدين بن نصر ذي الجوشن الديلمي المينفي (نسبة إلى المينفة في شمال غربي سورية)، تظهر فيها وحدة الوجود إلى جانب العقيدة الرئيسية عندهم، يقول:
اعلم أيها الأخ البار الرحيم الرشيد، بأن التوحيد هو صفة الموحَّد المجيد، وهو درجة العقل الفعال، وأحد الحقيقة، والمبدَع الأول، وينبوع الوجود، ومصدر العدد، فمنه إشراق أنوار الكلمة العلية، ومبتدأ الوجود، وابتداع المنزه المعبود، والواحد الفرد الصمد، الذي من جوهره وجدت الموجودات، فلزمتها صفة الأعداد والأزواج والأفراد، وإليه عودتها حين المعاد([11])...اهـ.
تبدو العقيدة الإسماعيلية في هذا النص في (العقل الفعال) وأوصافه، وتبدو وحدة الوجود في قوله: (الذي من جوهره وجدت الموجودات...وإليه عودتها حين المعاد. وشطحاتهم في الأقوال والأفعال، التي هي، بطبيعة الحال، تشبه أحوال متعاطي الحشيش، دعت أعداءهم إلى تسميتهم بـ (الحشاشين)، وانتشر الاسم.
والإسماعيلية تنقسم إلى فرقتين رئيسيتين: النزارية أو (الآغاخانية)، والمستعلية أو (البوهرة)، وكانت الشعائر الإسلامية قد ألغيت عند النزارية منذ العقود الأخيرة في الموت، قبل أن يهدمها التتر؛ لكنهم الآن عادوا إلى تطبيقها على المذهب الشافعي، وعسى أن يرتق الله سبحانه بهم بعض الفتق.
مؤسسها أبو شعيب محمد بن نصير النميري (بالولاء)، مات حوالي سنة (270هـ)، وخلفه تلميذه محمد بن جندب، وكانت مدته قصيرة، وكانت الطائفة في زمنهما قليلة، تتألف من بعض الشيعة الذين قبلوا أقوال ابن نصير. وبعد موت محمد بن جندب بعد عام (270هـ) بقليل، خلفه أبو محمد عبد الله بن محمد الجنان الجنبلاني (مات سنة 287هـ)، وكان يقيم في فارس في بلدة (جنبلا)، ولذلك اشتهر أيضاً بـ (الفارسي)، وقد أحدث طريقة صوفية عرفت بـ(الجنبلانية)، وكانت مثل غيرها من الطرق، تجتذب المريدين المخدوعين من سنة وشيعة، وأكثرهم من السنة؛ لأن أهل السنة كانوا يشكلون الأكثرية الساحقة، وكان كل من دخل الطريقة يتحول مباشرة إلى النصيرية اتباعاً لشيخه، وبذلك ازداد أتباع المذهب النصيري ازدياداً كبيراً.
سافر الجنبلاني إلى مصر، حيث انتسب إلى طريقته الحسين بن حمدان الخصيـبي الذي صحب الجنبلاني في عودته إلى فارس، ثم خلفه في مشيخة الطريقة وفي الرئاسة الدينية للطائفة، وقد انتقل إلى حلب، وجعلها موطناً له، وانتشرت الطريقة في عهده بسرعة، وخاصة في سنجار، وانتشارها يعني انتشار المذهب النصيري، وقد ساعد على انتشار الطريقة والمذهب طول عمر الخصيـبي، الذي عاش حتى سنة (358هـ).
ونورد قولاً في هذا الموضوع لمؤرخ نصيري هو محمد أمين غالب الطويل([12])، يقول: كان السيد أبو سعيد سرور (مات سنة 426 هـ)، أكبر مؤلف بين العلويين، وهو آخر شيخ منفرد بالطريقة الجنبلانية التي استحالت بعد ذلك، وتشكل منها شعب العلويين([13])...(العلويون) اسمٌ ثانٍ للنصيرية استحدث زمن الاستعمار الفرنسي، ويسمون أيضاً (العلي إلهيون).
وهي في الأصل طريقة صوفية هي الطريقة العدوية، مؤسسها عدي بن مسافر الأموي، من نسل مروان بن الحكم، وقد تتلمذ على عبد القادر الجيلاني.
كانت بلاد سنجار بجبالها ووديانها شبه منعزلة عن العالم، فترعرعت فيها النصيرية الجنبلانية بحرية، حتى استوت، وعندما هاجر منها النصيريون إلى المناطق الشمالية الغربية من سورية عام (620هـ)، خلفهم فيها أتباع الطريقة العدوية، إذ كان مقر عدي بن مسافر هناك، وترعرعت هذه الطريقة بعيداً بعض الشيء عن أعين المسلمين وعلماء الإسلام، وأخذت حريتها الكاملة، ومن الطبيعي أن تظهر بين مشايخها الأمويين وأتباعهم ردود فعل تتناسب شدتها مع شدة غلو النصيرية في شتمهم للأمويين، وخاصة يزيد بن معاوية، وردود الفعل هذه، مضاف إليها طبيعة الصوفية الخاضعة دوماً للكشف وتوجهاته، والذي هو خاضع بدوره لأهواء الشيخ الكامنة في نفسه من جهة، ووسوسات شياطين الجن والإنس من جهة ثانية، ومضاف إليها الجهل الذي تفرضه الصوفية على أتباعها، كل هذا جعل الانحراف المقابل للتشيع يسير بسرعة حتى استوى في مدة وجيزة وظهر الزيغ والضلال في زمن شيخها حسن بن عدي بن صخر بن أبي البركات بن صخر بن مسافر، وصخر بن مسافر هذا هو أخو عدي بن مسافر الذي عمر حتى تجاوز التسعين من عمره.
مات حسن بن عدي سنة (644هـ) مقتولاً على الزندقة، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، ولا بد من أن يكون بعض التطور قد حدث بعده في الطريقة.
ولعل النصيرية هم الذي أطلقوا عليهم اسم (اليزيدية) للتشنيع، بينما قبلوه هم لأنهم كانوا يرون فيه شرفاً لا تشنيعاً بسبب أموية شيوخهم، وهذا يعني أن هذا الاسم يجب أن يكون قد انتشر قبل هجرة النصيرية (وهو كذلك).
ولعل مقام الورع الذي تحقق به مشايخهم، وكانوا يحثونهم عليه، هو الذي أوصلهم إلى عبادة الشيطان! فقد كانوا لشدة تحققهم بهذا المقام، يتورعون عن السب واللعن، حتى عن لعن الشيطان (بدلاً من سب الشيطان قل: لا إله إلا الله)، ثم مع مثابرتهم على التمسك بهذا المقام- ولعل عوامل أخرى تدخلت في الموضوع- صاروا يعنفون من يسب الشيطان، ومع الزمن، وزيادة الورع، تحول هذا إلى تقديس الشيطان ثم إلى عبادة له.
تؤمن الدرزية أن الزمن يقسم إلى أكوار، وكل كور إلى أدوار، وأن الله سبحانه يتأنس (يظهر بصورة إنسان) في أول كل دور، وأنه (سبحانه وتعالى) في الدور الأخير من الكور الحالي تأنس بصورة الخليفة الفاطمي (الحاكم).
مؤسس الدرزية هو الحمزة بن علي الزوزني (اختفى سنة 411 هـ بعد اختفاء الحاكم)، ومما ينعت به: علة العلل، العقل الأول، النور الكلي، الجوهر الأزلي، فيه بدأت الأنوار، ومنه برزت الجواهر، وعنه ظهرت العناصر، ومنه تفرعت الأصول، وبه تنوعت الأجناس، أصل الوجود، قائم الزمان، هادي المستجيبين... ذو معة. وكانت دعوته بدعم مباشر من الحاكم.
ويأتي بعده في المرتبة الدينية إسماعيل بن محمد التميمي (النفس الكلية، المشيئة...ذو مصَّة)، ثم محمد بن وهب القرشي (الكلمة...)، ثم سلامة بن عبد الوهاب السامري (السابق، الجناح الأيمن..)، ثم علي بن أحمد السموقي الطائي (التالي، الجناح الأيسر..)، المعروف بلقب بهاء الدين الضيف (اختفى سنة 434هـ/ 1042م)، ومدته في الدعوة أطول من مدة الأربعة مجتمعين. وهؤلاء يدعون (الحدود الخمسة).
تظهر وحدة الوجود واضحة في أوصاف الحمزة بن علي: فيه بدأت الأنوار، ومنه برزت الجواهر، عنه ظهرت العناصر...إلخ، كما تشم منها زاخمة رائحة الكشف والرؤى الكشفية.
وتصف الدكتورة نجلاء عز الدين مؤلفة كتاب: (الدروز في التاريخ) الحاكم بقولها:
...فالحاكم كغيره من الصوفية، خبر المعراج الروحي فغاب بشهوده عن وجوده... يتكلم وكأن الله هو المتكلم، فيقول: وكما سما أناس بحبنا إلى الفناء في ذاتنا، فلولا المحبة لما فنوا ولما وصلوا إلى طريق الارتقاء إلى العالم الأقدس([14]) لو رجعنا إلى فصل لا طريقة بدون شيخ، لرأينا التشابه التام بين هذا القول وأقوال مشايخ الصوفية).
وجاء في الرسالة الثالثة عشر من رسائل الحكمة (كتاب الدروز): إن المولى سبحانه لا يدخل تحت الأسماء والصفات واللغات...هو الموجود في الحقيقة ولا غيره موجود([15]). (هذا نفس قول الصوفية).
وتقول المؤلفة أيضاً (وهي درزية): إن مذهب الدروز مسلك صوفي عرفاني...فالسالك بعد أن يكون قد ارتاض بالعمل بموجب ظاهر الشريعة وباطنها يصل إلى مرحلة يصبح عندها مهيأً لتقبل الحقيقة دون حاجة إلى شعائر ووسائط...إن ما هو أهم من ظاهر العبادات معناها الحقيقي، وهو الرياضة الروحية...فتصبح النفس مهيأة للمثول أمام خالقها، فتبلغ بنعمة المولى ولطفه مرتبة المشاهدة([16])...
وفي ترجمتها للأمير السيد جمال الدين عبد الله التنوخي، وهو يلي الحدود الخمسة في المقام (ت:884 هـ/ 1479 م)، تقول: ...فهو (أي: عبد الله التنوخي) ينبوع الخيرات ومعدن البركات...العارف بالله الرباني...سرعان ما انتشرت شهرته كولي من أولياء الله الصالحين([17])...
وتقول: إن كتابات السيد مفعمة بروح صوفية، فقد اتبع خطا الصوفية في الوصول إلى معرفة الله([18])...
ومما تورده من أقواله: ...فمتى قهرت النفس الشهوات أصبحت خاضعة لله، مراقبة لباريها، سائرة إلى معرفته، فيمن عليها الصفاء والإشراق([19])...
وفي كتاب إلى عبد القادر ريان، أحد المريدين، يقول السيد: وقاعدة السعادة في الدين والدنيا أن يستشعر العبد حضور خالقه في سره وطويته وظاهره وباطنه...وتأتي المشاهدة بعد الانصراف عن كل ما هو سوى الله([20]).. اهـ.
الصوفية وراء الدرزية، وفي الحقيقة، الدرزية الآن هي الإشراق ذاته غير ممزوج بشيء (الخلوة والرياضة حتى الوصول إلى الإشراق)، والنصوص القليلة السابقة واضحة في هذا المدلول، وهم يسمون أنفسهم (الموحدين)، ويسمون مذهبهم (مسلك التوحيد)، ويعنون بذلك نفس المعنى الصوفي، أي: وحدة الوجود. والواصلون منهم يسمون (أعرافاً)، مفردها (عَرْف)، وهو اشتقاق من (العارف)، مع العلم أن هذا (أعراف)، قلما يستعملونه الآن، ويستعملون بدله كلمة (أجاويد)، مفردها (جويِّد).
وهناك دلائل تشير إلى أن الدروز كانوا يقيمون الشعائر الإسلامية حتى زمان متأخر.
طريقة صوفية في الأصل، وحتى الآن يعتبرها أتباعها طريقة صوفية، رغم أنها صارت مذهباً -بل ديناً- شاذاً عن الإسلام، وقد لا يمضي وقت طويل حتى ينسى أتباعها أنهم أتباع طريقة صوفية، ويرون أنفسهم أهل مذهب خاص.
وهذه بعض معالمها كما يذكرها أحمد حامد الصراف (بغدادي) في كتابه (الشبك).
1- البكطاشية طريقة صوفية لا يتيسر الانخراط في سلكها إلا بعد مضي مدة التجربة، وهي ألف يوم ويوم.
2- البكطاشية تتهاون بأداء الفرائض كالصوم والصلاة والحج والزكاة والجهاد.
3- البكطاشي لا يتحرج في شرب الخمرة، فالخمرة شربها مباح.
4- البكطاشي يعترف عند الباب أو البير بما ارتكبه من آثام ويتلقى منه المغفرة.
5- البكطاشي يغالي في الإمام علي، ويرفعه إلى مقام الألوهية([21]). اهـ.
والبكطاشية منتشرة في تركيا وشرق أوروبا، ويقال: إن عدد أتباعها في تركيا وحدها يزيد على ثلاثة عشر مليوناً، وكذلك انتشارها في مصر في تزايد مستمر، والبكطاشي شيعي اثناعشري يسمي نفسه سنياً.
ويوم 16 آب هو عيدهم، حيث يجتمع الآلاف منهم بالألبسة الزاهية، يطوفون حول القبر المقدس في نوشهر في تركيا، ويقيمون الرقصات والأذكار الخاصة، وعلى رءوسهم قلنسوات أسطوانية ذات 12 طية، إشارة إلى الأئمة الاثني عشر، أئمة الشيعة، وحركاتهم في الرقص (الحضرة) عنيفة، ويبقى العيد ثلاثة أيام.
شيعة الهند وإيران والعراق الجنوبي وجبل عامل (الشرخ الأكبر في جسم الأمة الإسلامية):-
ما كان التتار في غزواتهم حملة عقيدة يسعون إلى نشرها، وما كان غزوهم إلا من أجل العلو أو الانتقام أو النهب) ولمجرد الغزو والفتح، وكانت عقائدهم التي يدينون بها متشعبة وثنية ساذجة تنفر منها الفطرة السليمة.
عندما تصطدم أمة، هذه حالها، بعقيدة واضحة، متلائمة مع الفطرة، مستقيمة مع المنطق، صادقة المنهج، فسرعان ما تستسلم هذه الأمة لهذه العقيدة.
وهذا ما حدث للتتار، فبعد جيل (في مكان)، أو جيلين (في مكان آخر)، أو أكثر بقليل (في مكان ثالث)، أخذ التتار يدخلون في الإسلام زرافات ووحداناً.
وبما أن الصوفية كانت واسعة الانتشار جداً، لذلك كان دعاة الإسلام بين التتار خليطاً من مسلمين صحيحي العقيدة ومن متصوفة، مما جعل دخول قسم لا بأس به من التتار إلى الإسلام على أيدي متصوفة، وخاصة من مشايخ الطريقة الرفاعية الذين كانوا يذهلونهم بالخوارق التي يجرونها أمامهم.
وهنا يجب ألا ننسى أن المتصوفة يظهرون الشريعة ويبطنون الحقيقة (حقيقتهم)، فهم عندما كانوا بخوارقهم يجتذبون التتار إلى الإسلام، كانوا يجتذبونهم إلى الشريعة الإسلامية حسب الظاهر، ثم بعد ذلك يجرونهم وراءهم في طريق التصوف.
كما يجب ألا ننسى أبداً أن إبليس ماهر في الحساب، يتقن الجمع والطرح، ويعرف أن العشرة أكثر من الواحد.
ويجب كذلك ألا ننسى أبداً أن إبليس كان يعرف أن التتار ليسوا حملة عقيدة، وأنهم باختلاطهم مع المسلمين سوف يسلمون، إن لم يكن في هذا الجيل، ففي الذي بعده.
وبذلك كان يعرف أن إدخال أعداد من التتار في الإسلام بواسطة المتصوفة لإضلال أضعاف أضعاف أضعافهم، هو عملية مربحة جداً له.
ولذلك كان وجنده يقدمون خدماتهم للمتصوفة بإجراء تلك الخوارق، وبكل تأكيد، كانوا يقدمونها بحماس، مما سبب دخول أعداد من التتار في الإسلام.
زاد بذلك افتتان الناس بالصوفية، وغدا الشيخ الصوفي إلهاً يعبد ويسجد له، وصارت تقدم له الأدعية والنذور والقرابين، ويتبرك حتى ببوله وخرئه، وصارت الطلاسم والأوراد والأحزاب والقبور هي هم المسلم، وكان الجهل هو المساعد الأكبر.
في ذلك الوقت، أي: في النصف الثاني من القرن السابع (بعد الغزو التتاري)، وما بعده، كان للتشيع فرق كثيرة (قليلة الأتباع)، يمكن توزيعها على ثلاث مجموعات هي:
أ- الغلاة: وأبرزهم النصيرية، وكانوا منتشرين في شمالي سورية وفي جيوب صغيرة في العراق وفارس، وكانوا يسمون أيضاً (العلي إلهيون).
ب- الأقل غلواً: وأبرزهم الإسماعيلية والزيدية الجارودية، وكانوا منتشرين في البحرين واليمن والشام وفي جيوب في فارس، وكانت الزيدية في فارس أكثر من الإسماعيلية، ولا يعرف لها وجود متميز في الشام.
ج- المعتدلة: وأبرزهم الزيدية الصالحية والسليمانية في فارس والعراق واليمن، وكذلك شيعة جبل عامل في جنوب لبنان، والحلة وما حولها في العراق، وفي جيوب صغيرة في فارس والشام.
والشيعة المعتدلة هؤلاء كانوا يحترمون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم، لكنهم يفضلون علي بن أبي طالب، ويرونه أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان، ويشتمون الأمويين، وخاصة يزيد بن معاوية، ويرون أن الخلافة يجب أن تكون في العلويين، وأن العباسيين مغتصبون لها، وكانوا يتبعون المذاهب السنية في الفقه.
جاء القرن الثامن والتاسع، والمسلمون (ويهمنا هنا البلاد التي اجتاحها المغول) على هذه الحال، ومن البدهي أن يظهر في الشيعة متصوفة، حيث عمل مثقفوهم على الجمع بين التصوف والتشيع، ساعدتهم طبيعة الصوفية بما فيها من باطنية وادعاء النسب لآل البيت، وزعم التسلسل الذي يوصلونه إلى علي بن أبي طالب عن طريق الأئمة الاثني عشر، لكنهم كانوا يبثون عقائدهم هذه بصورة محدودة بين خواصهم وبعض غيرهم، كما ألف بعضهم كتباً في هذا الشأن، أي إنهم لم يؤسسوا طرقاً صوفية ويحاولوا تشييعها، بل اكتفوا بما كانوا يلقونه من دروس ومواعظ ومناقشات، أو بما كانوا يؤلفون من الكتب، منهم:
آل طاوُس: الذين بقيت نقابة الأشراف فيهم عشرات السنين، وكانوا يعدون أولياء ذوي كرامات أحياءً وأمواتاً، حتى لقد صار قبر السيد أحمد بن طاوُس مزاراً مشهوراً، وحتى تحرج العامة والخاصة عن الحلف به كذباً خوفاً([22]). وأهمهم.
- نقيب الأشراف رضي الدين علي بن طاوُس، توفي سنة (644هـ)، قبل دخول التتار إلى بغداد.
- وبعده نقيب الأشراف جمال الدين محمد بن طاوُس، توفي بعد سنة (672هـ) بقليل.
- وبعده غياث الدين عبد الكريم بن أحمد بن طاوُس، توفي سنة (693هـ).
ومن غير آل طاوس:
- كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني مات سنة (679هـ).
- عز الدين، أبو الفضل عامر بن عامر البصري، من أحياء العقود الأولى من القرن الثامن، نظم قصيدة سماها (ذات الأنوار)، عدد أبياتها (507) أبيات، وعدد فصولها (12) فصلاً، نظمها سنة (705هـ)، (لنلاحظ أن 5+7=12 وهو عدد الأئمة الإثني عشرية)([23])، وقصيدته هذه التي مطلعها:
تجلى لي المحبوب في كل وجهة                  فشاهدته في كل معنى وصورة
هى التي يعزو عبد الوهاب الشعراني في طبقاته أبياتها الأوائل إلى إبراهيم الدسوقي، وتوحي هذه القصيدة بأن عامر بن عامر إسماعيلي، تصوف في الطريقة البكطاشية، فصار اثني عشرياً إسماعيلياً.
- الحسن بن يوسف بن مطهر الحلي، تلميذ نصير الدين الطوسي، صاحب كتاب منهاج الكرامة، الذي نقضه ابن تيمية في كتابه (منهاج السنة)، مات ابن المطهر سنة (727هـ)، وقد تشيع به جماعات كثيرة.
وهناك غيرهم أعداد.
هؤلاء أوجدوا هنا وهناك بؤراً شيعية جديدة أضيفت إلى القديمة، وفي هذه البؤر وجد مشايخ الطرق المتشيعون الذين جاءوا فيما بعد دعاة، كانوا عوامل، إلى جانب الشيخ، في إقناع الأتباع بالتشيع.
ثم جاءت الطرق لتكون العامل الحاسم في تشييع فارس وبعض العراق، وقبل إلقاء نظرة سريعة على أبرزها، نعود لإلقاء نظرة ثانية، وسريعة أيضاً، على مدى سيطرة الصوفية على المجتمعات في ذلك الوقت:
مما يقرره أبو الحسن الندوي ناقلاً، يقول:
وآخرون قد جعلوا الميت بمنزلة الإله والشيخ الحي المتعلق به كالنبي، فمن الميت يطلب قضاء الحاجات وكشف الكربات، وأما الحي فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه...
فطائفة من هؤلاء يصلون إلى الميت، ويدعو أحدهم الميت، فيقول: اغفر لي وارحمني، ونحو ذلك، ويسجد لقبره، ومنهم من يستقبل القبر، ويصلي إليه مستدبراً الكعبة، ويقول: القبر قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة، وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهداً...وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد، يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ، فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل، وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع والدعاء وحضور القلب ما لا يجد أحدهم في مساجد الله تعالى...
حتى إن طائفة من أصحاب الكبائر الذي لا يتحاشون فيما يفعلونه من القبائح، كان إذا رأى قبة الميت أو الهلال الذي على رأس القبة، خشي من فعل الفواحش، ويقول أحدهم لصاحبه. ويحك هذا هلال القبة، فيخشون المدفون تحت الهلال، ولا يخشون الذي خلق السماوات والأرض...
ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذباً، ولا يجترئ أن يحلف بشيخه اليمين الغموس كاذباً، ومنهم من يقول: كل رزق لا يرزقه إياه شيخه لا يريده...
وهؤلاء يجعلون الرسل والمشايخ يدبرون العالم بالخلق والرزق وقضاء الحاجات وكشف الكربات...ومن هؤلاء من يظن أن القبر إذا كان في مدينة أو قرية فإنهم ببركته يرزقون وينصرون، وأنه يندفع عنهم الأعداء والبلاء بسببه([24])...
ثم يقول أبو الحسن الندوي معلقاً ومبيناً:
وكانت النتيجة الحتمية لهذا الإجلال والتعظيم أن تتزايد أهمية المشاهد بإزاء المساجد...فقد انتشرت هذه المشاهد والمزارات في كل ركن من أركان العالم الإسلامي، ووجدت آلاف مؤلفة من القبور المزورة، وتصدى الأمراء والسلاطين لوقف الممتلكات والأراضي الواسعة عليها، وأقيمت عمارات ضخمة وقباب فخمة في أمكنة هذه القبور ومشاهد المشايخ، كما وجدت أمة بأسرها من العاكفين والكناسين والخدم لهذه القبور، ونالت الرحلة إليها كل إعجاب، حتى بدأت تصل قوافل الحجاج إليها من مسافات بعيدة...
إلى أن يقول:
وفي القرنين السابع والثامن، دخلت هذه المشاهد والضرائح في حياة المسلمين الدينية، ونالت عندهم من القبول والمركزية ما جعلها تنافس بيت الله وتتحداه([25])...إلخ.
وهذا تقرير آخر لابن بطوطة (الرحالة) عن تربة أبي إسحاق، إبراهيم بن شهريار الكازروني في كازرون([26])، يقول:
...ومن عادتهم أن يطعموا الوارد كائناً من كان، من الهريسة المصنوعة من اللحم والسمن، وتؤكل بالرقاق، ولا يتركوا الوارد عليهم للسفر حتى يقيم في الضيافة ثلاثة، ويعرض على الشيخ الذي بالزاوية حوائجه، ويذكرها الشيخ للفقراء والملازمين للزاوية وهم يزيدون على مائة...
وهذا الشيخ أبو إسحاق معظم عند أهل الهند، ومن في الصين، ومن عادة الركاب في بحر الصين أنهم إذا تغير عليهم الهواء وخافوا اللصوص نذروا لأبي إسحاق نذراً، أو كتب كل منهم على نفسه ما نذره...وما من مركب يأتي من الصين أو الهند إلا وفيه آلاف من الدنانير، فيأتي الوكلاء من جهة خادم الزاوية فيقبضون ذلك...اهـ.
- أقول: في هذه النصوص كفاية وفوق الكفاية بكثير، لنعرف مدى سيطرة الصوفية، ومدى تأثير المشايخ على العقول، والكتاب كله براهين من أقوالهم على عقائدهم هذه التي يؤمنون بها كلهم ويكتمها الكمل منهم، ويظهرون الشريعة.
وهذه ملحة إضافية من أناشيدهم على لسان شيوخهم:
وأنا صرخت في العرش حتى ضج
وأنا حملت على علي حتى هج
وأنا البحار السبعة من هيبتي ترتج
في هذا المحيط، أخذت الطرق الصوفية تعمل عملها، والبارزة من هذه الطرق هي:
التي لعبت في هذا المضمار دورين: دورا تأسيسياً في مراحلها الأولى، ثم الدور الحاسم في مراحلها الأخيرة.
مؤسسها هو صفي الدين إسحاق بن أمين الدين جبرائيل الأردبيلي، والظاهر أنه تركي الأصل؛ لكنه مع ذلك من سلالة الحسن أو الحسين (الشك من ابنه)، ولد صفي الدين سنة (650هـ)، ومات سنة (735هـ) على الأرجح، أخذ الطريقة (لعلها القادرية) عن الشيخ إبراهيم الزاهد الكيلاني المتوفى سنة (700هـ) في كيلان، ثم أسس طريقته التي انتشرت في أردبيل وقزوين وما حولهما، وتسربت إلى غيرها من البلدان القريبة.
كان أتباعها يتحولون إلى شيعة (معتدلة) بسبب تشيع شيوخهم ونسبهم العلوي (المدعى)، ودعوتهم إياهم إلى التشيع؛ لأن المريد يجب أن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل، وكان أتباعه قبل الشروع بالحضرة يسجدون له، ثم يتابعون حضرتهم، وهي من الجالسة الصائتة، وقد أخذت الطريقة النعمتللاهية هذا التقليد عن الصفوية([27]).
السنية السعدية: مؤسسها سعد الدين محمد بن المؤيد...بن حمويه، مات في خراسان سنة (650هـ-1252م)، لقبوه بـ (يسعى العجم)، شيعي من تلاميذ ابن عربي (الشيخ الأكبر)، أسس طريقته في دمشق، ثم انتقل إلى خراسان لينشرها هناك. و(يسعى العجم) هذا هو خاتم الأولياء، الذي هو معاد النبي، ومغرب جميع الأنوار المنتشرة في العلويات والسفليات...وهو مظهر قيام الساعة، يعني: قيام نفس الولاية التي تعم الإلهية، وكان (يسعى العجم) هذا يمثل العلم الإلهي المتسلسل من آدم إلى محمد ومندمجاً على ثمرة (تعليم الأسماء وعلم البيان)([28])...
ويسعى العجم هذا نزلت عليه سكينة الله فصار بها حياً باقياً خالداً دائماً في هذه الدار، وأعطاه السلام مفاتيح الغيب...وهكذا صار (يسعى العجم) إنساناً إلهياً لا يختلف عن الله حتى في الخلود([29])..اهـ.
- أقول: ما على القارئ إلا أن يتخيل رجلاً هذه صفاته التي يؤمن بها أتباعه وغيرهم، وهو شيعي يدعوهم إلى التشيع! فهل يمكن أن يوجد في هؤلاء الأتباع من لا يستجيب له؟ وهكذا انتشر التشيع في شرقي إيران، وإن كان انتشاراً محدوداً؛ لأن انتشار الطريقة السنية السعدية لم يكن واسعاً مثل الصفوية مثلاً، ويجب ألا ننسى أن شيخ يسعى العجم، الذي هو محيي الدين بن عربي، كان شيعياً أيضاً([30])، ويجعله الإسماعيلية من أئمتهم.
الحروفية: مؤسسها فضل الله بن عبد الرحمن الحسيني الاستراباذي، شيعي كان يتنقل بين مدن فارس، قتله ميران شاه بن تيمورلنك سنة (804هـ)، له ثلاثة كتب مقدسة: الجاردان نامة، أي: كتاب الخلود، ومحبة نامة، وعرش نامة، والأخيران شعر.
كان الجاردان نامة يدرس سراً، ولخليفته الثاني (علي الأعلى) شرح عليه.
في سنة (786هـ-1384م)، أعلن فضل الله مهديته (مهدي السنة طبعاً) بين أخصائه، وتلقى البيعة سراً([31])...وكانت دعوته مبنية على أنه خليفة الله كآدم وعيسى ومحمد، اجتمعت فيه مُثُل الصوفية والشيعة لإنقاذ العالم بالدم، فكان مهدياً وختماً للأولياء ونبياً وإلهاً في وقت واحد([32]).
وبدهي أن يتبع الأتباع شيخهم بالتشيع، لأن المريد يجب أن يكون بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل. وطبعاً، كان الجهل أكبر مساعد.
ومما يجدر ذكره أن علم الحروف، رغم كونه من مستلزمات الكهانة أو (الصوفية؛ لا فرق) في جميع حالاتها، إلا أنه كان مقتصراً على الشيوخ والعارفين، حتى جاءت الحروفية فعممته، وصار علم الحروف (السحر) حرفة ووسيلة لتسخير الطبيعة، بقطع النظر عن كون المستخدم لها براً أو فاجراً، وانشغل الصوفية (وغيرهم) به لرسم الهياكل والطلاسم([33])...والمحبة والقبول والشفاء من الأمراض وغيرها...
ورغم أن الطريقة الحروفية اندثرت باندماجها في البكطاشية فيما بعد؛ إلا أنها تركت أثرها الحروفي في كل الطرق، وبالتالي في الأمة جمعاء، إلا من رحم ربك، وهكذا صار علم الحروف (السحر) من المظاهر البارزة في ثقافة الأمة جمعاء، إلى جانب القبوريات وخوارق المشايخ وتغريبة بني هلال وقصة سيف بن ذي يزن، وكذلك ظهر أثرها بعد زمن في الشيخية، ثم في البابية والبهائية.
مؤسسها علي بن الشهاب الهمداني، شيعي فارسي تخرج بالكبروية، وكاد أكثر مريديه من السنة الذين تشيعوا اتباعاً لشيخهم، وكان الجهل أكبر مساعد، مات علي الهمداني سنة (786هـ)، وسار خلفاؤه على نهجه بتشييع أتباعهم على النفس الطويل، وفي الهمدانية تخرج نور بخش.
في هذه العقود -أي: النصف الثاني من القرن الثامن- ظهر أيضاً كتاب من الشيعة المتصوفة دعوا إلى الجمع بين التصوف والتشيع، لعل أشهرهم: بهاء الدين، حيدر بن علي العبيدي الآملي، مات بعد سنة (794هـ)، له كتاب كان مشهوراً، اسمه (جامع الأسرار ومنبع الأنوار في أن عقائد الصوفية موافقة لمذهب الإمامية الإثني عشرية)، وله كتاب في التصوف اسمه: (نص النصوص في شرح الفصوص)، أي: شرح (فصوص الحكم لابن عربي. وبهاء الدين هذا من أتباع الطريقة الأكبرية العربية الحاتمية([34]).
- ومن الظواهر البارزة في هذه العقود، تيمورلنك والحركة التيمورلنكية، ننقل جملة موجزة عنه من (الفكر الشيعي والنزعات الصوفية):
... فقد بدأ تيمور علاقاته الشخصية بالصوفية...اتصل في مطلع شبابه في (كش) بالشيخ شمس الدين الفاخوري، وفي خراسان بالشيخ أبي بكر الخوافي (ت: 838 هـ)، ولما ارتفع نجم تيمور غلب عليه السيد محمد بركة (ت: 804)، ولهذا روي عنه أنه كان يقول: جميع ما نلته بدعوة الشيخ شمس الدين الفاخوري، وهمة الشيخ زين الدين الخوافي والسيد محمد بركة. يضاف إلى هذا أن تيمور كان يزور الصوفية ويكرمهم أينما حل، ويزور قبور شيوخهم، حتى إنه لما فتح العراق، قصد إلى واسط، ليزور قبر السيد أحمد الرفاعي. وفي مقابل هذا كان الصوفية يدعون لتيمور ويؤيدونه، وبخاصة أنه لبس الخرقة منهم، فصار بذلك واحداً منهم، واعتبرت أعماله كرامات صوفية، وصار مظهر تجليات الحق الجمالية والجلالية، ووصفت أعماله كلها بصدورها عن الإلهام الإلهي والهاتف السماوي وأنباء الغيب([35]).... اهـ.
كان تيمورلنك سني المذهب، نشأ في مجتمع سني على مذهب أبي حنيفة، وقد قاده تصوفه إلى التفاعل الكامل مع الطريقة الصفوية الشيعية، فعندما اتصل بشيخها صدر الدين موسى (ت: 794 هـ) ابن صفي الدين وخليفته، أقطعه مدينة أردبيل وما حولها، فصار صدر الدين الحاكم الفعلي لأردبيل، بالإضافة إلى سلطته الصوفية المؤلهة، كما وهب ابنه وخليفته (علاء الدين علي) الأسرى الذين وقعوا في قبضته في حروبه في بلاد الروم([36]) سنة (804هـ-1401-1402م)، فسموا (الصوفية الرومللو). بينما نرى تيمورلنك هذا يجتهد في محاربة أهل السنة، وعندما ينتصر عليهم يعاملهم بقسوة بالغة، وخاصة دمشق التي أبادها إبادة كاملة، بحجة أن أهلها شاركوا في مقتل علي والحسين رضي الله عنهما، وأنهم من أتباع الأمويين.
يقول كامل مصطفى الشيبي:
جمع تيمورلنك بين العاطفة الشيعية والفقه السني.
ويقول: كان من الطبيعي أن تظهر في عهد تيمور حركات شيعية غالية، وذلك لغلبة التصوف وارتفاع شأن العلويين([37]).
ويحسن أن نذكر هنا أن (خدابندة) خليفة قازان، تشيع وأعلن التشيع في جميع مملكته، لكن ذلك لم يجد شيئاً لندرة دعاة الشيعة في بلاده آنذاك؛ ولأن العقيدة لا يمكن أن تفرض بمرسوم يصدر عن الحاكم؛ ولأن هذا الإعلان دفع دعاة السنة إلى النشاط في الدفاع عن الإسلام، مات خدابندة (716هـ-1316م).
وفي القرن التاسع الهجري ظهرت الطرق التي كان لها الدور الحاسم والنهائي في تحويل الفرس إلى شيعة، هذه الطرق هي: النوربخشية، المشعشعية، النعمتللاهية، ثم الصفوية في دورها الثاني.
قبل إلقاء نظرة سريعة على هذه الطرق، لا بأس من قراءة تضاف إلى ما سبق لبعض ما يقوله الباحثون في وصف الظروف التي كانت تعيشها المجتمعات المسلمة في فارس وغيرها، يقول (الشيبي):
...لقد كانت روح اليأس والشعور بالضعف تملأ المجتمع الإسلامي في هذه الفترة إلى حد أن السلاطين الذين كان بيدهم زمام الأمور، جعلوا وسيلتهم إلى تحقيق مطامعهم اللجوء إلى الطلاسم والأدعية على طريقة البوني([38]). وكان من انتشار هذا الميل بين الناس أن انتصار (شاهرخ) على قرا يوسف في سنة (828هـ-1420م) نسب إلى تلاوة القراء لسورة الفتح اثني عشر ألف مرة، ومن هنا جعل المصنفون يتجهون إلى هذا النوع من المعرفة، ويسجلون ما مر بهم من حوادث مماثلة، ليجعلوا من هذا التصرف علماً قائماً بذاته، ومن أمثال ذلك ما فعله (الغياثي) المعاصر لابن فلاح من تعليل قتل (بير بودان) سنة (870هـ-1466م) بكونه من تأثير القران الثاني بالسرطان، وقتل (جهانشاه) هازم (بير بودان) سنة 872هـ تحقيقاً لنبوءة القرآن في قوله: ((غُلِبَتِ الرُّومُ)) [الروم:2]، باعتبار هذه السنة تقابل قيمة ((بِضْعِ سِنِينَ)) [الروم:4]([39])القرآنية الواردة في هذه السورة، وهزيمة جهانشاه على يد حسن بك بقول عبد الرحمن البسطامي (من الحروفيين): إذا زاد الجيم في الطغيان فمعه ميم ابن عثمان. وقد قرنت الأحداث التي تمت على يد المشعشعين بقرانات مثل هذه أيضاً...ومن هنا كان في إمكان الإنسان أن يستكنه المستقبل عن طريق التعمق في دراسة أسرار القرآن والاجتهاد في تنمية قوة الكشف النفسية، مع معين من العلم بالأعداد والحروف وتجمعات النجوم ودلالاتها. وكان من الطبيعي في ظروف مثل هذه أن ترتفع مكانة الكرامات الصوفية التي تطورت إلى مسائل عملية تذهل الناس وتستأثر باهتمامهم، وبذلك سمت مكانة الصوفي الاجتماعية...اهـ.
- إذن، ففي مثل هذه الأرضية الاجتماعية، كان باستطاعة الشيخ الصوفي أن يحرك أتباعه كما يريد، وأن يجعلهم يعتقدون ما يريد، وأن يقدموا له أموالهم وأرواحهم وأبناءهم ونساءهم رخيصة لا يبتغون في ذلك شيئاً إلا رضا الشيخ على أنه رضا الله.
لكن، رغم كل هذه التطورات، بقيت نسبة السنة أكثر من نسبة الشيعة في فارس، حتى جاءت الطرق التي كانت الحاسمة في الموضوع. وهي:
مؤسسها واهب الأنوار (نور بخش)، مات سنة (869هـ*، شيعي كان يعلن أن همه هو الجمع بين التصوف والتشيع([40])، أخبره كشفه أنه المهدي المنتظر (لم تكن خرافة محمد بن الحسن العسكري قد انتشرت بعد)([41])، وساعده في ذلك اسمه (محمد بن عبد الله)، وسمى ابنه (القاسم)، فصار: (أبا القاسم محمد بن عبد الله)، كما عرف عن طريق الكشف أنه من سلالة فاطمة الزهراء، انتشرت طريقته انتشاراً واسعاً بسبب الخوارق التي كانت تجري على يديه، وبسبب مهديته وعلويته، وبسبب الظروف الاجتماعية المؤاتية، وكان أكثر أتباعه من السنة الذين تشيعوا انقياداً وراء شيخهم، إذ المريد يجب أن يكون بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل، وكان الجهل أكبر مساعد، وقد انتشرت النوربخشية في أواسط إيران وجنوبها وبعض شمالها. ولقد حاول نور بخش الانقضاض على الملك، حيث بدأ حركته (826هـ-1423م) في كوه تيري من قلاع ختلان، وكان أنصاره يلقبونه ألقاباً كثيرة، منها: الإمام والخليفه على كافة المسلمين([42])، لكنه فشل، بسبب انشقاق قسم من أتباعه، وانضمامهم إلى الطريقة الهمدانية، وشيخها آنذاك (عبد الله المشهدي)، خصم نور بخش، وهنا يظهر دور الهمدانية بالتشييع على النفس الطويل.
وبعد أن استولى الصفويون على ملك إيران بمدة، هرب شيخ النوربخشية آنذاك (طاهر بن رضا الإسماعيلي القزويني) ومعه جمع من أتباعه إلى الهند، حيث نشر هناك في ولاية (أحمد نكر) الطريقة والتشيع، وكذلك في كشمير، بجهود مير شمس العراقي، الذي يقال: إنه أدخل (34) ألفاً من الهنادكة في النوربخشية (الشيعية طبعاً)([43]).
ظروفها تشبه ظروف النوربخشية، فقد كان مؤسسها محمد بن فلاح شيعياً، أخبره الكشف أنه من آل البيت، وأنه المهدي المنتظر (مهدي السنة طبعاً)، وكان معاصراً لنور بخش، كثر أتباعه بسبب مهديته ونسبه (المدَّعى)، وخوارقه (التشعشع)، وكان أكثر أتباعه في الأصل من السنة الذين تحولوا إلى شيعة اتباعاً لشيخهم، حتى استطاع أن يؤسس بهم دولة في خوزستان، عاصمتها (الحويزة)، عرفت بالدولة المشعشعية.
يقول المؤرخون لهذه الحركة:
"...يبدو أنهم (المشعشعين) كانوا في حروبهم واقعين تحت تأثير قوة شيخهم المغناطيسية، فلم يكونوا يشعرون بما حولهم، بل كانوا يقدمون على خوض المعارك في حال من الذهول والغيبة عن الحس([44]).
ويقولون: وينبغي أن نتذكر أن حركة المشعشعين قامت في بدئها على التصوف، حتى وصف محمد بن فلاح بأنه كان جامعاً بين المعقول والمنقول، وصوفياً صاحب رياضة ومكاشفة وتصوف، وأنه انتقل من التصوف إلى التشيع فشكله بأشكال شيعية([45]).
- أقول: لقد كان شيعياً قبل تصوفه، تشيع على يد أستاذه وأبي زوجته الشيخ أحمد بن فهد الحلي، وقد تخاصما فيما بعد، وذهب محمد بن فلاح إلى القبائل التي كانت تسكن قرب واسط، وأفتى ابن فهد بقتله، وأرسل رسولاً إلى أمير القبائل التي كان ابن فلاح بينها، يطلب إليه القبض عليه، فلم ينقذ ابن فلاح إلا قسمه بأنه سني صوفي، وبأن ابن فهد وأتباعه شيعة ومن أعدائه([46]).
إن هذه الحادثة تظهر أن التشيع في جنوب العراق والغرب الأوسط من إيران كان حتى ذلك الوقت مستهجناً، وكانت الأكثرية الساحقة من السنة.
بعد هذه الحادثة انتقل ابن فلاح إلى خوزستان، وهناك أسس طريقته الصوفية وشيَّع أتباعه، ثم أعلن مهديته (840هـ)، وجمع أموالاً كثيرة من قطع الطرق على الحجاج وغيرهم، ثم أعلن نفسه ملكاً، وبقيت مملكته حتى اجتاحها الصفيون.
النعمتللاهية: مؤسسها نعمة الله الولي، من إحدى قرى حلب، سني حنفي المذهب، تخرج بالطريقة الشاذلية، انتقل إلى فارس، وهناك أسس طريقته، حيث تأثر بجو التشيع الزاحف، فصار شيعياً، وهنا أعيد القول أيضاً، بأن هذا التشيع الزاحف كان من التشيع المعتدل، أي إنهم كانوا يرون أن الخلافة يجب أن تكون في البيت العلوي، وكانوا يشتمون الأمويين، وكانوا يحترمون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عدا معاوية، وينتهجون المذاهب السنية في الفقه، هكذا كان تشيع المتشيعين في إيران في ذلك الوقت، وتحول نعمة الله إلى التشيع يعني أنه صار يرى الخلافة محصورة في آل البيت العلوي، وصار يشتم الأمويين، وبقي يسمي نفسه سنياً، أي: إن الفرق بينه وبين المتشيعة في ذلك الوقت في إيران، كان هو الاسم فقط، أما المضمون فكان واحداً.
ومثل غيره من الأولياء أخبره الكشف أنه من سلالة علي بن أبي طالب، وأن أئمة الشيعة هم أجداده، وأسس طريقته وهي (جالسة صائتة)، حيث كان المريدون قبل الشروع في الذكر يسجدون له، ثم يضعون اليد اليمنى على الركبة اليسرى، واليد اليسرى على الركبة اليمنى، ويرددون (لا إله إلا الله)، مائلين بأجسامهم من اليسار إلى اليمين مع الناي والدف.
وهؤلاء المريدون الذين يسجدون لشيخهم (وكل الصوفية كذلك وإن أخفوها تقية)، تحولوا إلى عقيدة شيخهم، أي: صاروا شيعة يسمون أنفسهم سنة، وطبعاً أمر هذا الاسم هين في مثل تلك الظروف.
وهكذا جاءت النعمتللاهية لتشيع من شرد على الطرق التي كانت تعلن التشيع، لقد شيعت أتباعها وشيعت عواطفهم وأبقت اسم السنة عليهم.
- لم ينتصف القرن التاسع حتى كان الفرس قد دخلوا في التشيع عن طريق الصوفية، وإن كان بعضهم ما زال يسمي نفسه سنياً، وكانوا كلهم- إلا النادر- من الشيعة المعتدلة، الذين كانوا يحترمون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتبعون المذاهب السنية، حتى جاءت الصفوية في مرحلتها الثانية التي كانت حاسمة في هذا الموضوع.
الصفوية في مرحلتها الثانية: توسعت كثيراً، وزاد أتباعها بازدياد الإقبال عليها، ودعم موقف تيمورلنك وجماعته التقديسي لها ولشيوخها (ويجب أن ننتبه هنا إلى أن موقف تيمورلنك كان امتداداً للقناعات الفكرية المنتشرة في مجتمعه، وأنه، بصفته حاكماً، كان نتيجة، أو انبثاقاً لها)، وفي العقود الأخيرة من القرن التاسع، في زمن شيخها حيدر بن جنيد بن إبراهيم بن علي بن صدر الدين موسى بن صفي الدين (توفي سنة 893 هـ) بلغت قمة قوتها، حتى استطاع إسماعيل بن حيدر وهو في الرابعة عشرة من عمره أن يؤلف جيشاً من أتباع أبيه يسيطر به على إيران كلها، ثم أعلن نفسه ملكاً على إيران سنة (905هـ).
ولنستمع في ذلك إلى محمد جواد مغنية، يقول: ...هو إسماعيل بن حيدر بن جنيد بن صفي الدين الذي ينتهي نسبه إلى الإمام موسى الكاظم عليه السلام، وهو أول ملوك الصفوية ومؤسس دولتهم، وكان آباؤه وأجداده من العرفاء وشيوخ الصوفية، فلقبوا بلقب (سلطان)، وما إن أتم إسماعيل العام الرابع عشر من عمره حتى ألف جيشاً من أتباع أبيه ومريديه، وقاده بنفسه للغزو والفتح، وكانت إيران يومذاك موزعة الأطراف بين العديد من الملوك والأمراء ورؤساء القبائل..."([47]). اهـ.
ويقول كامل مصطفى الشيبي:
...وسنرى أن فقهاء الشيعة في إيران كانوا من القلة بحيث اضطر الصفويون إلى استقدام فقهاء الشام ليساعدوا في نشر التشيع في بلادهم، وتنظيم الدولة على أساس منه...([48]). اهـ.
- نقول: في الواقع كان التشيع قد عم كل إيران، ولكنه كان تشيعاً معتدلاً ينتهج المذاهب الفقهية السنية، فاستقدم الصفويون فقهاء الشيعة من الشام، وكانوا نصيريين، ولعل فيهم فقهاء من شيعة جبل عامل (المتاولة)، إذ الفقه الشيعي كان محصوراً يبن هؤلاء وبين الإسماعيلية، على اختلاف بينهما في الأصول والفروع، ولعل متاولة جبل عامل كانوا قد دخلوا في الغلو قبل ذلك.
جاء فقهاء الشيعة الشاميون إلى فارس، ليفقهوا الشيعة بفقه الشيعة، وطبعاً، في تلك الظروف، (بجميع جوانبها) يجب أن يحدث تفاعل وتداخل وتوازن بين الفقه النصيري وجوانب من فقه الإسماعيلية الذين كان لهم وجود، والفقه السني الذي تنتهجه غالبية الشيعة، وكان علماؤه قليلين، وعلمهم ضحلاً بسبب الصوفية.
تعلم الشيعة في فارس والعراق فقه الشيعة، وصاروا كلهم من الغلاة، وإن استمروا على تسمية أنفسهم من (المعتدلين)، يقول آية الله المامقاني([49])، أكبر علمائهم في الجرح والتعديل:
إن ما كان به الغلاة الأقدمون غلاة، أصبح الآن عند جميع الشيعة الإمامية من ضروريات المذهب([50]).
ويورد السيد عبد الله بن الحسين السويدي العباسي([51]) نصاً عن سجل لنادر شاه (ملك إيران)، قرئ يوم الخميس (25 شوال 1156هـ)، يقول: ...ولم يكن في نواحي إيران ولا في أطرافها سب (أي: سب الشيخين والصحابة)، ولا شيء من هذه الأمور الفظيعة، وإنما حدثت أيام الخبيث الشاه إسماعيل الصفوي...([52]).
ومن الطبيعي أن يظهر في المذهب الجديد علماء، وككل عقيدة جديدة تظهر على مسرح الوجود، يكون أتباعها متحمسين لنشرها باندفاع بالغ، كذلك كان علماء المذهب الجديد ودعاته، انتشروا للدعوة لمذهبهم الجديد، وخاصة بين الشيعة الغلاة والمعتدلة، ومع الزمن والمثابرة على الدعوة تحول القرامطة الذين كانوا يسكنون الشواطئ العربية من خليج البصرة، وكذلك شيعة بلاد الشام، وكثير من الإسماعيلية والفرق الشيعية الأخرى (باستثناء الفرق في اليمن) إلى المذهب الجديد؛ مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية التي صارت من الغلاة، مع العلم أن أكثر متاولة الهند تحولوا من الهندوسية أو من السنة بعد ذلك.
وكان اسم (المتاولة)، ولم يزل يطلق على شيعة جبل عامل في جنوب لبنان، بينما غالبية الشيعة في العراق وإيران والهند لا يسمون أنفسهم هذا الاسم، وإنما شيعة إمامية إثني عشرية، علماً بأن مذهب الجميع واحد بكل أصوله وفروعه ومراجعه.
وهكذا أحدث التصوف فيما أحدثه من تدمير، أكبر شرخ في جسم الأمة الإسلامية كان من الأسباب الواضحة في ضعفها واندحارها.
وقد احتاجت عملية التحويل هذه إلى قرنين ونصف من الزمن، كانت الصوفية خلالها تعمل بدأب واستمرار، والمسلمون وفقهاؤهم في غفلة مستسلمون بحجة حب آل البيت وإحسان الظن بالمسلمين، وكأن حب آل البيت وإحسان الظن بالمسلمين يمنع من وجوب معرفة الحق والأمر به، وتمييز الباطل والنهي عنه، على أن العامل المسبب لهذه الغفلة وهذا الاستسلام هو التصوف ذاته، وما بث من عقائد وفرض من جهل طيلة قرون.
ومن آثار الفقه النصيري البارزة في المذهب الجديد، سب أبي بكر وعمر، وتكفير صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتأليه الأئمة الاثني عشر، والعصمة، والبداء، والتقية، والرجعة (أي: خرافة مهديهم محمد بن الحسن العسكري الغائب في مغارة سامراء، منذ حوالي اثني عشر قرناً، وهم ينتظرون خروجه)، وقد رأينا أسلافهم، نور بخش والمشعشع والآخرين، كيف كانوا يدعون المهدوية السنِّية؛ لأن محمد بن الحسن العسكري لم يكن معروفاً لا هو ولا رجعته إلا عند النصيرية وعند بعض من كان قد تأثر بهم قبل ذلك. وكان أول المتأثرين بالفقهاء النصيرية الوافدين هم أتباع الطريقة الصفوية المباشرون؛ لأنهم كانوا أول من يستقبل أولئك الفقهاء وأول من يأخذ عنهم، وكانوا يبقون فيهم أكثر من البقاء في غيرهم من الإيرانيين، لذلك انقلب أتباع الطريقة الصفوية إلى النصيرية بكل ما فيها من عجر وبجر.
صار أتباع الطريقة الصفوية في عهد إسماعيل بن حيدر، وبناء على أوامره أو أوامر أبيه، يلبسون طرابيش حمراً، فأطلق عليهم اسم (قزلباش)، أي: الرءوس الحمر، وبانتهاجهم منهج النصيرية، شكلوا فرقة جديدة في الأمة الإسلامية، معروفة الآن باسم (القزلباشية) التي سنراها فيما يأتي.
ولعل من المفيد أن نذكر أن نادر شاه (ت: 1160هـ/ 1747م) أراد أن يعيد الشيعة إلى التشيع المعتدل ثم إلى السنة بقوة الحكم، فأصدر مرسوماً يقول فيه من جملة ما يقول: ...فاعلموا أيها الإيرانيون أن فضلهم (أي: الخلفاء الراشدين) وخلافتهم على هذا الترتيب، فمن سبهم أو انتقصهم فماله وولده وعياله ودمه حلال للشاه، وعليه لعنة الله وملائكته والناس أجمعين، وكنت شرطت عليكم حين المبايعة في صحراء مغان عام (1148) رفع السب، فالآن رفعته، فمن سب قتلته وأسرت أولاده وعياله وأخذت أمواله...([53]). اهـ.
ولكن كما قلنا، إن العقيدة لا يمكن أن تفرض من الحاكم، ولذلك لم تُجْدِ محاولة نادر شاه شيئاً، وبالعكس، فقد اغتاله قواده بعد حوالي أربع سنوات، وبقي الغلو.
ولو استغل دعاة الإسلام وفقهاء السنة هذا الظرف، وانتشروا بين الشيعة يدعون إلى طريق الحق، لتركوا آثاراً ظاهرة قد تكون سبباً في تغيير تاريخ الأمة الإسلامية. وهكذا كانت الصوفية وراء أكبر شرخ في جسم الأمة، وكذلك كانت وراء الفرق الأخرى التي منها:
يصفها أحمد حامد الصراف كما يلي: القزلباشية فرقة دينية منتشرة في بر الأناضول، وهي تعتبر شيعية المذهب في نظر المسلمين، وهي تقارب كل المقاربة نصيرية سورية، وهم يسمون أنفسهم (العلوية)... وهم يخالفون المسلمين بأمور منها: أنهم لا يحلقون رءوسهم... ولا يصلون الصلوات الخمس، ولا يتوضئون، ويكرعون الخمر، ولا يحافظون على صوم شهر رمضان، ويصومون اثني عشر يوماً من الأيام الأولى من المحرم، ويندبون الحسن والحسين... وعندهم أن علياً تجسد فيه الآله([54])...
ويقول عنهم أيضاً: القزلباشية في بدء نشأتها كانت تسمى (الصفوية) نسبة إلى قطب الأقطاب صفي الدين إسحاق الأردبيلي... وهو الجد السادس للشاه إسماعيل الصفوي([55])...اهـ.
وقد رأينا قبل قليل كيف تم التحول من الصفوية إلى القزلباشية، ولها وجود في أفغانستان أيضاً.
نسبة إلى (بير روش)، أي: الشيخ المنوّر، بايزيد بن عبد الله، ولد عام (931هـ)، يقول المترجمون له: صحب اليوغيين، وبدأ يرى رؤى ويسمع أصواتاً تناديه من وراء الغيب، فاشتغل بالذكر الخفي، ثم استغرق في ورد الاسم الأعظم، فلما بلغ الحادية والأربعين من عمره هتف به هاتف من السماء، أنه لم يعد في حاجة إلى الطهارة الشرعية، وينبغي له أن يصلي صلاة الأنبياء بدل صلاة المسلمين... وانصرف إلى الرياضة الأربعينية... وتعاليمه التي وردت في كتابه (صراط التوحيد) يظهر عليها أثر التعاليم الصوفية الغالية.
مات بير روش سنة (980هـ) بعد أن انتشرت طريقته أو (فرقته) انتشاراً واسعاً في الهند، ثم أخذت تتقلص بعده حتى انقرضت([56]) لننتبه أن كلمة (روش) تحمل نفس معنى كلمة (بوذا) أي: المستنير. وكان وأتباعه يصرحون بوحدة الوجود (أي: من أهل الوحدة المطلقة).
مؤسسها محمد بن يوسف الجونبوري الذي نشأ في أواخر المائة التاسعة ببلدة جونبور في الهند، وادعى أنه المهدي، وكان أزهد الناس وأورعهم.
من معتقدات المهدوية أن السيد محمد بن يوسف الجونبوري، مهدي موعود، وأنه أفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، بل إنه أفضل من آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى على نبينا وعليهم السلام، وأنه مساوٍ لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في المنزلة، وإن كان تابعاً له في المذهب، وأنه ومحمد صلى الله عليه وسلم كلاهما مسلم كامل وسائر الأنبياء ناقصو الإسلام، وأنه شريك في بعض الصفات الإلهية، بعد فوزه بمنصب الرسالة والنبوة...
انتشر هذا المذهب في غجرات والدكن من بلاد الهند، ومما وصف به هذا المهدي: إنه كان صاحب المقامات العالية، ذا كشوف وكرامات.
ومن أقوال المنتقدين له: إنه كان كذلك، ولكنه أخطأ في دعواه لوقوع الخطأ في الكشف.
ومن أقوال أحد علمائهم وهو الشيخ غلاب بن عبد الله المهدوي: إن للمهدوية أصولاً وفروعاً، الأول منها التوبة...والعمل الصالح و.. ودوام الذكر على طريقة حفظ الأنفاس...([57])...اهـ.
وهكذا يتضح دور الصوفية، فقد كان محمد بن يوسف الجونبوري صاحب مقامات وكشوف، وشاهد بالكشف ما ألقاه إلى مريديه...ومن أصولهم دوام الذكر على طريقة حفظ الأنفاس...وللعلم: حفظ الأنفاس حسب إيقاع معين هو أحد أساليب الرياضة الإشراقية التي توصل إلى الجذبة.
مؤسسها الميرزا غلام أحمد القادياني (نسبة إلى بلدة قاديان)، مات سنة (1908م)، صوفي أخبره الكشف أنه مكلف من الله تعالى بإصلاح الخلق على نهج المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وقد صرح أن له إلهام ومكاشفات. ومن مكاشفاته:
- روح المسيح حلت فيه.
- ما يلهمه هو كلام الله كالقرآن الكريم والتوراة والإنجيل.
- المسيح (الذي هو هو) سينزل في قاديان.
- قاديان هي البلدة المقدسة الثالثة المكنى عنها في القرآن بالمسجد الأقصى.
- الحج إليها فريضة.
- أوحي إليه بآيات تربو على عشرة آلاف آية.
- من يكفر به فهو كافر.
- القرآن ومحمد وسائر الأنبياء قبله قد شهدوا له بالنبوة وعينوا زمن بعثته ومكانها. اهـ.
ومن أقواله التي تثبت صوفيته، وأن ما جاء به كان من الكشف، قوله:
...وإني ما قلت للناس سوى ما كتبت في كتبي، أي: إني محدث، وإن الله يكلمني كما يكلم المحدثين...جاء جبريل واصطفاني وأدار إصبعه وأشار أن ربك سيعصمك من الأعداء([58])...
ومن أقواله: لقد حرم الذين سبقوني من الأولياء والأبدال والأقطاب من هذه الأمة المحمدية من النصيب الأكبر من هذه النعمة (المكالمة الإلهية)، ولذلك خصني الله باسم (النبي)، أما الآخرون فلا يستحقون هذا الاسم([59])...اهـ.
نرى الميرزا نفسه يعترف بأنه من الأقطاب، وأنه محدث، وأنه مكاشف، وأنه من بين الذين سبقوه من الأولياء والأبدال والأقطاب هو الوحيد الذي خصه الله بالنبوة. أي: إن الصوفية هي وراء القاديانية، وطبعاً هناك خلفيات ليس هنا مجال بحثها، لكن لا بأس من التذكر هنا أن الصوفية اليهودية هي التي تسمي الواصل فيها (نبياً).
طريقة صوفية منتشرة في شبه الجزيرة الهندية، نشأت شديدة الانحراف عن الإسلام، ولعله لن يمضي وقت طويل حتى ينسى أتباعها أنهم أتباع طريقة صوفية، وتغدو ديانة جديدة مستقلة، والتشيع فيها واضح، وهم يكفرون بشكل خاص الجماعة الإسلامية في الهند، والديوبنديين، وجماعة الدعوة والتبليغ، وإذا شعروا أن أحداً من هذه الجماعات دخل مساجدهم، فالويل له والثبور.
يدين بها أهل قرى في شرق الموصل، معروفون باسم (الشبك)، ولعله اسم للقبيلة، أو للشيخ الذي استقل بها، يقول عنها أحمد حامد الصراف:
...وأما مذهبهم فقد كانوا إلى ما قبل ثلاثين أو أربعين سنة (أي: قبل الحرب العالمية الأولى)، بكتاشية يراجعون فيه جلبي قونية ويتلقون منه الإشارة، وكان أحدهم إذا ذهب إلى زيارة كربلاء، يراجع وكيلاً لجلبي قونية هناك([60]).
ويقول في مكان آخر: الشبك؛ طريقة صوفية، وللانخراط في سلكها مراسيم خاصة، وبقية العقائد تشبه ما في البكطاشية([61]). اهـ.
أقول: لا يقول الشبك الآن عن أنفسهم إنهم أتباع طريقة صوفية، ولعل أكثرهم لا يعرفون ذلك؛ وإنما يعتقدون جميعهم أنهم على دين خاص سرّي لا يجوز البوح به.
نسبة للكشف، تفرعت عن التشيع الإيراني، إذن فجذورها الأساسية هي الصوفية؛ لأن الصوفية هي التي حولت إيران إلى شيعة، ومع ذلك فقد تشكلت الكشفية أيضاً عن طريق الصوفية، بدلالة اسمها (الكشفية) من الكشف الذي كان مؤسسها يقول: إنه حصل له، (مع إنكاره على المتصوفة).
أسسها الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي (1166هـ/ 1753م- 1241هـ/1826م)([62])، ومن عقائدها:
الحقيقة المحمدية تجلت في الأنبياء تجلياً ضعيفاً، ثم تجلت تجلياً أقوى في محمد والأئمة الاثني عشر، ثم اختفت زهاء ألف سنة، وتجلت في الشيخ أحمد الأحسائي، ثم في تلميذه كاظم الرشتي، ثم تجلت في كريم خان الكرماني وأولاده إلى أبي قاسم خان، وهذا التجلي هو أعظم التجليات لله. والأنبياء والأئمة والركن الرابع (الشيخ أحمد وخلفاؤه) هم شيء واحد يختلفون في الصورة، ويتحدون في الحقيقة التي هي (الله ظهر فيهم). والشيخ أحمد وخلفاؤه هم أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين، وهم يعبدون علياً على أنه الله. ودور الصوفية واضح فيها من (الكشف، الحقيقة المحمدية، تجلي الحقيقة المحمدية، تجليات الله). وأما الاسم (الشيخية)، فهو نسبة إلى الشيخ أحمد الأحسائي، وهم يسيرون على نهج الطريقة الحروفية([63]).
مؤسسها: (الباب) علي محمد رضا الشيرازي، تسلك في الطريقة الشيخية على يد الشيخ عايد، أحد تلامذة كاظم الرشتي، واشتغل بعلم الحروف حسب الطريقة الحروفية، ثم انتقل إلى النجف وكربلاء، وتتلمذ على كاظم الرشتي نفسه، كما اتصل بالمتصوفة حيث انقطع نفر من أصحابه إلى الرياضة الصوفية أربعين يوماً (الأربعينية)، ثم خرج وهو يتكلم بالعلوم اللدنية، وبالكشف أوحي إليه كتاب البابية المقدس (البيان)، وهذه نبذ منه:
(لا تتعلمن إلا بما نزل في البيان أو ما ينشأ فيه من علم الحروف وما يتفرع على البيان، قل يا عبادي تتأدبون ولا تخترعون. ثم تخضعون على أنفسكم ثم تنصتون. ثم الواحد من بعد العشر أن لا تتجاوزون عن حدود البيان فتحزنون).
 (إنا قد جعلناك جليلاً للجاللين. وإنا قد جعلناك عظيماناً عظيماً للعاظمين. وإنا قد جعلناك نوراً نوراناً نويراً للناورين. وإنا قد جعلناك رحماناً رحيماً للراحمين. وإنا قد جعلناك تماماً تميماً للتامين. قل إنا جعلناك كمالاً كميلاً للكاملين. قل إنا قد جعلناك كبراناً كبيراً للكابرين. قل إنا قد جعلناك حباناً حبيباً للحابين. قل إنا قد جعلناك شرفاناً شريفاً للشارفين. قل إنا قد جعلناك سلطاناً سليطاً للسالطين. قل إنا قد جعلناك ملكاناً مليكاً للمالكين. قل إنا قد جعلناك علياناً عليلاً للعالين. قل إنا قد جعلناك بشراناً بشيراً للباشرين...).
 (تبارك الله من شمخ مشمخ شميخ. تبارك الله من بذخ مبذخ بذيخ. تبارك الله من بدء مبتدئ بديء. تبارك الله من فخر مفتخر فخير. تبارك الله من ظهرمظهرظهير. وتبارك الله من قهر مقهر قهير. وتبارك الله من غلب مغتلب غليب...) إلخ.
هذه نماذج من علوم الباب اللدنية الكشفية، والكتاب محشو بالعبارات الصوفية والمشيرة إلى وحدة الوجود.
مع ملحوظة هامة، هي أن من أصحاب الباب السابقين يقرب من أربعمائة يهودي، اثنان منها حاخامان.
كان إعلان الباب عن دعوته سنة (1260هـ-1844م)، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وقد أصدر العلماء فتوى بقتله على الردة، ونفذ فيه حكم الإعدام بأمر من الشاه ناصر الدين سنة (1265هـ-1849م)([64]).
والمهم أن نعرف أن الصوفية كانت وراء البابية مع عوامل أخرى طبعاً.
تفرعت مباشرة عن البابية، إذن فجذورها صوفية، بالإضافة إلى الدور الرئيسي الذي لعبته الصوفية في نشأتها.
مؤسسها (بهاء الله) الميرزا حسين علي بن الميرزا عباس بزرك المازندراني النوري، ولد سنة (1233هـ)، وكان يعاشر الصوفية ويتعب نفسه في قراءة كتبهم، انضم إلى البابية مع أوائل من انضم إليها، تنقل ورجع إلى طهران، ثم نفي إلى بغداد، واشتد الخلاف بينه وبين البابية، فهرب خفية إلى غار قريب من قرية (سركلو) التابعة لناحية (سورداش) في لواء السليمانية شمالي العراق، وأظهر هناك النسك والتصوف، وكان يحضر مجالس الصوفية كثيراً.
يقول صاحب كتاب (حقيقة البابية والبهائية):
...وهناك رافد آخر أثر في عقله وثقافته وأسلوبه، وهو المذاهب الصوفية، وبالأخص ما يتصل بوحدة الوجود والحلول والفناء، ولا غرابة في ذلك، فلقد خالط الصوفية منذ صغره، وتتلمذ على أيديهم...وتأثير الكتابات الصوفية قد بلغ في أسلوب الميرزا حسين مبلغاً عظيماً، حتى إنك لا تكاد تقرأ صفحات من كتاباته إلا وتحسب نفسك أمام كتاب من كتب متطرفي الصوفية في معانيه ومبانيه... اهـ.
وله كتب مقدسة، منها: الإيقان، والأقدس، والإشراقات، وغيرها.
وهذه نبذ من (إشراقات بهاء الله)، يقول مخاطباً البابيين: (يا ملأ البيان، ضعوا أوهامكم وظنونكم ثم انظروا بطرف الإنصاف إلى أفق الظهور، وما ظهر من عنده ونزل من لدنه، وما ورد عليه من أعدائه.. قد حبس مرة في الطاء، وأخرى في الميم، ثم الكاف مرة أخرى...).
من قوله في إشراقاته مخاطباً المسلمين: (قل يا ملأ القرآن قد أتى الموعد الذي وعدتم به في الكتاب، اتقوا الله ولا تتبعوا كل مشرك أثيم، إنه ظهر عليَّ شأن لا ينكره إلا من غشته أصحاب الأوهام وكان من المدحضين...).
ادعى الميرزا حسين أنه المسيح عيسى عليه السلام، ثم ادعى الربوبية، وقال: إن الله يتجلى عليه، فيفنى منه العرض، ولا يبقى إلا الجوهر الرباني الخالص، ومن هنا جاء لقبه: (بهاء الله)، ومن أقواله في ذلك: (يا حسين، اسمع النداء من شطر السجن، إنه لا إله إلا هو الفرد الخبير، إذا رأيت أنجم سماء بياني، وشربت رحيق العرفان من كأس عطائي، قل: إلهي إلهي! لك الحمد بما أيقظتني وذكرتني في سجنك، وأيدتني على الإقبال إليك، إذا أعرض عنك أكثر عبادك).
وأساس عقيدة البهائية أن الله (جل وعلا) ليس له وجود الآن إلا بظهوره في مظهر البهاء، وكان يظهر قبلاً بمظاهر تافهة في الديانات السالفة؛ لكنه بظهوره في البهاء الأبهى، بلغ الكمال الأعلى...
ويصرح البهائيون في كتبهم بأن الميرزا حسين البهاء هو ربهم([65]).
المهم هو أن الصوفية وراء البهائية ومنشئتها.
(كفرداعل) و(خان العسل) قريتان من قرى حلب، أهلها مسلمون حتى سبعينات القرن الرابع عشر الهجري، حيث وفد إليهما بعض النصيرية، وفيهم شيخان صوفيان: الشيخ حسين وأخوه الشيخ نصّوح، ولعلهما من الطريقة الجنبلانية، سلكا المريدين، وكانت تحدث على أيديهما بعض الخوارق، وفي سنين قد لا تتجاوز العشرين، كان أهل القريتين قد تحولوا إلى النصيرية مع مجموعات في القرى المجاورة.
مات الشيخ حسني (لعله في العقد الأخير من القرن الرابع عشر الهجري)، وبنوا له مقاماً يناسب المقام، ولعل أخاه الشيخ نصّوح لا يزال حياً حتى كتابة هذه الكلمات.
ومن قصصه التي يرويها شاهد عيان: ذهب الشيخ نصّوح إلى قرية (عَنَدان) القريبة من القريتين السابقتين لزيارة جماعة من مريديه الذين تحولوا إلى نصيرية على يده ويد أخيه، وبعد هدأة من الليل طلب من المجتمعين عنده الخروج معه إلى خارج القرية، وهناك أخبرهم أنهم سيقومون بغارة على إسرائيل؟ وأمرهم أن يفعلوا مثله.
وعادة، في الحقول والبيادر المحيطة بالقرى، يعينون الحدود بين العقارات بسلاسل من الحجارة الصغيرة (الدبش) يبنونها عليها.
أخذ الشيخ نصوح يتناول من هذه الحجارة الواحد بعد الآخر، ويقذفها باتجاه فلسطين مع ترديد صوت (رْرْرْرْرْرْرْرْرْ...) بصوت عال عندما ينطلق الحجر من يده، وصوت (بومْ مْ) عندما يسقط على الأرض.
وأخذ مريدوه يفعلون نفس الشيء، يأخذون الحجارة من سلاسلها، ويقذفونها باتجاه فلسطين، وكانت أصوات (رْرْرْرْرْرْرْ...بومْ مْ...رْرْرْرْرْرْرْرْ...بومْ مْ) تنطلق في الفضاء مختلطة ببعضها مغطية على أصوات وقع الحجارة أو ارتطامها ببعضها. بقي الفقراء هكذا طيلة ساعات، زالت بعدها معالم الحدود بين العقارات، وتوعرت أراضي سيئي الحظ الذين كان نصيبهم أن يحصل هذا الجهاد في أرضهم.
بعد منتصف الليل، عاد المجاهدون إلى بيوتهم منهكين من التعب فرحين بما تيسر لهم من الجهاد في سبيل الله على يد شيخهم العظيم.
في الصباح، ذهب أحد المجاهدين إلى دكان بقال صديق في حاجة له، وأثناء الحديث أخبره بغزوة الليل، فما كان من البقال إلا أن طلب من صديقه البقاء في الدكان ريثما يعود، وخرج مسرعاً إلى البيت الذي ينزل فيه الشيخ نصوح، حيث وجد القوم مجتمعين عنده، فسلم وجلس بخشوع ظاهر، وبعد أن استأذن من الشيخ بالكلام قال له: يا سيدي، رأيت هذه الليلة حلماً شغلني، أريد أن أعرضه عليك، رأيت أني في إسرائيل، ورأيتك هناك، ومعك جماعة لم أتبين وجوههم، في أيديكم القنابل تلقونها على اليهود، وكانت كل قنبلة تقتل عدداً منهم.
انفلت الشيخ نصوح يصيح بصوت عال: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أنت ولي، أنت مكاشف، تبركوا به يا مؤمنون هذا ولي مكاشف...إلى آخر ما قاله. وعاد البقال إلى دكانه وقد ربح زبائن جدداً لبقالته.
ولعل قارئاً أو سامعاً يظن أن هذه حادثة شاذة، فنقول له: بل هي من صميم الصوفية، تورد كتبهم ما يشبهها عن أبي يعزى، وأبي مدين الغوث، وأبي الحسن الشاذلي، وأحمد البدوي، وأحمد الرفاعي، وعبد القادر الجيلاني، وغيرهم الكثير، ولعل كثيراً من القراء سمعوا الأنشودة الصوفية: (الله الله يا بدوي وجا باليُسَرى)، أي: جاء بالأسرى..
الصوفية سبب أساسي في تمزيق المسلمين، ووراء المذاهب المنتشرة التي جعلتهم فرقاً وأشياعاً.
المسلمون بحمد الله كثيرون، يعدون بمئات كثيرة من الملايين، لكنهم في حالتهم الحاضرة، كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: {غثاءكغثاء السيل}، وسبب هذه الغثائية هي الصوفية التي وصل فسادها في الأمة حتى الأعماق، وبيان ذلك:
 (أ) تؤمن العقيدة الإسلامية أن الله جلت قدرته خلق الكون من العدم لا من ذاته سبحانه، وأن المخلوقات غير الخالق، وذلك بنصوص من القرآن والسنة مر بعضها في فصول سابقة..
وجاءت الصوفية..
فحولت أتباعها عن هذه العقيدة الإسلامية إلى عقيدة وثنية هي وحدة الوجود، تؤمن أن الله هو الكون، وأن الكون والمخلوقات هي تعينات من ذاته سبحانه، تكثف كل منها حسب شكله المرئي، الذي يطلقون عليه فيما يطلقون اسم (الإناء)، ويسمون أيضاً هذه المخلوقات أو (الجزء المتعين من الذات الإلهية كما يفترون)، يسمونه (عالم الملكوت)، أما الجزء الباقي على حاله اللطيفة من الذات الإلهية (حسب افتراءاتهم)، فيسمونه: (عالم الجبروت) (سبحان الله العظيم، وتعالى علواً كبيراً، وما قدروا الله حق قدره).
 (ب) من الإيمان في الإسلام أن الله سبحانه فوق السماوات والعرش، وذلك بنصوص من القرآن والسنة مر بعضها.
وجاءت الصوفية...
فحولت أتباعها إلى عقيدة وثنية تؤمن أن كل ما نراه وما نحسه هو الله، أو هو جزء منه سبحانه وتعالى عما يشركون. ومن تعابيرهم عن هذه العقيدة قولهم المنتشر على الألسنة: إن الله في كل مكان، قولهم بتكفير من يقول بالجهة، ويعنون بالجهة (العلو)، أي: إنهم يحكمون بكفر من يقول: إن الله سبحانه فوق السماوات، وبذلك يحكمون (شعروا أو لم يشعروا) بكفر القرآن والسنة، وبالتالي يحكمون أن محمداً وأصحابه كفرة، ولعلهم لم يشعروا بذلك، لأنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
وقد مر معنا قول قائلهم: إن ظاهر القرآن من أصول الكفر.
(جـ) تؤمن العقيدة الإسلامية أن النبوة فضل من الله يؤتيه من يشاء من عباده.
وجاءت الصوفية...
فحولت أتباعها عن هذه العقيدة إلى عقيدة وثنية، تؤمن أن النبوة نتيجة لممارسة الرياضة الإشراقية، حتى قال قائلهم (ابن سبعين): لقد ضيق ابن آمنة واسعاً عندما قال: {لا نبي بعدي}.
 (د) تؤمن العقيدة الإسلامية أن محمداً، ومثله جميع الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، هم بشر مثل بقية البشر في كل شيء، وإنما يمتازون عنهم بالوحي، وبالأخلاق العظيمة.
وجاءت الصوفية..
فحولت أتباعها عن هذه العقيدة إلى عقيدة وثنية تجعل محمداً صلى الله عليه وسلم المجلي الأعظم للذات الإلهية، منه تنبثق المخلوقات وتعود إليه في حركة مستمرة (الحقيقة المحمدية)، وأطلقت عليه أسماء وصفات هي من أسماء الله سبحانه وصفاته، ويمكن الرجوع إلى كتاب (دلائل الخيرات) مثلاً، لرؤية هذا الشرك.
 (هـ) تؤمن العقيدة الإسلامية أن أول ما خلق الله القلم...(الحديث).
وجاءت الصوفية...
فجعلت أتباعها يؤمنون أن أول خلق الله هو محمد صلى الله عليه وسلم، وللتوفيق بين الحديث وبين ضلالهم، جعلوا (القلم) اسماً لمحمد صلى الله عليه وسلم، واخترعوا ما سموه (الحقيقة المحمدية)، وتجلياتها، ليجعلوا شيئاً من التنسيق بين الإسلام وبين اليونانيات.
ونحن نسمع المؤذنين يختمون الأذان بمثل: الصلاة والسلام عليك يا أول خلق الله...، ونسمع عبارة: (أسبقية النور المحمدي) على ألسنة الصوفية وأتباعهم يؤكدونها ويصرون عليهم. وبذلك يكذبون محمداً صلى الله عليه وسلم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
 (و) من العقائد الإسلامية أن الوحي الذي أنزله الله على محمد وعلى سائر الرسل، إنما نزل به ملك مقرب: ((ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ)) [التكوير:20]، هو جبريل عليه السلام، كان ينزل به ويعلمه محمداً والأنبياء قبله، ويذاكره به.
وجاءت الصوفية...
فجعلت أتباعها يعتقدون أن الوحي هو هذيان مثل هذياناتهم، وكشوفاتهم الجذبية التي تقود إليها الطريقة.
 (ز) للعقائد الإسلامية، في الإسلام، مصدران فقط، لا ثالث لهما، هما القرآن، وصحيح السنة.
وجاءت الصوفية...
فجعلت للعقائد مصدراً ثالثاً، هو الكشف والكتب المنبثقة عنه، وجعلوه -عملياً- المصدر الأساسي للعقائد، وإن أنكروا ذلك نظرياً، أما القرآن والسنة، فما وافق الكشف قرروه، وما خالفه أولوه، ليتفق مع الكشف! وقد صرح بذلك حجتهم الغزالي في كتابهم المقدس (إحياء علوم الدين)، وكلهم بدون استثناء يقدسون الغزالي و(إحياءه)، وهذا يعني أنهم كلهم، يؤمنون بما في (الإحياء)، كما أنهم يرددون نفس الفكرة في كثير من كتبهم المتداولة.
وكتاب (الإحياء)، ومعه بقية كتب الكهانة، كالرسالة القشيرية، والحكم العطائية، وقوت القلوب، واللمع، وبوارق الحقائق، والفتوحات المكية، والفيوضات الربانية، وفتوح الغيب...وغيرها وغيرها، تدرس في مساجد المسلمين منذ قرون طويلة، وينشأ عليها شباب المسلمين، حتى صاروا يعتقدون أنها قمة الإسلام وقمة العلم وقمة التقوى وسبيل النجاة، بينما هي في الحقيقة الكهانة التي جاء الإسلام ليحاربها فيما يحارب.
(ح) من العقائد الإسلامية أنه يمكن أن يتبين لنا من هم أصحاب الجحيم، أما أصحاب الجنة المزكَّون، وعباد الله المخلصون، فلا نستطيع معرفتهم، بل ولا الرسول نفسه يستطيع معرفتهم إلا بالوحي: ((...وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)) [الأحقاف:9]، وغيرها من الآيات والأحاديث التي مرت في فصل سابق، والتي لم تمر.
وجاءت الصوفية...
فجعلت أتباعها، وغير أتباعها، يوزعون الولاية حسب ترتيبات شياطينهم من الإنس والجن، وحسب أوهامهم المنبعثة من هلوساتهم الكشفية وعلومهم اللدنية.
بل وأكثر من ذلك بكثير، أكثر بنسب تفوق الأرقام الفلكية بكثير، فقد جعلتهم إيحاءات شياطينهم وهلوساتهم يتحققون بما يقفز فوق الخيال والأوهام ويتجاوز قيم الأبعاد الفلكية بأكثر بكثير من الأبعاد الفلكية، جعلتهم يتحققون بالألوهية، فالولي منهم يصل إلى الإحساس والتحقق والذوق والاستشعار أنه الله (سبحان الله) بجميع أسمائه وصفاته، أو ببعضها على الأقل، إن كان في أول الوصول، وأنه يتصرف في الكون، والمتواضع منهم يتصرف بأجزاء منه، قد تصغر وقد تكبر، حسب مقامه، وهذا هو الذي لم يصل بعد إلى (حيث لا إلى).
وقد مضت على الأمة الإسلامية قرون طويلة، كانت هذه الخرافات الضلالية تشكل الجزء الرئيسي من ثقافتها وأحاديثها في أسمارها وفي وعظ وعاظها، حتى وصلت إلى ما هي عليه، بل هي الآن خير مما كانت عليه في تلك القرون.
أقحمت الصوفية على الإسلام عبادات غريبة عنه، منها:
(أ) مزجت الرياضة الإشراقية (الخلوة، والجوع، والسهر، والذكر الإرهاقي البدعي، والحضرة؛ (الراقصة والجالسة)، والرقص؛ (بنقص أو بدون نقص)، بالإسلام، وجعلتها طريق السير إلى الله (أي: إلى الألوهية).
 (ب) في الوثنيات طقوس جاء الإسلام ليحاربها فيما يحارب، كعبادة الشيوخ والأولياء الذين كانوا في الجاهلية يسمون (الكهان)، يعبدونهم عملياً وينكرون ذلك نظرياً)، والاستغاثة بالقبور والأموات، وتقديس الأضرحة والحجارة والقبب والأشجار...وغيرها.
وجاءت الصوفية...
فأقحمت هذه الطقوس على الإسلام، وجعلتها عبادات يتقربون بها إلى الله، إلى جانب العبادات الأصلية، وكثيراً ما كنا نرى أناساً أضاعوا الصلاة وارتكبوا المنكرات، دون أي شعور بحرج، ومع ذلك كانوا ملتزمين بهذه الطقوس.
وجعلت الصوفية أتباعها يعتقدون أن الالتزام بهذه الطقوس هو من المنجيات، وأن إهمالها من المهلكات، بل وكثير من المتصوفة يعتقدون ويصرحون أنها كافية.
 (جـ) ابتدعوا أقوالاً وأعمالاً أقحموها على العبادات الإسلامية الأصيلة، في أوائلها وثناياها وأواخرها، حتى صار أكثر المسلمين يتمسكون بها على أنها جزء من العبادة، لا يجوز تركه، وقد يقيمون القيامة على من يتركه، مثل: التلفظ بالنية للدخول في العبادة (تكبيرة الإحرام هي المدخل للصلاة، فبطل ذلك، أو نسخ، أو عدل.. لا ندري؟ وصار المدخل هو قولهم: نويت أصلي...إلخ)، وفي كثير من المساجد، شاهدناهم في رمضان بعد صلاة العشاء، وبإيعاز من الإمام أو الشيخ، يقولون جماعة بصوت عال: نويت صيام نهار غد من شهر رمضان وهكذا بقية العبادات، بل وأقحموا هذا التلفظ على العادات، على أنها بذلك ستصير عبادات.
وأقحموا المصافحة عند انتهاء الصلاة، مع ترديد (تقبل الله) مع الجهر جماعة بالاستغفار وغيره، وأضافوا إلى الأذان في آخره ما لم يأذن به الله، وتكون هذه الإضافة في كثير من الأحيان أطول من الأذان، عدا عما فيها من كذب على الله ورسوله، كقولهم: إن محمداً أول خلق الله، كما أضافوا في أول الأذان ما يسمونه التذكير، وذلك في أوقات مخصوصة ما أنزل الله بها من سلطان، عدا ما يرددونه في هذا التذكير، من مثل قولهم: (نعم أنت مخلوق ولست بخالق، ولكن لك الرحمن قد وكل الأمرا)، وغيرها الكثير مما تصدى العلماء لنقضه في كتبهم ورسائلهم.
وسموا ذلك: (بدعة حسنة) تبريراً لإحداثهم في دين الله.
(د) أحدثوا طقوساً ابتدعوها، ما أنزل الله بها من سلطان، كمولد النبي، وموالد من يسمونهم (الأولياء)، ومجالس الصلاة على النبي بما فيها من مخالفة لأركان الذكر والدعاء في الإسلام، ومثل قراءة (صحيح البخاري) جماعة في المساجد إذا حزبهم أمر، وغير ذلك مما يعرفه المسلمون ومما لم يرد فيه أي نص عن الرسول صلى الله عليه وسلم، عدا عما فيها من شركيات ومخالفات وكبائر. وقد طغت هذه الطقوس، وتمسك بها الكثيرون على أنها من صميم الإسلام يتقربون بها إلى الله، حتى إن بعض من يسمَّون (علماء) يكفرون من ينتقد هذا أو يفسقونه.
وللعلم: المعروف عن مولد الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يوم الإثنين، أما (12 ربيع أول)، فهو اختراع، والتلفيق واضح فيه، و(12 ربيع أول) من عام الفيل كان يوم خميس.
 (هـ) تهاونوا بالعبادات بحجة الوصول إلى مقام رفع عنهم فيه التكليف، أو بحجة أن الشيخ يدخلهم الجنة دون حساب، أو بحجة أن تارك العبادة منهم أفضل من العابد من غيرهم، أو بالحجة التي تقول: جذبة من جذبات الحق تساوي عمل الثقلين، أو بحجة أن قراءة الورد الفلاني أو الصلاة على النبي الفلانية أفضل من عبادة كذا وكذا، أو بحجة أن من زار قبر الشيخ فلان، أو رآه أو رأى من رآه أو مر بمدرسته أو اتبع طريقته يغفر له كل ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر...إلى آخر ما رأينا أمثلة منه في الفصول السابقة.
وبذلك كانت الصوفية وراء ابتعاد الناس عن الإسلام وإهمالهم لتعاليمه.
* النفاق:-
يقول سبحانه: ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)) [النساء:145]، ويقول جل وعلا: ((...وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ. وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) [المنافقون:4].
هذا هو حكم النفاق في الإسلام.
والنفاق هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر.
ولو غيرنا الاسم (النفاق)، وجعلناه (التقية)، لبقي حكمه نفس حكمه؛ لأن تغيير الاسم لا يغير الحكم، فعندما نسمي الخمر (فودكاً) تبقى خمراً وتبقى محرمة.
ولو عبرنا عن النفاق بمثل قولهم: (اجعل الفرق في لسانك موجوداً، والجمع في جنانك مشهوداً)، فسيبقى حكمه نفس الحكم، وسيبقى نفاقاً، ولو وضعنا عبارة أخرى، مثل: (مع مشاهدة المشيئة العامة لا بد من مشاهدة الفرق بين ما يأمر الله به وما ينهى عنه)، أو مثل: (إياك أن تقول أناه، واحذر أن تكون سواه)، أو مثل: (يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل أنت ممن يعبد الوثنا)، أو مثل: (طريقتنا أن نحفظ الشرع ظاهراً، وهذا هو السر العميق المطلسم)، أو غيرها من مئات عباراتهم المدونة في كتبهم وفي معاجمهم ليستعملوها هم ومريدوهم والسالكون في طريقهم في التمويه على أهل الشريعة. لو عبرنا عن النقاق بأي عبارة كانت، فسيبقى نفاقاً، وسيبقى مصير أهله الدرك الأسفل من النار. لكن الصوفية جعلت النفاق شطراً من الولاية والصديقية، ومن أقوالهم في ذلك: (التقية حرم المؤمن...)، وغيرها مما مر. ومعنى التقية في الإسلام هو إبطان الإيمان وإظهار ما يخالفه في حالة الاستكراه ولمدة محدودة عابرة، إلا في حالات استثنائية جداً، أما عندهم فهي على العكس تماماً، إبطان وحدة الوجود، وإظهار الإسلام.
* الكذب:-
في الواقع النفاق هو الكذب، بل هو من شر أنواع الكذب، وهذا المرض (الكذب) المستشري في سلوكنا ومعاملاتنا إنما هو مظهر من مظاهر اجعل الفرق في لسانك موجوداً، والجمع في جنانك مشهوداً، أو انبثاق عنها تسرب من الشيوخ الذين كانوا على مدى قرون يعدون بعشرات الألوف، إلى مريديهم الذين كانوا يعتبرون نخبة المجتمع، ثم إلى الأتباع والمؤمنين، وبالتالي إلى الجميع.
اللذين تأتي فرضيتهما بعد الأركان مباشرة، وهما الركنان اللذان يقوم عليهما المجتمع الإسلامي واستمراريته، وتركهما، أو ترك أحدهما، يدخل في لعنة الله ((لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ...)) [المائدة:78] ((كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ)) [المائدة:79]، ويجعل الفساد ينتشر في الأمة.
جاءت الصوفية فألغت الأمر بالمعروف بحجة الخوف من الرياء، وحصرته فيما يكفي لاستمرار المسيرة الصوفية في المجتمع، وألغت النهي عن المنكر بنفس الحجة وبحجة الخوف من وقوع الناهي فيما نهى عنه، وحصرته في النهي عما يعرقل مسيرة التصوف في المجتمع.
وقد مرت الأمثلة على ذلك في فصول سابقة.
العمل من أجل العيش هو من تعاليم الإسلام، ونصوصه كثيرة ومعروفة، وجاءت الصوفية فزهدت المسلمين بالعمل بحجة الزهد والتوكل، بل قررت عدم جواز الصلاة وراء من يأمر بالعمل، وقد مر هذا في فصل سابق نقلاً عن (الإحياء)، وبذلك انتشرت التكايا في البلاد الإسلامية، وغصت بالتنابل، وامتلأت شوارع المدن والقرى وأزقتها بالمكدين (الشحاذين)، وتعطلت الأرض، وتوقفت الأعمال، وكانوا يعدون ذلك من الورع والزهد والتوكل، وأحياء هذه الأيام الذين عاشوا العقود الأولى من القرن العشرين الميلادي يعرفون هذا تمام المعرفة.
إن انتشار الصوفية الواسع جعل سلوك المريدين تجاه الشيخ ينزلق إلى المجتمعات الإسلامية، فانتشر الخنوع والخضوع وتقبيل اليد والرجل والوقوف للاحترام، وهي أمور كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهها، وشيوخ المتصوفة ومريدوهم يدافعون عنها حتى الآن بأساليب كلها مغالطة والتواء.
المجانين هم مرضى يستحقون العطف والعناية والدواء، لكن شيوخ الصوفية كانوا، وما يزالون يعدون المجانين أولياء أرادهم الله سبحانه لولايته، دون سعي منهم (المراد)، ويصفونهم أنهم سائحون في حب الله، ويتبركون بهم بل وببولهم وروثهم، وإذا ماتوا بنوا لهم المقامات والزيارات.
ولسعة انتشار الصوفية طغت هذه النظرة على المجتمعات الإسلامية، وقد رأينا في فصول سابقة من أمثلة ذلك، وكبار السن الآن يعرفون هذه الأمور في صغرهم في مجتمعاتهم. وماذا يمكن أن يُنْتَظَرَ مِن مُجْتَمَعاتٍ تُقَدِّسُ مَجانينَها.
رأينا في فصول سابقة كيف شوهوا معنى التوكل والتسليم والزهد والورع في نفوس المسلمين، وكيف كانت نتائج ذلك التشويه مما عانت منه الأمة وتعاني حتى الآن، وأذكر القارئ بوقائع التتر واستسلام المسلمين لهم استسلام النعاج.
وحتى الآن، فقد سمعنا ونسمع وعاظاً وخطباء يطلبون من الناس أن يخرجوا من مسجد ليدخلوا في مسجد، وأن هذا كافٍ لدحر أعداء الإسلام، أي أنهم يقولون بلسان حالهم، بل ولسان مقالهم أيضاً: ربنا حارب، إنا ههنا في المساجد قاعدون. وسمعنا من يقول وهو يعظ ويحث المسلمين على الخير: الحمد لله الذي سخر لنا أمريكا وإنكلترا وفرنسا وروسيا يخترعون الاختراعات ويصنعون الصناعات ويقدمونها لنا، ونحن نتفرغ فقط لعبادة الله؟! إلى آخر قائمة طويلة من التشويه والتزوير لمعاني القيم الإسلامية والأخلاق التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقوم بناء الفكر الإنساني، كائناً ما كان، بمعطيات ثلاث:
1- المنطلقات أو الأسس، التي يستند إليها ويأخذ منها عناصر بنائه.
2- كيفية البناء.
3- الغاية التي يرمي إليها.
وفي الإسلام:
- المنطلقات هي القرآن وصحيح السنة وواقع الحياة والوجود على حقيقته.
- كيفية البناء موجهة بالفهم المبني على أسس علمية مدروسة للقرآن والسنة، وبفهم الصحابة رضي الله عنهم وتطبيقاتهم، كما هي موجهة، في الأمور الدنيوية، بمعرفة واقع الحياة والوجود معرفة علمية صحيحة.
- الغاية التي يرمي إليها بناء الفكر الإسلامي ويسعى إليها المسلم هي الأجر والثواب من الله سبحانه كما وعد به عباده المؤمنين في القرآن والسنة، لا كما يتوهمه المتوهمون.
وقد أفسدت الصوفية هذه العناصر إفساداً بالغاً، ففسد فكر المسلم، ووصل المسلمون إلى الحالة الراهنة التي لا يحسدون عليها، مع التذكير بأن حالتهم في القرون الأخيرة حتى النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري كانت الأنموذج الكامل لمجموع الإفسادات التي أنتجتها الصوفية، حتى هيأ الله سبحانه لدعوة الحق من أعاد لها جدتها، فأخذت الأمة تستيقظ شيئاً فشيئاً من سبات كان عميقاً كالموت.
وقد مرت في فصول الكتاب، وتمر، أمثلة كثيرة من صور الإفساد، وما هي إلا عرض بسيط له.
* القرآن:-
لم يستطع المتصوفة تحريف القرآن؛ لأن الله، له الحمد، حفظه باعتناء المسلمين بحفظه ودرسه وتدريسه والتعبد بقراءته في الصلاة وفي التلاوة آناء الليل وأطراف النهار، فعمدوا إلى تحريف معانيه، وهذا مثل من تفسيرهم، منقول عن (تفسير القرآن الكريم للشيخ الأكبر العارف بالله العلامة محيي الدين بن عربي):
((الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ)) [آل عمران:172]: يقول الشيخ الأكبر مفسراً هذه الآية: ((الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ)) [آل عمران:172]، بالفناء في الوحدة الذاتية. ((وَالرَّسُولِ)) [آل عمران:172]، بالمقام بحق الاستقامة. ((مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ)) [آل عمران:172]، أي: كسر النفس. ((لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ)) [آل عمران:172]، أي: ثبتوا في مقام المشاهدة. ((وَاتَّقَوْا)) [آل عمران:172]: بقاياهم. ((أَجْرٌ عَظِيمٌ)) [آل عمران:172]، وراء الإيمان، هو روح المشاهدة([66]).
ومثل آخر: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ..)) [التوبة:100]: ((وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ)) [التوبة:100]، أي: الذين سبقوا إلى الوحدة من أهل الصف الأول. ((مِنَ الْمُهَاجِرِينَ)) [التوبة:100]، الذين هجروا مواطن النفس. ((وَالأَنصَارِ)) [التوبة:100]، الذين نصروا القلب بالعلوم الحقيقية على النفس، ((وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ)) [التوبة:100]، في الاتصاف بصفات الحق.
 ((بِإِحْسَانٍ)) [التوبة:100]، أي: بمشاهدة من مشاهدات الجمال والجلال([67])...
وقد مر في الفصول السابقة أمثلة أخرى على تحريفهم لمعاني القرآن، وهي بعض من كل، ومن يريد الاستزادة يستطيع الرجوع إلى كتابهم المقدس (إحياء علوم الدين) ليرى من التزوير في التفسير ما تقشعر له أبدان الذين يؤمنون بالله ورسله وكتبه ويرجون اليوم الآخر، وكذلك بقية كتبهم على تفاوت بينهم في العبارة وفي عدد ما يفسرونه من آيات. وقد رأينا نثرات من تفاسيرهم للقرآن تفاسير سحرية، وكتبهم ملأى باستعمالات القرآن في اتجاهات سحرية.
كان اعتناء المسلمين بالحديث الشريف، وما زال، أقل من اعتنائهم بالقرآن الكريم، لأسباب معروفة، مما ترك مجالاً للدس والتقول على الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخذ المتصوفة حريتهم بوضع ما يملي عليهم الكشف من أحاديث، وتضعيف ما يضعفه الكشف، وتصحيح ما يصححه، حتى كانوا هم وراء قسم كبير من ركام الأحاديث الموضوعة المعروفة، وتلك التي لم تزل مدرجة في قسم الأحاديث الضعيفة، والتي تشكل نسبة عالية فيها.
وأوضح دليل على هذا هو كتاب (إحياء علوم الدين) لحجة الإسلام، الإمام، فقيه مئات من الأحاديث الموضوعة التي يقول عنها الحافظ العراقي: لم أجده، أو لم أجد له أصلاً، وهذا يعني، بدهياً، أن الواضع لها هو الغزالي أو كشفه، ونقول للذين يقولون خلاف هذا: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، وأرونا المصدر الذي أخذ منه الغزالي هذه الأحاديث.
ومظاهر التقوى والورع التي يتحلى بها كثير من الصوفية جعلت، وتجعل، الناس يثقون بهم ويأخذون عنهم، مع العلم أن التقوى والورع والزهد ولواحقها لا تدل على صحة العقيدة! فكل المؤمنين المخلصين لدينهم، في كل الأديان، يكونون أتقياء ورعين زاهدين...
ونعرف أن متصوفة المسلمين يدينون بالطريقة البرهانية التي مزجت الإشراق بالإسلام، فهم يؤمنون بها، والمخلص منهم ينتهج الإسلام والإشراق معاً.
ولا بأس هنا من عرضٍ يعرض على علماء الحديث، لا أظنهم ناجين من السؤال عنه أمام التاريخ على الأقل، بعد إذ تبين لهم الحق.
هذا العرض هو مراجعة كتب الرجال، والبحث في الرواة عن الشيوخ الكمل الذين تمكنوا من مقام الفرق الثاني، فلم يظهر في سلوكهم وأقوالهم ما يدل على ما في قلوبهم، أي: وصلوا إلى تطبيق القاعدة: اجعل الفرق في لسانك موجوداً، والجمع في جنانك مشهوداً. والتي عبر عنها الجنيد بعبارة: مشاهدة الفرق بين ما يأمر الله به وما ينهى عنه تطبيقاً تاماً.
وأعتقد أن بحثاً جاداً في هذا المجال، إن كان مخلصاً، لا يبتغي إلا رضا الله سبحانه، والوصول إلى الحق، سوف يخلص كتب الرجال من إشكالات واردة فيها، وهذه الإشكالات رغم قلتها، لكنها هامة، من ذلك مثلاً، نرى بعض الرجال موثقاً عند عالم ثقة، ومضعفاً عند مثله، وقد وضع علماء الحديث قواعد دقيقة لحل مثل هذه المشكلة، وهذه قاعدة تضاف إليها قد يكون لها القول الفصل في كثير من الأحيان أو في بعضها.
ومن ذلك مثلاً أن قسماً من الأحاديث الضعيفة، يمكن أن يدرج بعد هذه الدراسة تحت عنوان (المكذوبات).
ومن ذلك مثلاً ما يبدو بعض الأحيان من تناقض ظاهري بين حديثين صحيحين، وقد وضع علماء الحديث عشرات القواعد الدقيقة لحل مثل هذه المشكلة، وهذه قاعدة تضاف إليها، قد يكون لها القول الفصل في كثير من الأحيان أو في بعضها.
ولست أدري، هل أكون مصيباً أو مخطئاً إذا قلت بوجوب إعادة النظر بمثل أبي نعيم الأصفهاني و(حليته)، وذلك بدراسة دقيقة من قبل أكثر من عالم حديث، شريطة أن يكونوا كلهم، على معرفة كاملة واضحة بالكشف والرؤى الكشفية، وكيف يمكن أن يذهب المكاشف إلى مسجد (مثلاً)، فيرى فيه شيخاً معيناً وتلاميذ يطلبون العلم عليه، فيجلس معهم، ويكتب ما يمليه الشيخ، ثم يعود إلى بيته، وفي كراسته علوم جديدة، بينما كان ذلك المسجد، في حقيقة الأمر، خالياً إلا من هذا المكاشف الذي رأى الشيخ وتلامذته بوهم كشفه، وسيقسم هذا المكاشف اليمين تلو اليمين أن ما كتبه كان سماعاً من الشيخ المعين بحضور تلاميذه أو بدون حضورهم (حسب الكشف).
وذلك لأن المكاشف كثيراً ما يختلط عليه الأمر، فلا يفرق بين الرؤى الكشفية والواقعية، وقد رأينا في فصل سابق مئات الأمثلة على ذلك، إضافة إلى عشرات الأمثلة المتفرقة بين الفصول.
ومن إفسادهم في الحديث تزوير معانيه بالتفسير الإشاري، وقد رأينا في ثنايا الكتاب أمثلة منها، ومن يريد الزيادة فأمامه كتبهم، وعلى رأسها (إحياء علوم الدين).
إن واقع الحياة والوجود قائم كما أراده الله، متحرك بسننه تعالى في خلقه التي لا تبديل لها ولا تحويل، والتي يسمونها في لغة العصر الحديث (القوانين الطبيعية)، فلا يستطيع مخلوق إفساد شيء منه إلا في إطار الحدود التي قدر الله سبحانه أن يكون هذا المخلوق القدرة على التصرف فيها، وهي لا تزيد عن عمليات نقل للأشياء أو لأجزاء منها من مكان ووضعها في مكان ملائم، أو غير ملائم، وكل ما صنعه الإنسان، وما يصنعه، لا يخرج عن هذا قيد شعرة، وكان إفساد الصوفية في هذا المجال بإفساد فهم الواقع وتفسيره، وبإفساد أساليب التعامل معه، وفي وضع الأمور في غير مكانها الصحيح.
ففي مجال تفسير الواقع، زورت الصوفية الفكر لدى أتباعها الذين كان ينظر إليهم في أوقات كثيرة على أنهم نخبة المجتمع، زورت التفكير عندهم، حتى أصبحوا، هم والأمة من ورائهم، لا يرون الأمور إلا رؤىً ضبابيةً، ولا يفسرونها إلا تفاسير مبنية على الكرامات وتصرفات الجن وتهاويل الخوارق، ويرسمون للكون صوراً في أذهانهم مأخوذة من كشوف المكاشفين الهلوسية، ومن علومهم اللدنية، وتفصيل هذه وحدها يحتاج إلى كتاب مستقل؛ لأنها تشمل كل نواحي الحياة، وقد مر بعضها في فصول سابقة.
وفي مجال التعامل مع الواقع، صارت الأوراد والأقسام والطلاسم والحجب هي الأساليب التي يتعامل بها الفرد والمجتمع مع واقع متوهم، وصار العلماء إلا من رحم الله، يمزجون فقههم بكتابة الحجب والأوفاق والدوائر لتسهيل الأمور في شتى نواحي الحياة، وأظن أن أكثر العلماء الآن (في السنين الأولى من القرن الخامس عشر الهجري)، إن لم يكونوا كلهم، قد عانوا من طلبات كثير من الناس، حتى من بعض المثقفين، أن يفكوا لهم سحراً، أو يخلصوهم من أمور لا تزيد عن كونها أوهاماً من أوهام الصوفية. ورقصات الزار في مصر والسودان والحبشة والحضرات الصوفية في كل البلاد الإسلامية، والسيارة والعدة لزيارة القبور جماعياً وضرب العدة حولها (وقد تقلص هذا كثيراً بسبب انتشار الثقافة، والزيارات الإفرادية التي تجر إلى الاستغاثة بالأموات، وطلب النصرة حسب الأوهام...
كل هذا من نتاج التصوف، وإن ظهر بعضه في جماعات تدعي أنها غير متصوفة؛ لأن القناعات الفكرية إذا عمت جرفت أمامها كل من لم يعصمه الله سبحانه.
وكان من نتائج هذا الفهم السحري، المرتبط بالكرامات كلياً أو قريباً من الكلي، وهذا التعامل المبني على الفهم السحري، ما نراه من ضياع وتخبط ووضع للأمور في غير أماكنها الصحيحة، بل وعدم القدرة على ذلك فكرياً وعملياً.
والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، يحتاج تفصيلها إلى مئات الصفحات، ونورد منها أمثلة عابرة، جرت وتجري حالياً.
كانت فئة من المجاهدين تعاني في قطاعها فقراً شديداً بالمال والسلاح والطعام، حتى عرف أفرادها الجوع، ورأى أحد الأثرياء المخلصين المتصلين بهذه الفئة في المنام من يقول له: إنه إذا وزع أربعين ألفاً على العميان والفقراء المجاورين عند المقام الفلاني فسينتصرون.
ووزع المبلغ على العميان والفقراء المجاورين، وأخذ ينتظر النصر.
ولم يطل الانتظار، فقد هوجمت هذه الفئة دون أن تستطيع مقاومةً ولا دفاعاً وسحقت؛ لأنها كانت مفتقرة إلى السلاح، وكان الجوع ينهكها.
أربعة شباب باعوا أنفسهم لله، وانضموا إلى فئة من المجاهدين، لكنهم رأوا أفراد هذه الفئة يعكفون على قبر يطلبون عنده الثواب، ويستنزلون النصر! فنصحوهم وجاءوهم بالبينات من نصوص القرآن والسنة التي تثبت أن هذا العمل من الشرك العظيم.
عقد أفراد الفئة المجاهدة مؤتمراً فيما بينهم وشكلوا محكمة برئاسة عالمهم، حاكمت الشبان الأربعة محاكمة (عادلة)! فقد استمعت إلى أقوالهم وأدلتهم من القرآن والسنة برحابة صدر، ثم أصدرت حكمها عليهم بالإعدام، ونفذ الإعدام.
رجل يقول بلسان حاله: إنه عالم، يناقش حالة المسلمين، ويلقي مواعظه، ومن هذه المواعظ ما معناه:
إن السبب في انهيار المسلمين هو عدم الإخلاص، فلو كنا مخلصين لكفانا أن نحمل البندقية، ونوجهها باتجاه العدو كيفما كان، وستخرج الرصاصة لتصيب منه مقتلاً...
يقول ما معناه:
إن العلة في المسلمين هي عدم الخشوع في الصلاة، وعلينا أن ندعو للخشوع، ونحث عليه، وعندما يتحقق ذلك يتحقق النصر.
وتعليقاً على هذه المواعظ نقول:
الإخلاص مطلب أساسي، لكن نسأل: الإخلاص لماذا؟ هل نخلص لما نتوهمه أنه الحق؟ إن هذا النوع من الإخلاص ليس إسلامنا؛ لأن الإسلام يأمرنا أن نعرف الحق أولاً بالأسلوب العلمي الصحيح، ثم نخلص في أقوالنا وأعمالنا وكل سلوكنا لهذا الحق. والخشوع أيضاً مطلوب، لكن كيف يكون؟ وفيم؟ إن كانت العقيدة فاسدة فالخشوع ضغث على إبالة، وإن كانت العبادة غير صحيحة، فالخشوع فيها رزء فوق رزء، وإن كان العمل الدنيوي في اتجاه معكوس أو منحرف فالخشوع يزيد الطين بلة، إن الوثني التقي يخشع أمام وثنه وفي عبادته، فهل ينفعه خشوعه؟ والماركسية الزاحفة يعجبها كثيراً أن نعمل على إيقافها بالخشوع، وبقراءة البخاري جماعة في المساجد.
وزيادة في التوكيد، نضيف كلمة أخرى لأبي الحسن الندوي عن حالة المسلمين التي كانوا عليها في القرون الأخيرة، يقول:
...لا بد أن نشير إلى أن ذلك الوسط والعهد (القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين)...كان التصوف فيهما قد تغلغل في أحشاء المجتمع الإسلامي، وامتزج بلحمه ودمه، حتى أصبح التصوف له طبيعةً وذوقاً، وسمةً وشعاراً... بل كانت العامة لا تعبأ بعالم أو مرب أو مصلح، ولا تقيم له وزناً، ولا تعتقد فيه الخير والصلاح، ولا تنتفع بمواعظه وكتاباته، ما لم يكن له إلمام بالتصوف والسلوك، ويكون قد صحب بعض المشايخ المعروفين، وانخرط في سلك بعض الطرق السائدة المقبولة في الناس([68]).
ويقرر في كتاب آخر ناقلاً:
...في القرن الثامن عشر (الميلادي)، كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدني والانحطاط أعمق دركه، فارْبَدَّ جَوُّهُ، وطبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه ورجاء من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب وتلاشى ما كان باقياً من آثار التهذيب العربي.
واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات، وماتت الفضيلة في الناس، وساد الجهل، وانطفأت قبسات العلم الضئيلة، وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال...وقام كثير من الولاة والأمراء يخرجون على الدولة التي هم في حكمها، وينشئون حكومات مستقلة، ولكن مستبدة كحكومة الدولة التي خرجوا عليها، فكان هؤلاء الخوارج لا يستطيعون إخضاع من في حكمهم من الزعماء هنا وهناك، فكثر السلب والنهب، وفقد الأمن، وصارت السماء تمطر ظلماً وجوراً، وجاء فوق جميع ذلك رجال الدين المستبدون يزيدون الرعايا إرهاقاً فوق إرهاق، فغلّت الأيدي، وقعد عن طلب الرزق، وكاد العزم يتلاشى في نفوس المسلمين، وبارت التجارة بواراً شديداً، وأهملت الزراعة أيما إهمال.
وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء، فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفاً من الخرافات وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور، وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يشرب الخمر والأفيون (والحشيشية)، في كل مكان، وانتشرت الرذائل وهتكت ستر الحرمات من غير خشية ولا استحياء([69]). اهـ.
يقول أبو الحسن الندوي عند إيراده (مقرراً) هذا النص: إنه لا يتحمل مسؤولية صحته مائة في المائة.
ونجيبه: تأكد يا أستاذنا أنه صحيح مائة في المائة، وأن الإسلام يعيش غربته منذ قرون طويلة.
رأينا من أقوالهم في الفصول السابقة مدى تقديسهم للشيخ، وما يعتقدونه في الشيوخ من القدرة الإلهية والتصرف في الكون، بل وكل الصفات الحسنى.
وعملياً، كان هذا التقديس وهذا الاعتقاد عندهم ركنين أساسيين من أركان الإسلام والإيمان، أو كانا الركنين اللذين يقوم عليهما ما يسمونه (الإحسان).
وبما أن الصوفية كانت مسيطرة على المجتمعات الإسلامية، ومتغلغلة في نفوس كل المسلمين، إلا من رحم الله، لذلك كانت نظرة الجميع إلى الشيخ هي هذه النظرة التقديسية.
وبطبيعة الحال، انزلق هذا التسليم للشيخ والاعتقاد بقدرته الإلهية، إلى التسليم لأي رئيس والاعتقاد بقدرته الإلهية، فصاروا ينتظرون من الأمير أن يصلح ما يفسدون وأن يقول للشيء: كن فيكون.
وهذه العقيدة بالذات هي التي أضاعت بلاد المسلمين، فلقد كان الفساد الذي رأينا صوره، مستشرياً هناك بسبب الصوفية، وكان الدعاة والوعاظ كلهم، حتى من كان على نهج الإسلام الصحيح، ينتظرون الأمير الذي يغير ذلك الحال ويصلح الأحوال، ناسين قوله سبحانه: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) [الرعد:11].
وطبعاً، لا يملك الأمير القدرة الإلهية، ولم تكن لديه تلك العصا السحرية التي يحركها فتغدو الخيانة أمانة والكذب صدقاً والقناعات الفكرية المزورة حقاً ووعياً.
وبما أن القناعات المسيطرة على الناس والمتغلغلة في أعماق نفوسهم هي قدرة الأمير، لذلك كانوا يتهمونه بالجبن أو بالخيانة أو بالظلم أو ما شابهها. فيثور عليه ثائر يزيحه ويجلس مكانه، وهو يظن أنه شجاع وأمين، لكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً، فيتهمه الناس بدورهم بما اتهموا سلفه، فيضطر للبطش بهذا أو ذاك دفاعاً عن نفسه، ويستشري التناحر بين أنصاره وأعدائه، حتى يثور عليه ثائر آخر، فإما أن يزيحه أو ينفصل عنه... وهكذا.
وهكذا بقيت الأمة تعيش في فتن مستمرة، ونهاية الفتن معروفة، إنها دمار الأمة. وهكذا ذهبت بلاد المسلمين، كما أنها الآن في طريقها للضياع بلداً بعد آخر بيد الماركسية، على يد دعاة ينبثقون من روح وثنية الحاكم، مثيرين الفتن ضد أعداء الماركسية وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وهؤلاء، وإن كان بعضهم غير صوفي، لكن نظرتهم هذه انبثقت في أساسها من الصوفية التي حرثت، وجاء الخبثاء؟ فزرعوا وحصدوا.
إن تقديس الشيخ الذي انزلق إلى النظرة التأليهية للحاكم، ومرور قرون على المسلمين وهم يتحركون في هذا الإطار، جعل النظرة الطفولية للأمور من الخواص المسيطرة على التفكير والمسيرة له، إلا من رحم الله.
فالطفل في أشهره الأولى لا يرى إلا البارز من الأشياء، فعندما يحمله أبوه، يمد يده إلى أنفه، أو إلى يده إن كانت قريبة منه، ولو وضعت أمامه على الأرض أشياء مختلفة الأحجام، فإنما يمد يده إلى البارز منها سواء لكبر حجمه أو لوجوده على مكان بارز. فهكذا المسلمون الآن لا يرون في المجتمعات إلا البارز، والحاكم أبرزهم، لذلك فهو المطالَب بإقامة حكم الله، وهو المطالب بالنصر، وعليه تبعة انهيار الأخلاق وتبعة الهزائم...إلخ. والعجب العجاب المثير للارتياب أنهم لا يلقون هذه التبعات إلا على الذين يحاربون الماركسية.
ومما نسمعه، مثلاً، من أدعية يدعو بها من يسمونهم (علماء): اللهم هيئ لهذه الأمة قائداً صالحاً يقيم فيها حكم الله ويقودها إلى النصر...إلخ.
وكأن القائد معه عصاً سحرية، أو له قوة إلهية، وكأن الإسلام نزوة حاكم، وكأنهم نسوا قول الله سبحانه: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) [الرعد:11].
ومن الأمثلة على النظرة الطفولية للأمور، سؤال كثيراً ما سمعناه، وهو: هل نحن الآن في عهد مكي، أو في عهد مدني؛ وكثيراً ما دارت النقاشات حول هذا التساؤل! وكأن التاريخ عبارة عن كليشة يكرر طبعها في كل مكان وزمان، وعلينا أن نعرف موضعنا من هذه الكليشة. ورغم أن هذا السؤال قد يصدر عن غير متصوفة، لكن ما كان يمكن قبوله لولا النظرة الطفولية التي انبثقت من التسليم للشيخ، وعدم القيام بأي عمل، بل وعدم التفكير بالقيام به أو التفكير بكيفية هذا القيام، وإنما يعرض الأمر على الشيخ، ويطبق ما يقوله حرفياً دون مناقشته أو حتى الاستفهام منه عن غريبه (من قال لشيخه: لِمَ؟ لا يفلح أبداً). وكان التقي الورع الذي يرجو الفلاح والذي كان يَنْظُر إليه على أنه نخبة الأمة، كان لا يفكر في أي أمر، وإنما يعرضه على الشيخ، ويطلب توجيهه المقدس، ويدعو الناس في وعظه وخطبه إلى مثل هذا.
ومن أخطر مظاهر هذه النظرة الطفولية الواضحة، إن لم يكن أشدها خطراً، هو مناقشة الأمور دون إدراك للعلاقة بين الأسباب والنتائج.
ومن المفاسد القاتلة التي انبثقت عن الصوفية قبول المتناقضات على أنها كلها صحيحة؛ لأن احترام الشيوخ وتقديسهم وتقديس أقوالهم كان طيلة قرون طويلة هو طريق النجاة والفلاح، وبطبيعة الحال، كانت أقوالهم متناقضة وساقطة بسبب جهلهم من جهة، ولأنهم كانوا يأخذون علومهم من الكشف والعلم اللدني من جهة ثانية، وبسبب الغرور الذي يسببه تقديس الناس لهم، والذي يجعلهم يعتقدون أن كل ما يجري على ألسنتهم من هذيانات هو من باب (حدثني قلبي عن ربي) ؛ وكان الناس كلهم إلا من رحم الله، يعتقدون في الشيوخ هذا الاعتقاد ويطبقونه؟ لذلك كانوا يقبلون المتناقضات على أنها من عند الله، ولا تعترض فتنطرد، وكانت هذه الحالة من الأسباب الرئيسية في تشتت أفكار الأمة وتخبطها.
ومن مظاهر الفساد المدمر التي انبثقت عن الصوفية (الطبطبة) على المفاسد ومحاولة تبريرها، بل والإصرار على عدم وجودها ومهاجمة من يحاربها بأساليب شتى.
وطبعاً، انبثقت هذه الظاهرة من قاعدة: سلم تسلم، أو لا تعترض فتطرد.
ومن الفساد الذي سيطر على الأمة قروناً طويلة الازدواجية في العقيدة وفي التفكير التي كان يعيشها وعاظ الأمة وموجهوها ودعاتها، إلا من رحم الله، حيث كانوا يبطنون خلاف ما يظهرون، يبطنون وحدة الوجود وما يتفرع عنها، ويظهرون الشريعة الإسلامية التي يحاولون توجيهها لتتفق مع ما يبطنون.
وفي واقع الأمر كان هناك صراع خفي يتفاعل في ضمير كثير من العلماء الذين قبلوا الصوفية حيث كان يظهر هذا الصراع في كتابات بعضهم وفي أقوالهم وبعض أفعالهم، مثل ما نراه عند أحمد الفاروقي السرهندي وأمثاله الذين كانوا يتشددون في وجوب كتمان السر إلا عن مستحقيه، ويهاجمون من يصرح بالوحدة.
هذا موجز لدور الصوفية في تمزيق الأمة الإسلامية.
لكن يوجد إلى جانبها عاملان آخران تأتي أهميتهما بعد الصوفية، وهما:
أ- الخلفيات الفكرية والعقائد والفلسفات: التي كانت تشكل تيارات في المجتمعات الإسلامية تحيط بالشيخ وتوجه كشوفه وعلومه اللدنية؛ لأن الرؤى الكشفية هي انبثاقات للمعلومات والتوجهات والأماني والطموحات المختزنة في أعماق الشيخ، ومنها تلك الخلفيات الفكرية والعقائد، مع العلم أن بعضها وجد بسبب الصوفية أيضاً. فمحمد بن فلاح، مثلاً، تشيع بسبب المحيط الذي كان يعيش فيه، في الحلة التي كان التشيع غالباً في أهلها، ثم شيع أتباعه بمئات الألوف بواسطة الصوفية...وهكذا.
ب- الموقف السلبي في مواجهة الصوفية: وذلك بحجج هي أقبح من الصوفية، وهي متعددة، لكن أبرزها وأبشعها حجتان:
1- قول من يقول: لا تفرقوا صفوف المسلمين. يقولها لمن يشرح للناس خطر الصوفية ويبين زيفها وضلالها؟!
والجواب على هذه الحجة الفاسدة هو قوله سبحانه: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا)) [آل عمران:103]، أي: إن جمع الصفوف يكون بالاعتصام بالقرآن والسنة اللذين هما حبل الله، وتفريق الصفوف يكون بالابتعاد عنهما.
وهذا الذي يقول لدعاة الحق: لا تفرقوا صفوف المسلمين، إنما يقدم العون الأكبر لاستشراء الداء وتفريق المسلمين وتمزيقهم، كما هو حاصل؛ وهو داخل في زمرة الموصوفين بالآية الكريمة: ((....كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ...)) [المائدة:79].
2- قول من يقول: لا تكفر مسلماً! كيف تكفر رجلاً يشهد أن لا إله الا الله؟
والجواب على هذه الحجة الفاسدة هو أولاً: أن المسألة ليست مسألة تكفير مسلم، وإنما هي مسألة بيان الحق من الباطل والهدى من الضلال، ثم إن كل البلاء الذي أصاب الأمة ودمرها، جاء في الأساس على يد أناس يشهدون أن لا إله إلا الله ويضمرون ما يضمرون، وأكثرهم- إن لم يكونوا كلهم- مخلصون فيما جاءوا به ويعتقدون أنه الحق.
كما أن الواجب على المسلم أن يعرف الحق أولاً، كما يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: [[اعرفوا الحق تعرفوا أهله]]، وطبعاً، إذا عرفنا الباطل نعرف أهله أيضاً، ويجب أن نعرفه لنعرفهم.
قد كان من واجب علماء المسلمين أن يدرسوا الصوفية دراسة واعية ثم ينبهوا الأمة إلى خطرها؛ لكن الذي حصل أن فطاحل العلماء كانوا لا ينظرون إلا إلى ظاهرها وإلى عباراتها المتداولة دون محاولة لتفهم حقيقة معانيها ومراميها، فما كان واضح الدلالة على وحدة الوجود، أي ما كان من عبارات الوحدة المطلقة، حكموا عليه بالكفر، وما كان غامضاً أولوه التأويل الحسن بحجة عدم تكفير المسلم؛ ولأنهم لم يحاولوا دراسة الصوفية بعمق، ولم يتنبهوا إلى تواصيهم بالتقية وكتمان السر عن غير أهله، وأن هذا السر كفر وزندقة!
وعدم دراستهم للصوفية جعلهم يرتكبون أخطاءً كان لها دور واضح في بقاء مسيرة التصوف لتفعل فعلتها التي فعلت، ومن هذه الأخطاء:
* قولهم: إن في المتصوفة من يؤمن بوحدة الوجود، ومنهم من يقول بالاتحاد أو بالحلول، وفيهم الأتقياء الذين يسيرون على منهج الصوفية الحقة التي لا تؤمن بهذه الأمور.
وطبعاً؛ هذا كلام خطأ كله، فالصوفية مذهب واحد، وعقيدتها هي وحدة الوجود، ولا يوجد بين متصوفة المسلمين من يقول أو يعتقد بالاتحاد أو الحلول، (لا يوجد ولم يوجد)، كما أن الذين لا يعرفون وحدة الوجود بينهم هم السالكون الذين لم يبلغوا بعد محل ثقة الشيخ.
* ومن هذه الأخطاء قولهم: إن في المتصوفة من يقول بالحقيقة المحمدية، ومنهم من لا يقول بها! وهذا خطأ كله؛ فالمتصوفون كلهم، حتى السالكون المبتدئون، تشرح لهم الحقيقة المحمدية ويؤمنون بها، وقد يسمونها أسماء أخرى، مثل: (أسبقية النور المحمدي، أو أول خلق الله...).
وقد استغل المتصوفة هذا الموقف، وصاروا كلهم يقولون عن أنفسهم وعن مشايخهم وأتباعهم وأمثالهم: إنهم على الصوفية الحقة، ثم ينهالون بالشتائم على الدخلاء على الصوفية وعلى المبتدعة الذين يقولون بالحلول والاتحاد، أو الذين يقولون بالوحدة المطلقة (أي: غير المقيدة بالرمز واللغز).
وهكذا بقيت مسيرة التصوف، وأوصلت الأمة إلى ما نراه الآن، مع العلم أنها الآن أقل سيطرة بكثير مما كانت عليه في قرون سابقة.
لكن بشيء من التدقيق، يتضح أن هاتين الحجتين السلبيتين هما أيضاً من نتاج الصوفية، ومن أساليب المتصوفة في الدفاع عن أنفسهم ومعتقدهم، حتى فشتا بين الأمة.
إن هذه الأمراض والمفاسد، ارتكزت في سريانها في الأمة على مرضين خبيثين بعثتهما الصوفية في الأمة، هما: الجهل والعقم الفكري.
لولاه لما استطاعت هذه المفاسد- وغيرها- أن تجد لها مكاناً في المجتمعات الإسلامية، وقد رأينا في الفصول السابقة النصوص الكثيرة لأقطابهم وعارفيهم، التي يأمرون بها بالجهل والابتعاد عن العلم، بل وينفرون بها من مجرد معرفة القراءة والكتابة، وهي غيض من فيض، ولولا أن تلاوة القرآن فرض على المسلمين، ومعرفة الحلال والحرام فرض على فئة منهم، لنسيت القراءة والكتابة جملةً وتفصيلاً، والله وحده يعلم إلى ماذا كانت ستؤول إليه أحوال الأمة.
رأينا في الفصول السابقة، ونرى في مجتمعاتنا الحالية، الأمثلة الكثيرة الكثيرة على فرض الصوفية على المريدين أن يكونوا بين يدي الشيخ كالأموات بين أيدي الغاسلين، ورأينا، ونرى، كيف أن الفرد من المريدين لا يفكر لنفسه ولا لغيره، وإنما يذهب إلى الشيخ ليفكر له، ولا يطلب معرفة، بل يذهب إلى الشيخ ليفيض عليه من معارفه اللدنية، ولا يقضي أمراً حتى يرى الشيخ فيه رأيه...إلخ.
كانت هذه حالة كل الأمة، إلا من رحم الله، بل إن هذا (الحال) صار (مقاماً) عالياً، حتى كانوا لا يحاولون، بل يتواصون بعدم محاولة فهم نصوص القرآن والسنة إلا من الشيخ، فإذا أخطأ الشيخ، فخطؤه خير من صوابك! وإذا كان جاهلاً، فجهله خير من علمك! وإذا ناقضت أقواله النصوص، فاتباع فهمه هو الإيمان، واتباع فهمك هو الضلال! وإذا تناقضت أقوال الشيوخ فيما بينهم، فكلهم من رسول الله مقتبس (بالكشف طبعاً)...إلى آخر القائمة...ومثل هذا موجود حتى الآن.
وبذلك سيطر العقم الفكري، بل الشلل الفكري على الأمة، حتى وصلت إلى ما هي عليه.
إن الله سبحانه وتعالى لم يظلم المسلمين عندما سلط عليهم الاستعمار. حاشاه سبحانه وتعالى من الظلم؛ وإذ كان الجزاء من جنس العمل، فقد كان الاستعمار هو الدواء النجس لتلك العلة الخبيثة.
وقد يسأل سائل: ألا يوجد في الصوفية إيجابيات؟ والجواب: نعم، لها إيجابيتان:
1- الأدب الرمزي، إذ أن متصوفة المسلمين هم الذين ابتكروه لستر حقيقتهم، ولم ينتشر في العالم إلا بعدهم بقرون طويلة، ويظهر أن مبتكريه كانوا سابقين للجنيد في الزمان، لكن الجنيد هو الذي بلوره ووضع له القواعد والمصطلحات وكثيراً من عباراته التي يستعملونها.
2- بعض التفاصيل التاريخية، حيث تقدم كتب المتصوفة صوراً من حياة المجتمعات الإسلامية وعاداتها لا نراها في غيرها، كما نستطيع من خلالها تفسير بعض إشارات الاستفهام التاريخية عند المسلمين وعند غيرهم أيضاً.
 


([1]) الكامل في التاريخ: (9/324).
([2]) الكامل في التاريخ: (9/339).
([3]) الكامل في التاريخ: (9/385).
([4]) الكامل في التاريخ: (9/337).
([5]) الكامل في التاريخ: (9/386).
([6]) الفكر الشيعي، (ص:88).
([7]) رجال الفكر والدعوة في الإسلام: (2/176).
([8]) رجال الفكر والدعوة في الإسلام: (2/171، 172).
([9]) أربع رسائل إسماعيلية، في آخر مقدمته على قصيدة عامر بن عامر.
([10]) الصوفية بين الأمس واليوم، (ص:134).
([11]) أربع رسائل إسماعيلية، رسالة مطالع الشموس في معرفة النفوس، مطلع المرتبة الثانية في التوحيد والتنزيه والتجريد.
([12]) من أحياء العقد الثالث من القرن العشرين الميلادي، لم أقف على تاريخ وفاته.
([13]) تاريخ العلويين، (ص:264).
([14]) الدروز في التاريخ، (ص:129).
([15]) الدروز في التاريخ، (ص:140).
([16]) الدروز في التاريخ، (ص:148و 149).
([17]) الدروز في التاريخ، (ص:229).
([18]) الدروز في التاريخ، (ص:236).
([19]) الدروز في التاريخ، (ص:236).
([20]) الدروز في التاريخ، (ص:237).
([21]) الشبك، (ص:47).
([22]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:113).
([23]) أشار إلى هذه الملاحظه مؤلف الفكر الشيعي والنزعات الصوفية.
([24]) رجال الفكر والدعوة في الإسلام: (2/172، وما بعدها).
([25]) رجال الفكر والدعوة في الإسلام: (2/176 - 187).
([26]) مدينة إيرانية داخلية تبعد عن أقرب مرفأ إليها على خليج البصرة حوالي مائة كم، وهو بندر ريك.
([27]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:249).
([28]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:208).
([29]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:209).
([30]) ميزان الاعتدال للذهبي في ترجمة ابن عربي.
([31]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:181).
([32]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:182).
([33]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:197).
([34]) الصوفية بين الأمس واليوم، (ص:135).
([35]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:168، 169).
([36]) كانوا يطلقون على تركيا اسم (بلاد الروم)، والأسرى المذكورون كلهم مسلمون سنيون أتراك.
([37]) الصوفية بين الأمس واليوم، (ص:173).
([38]) أحمد بن علي البوني في كتابه (شمس المعارف الكبرى).
([39]) كلمة (بضع) فقط هي التي تطابق (872) بحساب (الجمّل الكبير).
([40]) الصوفية بين الأمس واليوم (ص:137).
([41]) المهدي عند الشيعة الآن هو محمد بن الحسن العسكري، مع العلم أن الحسن العسكري توفي دون أن ينجب، ومحمد المزعوم هذا غائب في مغارة سامراء منذ (ألف ومائة وخمسين سنة) وهم ينتظرون خروجه ليحكم بأحكام داوُد ولا يُسْأل عما يفعل، ويستوزر (سبعة وعشرين) من قوم موسى، ويحيي الله له الصحابة والخلفاء فيقتلهم وعلى رأسهم أبو بكر وعمر.
([42]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:335).
([43]) الإمام السرهندي حياته وأعماله، (ص:38).
([44]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:318).
([45]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:327).
([46]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:304).
([47]) الشيعة في الميزان،) (ص:175).
([48]) الفكر الشيعي والنزعات الصوفية، (ص:338).
([49]) محمد حسن بن عبد الله المامقاني، توفي في النجف سنة (1323هـ-1905م).
([50]) الخطوط العريضة،) (ص:42).
([51]) عالم بغدادي متوفى سنة (1174هـ-1761م).
([52]) مؤتمر النجف، ملحق بكتاب الخطوط العريضة، (ص:97).
([53]) مؤتمر النجف، ملحق بكتاب (الخطوط العريضة)، (ص:96).
([54]) الشبك، (ص:243).
([55]) الشبك، (ص:48).
([56]) الإمام السرهندي، (ص:42، وما بعدها).
([57]) الثقافة الإسلامية في الهند، (ص:223، 224).
([58]) القاديانية، حسن عبد الظاهر، (ص:77).
([59]) القاديانية، حسن عبد الظاهر، (ص:77).
([60]) الشبك، (ص:8).
([61]) الشبك، (ص:47).
([62]) يوجد خلافات في تاريخ ولادته وموته، وقد اعتمدت هنا أعلام الزركلي.
([63]) حقيقة البابية والبهائية، (ص:45، وما بعدها).
([64]) حقيقة البابية والبهائية، (ص:57، وما بعدها).
([65]) حقيقة البابية والبهائية، (ص:147، وما بعدها).
([66]) تفسير ابن عربي: (1/235).
 
 
 
 
حقيقة عبد الوهاب المسيرى
الثلاثاء 2 أكتوبر 2007
 حقيقة عبد الوهاب المسيري
 
سبق أن اعترض بعض الإخوة على وصفي للمسيري أنه أحد دعاة العلمانية ؛ مكتفين منه بتراجعه عن الماركسية ، وكتابته لموسوعته اليهودية ، وقد نقلتُ من كتبه قوله بصراحة إن مايسميه العلمانية " الجزئية " لا تُعارض الإسلام ! ، وإنكاره لما يسميه العلمانية " الشاملة " فقط . ثم طُبع - أخيرًا - كتابٌ مهم للباحث المصري محمد إبراهيم مبروك ، عنوانه " العلمانية : العدو الأكبر للإسلام - من البداية إلى النهاية - " ، ناقش في فصل منه دعوى المسيري السابقة ، وسماها " فرية المسيري " ، وقد صدق في هذا - كما يأتي - . فأحببتُ أن يطلع الإخوة الكرام على هذا الفصل منشورًا في الساحة  .  سيلمان الخراشي
 
فرية المسيري في عدم تناقض العلمانية مع الإسلام
بتقسيمها إلى شاملة وجزئية
" إن الدكتور المسيري قد جاء في مناظرة قريبة ببرنامج الاتجاه المعاكس (أبريل -2007) ليعلن صراحة أن العلمانية الجزئية التي تعني فصل الدين عن الدولة لا تتناقض مع الإسلام ! هذا بالإضافة إلى موقف المسيري المتخاذل من هجوم مناظره الوقح على الإسلام كنظام شامل للحياة على الرغم من التهافت الشديد المعروف عن هذا المناظر علماً وفكراً وأشياء أخرى ، ولم يفعل المسيري شيئاً سوى اختزال الإسلام في مجموعة من القيم التي لا تختلف كثيراً عن القيم التي يقررها بعض الأديان والفلسفات الأخرى.
ومن ثم أكرر الآن إن الموضع الذي نتحدث عنه لا يمثل هفوة للمسيري يتردد فيها وقد ينقضها كلام آخر له ، وإنما هي فرية قاتلة تؤدي إلى إرباك الأمة ، ويبدو أنه يصر عليها ، والمصيبة أن مفكراً له وزنه مثل الدكتور محمد عمارة التجأ إلى القول بهذه البدعة تحت ضغط ومحاصرة محاور علماني في أحد البرامج الفضائية ، مع أن الدكتور عمارة له كتاباته الكثيرة التي يقرر فيها أن العلمانية تتناقض مع الإسلام لا محالة ، وكان مفكر آخر هو راشد الغنوشي استند على مقولة المسيري تلك في معرض دفاعه عن نهج حزب العدالة والتنمية التركي في تخليه عن دور الإسلام في الدولة ، أي أن طامة فرية المسيري في تقسيم العلمانية إلى شاملة وجزئية تكتفي بفصل الدين عن الدولة طامةكبرى يتحدث بها ويلتجئ إليها أسماء كبيرة لها وزنها وتأثيرها على الواقع الإسلامي.
كل هذا مع أن تهافت هذه الفرية بيّن شديد البيان وواضح غاية الوضوح، ولكن ماذا نفعل إذا كانت المساومات السياسية مع أنظمة أو تيارات معينة تلجئ البعض إلى هذا السقوط.
أمامغالطة المسيري شديدة الوضوح فهي تتحدد في المقولة مفادها ألا تعارض بين الإسلام والعلمانية الجزئية، لأنه حتى لو كانت العلمانية الجزئية هي فصل الدين عن الدولة فهي تعني العمل على الانتقاص من شمولية الدين ، بل وتهدف إلى تبعيضه وهو الأمر الذي يتناقض مع قوله تعالى: ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون )  .
وقوله تعالى: ( إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ) . ولعل ذلك هو ما دعا الدكتور محمد البهي ( وهو المفكر الإسلامي النابغ الذي جمع بين دراسته الأزهرية للدين ودراسته الألمانية للفلسفة ) إلى أن يعنون كتابه عن العلمانية بالتالي: " العلمانية وتطبيقها في الإسلام: إيمان ببعض الكتاب وكفر بالبعض الآخر " .
ويبلغ السيل الربى عندما يطبق المسيري ذلك على قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" حيث يقول وهو يورده في إطار إقراره للفصل النسبي بين الدين والدولة: "ففي القطاع الزراعي بإمكان المرء أن يؤبر النخل أولاً حسب مقدار معرفته للملابسات متحرراً في بعض جوانبه من المنطلقات الأخلاقية". وما بين القوسين للمسيري ليس به شيئ إذا أخذ حرفياً ، لكن المشكلة في الإيهام أن ذلك يعني إمكانية الفصل بين الدين والدولة في الإسلام اعتماداً على هذا الحديث ؛ لأن الحديث بكل وضوح يتناول الجوانب العلمية التطبيقية من الحياة ، وهي أمور عامة مجردة وموقف الإسلام ( وليس كل الأديان ) من هذه الأمور شهير جداً ، ومفاده عدم التدخل والاعتماد على الخبرة ، ولكن لا ينطبق ذلك على أي جانب من الجوانب السلوكية للحياة التي تنظمها الدولة، بعكس ما يقوله المسيري.
على أي من الإسلاميين استند المسيري؟!
نستطيع القول إن العذر العام الذي يظلل مواقف الدكتور المسيري أن الرجل حديث الانتقال في نقده للحضارة الغربية من المنظور الاشتراكي الماركسي إلى المنظور الإسلامي ، أو بشكل أكثر دقة إلى منظور فلسفي يبدو عاماً ولكنه يستبطن رؤية إسلامية أو تبدو أنها إسلامية ، ومن ثم فإن تراكمه المعرفي يتشكل أساساً من التراكم المعرفي الغربي نفسه؛ ولهذا فإن منظوره الإسلامي لا يقوم إلا على بعض القواعد العامة ، وربما غير المحددة ، ويفتقد التراكم المعرفي الإسلامي لدرجة محزنة خصوصاً إذا تعلق الأمر بموقعه المتقدم المفترض في مواجهة الحضارة الغربية ، مما ينعكس على مواقفه في الكثير من الحالات بغياب الرؤية الإسلامية المحددة أو ضبابيتها في مواجهاته الفكرية مع هذه الحضارة ، وهو الأمر الذي يؤدي إلى الكثير من المشاكل حتى مع إقرارنا باشتراك المنظور الإسلامي والاشتراكي في بعض المواقف الناقدة للحضارة الغربية.
ولكل ما سبق كان من الطبيعي أن يحاول الدكتور المسيري الاستناد إلى بعض المفكرين الإسلاميين في تحديد موقف المنظور الإسلامي من العلمانية ؛ ولأنه من الطبيعي أيضاً أن يتحدد استناده هذا بعاملين هما: محدودية تراكمه المعرفي الإسلامي وعزوفه الشخصي عن احتداد المواجهة في مواقفه السياسية، فقد وقع اختياره على تيار الوسط التوفيقي بين الإسلام والعلمانية، وهو ما أعتيد أن يطلق عليه في القنوات الإعلامية المرضي عنها بالتيار الوسطي ! والذي يُعد الكاتب فهمي هويدي أحد أبرز رواده؛ ولذلك فقد كان هو الشخص الوحيد من المحسوبين على الإسلاميين الذي استند إليه المسيري في تعريفه للعلمانية ، حيث يذكر عن هويدي أنه "يجعل نقطة انطلاقة ما سماه (المشروع القومي العام ) وكل من يعمل على إنجاحه علمانياً كان أم إيمانياً فهو منا " أما من يقوضه ويفككه فهو خارج الصف. فالمعيار هنا - لا أدري إن كان هذا الكلام لهويدي أم تعليقاً من المسيري - ليس العلمانية أو الإسلامية وإنما الانتماء إلى الوطن. ويميز فهمي هويدي بين تيارين علمانيين يسميهما المتطرفين والمعتدلين ( وهما يقابلان إلى حد ما العلمانيين الشامليين والجزئيين في مصطلحنا ) ويُعرف المتطرفين بأنهم ليسوا ضد الشريعة وحسب بل ضد العقيدة أيضاً ؛ فهم يعتبرون الإسلام مشكلة يجب حلها بالانتهاء منها وتجفيف ينابيعها لاستئصالها. أما المعتدلون فليست لديهم مشكلة مع العقيدة ، فهم يعتبرون أن الدين والإسلاميين حالة يمكن التعايش معها إذا أقيم حاجز بين الدين والسياسة للحيلولة دون ما يتصورنه "سلطة دينية". والأستاذ فهمي هويدي هو صاحب المقولة الشهيرة: "العلمانيون المعتدلون هم أقرب إلى الإسلاميين المعتدلين من الإسلاميين غير المعتدلين " ! اهـ كلام المسيري . والنتيجة التي ينتهي إليها الاثنان معاً ( هويدي والمسيري ) هي كما يقول هويدي: "إن كل تيار سياسي يحترم عقيدة الأمة ويلتزم بنصوص الدستور المعبرة عن ذلك يصبح من حقه أن يكتسب الشرعية وأن يكون شريكاً في الحياة السياسية للمجتمع الإسلامي ، ينسحب ذلك على مختلف فصائل العلمانيين المعتدلين سواء كانوا ليبراليين أو قوميين أو ناصريين أو ماركسيين " !
ويعلق المسيري على ذلك بقوله: "وإن الحوار بين فصائل الأمة المختلفة ممكن في إطار التعريفات الجزئية، أما التعريفات المادية الشاملة فإنها تسقط كل المرجعيات ولا تخلف لنا سوى الصراع في الداخل والتبعية لقوى العولمة في الخارج. ولعل الذين قرأوا مقال الأستاذ فهمي هويدي لاحظوا أن مطالبة الإسلاميين بتأكيدهم قبول التعددية التي تشمل التيار العلماني كانت موقفاً التقى عليه رأي آخرين من أهل الفقه والنظر ؛ في مقدمتهم الدكاترة يوسف القرضاوي وأحمد العسال ومحمد سليم العوا وعبد الغفار عزيز وسيف الدين عبدالفتاح وأبو العلا ماضي وعادل حسين. ومما يجدر ذكره أن فهمي هويدي ليس وحيداً في موقفه هذا بل يمكن القول بأن هذا الرأي هو الرأي الممثل للتيار الإسلامي الأساسي " .
أعتقد أن القارئ النابه لا يستطيع الآن أن يعرف -بعد هذا الذي سردته الآن- أين ذهب المسيري المفكر الفلسفي العميق؟
هل استغرقه الجهد في إيجاد مخرج للعلمانيين بهدف إيجاد مخرج لنفسه من الصدام مع النخبة الفكرية المسيطرة حتى ذاب تماماً في تيار السياسة؟!!
ولا بد أن ننظم الآن نقاط البحث حتى لا نذوب نحن أيضاً مع تيار السياسة هذا. ولذلك فإن ما يهمنا هنا هو ليس قبول التعايش أو عدم التعايش مع هذه العلمانية المعتدلة التي تتطابق إلى حد ما - لاحظ إصرار المسيري على استخدام مثل هذه الألفاظ (إلى حد ما ) حتى يحتفظ لنفسه دائماً بالقدرة على الإفلات من المحاسبة الفكرية الدقيقة مع العلمانية الجزئية- ولكن المهم بالنسبة لنا هنا هو هل هذه العلمانية الجزئية أو المعتدلة تتناقض مع الإسلام أو لا تتناقض؟
النقطة الثانية هي: هل هذه العلمانية الجزئية تخرج في شيء عن العلمانية الشاملة أم أن المسألة لا تخرج عن كونها مجرد ادعاء سياسي يتم التستر به على الموقف الحقيقي من الدين أمام المجتمع الإسلامي؟
في الإجابة عن النقطة الأولى، ما هي المرجعية لنا في ذلك: هل هو الانتماء للوطن أو الانطلاق من المشروع الوطني العام أو الموقف من الاستعمار؟ إن مثل هذه الأمور قد تصح كمعايير للتعاون في القضايا العامة وهذا أمر سياسي ، ولكن ليس كمعايير لتحديد العلاقة بين العلمانية الجزئية والإسلام والتي لا يصح فيها إلا معيار واحد هو المرجعية الإسلامية التي تقرر أن الإسلام دين شمولي لا يقبل التجزئة ولا يقبل الاستعاضة عنه كمرجعية في أي أمر من أمور الحياة سواء كانت السياسة أو غير السياسة ، فإذا كانت هذه العلمانية الجزئية أو المعتدلة لا تقر الإسلام على ذلك وتصر على تنحيته كمرجعية في مجال السياسة أو في أي مجال آخر فهي تتناقض تماماً مع الإسلام. أما الحديث عن إمكانية التعاون مع هؤلاء العلمانيين أو عدم التعاون معهم فهذا حديث آخر ، ولكنه حديث من الخارج واستخدام ما قد يصح من مرجعية له كالموقف من الاستعمار أو الانتماء للوطن في تحديد العلاقة بين العلمانية المعتدلة والإسلام هو خلط ما هو سياسي بما هو عقائدي. ومن ثم فإن تولي مثل هذه الرؤية لا يؤدي إلا إلى المزيد من الارتباك في الواقع الفكري وينعكس سلباً على وضوح المواقف لدى الإسلاميين.
المسيري والعلمانيون العرب
يقول المسيري: "تتأرجح التعريفات العربية لمفهوم العلمانية بين العلمانية الجزئية بوصفها إجراء جزئياً لا علاقة له بالأمور النهائية مقابل العلمانية الشاملة بوصفها رؤية شاملة للكون". والذي يعنيه هذا الكلام هو عدم استطاعة تقسيم المسيري- الذي استمد مصداقيته من قدرته على التفسير- استيعاب هذه التعريفات أو تفسيرها. فماذا أدى المسيري به منهجه في التعامل مع العلمانيين العرب؟
يقدم حسين أحمد أمين (وما أدراك ما حسين أحمد أمين؟ ) فيقول عنه : إنه يُعرف العلمانية بأنها "محاولة في سبيل الاستقلال ببعض مجالات المعرفة عن عالم ما وراء الطبيعة" ويعلق على ذلك قائلاً: "فكأن المرجعية النهائية هنا ليست علمانية وإنما مستمدة من نسق معرفي وأخلاقي آخر وكأن العلمانية تنحصر في الدائرة الصغيرة الجزئية". ثم يقول في موضع آخر "فكأن حسين أمين يرى أنه لا توجد ضرورة حتمية للصراع بين العلمانية والدين ، وأن كل ما حدث هو صراع نتيجة ظروف تاريخية طارئة، وهناك بعض المفكرين الإسلاميين -ممن يؤمنون بالتعددية والتدافع وضرورة الاجتهاد ومن ثم استحالة احتكار الحقيقة- يتفقون في بعض النقاط الأساسية مع حسين أحمد أمين". لم يذكر المسيري من هم هؤلاء المفكرون الإسلاميون الذين يتحدث عنهم ولكن ذكر بعض الأوصاف التي تستخدم عادة كأكليشيهات سياسية دون أن يكون لها معنى محدد (ممن يؤمنون بالتعددية والتدافع وضرورة الاجتهاد ) المهم أنه بهذا الكلام الهلامي أعطى حسين أحمد أمين جواز مرور من عدم التصادم مع الإسلام !
وحسين أحمد أمين هذا ( بعيداً عن علاقته الخاصة بالدوائر الغربية ) له مؤلفات شهيرة في الهجوم على الشريعة الإسلامية كبيرها وصغيرها ( راجع كتابنا: تزييف الإسلام وأكذوبة المفكر الإسلامي المستنير ) ، ولكن من الطبيعي أن يجد له مكاناً إسلامياً في رؤية المسيري الفضفاضة والمرتبكة في العلاقة بين الإسلام والعلمانية.
أما الأمثلة الأخرى التي يتخذها المسيري للمفكرين فأشد غرابة ؛ لأن نموذج حسين أحمد أمين نموذج معروف بالعلمانية الملتوية التي تحاول أن تتخذ ستاراً إسلامياً ، لكن ما بالكم بالدكتور فؤاد زكريا ذلك المفكر المادي المعروف والذي قد تمثل صراحته الفكرية أهم مميزات فكره؟! فيذكر المسيري أن الدكتور فؤاد زكريا يصف العلمانية بأنها "الدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة" ويوضح فؤاد زكريا موفقه بقوله: "إن ما تريده العلمانية إن هو إلا إبعاد الدين عن ميدان التنظيم السياسي للمجتمع والإبقاء على هذا الميدان بشرياً بحتاً تتصارع فيه جماعات لا يمكن لواحدة منها أن تزعم أنها هي الناطقة بلسان السماء. فأساس المفاضلة بين المواقف المختلفة يجب أن يكون العقل والمنطق والمقدرة على الإتيان بالحلول الواقعية الناجحة "! ويذكر المسيري للدكتور زكريا أيضاً قوله: "إن العلماني المتحمس يرفض توجيه التنظيم السياسي للمجتمع توجيهاً يرتكز على سلطة الدين ، ولكنه في الوقت ذاته يتزوج بوثيقة شرعية إسلامية " ! ثم يتساءل المسيري -بفيض من البراءة المصطنعة ! - هذا السؤال العجيب: هل يمكن الحديث عن فؤاد زكريا بعد هذا باعتباره علمانياً شاملاً؟!! ولا أدري هل ينتظر المسيري أن يرفض الدكتور فؤاد زكريا الزواج بوثيقة شرعية إسلامية وهو يعيش بين أكناف مجتمع مسلم له ضغوطه الخاصة حتى يقبل الحديث عنه باعتباره علمانياً شمولياً؟!! ثم ما الذي يهمنا هنا في هذا المثال ( مثال الدكتور فؤاد زكريا ) في رفضه لتطبيق الشريعة الإسلامية في كونه علماني جزئي أو شامل في تحديد موقفه من الإسلام ولكن الدكتور المسيري بتلك الحيلة العجيبة ( ادعاء أن العلمانية الجزئية يمكنها التوافق مع الإسلام ثم ادعاء أن الدكتور زكريا فؤاد علماني جزئي ) أوجد له مخرجاً من تناقضه الفكري مع الإسلام.
ننتقل الآن إلى مثال آخر أكثر وضوحاً
فمحمد أركون قدم تعريفاً للعلمانية يقترب للغاية من التعريف الذي قدمناه حيث تكاد تتطابق عنده العلمانية مع "العقلانية التي تشكل أساس الحضارة الغربية وتذهب إلى ضرورة سيادة العقل البشري القائم على التفحص والتجريب والقياس الرياضي الدقيق".
ثم يعود فيخص الغرب بهذه العلمانية العقلانية التي يصفها بالجامدة والصراعية مع الدين ؛ لأن "مفكري أوروبا إذ يستمرون في العمل والتفكير داخل إطار الفكر المعلم كلياً ويستبعدون بشكل قطعي كل ما يخص البعد الديني من إنتاج المجتمعات البشرية فإنهم يجترجون عملاً تعسفياً لا منطقياً ولا عقلانياً.
حسناً. إذاً ما هي العلمانية التي يحبذها ( المفكر الموضوعي الكبير ! ) محمد أركون؟ يتلخص ذلك بحسب ما يعرضه المسيري لموقفه في هذه الأسئلة التي يطرحها: "هل يحق للإنسان أن يعرف أسرار الكون والمجتمع أم لا يحق؟ هل نثق بعقله في استكشاف المجاهيل وقيادة التاريخ أم لا نثق؟ هل هو قادر بواسطة عقله -وعقله فقط- على فهم الأشياء واتخاذ القرار أم غير قادر؟
يقول أركون: إنه توجد إجابتان على هذه التساؤلات فالبعض يقول: إن الإنسان بحاجة إلى قوة خارجية ( فوق طبيعية ) لكي تسيره وتسير أموره. والبعض الآخر يقول: "لا. إن الإنسان قادر بحد ذاته على تسيير أموره وحل مشاكله وتشكيل الصيغ الأجمل والأفضل للحياة في المجتمع ، وفي الحالة الأول نكون من أتباع الإنسية الدينية ، وفي الحالة الثانية نكون من أتباع الإنسية الحديثة". وينادي أركون بما يسميه العلمانية المنفتحة التي تعمل على التوفيق بين الإجابتين حيث أن "هذه العلمنة الإيجابية تأخذ الإنسان في كليته المادية والروحية دون أن يؤثر بعد من أبعاده على حساب البعد الآخر". ولكن أركون عندما يتحدث مباشرة عن برنامجه العلمي الإصلاحي يقول: "كل ما أطلبه من أجل إدخال العلمنة الصحيحة في المجتمعات العربية والإسلامية هو إلغاء برامج التعليم السائدة، وإلغاء الطريقة اللاتاريخية والعقائدية التبشيرية لتعليم الدين في المدارس العامة وإحلال تاريخ الأديان والأنثربولوجيا الدينية محله" !
ويبدو أن هذه الخطوة الأخيرة أدت إلى ارتباك المسيري أو ادعائه الارتباك في تحديد موقف أركون من الدين إذ يقول: "ببدو أن محمد أركون قد نسي الهدف الأساسي من برنامجه الإصلاحي! وهو إتاحة إمكانية وجود روحانية جديدة.. إذ إنه بدلاً من ذلك يحدد الهدف من برنامجه بأنه "دراسة بنية العقل الديني وطريقة اشتغاله ووظائفه. ولا تهم مضامين العقائد والمذاهب بحد ذاتها". وكأن المسيري قد صدق بالفعل أن علمانية أركون تسمح بإمكانية وجود روحانية جديدة كما يدعي؟ يالبراءة المسيري!
ولهذه البراءة العجيبة وضع الرجل في خانة المترددين بين العلمانية الجزئية والشاملة.
والمسألة ببساطة هي أن أركون ما فعل سوى ما اعتاد فعله العلمانيون العرب ؛ وهو التهويم باقتصار الرؤية العلمانية على المسائل السياسية والواقعية فقط دون التدخل في العقائد ، ولكن عندما يتعلق الأمر بالخطوات العملية فلا مناص من القفز إلى قلب هذه العقائد والإطاحة بها تماماً. لكن المسيري لا يقول إنه يفهم هذا ، ومن ثم يزعم أنه أصيب بالارتباك من موقف الرجل.
إن المسيري بعد أن ناقش التعريفات السابقة والكثير غيرها للعلمانيين العرب يعلق على ذلك فيقول: "معظم التعريفات أهملت قضية المرجعية النهائية للمصطلح ( والمفهوم ) [ وهل تحتاج العلمانية إلى مرجعية نهائية غير نفسها؟!] ومن ثم لم يتم التمييز بين الدائرتين: الصغيرة الجزئية والكبيرة الشاملة".
وإهمال تعريفات العلمانيين العرب للتمييز بين الدائرتين ليس عيباً فيها ، وإنما العيب في فكر المسيري الذي توهم وجود مثل هاتين الدائرتين ، ثم جعل من هذا الوهم محكاً للحكم على هذه التعريفات. بل إن اعتراف المسيري نفسه بإهمال هذه التعريفات لذلك التمييز يُظهر مدى ما بذله من تكلف من الاستخراج المصطنع لوجود مثل هاتين الدائرتين في تلك التعريفات. إن قلة قليلة من العلمانيين العرب ( وهذا أمر طبيعي تماماً نظراً للتشبث المجتمعي بالإسلام رغم كل العداءات ) هي التي من الممكن أن تتبنى صرامة موقف العلمانية الحقيقي الإقصائي من الدين ، ولكن الغالب الأعم منهم يبحث دائماً عن شكل ما من أشكال الاحتيال الفكري الذي لا يضعه في هذا التعارض الصريح مع الدين ، ويكاد يتمثل الجانب الأكبر من تاريخ الفكر العلماني في العالم العربي في تلك الجهود المبذولة في اتخاذ مثل تلك الأشكال المختلفة من الاحتيال الفكري.
ولكن الدكتور عبدالوهاب المسيري يعطي بهذا الاختلاف المصطنع لما سمي بالعلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة تسويغاً اجتماعياً (يحاول أن يضفي عليه مسحة من الإسلامية ) لكل هذا الغالب الأعم. ولأن أصعب شيء على نفس هؤلاء العلمانيين هو التأكيد على تلك الحدود الفاصلة بين الإسلام والعلمانية ، فإن ذلك يبرز خطورة تيار الوسطية بين الإسلام والعلمانية ( والذي أعطاه المسيري بكتابه هذا زخماً كبيراً ) والذي يُدفع للانتشار والهيمنة على الأجهزة الإعلامية من جهات عديدة ، وتتمثل غاية ذلك التيار الأساسية التي تُبذل من أجلها كل جهوده في محو تلك الحدود الفاصلة بين الإسلام والعلمانية ! " . انتهى كلام الدكتور محمد مبروك – وفقه الله -
 
 
 
موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الرافضة في منهاج السنة
الجمعة 27 أبريل 2007
من الرافضة في منهاج السنة
د/ عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله
 
هذا الكتاب رسالة أكاديمية ، اخترنا هذه الصفحات من المدخل تناول فيها الكاتب :
- أسماء الفرق التي رد عليها ابن تيمية في كتبه .
- أسباب تأليف المنهاج .
- أسلوب شيخ الإسلام في المناقشة .
وذلك لأهمية الاستفادة من جهود شيخ الإسلام وطريقته في المناقشة والمناظرة . الراصد    
 
1-  الفرق التي رد عليها:
1- فرقة الجهمية: وقد رد عليهم بكتاب "بيان تلبيس الجهمية([1]) في تأسيس بدعهم الكلامية([2])" أو "نقض تأسيس الجهمية"، وقد قال عنه ابن عبد الهادي([3])، "وهو كتاب جليل المقدار معدوم النظير كشف الشيخ فيه أسرار الجهمية وهتك أستارهم ولو رحل طالب العلم لأجل تحصيله إلى الصين ما ضاعت رحلته"([4]).
2- فرقة المعتزلة([5]): وقد رد عليهم بكتاب "التدمرية([6])، وفي ثنايا كتبه الأخرى.
3- فرقة الأشاعرة([7]): وهذه الفرقة قد أكثر وأطال في الرد عليها؛ لأنها لبست على الناس وخلطت الحق بالباطل وادعت أنها صاحبة الحق وأنها هي أهل السنة والجماعة الوقفة ضد المعتزلة، فرد عليهم في عديد من كتبه، وفي ثنايا أجوبته، وأفرد للرد عليهم كتبًا خاصة، مثل: "درء تعارض العقل والنقل([8]) الذي امتدحه الإمام العلامة شيخ الإسلام الثاني ابن قيم الجوزية([9]) فقال في نونيته: -
وأقرأ كتاب العقل والنقل الذي
 
ما في الوجود له نظير ثان([10])
(وكتاب بيان تلبيس الجهمية) رد فيه على الرازي([11])، وكتاب (التسعينية)([12]) التي كتبها في الأشهر الأخيرة من حياته - رحمه الله - جوابًا عن محاكمة الأشاعرة له.
وكتاب شرح العقيدة الأصفهانية([13])، وهو شرح لعقيدة الشمس الأصفهاني([14]) التي جرى فيها على أصول الأشاعرة، "والفتوى الحموية([15])"، و"الرسالة المدنية"([16])، و"النبوات"([17])، وهو رد على الباقلاني([18]) خاصة والأشاعرة عامة وكتاب "الإيمان"([19]) وهو نقد للأشاعرة في الإيمان وذكر بقية المرجئة([20])، تبعا، و"القاعدة المراكشية"([21])، وهي كالبيان لمذهب مالك في العقيدة والرد على متأخري المالكية من المغاربة الأشعرية.
وكتاب "المناظرة في الواسطية"([22]) ألفها في محاكمة الأشاعرة له بسبب الواسطية، وكتاب الاستقامة"([23]) كتبه نقضًا لكتاب([24]) القشيري([25]) الصوفي الأشعري)([26]).
4- الماتريدية:([27]) ورد عليهم بكتاب"الماتريدية"([28]) وفي الفتاوى وغيرها.
5- الصوفية:([29])، وفيه رد عليهم في ثنايا كتبه، وفي كتاب الاستقامة خاصة، وفي المجلد (الحادي عشر) من الفتاوى.
6- المتكلمة:([30]) وقد رد عليهم في ضمن ردوده على الأشاعرة والجهمية ونحوهم وفي كتاب درء تعارض العقل والنقل.
7- المناطقة:([31]) وقد رد عليهم بكتاب "الرد على المنطقيين"([32])، وكتاب " نقض المنطق"([33]).
8- الفلاسفة:([34])، وقد رد عليهم في ثنايا كتبه، وفي كتاب "الصفدية"([35]) خاصة، وكتاب "درء تعارض العقل والنقل.
9، 10- المشبهة([36]) والمجسمة([37]): وقد رد عليهم في ثنايا كتبه، وخاصة في "منهاج السنة النبوية"([38]).
11، 12- اليهود([39]) والنصارى([40]):وقد رد عليهم بكتاب "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"([41]).
13، 14- المشركون والقبوريون:وقد رد عليهم في ثنايا كتبه، وفي كتاب "الرد على البكري([42])) وكتاب الرد على الأخنائي([43]).
15- الاتحاديون([44]):ورد عليهم بكتاب "الرد على أهل وحدة الوجود([45])، مع رده عليهم فيما رد به على الصوفية، وفي ثنايا كتبه وفي كتاب "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان([46])، وكتاب السبعينية([47]) الذي رد فيه على ابن سبعين([48])، وأضرابه.
16- الفقهاء المتعصبون: وأعني بهم فقهاء المذاهب الأربعة "المتبوعة" الذين خالفهم في بعض المسائل، ورد عليهم ببيان الدليل الصحيح، ومن أعظم المسائل التي أثارتهم عليه: مسألة الطلاق الثلاث وأنها واحدة إذا وقعت في طهر واحد لم يراجعها([49]) فيه، ومسألة الحلف بالطلاق([50])، وغيرها، ورد عليهم بكتاب "الرد الكبير على من اعترض عليه في مسألة الحلف بالطلاق"([51]) وكتاب" الفرق بين التطليق والأيمان"([52])، وغيرها.
17- الرافضة([53]): ورد عليهم بكتاب "الرد على أهل كسروان الرافضة" وهو مجلدان ذكره ابن عبد الهادي([54])، وكتاب "منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية" رد فيه على ابن المطهر الحلي([55]) الرافضي، وبين جهل الرافضة وضلالهم وكذبهم وافترائهم، وغير ما ذكرته من الفرق التي تناصب أهل السنة والجماعة العداء، فوقعت جميع هذه الفرق ضده، ورمته عن قوس واحد.
ومع ذلك فقد تصدى لها وصبر على ذلك ونصر الله به الحق، وقد رزقه الله تعالى حافظة قوية بحيث إنه قوي الحجة سريع استحضار الأدلة، سريع الحفظ بطيء النسيان.
و"منهاج السنة" من أهم الكتب التي رد بها على الفرق المخالفة لطريق أهل السنة والجماعة، إذ بين فيه بطلان عقيدة الروافض، وأنهم أجهل الناس في المعقولات، وأكذب الناس في المنقولات، ومخالفتهم لما عليه المسلمون الأولون من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين، وهو كتابه هذا الذي سنتحدث عنه موقفه من الرافضة من خلاله.
فيعتبر هذا الكتاب في مقدمة كتب شيخ الإسلام النفيسة التي أوضح فيها منهج السلف في جميع الأبواب، وقد بين بطلان مذهب الرافضة وسخافاتهم بالحجة القوية والبرهان الواضح والدليل الناصع، من الأثر والنظر. من العقل والنقل، وليس هذا بغريب على شيخ الإسلام الذي قال فيه مرعي بن يوسف الكرمي([56]):
(وقد أثنى الأئمة الأعلام على هذا الإمام، ولقبوه بشيخ الإسلام، وأفردوا مناقبه بالتصانيف، وتحلت بذكره التواريخ والتآليف، ولم ينقصه إلا من جهل مقداره وخطره، ومن جهل شيئا أنكره)([57]).
وقال فيه ابن عبد البر السبكي([58]):
(والله يا فلان: ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن قول الحق بعد معرفته به)([59]).
وقال الذهبي([60]):
(وكان - يعني ابن تيمية - من بحور العلم، ومن الأذكياء المعدودين والزهاد الأفراد، والشجعان الكبار، والكرماء الأجواد، أثنى عليه الموافق والمخالف، وسارت بتصانيفه الركبان، لعلها ثلاثمائة مجلد)([61]).
وقال في موضع آخر:
(قلت: وله خبرة تامة بالرجال، وجرحهم، وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، وبالصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه، الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته، ولا يقاربه، وهو عجب في استحضاره، واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة([62]) والمسند([63])، بحيث يصدق عليه أن يقال: "كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث" ولكن الإحاطة لله تعالى، غير أنه يغترف من بحر وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي)([64]).
وأما التفسير فمسلم إليه، وله في استحضار الآيات من القرآن -وقت إقامة الدليل بها على المسألة- قوة عجيبة، وإذا رآه المقرئ تحير فيه، ولفرط إمامته في التفسير، وعظمة إطلاعه، يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين ويوهي أقوال عديدة، وينصر قولا واحدًا موافقا لما دل عليه القرآن والحديث([65]).
وقال البزار([66]) عن شيخ الإسلام:
"وقل كتاب من فنون العلم إلا وقف عليه، وكان الله قد خصه بسرعة الحفظ وإبطاء النسيان، لم يكن يقف على شيء أو يستمع لشيء غالبًا إلا ويبقى على خاطره إما بلفظه أو معناه وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره، فإنه لم يكن مستعارا بل كان له شعارًا ودثارًا"([67]).
وقال عنه ابن عبد الهادي "صاحب التصانيف التي لم يسبق لمثلها"([68]) وذكر ابن عبد الهادي أن ابن دقيق العيد([69]) اجتمع بشيخ الإسلام وسمع كلامه وذكر أنهم سألوه بعد انقضاء المجلس فقال: "هو رجل حفظة"([70])([71]).
وقال ابن دقيق العيد: "لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلا العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد([72]).
قال ابن الهادي رحمه الله: وكان رحمه الله - يعني ابن تيمية- سيفًا مسلولاً على المخالفين، وشجي في حلوق [أهل] الأهواء المبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين، وكان بحرًا لا تكدره الدلاء، وحبرًا يقتدي به الأخيار الألباء، طنت بذكره الأمصار وضنت بمثله الأعصار([73]).
وقال ابن عبد الهادي:  وقال العلامة كمال الدين ابن الزملكاوي:([74]) كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن وحكم أن أحدًا لا يعرف مثله، إلى أن قال.... واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها([75]).
وهذا الباب كثيرٌ جدًّا، ولعل ما ذكرت فيه كفاية، والله المستعان.
 
ذكر شيخ الإسلام الأسباب التي دعته إلى تأليف هذا الكتاب فسأذكر ما قاله، ثم أبرز أهم الأسباب:
قال شيخ الإسلام:
(أما بعد: فإنه قد أحضر إلي طائفة من أهل السنة والجماعة كتابا صنفه بعض شيوخ الرافضة في عصرنا منفقا لهذه البضاعة يدعو به إلى مذهب الرافضة الإمامية من أمكنه دعوته من ولاة الأمور وغيرهم أهل الجاهلية ممن قلت معرفتهم بالعلم والدين ولم يعرفوا أصل دين المسلمين وأعانه على ذلك من عادتهم إعانة الرافضة من المتظاهرين بالإسلام من أصناف الباطنية([76]) الملحدين.
الذين هم في الباطن من الصابئة([77]) الفلاسفة الخارجين عن حقيقة متابعة المرسلين الذين لا يوجبون اتباع دين الإسلام ولا يحرمون اتباع ما سواه من الأديان بل يجعلون الملل بمنزلة المذاهب والسياسات التي يسوغ اتباعها وأن النبوة نوع من السياسة العادلة التي وضعت لمصلحة العامة في الدنيا)([78]).
وقد بين متى يكثر هذا الصنف من الناس فقال: (فإن هذا الصنف يكثرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها ولم يكن هناك من أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال ويكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال.
وهؤلاء لا يكذبون بالنبوة تكذيبا مطلقا بل هم يؤمنون ببعض أحوالها ويكفرون ببعض الأحوال وهم متفاوتون فيما يؤمنون به ويكفرون به من تلك الخلال.
فلهذا يلتبس أمرهم بسبب تعظيمهم للنبوات على كثير من أهل الجهالات.
والرافضة والجهمية هم الباب لهؤلاء الملحدين)([79]).
وقال: (وذكر من أحضر هذا الكتاب أنه من أعظم الأسباب في تقرير مذاهبهم عند من مال إليهم من الملوك وغيرهم وقد صنفه للملك المعروف الذي سماه فيه خدا بنده([80]) وطلبوا مني بيان ما في هذا الكتاب من الضلال وباطل الخطاب لما في ذلك من نصر عباد الله المؤمنين وبيان بطلان أقوال المفترين الملحدين)([81]).
وقال: (فلما ألحوا في طلب الرد لهذا الضلال المبين ذاكرين أن في الإعراض عن ذلك خذلانا للمؤمنين وظن أهل الطغيان نوعا من العجز عن رد هذا البهتان فكتبت ما يسره الله من البيان وفاء بما أخذه الله من الميثاق على أهل العلم والإيمان وقياما بالقسط وشهادة لله كما قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(([82])والليُّ: هو تغيير الشهادة، والإعراض: كتمانها)([83]).
وقال: (وذلك أن أول هذه الأمة هم الذين قاموا بالدين تصديقا وعلما وعملا وتبليغا فالطعن فيهم طعن في الدين موجب للإعراض عما بعث الله به النبيين.
وهذا كان مقصود أول من أظهر بدعة التشيع)([84]).
وقال في موضع آخر: (ولولا أن هذا المعتدي الظالم قد اعتدى على خيار أولياء الله وسادات أهل الأرض خير خلق الله بعد النبيين اعتداء يقدح في الدين ويسلط الكفار والمنافقين ويورث الشبه والضعف عند كثير من المؤمنين، لم يكن بنا حاجة إلى كشف أسراره وهتك أستاره والله حسيبه وحسيب أمثاله)([85]).
وقال: (ونحن نبين إن شاء الله تعالى طريق الاستقامة في معرفة هذا الكتاب منهاج الندامة بحول الله وقوته)([86]).
وقال في بيان الطريقة المثلى في مناقشة الفرق، وقبول ما عندها من الحق ورد ما عندها من الباطل: (ولهذا جعل هذا الكتاب «منهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام الشيع والقدرية» فإن كثيرا من المنتسبين إلى السنة ردوا ما تقوله المعتزلة والرافضة وغيرهم من أهل البدع بكلام فيه أيضا بدعة وباطل وهذه طريقة يستجيزها كثير من أهل الكلام ويرون أنه يجوز مقابلة الفاسد بالفاسد.
لكن أئمة السنة والسلف على خلاف هذا وهم يذمون أهل الكلام المبتدع الذين يردون باطلا بباطل وبدعة ببدعة ويأمرون ألا يقول الإنسان إلا الحق لا يخرج عن السنة في حال من الأحوال وهذا هو الصواب الذي أمر الله تعالى به ورسوله)([87]).
ويمكن إبراز أهم الأسباب فيما يلي: -
1- قوة تأثير هذا الكتاب فيمن ليست لديهم خبرة ولا علم بفساد مذهب الرافضة.
2- أن الرافضي ألف هذا الكتاب يدعو به إلى مذهب من استطاع دعوته من ولاة الأمور وغيرهم.
3- أن هذا الكتاب من أعظم الأسباب في تقرير مذهب الرافضة عند من مال إليهم.
4- أن هذا الكتاب صنفه مصنفه لأحد الملوك - وقد كان سببًا في صرفه إلى مذهب الرافضة.
5- أن في رد هذا الكتاب نصرة لعباد الله المؤمنين وبيانا لبطلان أقوال المفترين الملحدين.
6- إجابة السؤال الذي طلب منه ممن عرف تأثير هذا الكتاب.
7- أن هؤلاء القوم يظهرون ويكثرون عندما يكثر الجهل ويقل العلماء العاملون بالكتاب والسنة الذين يقفون في وجوه المبطلين.
8- ظن أهل الطغيان نوعًا من العجز عن رد هذا البهتان.
9- أن هذا الرد وفاء بما أخذه الله من الميثاق على أهل العلم والإيمان، وقيامًا بالقسط وشهادة لله.
10- أن كتاب الرافضي فيه الطعن بالصحابة، والطعن فيهم طعن في هذا الدين موجب للإعراض عما بعث الله به النبيين فوجب رده وبيان طريق الاستقامة.
11- أن هذا الكتاب إنما صنفه شيخ الإسلام لإقامة العدل وإبطال الباطل.
 
3- أسلوب شيخ الإسلام -رحمه الله- في المناقشة:
ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- قاعدة عامة في المناقشة لا بد من سلوكها، وهي العدل مع الخصم، وقبول ما عنده من الحق، ورد ما في كلامه من الباطل، وأن لا يقابل الباطل بباطل ولا البدعة ببدعة، وبين أن هذه طريقة السلف فمما قاله في ذلك قوله: (فالواجب إذا كان الكلام بين طائفتين من هذه الطوائف أن يبين رجحان قول الفريق الذي هو أقرب إلى السنة بالعقل والنقل ولا ننصر القول الباطل المخالف للشرع والعقل أبدا فإن هذا محرم ومذموم يذم به صاحبه ويتولد عنه من الشر ما لا يوصف كما تولد من الأقوال المبتدعة مثل ذلك ولبسط هذه الأمور مكان آخر والله أعلم)([88]).
وقال: (وأما إذا كان المقصود بيان رجحان بعض الأقوال فهذا ممكن في نفسه وهذا هو الذي نسلكه في كثير مما عاب به الرافضة كثير من الطوائف المنتسبين إلى السنة في إثبات خلافة الخلفاء الثلاثة فإنهم عابوا كثيرا منهم بأقوال هي معيبة مذمومة والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق وألا نقول عليه إلا بعلم وأمرنا بالعدل والقسط فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني فضلا عن الرافضي قولا فيه حق أن نتركه أو نرده كله بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق)([89]).
وقال في بيان طريقة السلف في الرد: (لكن أئمة السنة والسلف على خلاف هذا وهم يذمون أهل الكلام المبتدع الذين يردون باطلا بباطل وبدعة ببدعة ويأمرون ألا يقول الإنسان إلا الحق لا يخرج عن السنة في حال من الأحوال وهذا هو الصواب الذي أمر الله تعالى به ورسوله.
ولهذا لم نرد ما تقوله المعتزلة والرافضة من حق بل قبلناه لكن بينا أن ما عابوا به مخالفيهم من الأقوال ففي أقوالهم من العيب ما هو أشد من ذلك)([90]).
من أهم الأساليب التي استعملها شيخ الإسلام في رده على الرافضي:
أولاً: الإقناع: حيث يذكر الأدلة التي تقنع من أراد الحق.
- من ذلك: أن يأتيه بكلام أصحابه كقوله رحمه الله: (وقال محمد بن سعيد الأصبهاني([91]) سمعت شريكا يقول: «أحمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة فإنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينا([92])».
وشريك هذا هو شريك بن عبد الله القاضي([93])، قاضى الكوفة من أقران الثوري([94]) وأبي حنيفة وهو من الشيعة الذي يقول بلسانه أنا من الشيعة وهذه شهادته فيهم)([95]).
- ومن ذلك ذكر الاتفاق على خلاف ما ذكره الخصم، كقوله: (إن قول القائل إن مسألة الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين كذب بإجماع المسلمين سنيهم وشيعيهم بل هذا كفر.
فإن الإيمان بالله ورسوله أهم من مسألة الإمامة وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام فالكافر لا يصير مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وهذا هو الذي قاتل عليه الرسول r الكفار أولا... بل نحن نعلم بالاضطرار عن رسول الله r أنه لم يكن يذكر للناس إذا أرادوا الدخول في دينه الإمامة لا مطلقا ولا معينا، فكيف تكون أهم المطالب في أحكام الدين([96])؟!).
ثانيًا: استعمال أسلوب الحصر والتقسيم: حيث يحصر المسألة في عدة أمور أو احتمالات لا تخرج عنها، ثم يجيب عنها واحدًا واحدًا، ومثال ذلك قوله: (إن قول القائل: الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين إما أن يريد به إمامة الاثنى عشر أو إمام كل زمان بعينه في زمانه بحيث يكون الأهم في زماننا الإيمان بإمامة محمد المنتظر والأهم في زمان الخلفاء الأربعة الإيمان بإمامة علي عندهم والأهم في زمان النبي r الإيمان بإمامته وإما أن يراد به الإيمان بأحكام الإمامة مطلقا غير معين وإما أن يراد به معنى رابعا.
أما الأول: فقد علم بالاضطرار أن هذا لم يكن معلوما شائعا بين الصحابة ولا التابعين بل الشيعة تقول إن كل واحد إنما يعين بنص من قبله فبطل أن يكون هذا أهم أمور الدين.
وأما الثاني:.... إلخ)([97])، وهكذا.
ومن ذلك التماس جواب للخصم - يجيب به - ثم الرد عليه وهذا كثير في الكتاب.
ثالثًا: الإنصاف:
أي إنصاف الخصم وعدم الظلم أو الاعتداء وهذا أمثلته كثيرة، وسأذكر منها ما يتبين به المقصود، فمن ذلك قوله: (وينبغي أيضا أن يعلم أنه ليس كل ما أنكره بعض الناس عليهم يكون باطلا بل من أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعض أهل السنة ووافقهم بعض والصواب مع من وافقهم لكن ليس لهم مسألة انفردوا بها أصابوا فيها)([98]).
وقوله: (مما ينبغي أن يعرف أن ما يوجد في جنس الشيعة من الأقوال والأفعال المذمومة وإن كان أضعاف ما ذكر لكن قد لا يكون هذا كله في الإمامية الاثنى عشرية ولا في الزيدية ولكن يكون كثير منه في الغالية وفي كثير من عوامهم مثل ما يذكر عنهم من تحريم لحم الجمل وأن الطلاق يشترط فيه رضا المرأة ونحو ذلك مما يقوله بعض عوامهم وإن كان علماؤهم لا يقولون ذلك...)([99]).
أو قول القائل: (أو قول القائل: إن الرافضة تفعل كذا وكذا المراد به بعض الرافضة كقوله تعالى: )وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ(([100])، )وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ(([101]) لم يقل ذلك كل يهودي بل قاله بعضهم...)([102]). إلى غير ذلك من الأساليب المقنعة، الداحضة لحجة الخصوم.
فكل من أراد الحق وتجرد عن الهوى، فلا بد أن يقتنع ببطلان مذهب الروافض، وأن الحق مع أهل السنة، وأن ما ذهبوا إليه هو الصواب الذي أمر الله به ورسوله، وهو الشرع الذي تعبد الله به أمة الإسلام.
 
 


([1]) أتباع الجهم بن صفوان الراسبي الضال المبتدع، قال عنه الذهبي: (ما علمته روى شيئا ولكنه زرع شرا عظيمًا)، وهم الجبرية الخالصة وينفون جميع الصفات عن الله عز وجل، الفرق بين الفرق /211، الملل والنحل للشهرستاني 1/86، ميزان الاعتدال 1/426، و الأشعرية من الجهمية في باب الصفات.
([2]) هذا الكتاب قد طبع منه محمد بن قاسم جزأين، وباقيه قد حقق في سبع رسائل دكتوراه جامعة الإمام ولم تطبع.
([3]) هو الإمام محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي ولد سنة 704هـ، وقيل سنة 705 هـ أو سنة 706 هـ، وهو أحد تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد توفي سنة 744هـ (ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/436- 439، تذكرة الحفاظ 4/1508، شذرات الذهب 6/141).
([4]) العقود الدرية لابن عبد الهادي صـ 22، طبعة المدني.
([5]) هم أتباع واصل بن عطاء المعتزلي الذي اعتزل مجلس الحسن البصري وهم يجمعون بين نفي القدر ونفي صفات الله تعالى، والقول بالمعتزلة بين المنزلتين، ويسمون أنفسهم بأصحاب العدل والتوحيد، انظر الملل والنحل 1/43، 46، الفرق بين الفرق /117.
([6]) الكتاب مطبوع عدة طبعات منها طبعة بتحقيق: د/ محمد السعوي.
([7]) هم الذين ينتمون إلى أبي الحسن الأشعري، ويأخذون بمذهبه الموافق للكلابية قبل أن يتحول إلى مذهب أهل السنة، وهو الأشعرية المعاصرة، السيرة 1/85، البداية والنهاية 11/119، الفتاوى 6/51.
([8]) الكتاب مطبوع في عشر مجلدات والحادي عشر فهارس. تحقيق د/ محمد رشاد سالم -رحمه الله- ط جامعة الإمام.
([9]) هو العلامة المجتهد شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية الفقيه الحنبلي بل المجتهد المطلق، المفسر النحوي الأصولي المتكلم ولد سنة 691هـ، وتوفي سنة 751هـ (ذيل طبقات الحنابلة 2/447- 452) شذرات الذهب، 6/168- 170.
([10]) النونية لابن القيم،فصل في مصارع النفاة والمعطلين بأسنة أمراء الإثبات الموحدين صـ 159 [من (متن القصيدتين النونية والميمية للعلامة ابن القيم)، نشر عبد الفتاح الزيني سنة 1407هـ]، وفيها عدد كثير من مؤلفات شيخ الإسلام. ويعني أنه ليس في الوجود له نظير ثان من الكتب المؤلفة في هذا الباب.
([11]) هو الفخر الرازي: محمد بن عمر بن حسين القرشي الأصولي المفسر الرونق ويقال: خطيب الري له مصنفات كثيرة في الأصول والتوحيد وعلم الكلام وغيرها، [البداية والنهاية 13/55/56، طبقات الشاء 5م33، لسان الميزان 4/426- 429].
([12]) الكتاب مطبوع ضمن الفتاوى الكبرى في أول المجلد الخامس حتى صـ 396، تصوير دار الكتاب العلمية، سنة 1403 هـ.
([13]) الكتاب مطبوع تحقيق حسنين مخلوف.
([14]) هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمود بن محمد بن عباد السلماني الأصفهاني الأصولي المتكلم المتوفى سنة 688هـ (البداية والنهاية 13/315، العبر 3/367، شذرات الذهب 5/406، طبقات الشافعية 5/41، الأعلام 7/87)، وله كتاب يسمى العقيدة الأصفهانية شرحه ابن تيمية رحمه الله تعالى.
([15]) الرسالة مطبوعة مع مجموعة من الفتاوى جـ 3، ومفردة، عدة طبعات وقد لخصها الشيخ محمد بن صالح العثيمين بـ كتاب سماه (فتح رب البرية بتلخيص الحموية).
([16]) الرسالة مطبوعة.
([17]) الكتاب مطبوع بتحقيق د/ أحمد الطويان رسالة.
([18]) هو محمد بن الطيب بن محمد أبو بكر القاضي المعروف بابن الباقلاني أو الباقلاني، وهو يعد أعظم الأشاعرة بعد الأشعري سنة 403هـ شذرات الذهب 3/168- 170، البداية والنهاية 11/350.
([19]) مطبوع وحقق أخيرًا في جامعة أم القرى رسالة دكتوراه.
([20]) هم الذين يؤخرون العمل عن الإيمان وأكثرهم يرون أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ويقولون: إن أهل القبلة لن يدخلوا النار مهما ارتكبوا من المعاصي [لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر عمل] (مقالات الإسلاميين للأشعري 1/213- 234، الملل والنحل 1/139- 146، الفرق بين الفرق /202- 207، الفصل لابن حزم 4/154، 156، التبصير في الدين لأبي المظفر الإسفرائيني/97-99).
([21]) القاعدة مطبوعة.
([22]) الكتاب مطبوع عدة طبعات منها طبعة مع الواسطية، نشر زهير الشاويش ط- المكتب الإسلامي سنة 1405هـ، الأولى.
([23]) مطبوع في جزأين تحقيق د/ محمد رشاد سالم ط دار الفضيلة بالسعودية.
([24]) الكتاب هو الرسالة القشيرية.
([25]) هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري القشيري الشافعي الصوفي الأشعري المفسر صاحب الرسالة المتوفى سنة 465هـ (تاريخ بغداد 11/83، سير أعلام النبلاء 18/227، طبقات الشافعية للسبكي 3/243).
([26]) انظر منهج الأشاعرة في العقيدة (تعقيب على مقالات الصابوني) د. سفر الحوالي صـ 11، 12، ط الدار السلفية /الكويت.
([27]) هم أتباع أبي منصور الماتريدي، مرجئة في باب الإيمان، معطلة في باب الصفات، الفرق الكلامية /241، انظر الماتريدية وموقفهم من الأسماء والصفات للشيخ شمس الدين الأفغاني /رسالة ماجستير مطبوعة على الآلة الكاتبة.
([28]) الكتاب مخطوط، وقد ذكره ابن عبد الهادي في العقود المدرية صـ 41، وهو الآن في عداد المفقود.
([29]) جماعة سموا بهذا الاسم للبسهم الصوف ولهم طريقة معينة تعرف بالتصوف وقد مر التصوف بمراحل، فأول ما نشأ كان زهدًا في الدنيا وانقطاعا للعبادة ثم تطور شيئا فشيئا حتى صار إلحادا وضلالاً، وقال أصحابه بالحلول ووحدة الوجود وإباحة المحرمات. انظر اعتقادات فرق المسلمين والمشركين صـ 72، والبرهان في معرفة عقائد أهل الأديان صـ 101.
([30]) نسبة إلى علم الكلام، وهو الجدال في الأمور الاعتقادية بالعقل، وهم طوائف متعددة، انظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 11/336، التعريفات للجرجاني 156، 185، 208، والأشاعرة منهم، ولكنهم أعم.
([31]) نسبة إلى علم المنطق، وقد قال الجرجاني عنه في التعريفات "آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، فهو علم عملي آلي...." إلخ، التعريفات 232، وفي الحقيقة: هو الذي خرب الأذهان وأفسدها وصرفها عن التمسك بالكتاب والسنة.
([32]) الكتاب مطبوع ويسمى "نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان" وقد طبع باسم "الرد على المنطقيين" انظر صفحة س من مقدمة المحقق.
([33]) الكتاب مطبوع.
([34]) جمع متفلسف والفلسفة بلسان اليونان الحكمة والفلاسفة طوائف متعددة، انظر الملل والنحل 2/58، اعتقاد فرق المسلمين والمشركين /91.
([35]) الكتاب مطبوع في مجلدين تحقيق د/ محمد رشاد سالم.
([36]) هم الذين يشبهون ذات الله تعالى بذوات المخلوقين، وصفاته بصفات المخلوقين تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا (الفرق بين الفرق /225- 228، التبصير في الدين /119- 121).
([37]) هم الذين يقولون: إن الله جسم من الأجسام له طول وعرض وعمق وطعم ورائحة... إلخ منهم هشام بن الحكم الرافضي (الفرق بين الفرق /65- 69، المقالات 1/106، وما بعدها).
([38]) هو الكتاب الذي سأتكلم عن موقف شيخ الإسلام من خلاله، وهو مطبوع بتحقيق د.محمد رشاد سالم في 8 مجلدات والتاسع فهارس. ط جامعة الإمام محمد بن سعود.
([39]) هم أمة موسى r، والكتاب الذي أنزل إليهم هو التوراة، وهم طوائف متعددة. الملل والنحل 1/210، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان /88.
([40]) هم أمة عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله، وهم ممن يعبد الله على جهل، الملل والنحل 1/210، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان /88
([41]) الكتاب مطبوع في أربعة أجزاء في مجلدين، وقد حقق في رسائل دكتوراه وطبع في دار الفضيلة بالسعودية.
([42]) الكتاب مطبوع، وهو رد على البكري في مسألة الاستغاثة بالمخلوق، والبكري هو أبو الحسن علي بن يعقوب بن جبريل البكري الشافعي المتوفى سنة 724هـ (البداية والنهاية 14/114، 115، طبقات الشافعية 6/242).
([43]) الكتاب مطبوع بتحقيق عبد الرحمن المعلمي، وهو رد عليه في مسألة الزيارة، والأخنائي هو محمد بن أبي بكر بن عيسى بن بدران بن رحمة الأخنائي السعدي ولد سنة 664هـ، وتوفي سنة 732هـ (البداية والنهاية 14/16، طبقات الشافعية 6/45).
([44]) فرقة من غلاة الصوفية، يقولون بوحدة الوجود، وأن الرب عبد والعبد رب انظر أهل الحلول والاتحاد صـ 106.
([45]) الكتاب مطبوع عدة طبعات - وموجود ضمن مجموعة الفتاوى 2/134- 285.
([46]) الكتاب مطبوع عدة طبعات - وموجود ضمن مجموعة الفتاوى 11/156- 311.
([47]) الكتاب مطبوع ضمن الفتاوى الكبرى جـ 5، ويسمى مسائل الإسكندرية في الرد على الملاحدة والاتحادية، العقود الدرية صـ 27.
([48]) ابن سبعين هو أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر المعروف بابن سبعين من شيوخ الصوفية القائلين بوحدة الوجود، توفي بمكة سنة 669هـ، (شذرات الذهب 5/329، 330، العبر للذهبي 3/320، البداية والنهاية 13/261).
([49]) توضيح هذا المسألة: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثًا، أو قال: طالق، طالق، طالق، أو قال: أنت طالق، ثم قال بعد يوم أو أسبوع: أنت طالق، ثم قال بعد يوم أو أسبوع: أنت طالق، وكل هذا في طهر واحد لمراجعتها فيه فإن أهل العلم قد اختلفوا في ذلك، فمنهم من يوقعه ثلاثًا، وهو المذهب، ومنهم من لا يوقعه إلا واحدة؛ لأن الله تعالى قال: ) فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ( والذي طلق الثلاث بطهر واحد لم يراجعها فيه - لم يطلق للعدة، فلذلك لا يعتبر إلا واحدة، وهذا هو رأي شيخ الإسلام... انظر الاختيارات /271، رسالة في حكم الطلاق الثلاث / للشيخ محمد العثيمين والذي طلق الثلاث بطهر واحد لم يراجعها فيه - لم يطلق للعدة، فلذلك لا يعتبر إلا واحدة، وهذا هو رأي شيخ الإسلام... انظر الاختيارات /271، رسالة في حكم الطلاق الثلاث/ للشيخ محمد العثيمين "خ".
([50]) هذه المسألة منتشرة حتى في هذا الزمن، وهي أن يقول الرجل: زوجتي طالق إن لم أفعل كذا وكذا، أو إن لم يصل كذا وكذا، فإذا لم يقع المحلوف عليه هل تطلق الزوجة ؟ أم لا ؟، المسألة خلافية، فشيخ الإسلام وكذا المحققون من أهل العلم: يرون أنه إذا قصد اليمين، ولم يقصد الطلاق فإن عليه كفارة يمين ولا تطلق زوجته، وأما إذا قصد إيقاع الطلاق فإنه يقع.... والله أعلم.
([51]) مخطوط ثلاث مجلدات، ذكره ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة 2/404.
([52]) مخطوط في مجلد كبير، ذكره ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة 2/404.
([53]) سيأتي التعريف بهم في المبحث الرابع.
([54]) العقود الدرية صـ 48، وذيل طبقات الحنابلة 2/403.
([55]) ستأتي ترجمته في المبحث الثالث.
([56]) هو الإمام الفقيه مرعي بن يوسف الكرمي ثم المقدسي الحنبلي ت 1033 هـ صاحب كتاب الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية وكتاب الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية. انظر الأعلام 7/203.
([57]) الشهادة الزكية لمرعي بن يوسف الحنبلي صـ 24.
([58]) هو أبو البقاء محمد بن عبد البر بن يحيى السبكي الشافعي ولد سنة 707هـ، وتوفي سنة 777هـ، الرد الوافر 93- 96، الدر الكامنة 4/109، 110.
([59]) الشهادة الزكية صـ 24.
([60]) هو أبو عبد الله مؤرخ الإسلام شيخ المحدثين شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ت سنة 748هـ، قال ابن كثير: (وختم به شيوخ الحديث وحفاظه رحمه الله). شذرات الذهب 6/153-157، البداية والنهاية 14/225.
([61]) تذكرة الحفاظ 4/1496.
([62]) هي صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه.
([63]) مسند الإمام أحمد بن حنبل t.
([64]) قال في تهذيب اللغة في مادة (سقي) 9/231، والساقية من سواقي الزرع: نهير صغير، انظر لسان العرب 14/391.
([65]) العقود لابن عبد الهادي صـ 20.
([66]) هو الشيخ الفقيه المحدث الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى بن الخليل البغدادي البزار ولد سنة 688هـ تقريبًا في بغداد وتوفي سنة 749هـ عند توجهه للحج في ذي القعدة. انظر الرد الوافر /195، 196، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/444، الدرر الكامنة لابن حجر /256، و شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي 6/163.
([67]) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية للبزار صـ 20، تحقيق زهير الشاويش ط. المكتب الإسلامي الطبعة الثانية 1396هـ بيروت.
([68]) العقود الدرية لابن عبد الهادي صـ 3، مطبعة المدني - القاهرة.
([69]) هو الشيخ تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع المنفلوطي المشهور بابن دقيق العيد المالكي الشافعي، ولد سنة 625هـ، وتوفي سنة 702هـ، تذكرة الحفاظ 4/1481، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي 6/5، الرد الوافر 106، 107، طبقات الشافعية للسبكي 6/2- 23.
([70]) قال في تهذيب اللغة في مادة (حفظ) 4/359: (والحفظة: اسم من الاحتفاظ عندما يرى من حفيظة الرجل، تقول: أحفظته فاحتفظ حفظة) وانظر اللسان 7/442.
([71]) العقود الدرية صـ 83، الرد الوافر لابن ناصر الدين صـ 107.
([72]) الكواكب الدرية صـ 56، الرد الوافر صـ 107، الشهادة الذكية صـ 29، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/392.
([73]) العقود الدرية صـ 7.
([74]) هو محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم الأنصاري الدمشقي كمال الدين ابن الزملكاوي ولد في شوال سنة 666،و مات في رمضان سنة 727هـ، وهو في طريقه إلى مصر ليتولى قضاءها.
قال ابن كثير: (وكان من نيته الخبيثة إذا رجع إلى الشام متوليًا أن يؤذي شيخ الإسلام ابن تيمية، فدعا عليه فلم يبلغ أمله ومراده) انظر البداية والنهاية 14/131، 132، الدرر الكامنة 4/192- 194.
([75]) العقود الدرية صـ 7، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/390.
([76]) الباطنية: سموا بهذا الاسم: لدعواهم أن لظواهر القرآن والسنة بواطن، تجري في الظاهر مجرى اللب من القشر،،، وغرضهم الأقصى إبطال الشرائع، وهم فرق كثيرة منهم القرامطة والإسماعيلية، وضررهم على الإسلام والمسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى، والدهوريين بل أعظم من ضرر الدجال، الفرق بين الفرق /281- 312، فضائح الباطنية 11- 12، ذكر مذاهب الثنتين والسبعين فرقة /89-92.
([77]) الصابئة هم قوم يعبدون الكواكب واسمهم مأخوذ من إذا خرج من شيء إلى شيء ومن دين إلى دين والصابئة للحنفية، البرهان في عقائد أهل الأديان 92- 4، الملل والنحل 2/3-6.
([78]) المنهاج 1/4-6.
([79]) المنهاج 1/6 - 7.
([80]) ستأتي ترجمته.
([81]) المنهاج 1/7- 8.
([82]) النساء/ 135.
([83]) المنهاج 1/15، 16.
([84]) المنهاج 1/18.
([85]) المنهاج 7/292
([86]) المنهاج 1/57.
([87]) المنهاج 2/342.
([88]) المنهاج 2/343.
([89]) المنهاج 2/342.
([90]) المنهاج 2/342، انظر 3/77.
([91]) محمد بن سعيد بن سليمان الكوفي المعروف بابن الأصبهاني روى عن شريك وروى له البخاري والترمذي والنسائي، وقال النسائي عنه: ثقة، وقال ابن حجر: ثقة ثبت، ت سنة 220هـ، الخلاصة للخزرجي 2/407، تقريب التهذيب تحقيق عوامة /480.
([92]) لم أجده.
([93]) قال ابن معين: ثقة يغلط، وقال العجلي: ثقة، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه منذ ولي القضاء، مات سنة 177هـ، الخلاصة للخزرجي 1/448، تقريب التهذيب /266.
([94]) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، أحد الأئمة الأعلام ولد سنة 77هـ، قال العجلي: كان لا يسمع شيئا إلا حفظه، وقال ابن حجر: ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، توفي سنة 161هـ، بالبصرة، الخلاصة 1/396، التقريب /244.
([95]) المنهاج 1/60.
([96]) المنهاج 1/75- 77.
([97]) المنهاج 1/79، 80.
([98]) المنهاج 1/44.
([99]) المنهاج 2/57.
([100]) التوبة/ 30.
([101]) المائدة/64.
([102]) المنهاج 1/36، 37.
 
 
 
الخطر الإيراني الرافضي
الأربعاء 21 مارس 2007
 الخطر الإيراني الرافضي
 
من كتاب اولويات العمل الإسلامي للشيخ عبدالرحمن اليوسف
 
هذه صيحة تحذير كتبها أحد العلماء قبل خمسة عشر عام يحذر فيها من الخطر الداهم الذي جاءت به الثورة الإيرانية ، ورغم مرور هذه السنين لا تزال هذه الكلمات تصف بدقة ما تعانيه أمتنا اليوم من الثورة الإيرانية .   الراصد 
 
أمتنا الإسلامية تهاجمها اليوم مجموعة من الآفات والمصائب وليس من الحكمة أن نشتغل فقط ببذر بذور الخير دون أن نهتم باقتلاع الآفة ومحاربة الشر وباستقراء هذه الشرور والآفات نجد أن أفتكها جميعا هو المد الباطني الخميني الذي تمثله اليوم الثورة الإيرانية وتأتي خطورة هذا المد الباطني مما يأتي :
1- إن هذه الثورة جاءت لتقيم نموذجا للإسلام غير النموذج الحقيقي ، بل هو نموذج زائف يخالف الإسلام الحقَّ في كل صغيرة وكبيرة فيه ، فباستثناء القبلة لا يكاد يوجد شيء مشترك بين إسلام الكتاب والسنة ، وإسلام الثورة الإيرانية التي حملت كل عقائد الباطنية والغلاة منذ أن وجدوا – ناهيك أن القبلة نفسها يجوز عندهم تدنيسها وقتل المسلمين حولها – فالصلاة غير الصلاة ، والطهارة غير الطهارة ، وكل أحكام الدين يجب على الباطني أن يخالف فيها ما عليه عامة المسلمين . فمخالفة أهل الكتاب والسنة والذين يسمونهم (( العامة )) أصل من أصول مذهبهم كما نصوا عليه في معظم كتبهم …
هذا في الفروع . وأما في الأصول فالإله عندهم هو إله المعتزلة الذي لا يوصف بصفة ثبوتية أبدا ، والرسول عندهم هو الذي أسلم أسرار الدين وحقائقه لعلي بن أبي طالب وآل بيته وحجبها عن الناس ، وأسلم نفسه لأعدائه من المنافقين ، وجمعهم حوله وتزوج بناتهم ، ورضي بهم وهم ألد أعدائه !!! والصحابة جميعهم إلا ثلاثة أو خمسة هم الكفار والمنافقون الذين ما آمنوا بالله يوما ولا أحبّوا رسوله ساعة وإنما اتبعوه ظاهراً ابتغاء الدنيا وهم مغتصبو حق آل البيت والظالمون لهم . وكل مسلم ليس بشيعي ولا يعتقد بعقيدتهم فهو ناصبي نجس ، أشد نجاسة من اليهود والنصارى وهو حلال الدم والمال يُكذب عليه ، ويتقى ضرره قويا ، وتستحل كل حرماته ضعيفا(1).هذا باختصار شديد هو النموذج والدين الذي ترفع اليوم شعاره ثورة إيران .وانتصار هذا النموذج وشيوعُهُ يعني نهاية الإسلام وذهاب القرآن وضياع سنة ودين خير الأنام .
2- إن دين هذه الثورة يقوم على معاداة أهل الإسلام الحقيقيين منذ وجدوا وإلى آخر مسلم ، فدينهم يقوم على سب أصحاب رسول الله ، وكل مسلم خدمَ الإسلام ، فكل الفاتحين بلا استثناء وكل العلماء الصالحين وكل أئمة الدين هم أعدى أعداء الشيعة ، وأما كل من هدم الدين ومالأ أعداءه فهم الأخيار الأبرار من نصير الدين الطوسي الفيلسوف المجوسي وزير هولاكو ، إلى الحسن الصَّبَّاح صاحب قلعة ألمُوت والذي جند فرق آلموت لاغتيال علماء الإسلام في كل الأرض ، والمختار بن أبي عبيد الثقفي مدعي النبوة ، وكل الخارجين على أمة الإسلام والمؤججين للثورات الشعوبية هؤلاء هم الأبطال الصناديد والمُثُل التي تحتذى عند شيعة إيران. وأما أبو بكر وعمر وعثمان وخالد وعمرو ، ومسلم بن قتيبة وصلاح الدين وغيرُهم فعند هؤلاء كفار منافقون .
والذي يزيد هذا الأمر خطورة أن هذا المذهب الخبيث يجعل عداوة أهل الإسلام دينا يتقرب به إلى الله مما يجعل الأمي والجاهل منهم ينطلق في هذه العداوة بغريزة عقائدية ودافع إيماني – في ظنه –وتضحية دينية .
وهذا استغلال خبيث جدا وخطير جدا للدافع الإيماني العقائدي فالشيعي الأمي ينطلق للثأر من كل من يراه من أهل السنة وهو يظن أنه ينتقم لآل بيت رسول الله ويكفر عن خطيئته في القعود عن نصرهم ويسترد – في زعمه – شيئا من حقوقهم وكرامتهم .
3- إن الحركة الباطنية هذه قد مالأت كل أعداء الدين على اختلاف العصور ضد أهل الإسلام كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (( الرافضة أعظم ذوي الأهواء جهلا وظلما يعادون خيار أولياء الله تعالى بعد النبيين من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي لله عنهم ورضوا عنه ، ويوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين وأصناف الملحدين كالنصيرية والإسماعيلية وغيرهم من الضالين فتجدهم أو كثيرا منهم إذا اختصم خصمان في ربهم من المؤمنين والكفار .
واختلف الناس فيما جاءت به الأنبياء فمنهم من آمن ومنهم من كفر، سواء كان الاختلاف بقول أو عمل كالحروب بين المسلمين وأهل الكتاب والمشركين ، تجدهم يعاونون المشركين وأهل الكتاب على المسلمين أهل القرآن كما قد جربه الناس منهم غير مرة في مثل إعانتهم للمشركين من الترك ( المغول ) وغيرهم على أهل الإسلام بخراسان والعراق والجزيرة والشام وغير ذلك وإعانتهم للنصارى على المسلمين بالشام ومصر وغير ذلك في وقائع متعددة من أعظم الحوادث التي كانت في الإسلام في المائة الرابعة والسابعة .
فإنه لما قدم كفار الترك ( المغول ) إلى بلاد الإسلام وقُتِلَ من المسلمين ما لا يحصى عدده إلا رب الأنام ، كانوا أعظم الناس عداوة للمسلمين ومعاونة للكافرين وهكذا معاونتهم لليهود أمر شهير حتى جعلهم الناس لهم كالحمير )) ( انتهى فيه بلفظه منهاج السنة ج1 ص5 ) .
وها هو التاريخ هو التاريخ فممالأة حكام إيران للنصيرية والإسماعيلية وللقذافي وكتابه الأخضر وعداوته للعروبة والإسلام وكل الفرق الباطنية كما هو . واجتماع هؤلاء مع اليهود في الباطن على قتل أهل الإسلام وإن كانوا عامة جهالا ما زال واقعا . وأعظم شاهد على ذلك أن أهل المخيمات والفلسطينيين قتلهم الشيعة(1) تحت شعار ((يالثأرات الحسين )) وشعار ((كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء ))!!
فتاريخ هذه النحلة لم يتغير قيد أنملة بل إنها اكتسبت أبعادا جديدة في معاداة الإسلام وأهله وخرجت اليوم على حين غفلة من حراس الدين وجهل من المسلمين .
4- إن هذه الثورة الإيرانية الرافضية خرجت إلى الناس والعالم الإسلامي يسام الخسف والمسخ من كل أعدائه من اليهود والنصارى ، وقد أصبحت كل الحكومات العربية والإسلامية في ركاب الغرب والشرق إلا ما شذ ، وقد استفحل شر اليهود في الأرض الإسلامية وأذلوا الشعوب الإسلامية العربية إذلالا هائلا . هذا عَدَا اضطهاد الدعاة إلى الله في كل مكان .
خرجت هذه الثورة الإيرانية على الناس بمسمى الإسلام العام ، ولم تعلن أول أمرها أنها ثورة رافضية طائفية ، ورفعت كل الشعارات التي يحبها أبناء الإسلام كاسترداد القدس ومحاربة الاستعمار وإزالة الطغاة والحكم بشريعة الله وكان العالم الإسلامي في غفلة تامة عن باطن الثورة بل كان المشتغلون بالدعوة أنفسهم في عماية كاملة عن المذهب الرافضي الباطني … هذا إلا القلة القليلة ممن يقرأون العقائد ويعلمون حقائق الأمور ومن أجل ذلك لاقت هذه الثورة رواجا هائلا وقبولا منقطع النظير وموافقة تامة من القريب والبعيد وليس أدل على ذلك من أن يسافر إلى زعيمها زعماء بضعٍ وعشرين منظمةً إسلاميةً فيعلنون بلا تحفظ وضع جميع إمكانياتهم تحت أقدام هذه الثورة …
وفي زحمة هذه الضجة الهائلة ضاعت الأصوات الصادقة القليلة التي كانت تعلم يقينا ماذا تعني هذه الثورة الرافضية ؟ ومن عجب أنه بالرغم من تكشف عورات هذه الثورة وظهور كثير من مستورها إلا أنه ما زال في العالم الإسلامي كثيرٌ وكثيرٌ جدا ممن يتعاطف معها ويقف في صفوفها ويستعد للتضحية من أجلها وممن يرجو أن تعود هذه الثورة في زعمه إلى رشدها وتنصر الإسلام والمسلمين .
5- إن هذه الثورة تملك مقدرات هائلة فقد وضعت أيديها على مقدرات أمة عظيمة العدد ومخزون ملك جبار يسعى إلى إقامة ملك ساسان وجعل إيران يوما ما القوة السادسة في العالم !! وقد استطاعت هذه الثورة التخلص من معظم أعدائها في الداخل وبدأت بتوجيه قواها إلى الخارج وقد وضعت في مخططها السيطرة الشاملة على العالم الإسلامي وتقويض كل حكوماته القائمة وإقامة حكومات أخرى تتبع حكومة إيران وتقام على غرارها ومعتقدها بل إنها قد اتخذت خطوات عملية كبيرة في سبيل هذا . ففي إيران اليوم رؤساء المستقبل من كل بلد إسلامي يدربون على تولي المهام ، ويتصلون بكل معارض في الداخل ، وينظمون له العمل من أجل هدم الحكومات القائم وإقامة النموذج الجديد .
بل إن الطموح الإيراني وصل إلى حد تعيين رئيس لأمريكا وآخر لروسيا، ولكل بلد من بلدان العالم وهؤلاء الرؤساء بالطبع كل منهم بحمل جنسية بلده وينتحل الدين الإسلامي!!!
وبالمناسبة فالرئيس الأمريكي الذي يدرب في إيران زنجي أسود... فلنسم هذا جنونا ولكنه حقيقة قائمة...
6 ـ الأمر السادس مما يزيد خطورة هذه الثورة الإيرانية الرافضة أنها قد لاقت نجاحا في الداخل، وقد باشرت بالفعل مخططها التدميري لأمة الإسلام في الخارج فقد باشرت بالفعل بقتل العلماء المسلمين والشخصيات الإسلامية التي تعرف الخلفية العقائدية والفكرية لهذه الثورة، واستطاعت أن تشل المقاومة الفلسطينية، وأن تعزل الشعب الفلسطيني عن ممارسة دوره في استرداد أرضه وأن تقف مع كل أعداء هذا الشعب ولولا لطف الله تعالى ثم يقظة المسئولين في المملكة لحدث في مكة المكرمة البلد الحرام ما يتصاغر عنده ما فعله أبو يزيد الجنّابي القرمطي حول الكعبة. ولولا لطف الله تعالى وقيام العراق كسد منيع في وجه هذا الزحف الأصفر لما نامت عذراء في الجزيرة والشام ولكانت أيام هولاكو في بغداد أقل شرا وضررا.
7 ـ ومما يزيد الأمر كله خطورة وشرا أن السفارات الإيرانية بدأت بتجنيد الشباب في كل أمصار العالم وترحيل الراغبين منهم في تلقي العلم إلى إيران سواء كان العلم الديني أو الدنيوي، وقد تحول كثير من أبناء السنة بهذه الطريقة إلى التشيع، وتعلموا اللغة الإيرانية، ورجع بعضهم الآن إلى بلاده داعيا ومبشرا بدين الرافضة والتشيع والإغراءات التي يلاقيها هؤلاء الشباب لا تقاوم فمنذ نزوله في المطار يعرضون عليه زواج زوجة شهيد... ناهيك عن صب الأموال وفتح الأبواب في وجهه وبهذا الطريق جندوا جيشا جديدا من أبناء العالم الإسلامي في خدمة أهدافهم .
ولا يتوقف أمر نشر الدعوة الرافضية عند هؤلاء بل تعدى ذلك إلى صور كثيرة أخرى منها دعوة المشايخ وأئمة المساجد من مسلمي آسيا وأفريقيا لزيارة قم وطهران حيث يطلعونهم على صور إسلامية من الحجاب، وتلقي العلوم الدينية والجهاد، ثم يرحلونهم إلى بعض البلاد العربية، حيث يطلعونهم على بعض صور الفساد والانحلال فيرجع هؤلاء مفتونين بما رأوا.
وأما إنشاء المراكز الإسلامية وتوزيع الكتب فهو أمر لا يكاد يجارى من منظمات وهيئات أهل السنة والجماعة ناهيك أن الذي يقوم بذلك هي سفارات إيران في الخارج بل إن سفراءهم أنفسهم يغشون المنتديات الشعبية، ويصاحبون طلبة المدارس بل إن بعض الطلبة في بلادنا العربية جلس يناقشني في أن دولة إيران تطبق الإسلام فعلا، ويقول أنظر هذا سفيرهم بنفسه يزورنا في منزلنا ويصحبني من الجامعة إلى البيت فأين سفراء الدول التي تدافع عنها وتزعم أنها إسلامية؟.
هذه صورة سريعة جدا لهذا الخطر الداهم الذي بات يهدد أمة الإسلام بالزوال والذي شل اليوم حركة الأمة وشرع في تمزيق وحدتها وتفكيك أوطانها وبعث الطائفية والشعوبية والأحقاد في كل مكان .
وما لم يكن التصدي لهذا الخطر بما يناسبه فإن كارثة عظمى ستحل بالعالم الإسلامي دونها كوارث التتار والقرامطة والصليبيين وثورة الزنج، وتسلط الفاطميين.
8 ـ ومما يعطي هذا الأمر حجم الكارثة أن اليهودية العالمية ودولة إسرائيل وجدا ضالتهما المنشودة في قيام هذه الدولة المعادية للعالم الإسلامي فعملت على توطيد أركانها بكل سبيل وأمدتها ـ وما زالت ـ بالسلاح والخبرة الفنية والدعم والتأييد لدى الدول الكبرى وإن كان ذلك أحيانا من وراء وراء، وإن أخطر التقارير في ذلك ما كتبه بعض خبراء اليهود يحذر أمريكا والدول الأوربية من أن ارتباطهم في منطقة الخليج يجب أن يكون مع الشيعة لأنهم يمثلون ثمانين بالمائة من أهل المنطقة.
ويقول ليس منطقيا أن نجعل علاقاتنا مع دول وحكومات لا تمثل إلا عشرين بالمائة فقط من السكان.
 ومثل هذا الكلام يجد اليوم رواجا كبيرا في الغرب والشرق.
 من أجل ذلك كله قلنا أن هذا الخطر هو أعظم خطر اليوم يهدد الأمة الإسلامية.
2 ـ الطريق إلى مكافحة المد الرافضي الباطني؟
بعد أن علمنا حجم الكارثة التي توجه العالم الإسلامي من قيام دولة الرافضة في إيران، يأتي السؤال وما العمل الواجب والأولوي في مجابهة هذه الفتنة وكيف؟. والجواب أنه عمل ما يأتي:
1 ـ تحصين أهل السنة أولا بالعقيدة السليمة، وتعلمهم كيفية الرد على شبهات الرافضة، وإدخال ذلك في المناهج التعليمية الرسمية وغير الرسمية، وقيام المشايخ والعلماء في كل بلد إسلامي بتدريس حقيقة دين الرافضة وخلاصة معتقدهم وتاريخهم الطويل مع أمة الإسلام وكيفية الرد على شبهاتهم وأكاذيبهم وتضليلهم، إن هذا التحصين كان واجباً في كل وقت وهو اليوم أشد وجوبا وأعظم إلحاحّا فمن الخطر كل الخطر بل من العار أن توجد معاهد وكليات علمية شرعية ولا تدرس عقائد هذه الفئة الضالة بل أن توجد هذه المعاهد والكليات ولا يعلم العلماء والمدرسون والمشايخ فيها شيئا عن حقيقة معتقد الشيعة الاثنا عشرية الإمامية وقد يفتي هؤلاء لتلاميذهم أنه لا فرق بين السنة والشيعة، أو أن دينهم يجوز التعبد به، أو أن فلانا أو فلانا من المشايخ أفتى بجواز التعبد بمذهبهم، أو قال إنهم على التوحيد الخالص ونحو ذلك مما ظهر من فتاوى وأقوال لبعض أهل العلم اتخذها هؤلاء التلاميذ والعامة حجة في أن الرافضة يدعون إلى نفس الإسلام الذي ننتمي إليه وبذلك فتحوا لهم الأبواب بل شرعوها على مصاريعها ليدخل منها هؤلاء الحاقدون على العالم الإسلامي.
2 ـ يجب على كل الجماعات والهيئات ممن تنتمي إلى أهل السنة والجماعة أن يبادروا بتصحيح ما أخطئوا فيه من تزكيتهم وتعديلهم لهذه الثورة البائسة، وأن يصدروا قرارات رسمية تنسخ القرارات السابقة، والإعلان السابق الذي أعلنوه في هذا الشأن لأنه مازال إلى اليوم هناك من أتباع هذه الهيئات من يتذرع بما صدر عن جماعته في ذلك.
3 ـ يجب أن تكون العقيدة الإسلامية الصافية (عقيدة التوحيد) هي المنطلق الذي ننطلق منه في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فيربى الفرد المسلم عليها ويتحصن بها ويقرأ ويتعلم عن فرق الضلال التي مازال لها أتباع وأنصار ويعرف كيف كانت نشأتها وكيف تطورت عقيدتها، وأين يعيش أفرادها وكيف يعلمون ويخططون، فالعالم الإسلامي مازال مليئا بعشرات الفرق الضالة التي تعمل على هدم الإسلام وشتات المسلمين كالإسماعيلية، والنصيرية، والدرزية، والقرامطة الباطنية.
4 ـ يجب تحريك كل الحكومات الإسلامية العربية لتقف صفا واحدا في وجه هذا الزحف الأصفر ورد هذا الخطر الأكبر عن أمة الإسلام، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أقام العراق سدا في وجه هؤلاء المغول الجدد فإنه لا يجوز أن يترك العراق ويخلى لأن هذا قد يؤدي مع الوقت إلى انهيار هذا السد المنيع، وذلك أن حكام إيران قد جعلوا هذه الحرب معركة حياة أو موت، وهم يعتقدون أنهم إن سقطوا سقطوا إلى الأبد.
5 ـ في إيران أكثر من نصف السكان من السنة ولكنهم معزولون عن المشاركة السياسية، ومبعدون عن كل شئ بل هم مضطهدون معذبون، وهذه الطوائف تمثل البلوش والأكراد وعرب الساحل، وعرب كردستان وهؤلاء يستصرخون أهل السنة في كل مكان العناية بهم ومد يد المساعدة لهم، والتعرف على أحوالهم ومن هنا يجب أن تنطلق المساعدات المادية والمعنوية لأخوة لنا في العقيدة يسامون الذل والهوان في بلاد يسمونه بلد الإسلام ويجعلون حقوقهم أقل من حقوق الزرادشت واليهود وسائر الطوائف.
6 ـ التصدي في كل بلاد العالم للدعوة الشيعية التي تسخر اليوم كل إمكانيات الدولة لنشر المعتقد الرافضي، وهدم كل الحكومات والكيانات التي تنتمي إلى أهل السنة، ففي لندن وحدها أكثر من سبع عشرة صحيفة تصدر باللغة العربية لخدمة هذه الأهداف، وقد أسلفنا بعض نشاط السفارات والهيئات الرسمية وغير الرسمية في سبيل نشر العقيدة الشيعية وتحقيق أهداف الثورة الإيرانية. 
 
 
 
 
 
 


(1) بعض الحمقى الذين يخدعون أنفسهم من المحسوبين على السنة يقولون إن هناك فرقاً بين شيعة نبيه برّى المجرم وشيعة الخميني … وهي لعبة معروفة كلعبة الأحزاب الصهيونية !!
 
 
 
الأقليات والسياسة في الخبرة الإسلامية
الثلاثاء 20 فبراير 2007
الأقليات والسياسة في الخبرة الإسلامية
من بداية الدولة النبوية وحتى نهاية الدولة العثمانية
(621م ـ 1908م)
دكتور. كمال السعيد حبيب
[ هذه فصول مهمة من دراسة د. كمال حبيب حول الأقليات في التاريخ الإسلامي ، اقتصرنا فيها على ما يتعلق بالفرق والطوائف المنسوبة إلى الإسلام ،دون الأقليات غير الإسلامية ، وذلك للحاجة الماسة لإثراء النقاش حول الحل الإسلامي لمشكلة الطائفية ، التي يراد لها أن تفجر العالم الإسلامي ، ومن جهة أخرى تصاعدت المطالبات بالحل العلماني للقضاء على مشكلة الطائفية !! الراصد ]
 
الأقلية في الفكر السياسي الإسلامي المصطلح والقضايا: ( 52- 67)
المصطلحات هي البنية الأساسية التي يقوم بناء العلم عليها، ـ وهي تثير مشكلات عديدة بعضها متصل بوضعها واختراعها وبدء نشأتها وبعضها الآخر متصل بنقلها وترجمتها المؤلف يتبنى قبول المصطلحات التي تتضمنها اللغة العربية كوعاء للتعبير والاتصال حتى ولو لم تكن هذه المصطلحات قد عرفت تاريخياً بالشكل المتعارف عليه اليوم، والأقلية كمصطلح معاصر لم تعرفه الحضارة الإسلامية بنفس دلالته المستخدمة في العلوم الاجتماعية اليوم، لكن لشيوعه فإننا نقبله ونعيد بناءه وتعريفه بما يتفق وخصوصية هذه الحضارة. ولأن خطر الفرق الخارجة على إجماع الأمة والمنتسبة للإسلام كان هو مصدر التهديد للأمن القومي وللهوية في الدولة والمجتمع الإسلامي فإن هذه الدراسة قد اعتبرت هذه الفرق أقليات وألحقتها بالأقليات غير المسلمة على خلاف ما هو شائع إذ ينظر إليه على أنها أقليات إسلامية.
 
 
 
"الأقليات" وخطر التدخل الأجنبي
الجمعة 19 يناير 2007
"الأقليات" وخطر التدخل الأجنبي
ياسر جابر
موازين ـ الكتاب الثالث صفر 1427هـ آذار/ مارس 2006م
[ وجهة نظر تستحق المناقشة والإضافة عليها . الراصد ]
1
يلاحظ المتتبع لما ينشر في الصحف والمجلات وعلى مواقع الشبكة الإلكترونية تزايداً مطّرداً في المقالات والأبحاث المتعلقة بالأقليات في الوطن العربي من حيث نشوئها التاريخي أو من حيث حقوق هذه الأقليات السياسية والثقافية وطموحاتها في حصولها على هذه الحقوق وصولاً إلى تقرير المصير والانفصال كما يطرح البعض.
ويتوجب التنويه منذ البداية أن استخدام مصطلح "الأقليات" إشارة لبعض الفئات من مواطنينا وأبناء أمتنا لا يرضينا. ولم يستخدم بفقهنا وتاريخنا الإسلامي، وإنما أصّر ويصّر عليه إعلام الغرب ونخبه وساساته، ويتبعهم في ذلك بعض المتغربين بيننا. مما فرض المصطلح على الأدبيات الحديثة. ولهذا استخدمناه عن غير رضى لمناقشة مثيريه.
القليل من هذه المقالات والأبحاث التي تطالعنا اليوم تنحو منحى عقلانيا رصيناً، من قبل مختلف أطراف المعادلة، كمحاولات جادة لبحث هذه المشكلة الخطيرة التي تواجه الأمة في معظم أقطارها ومن ثم إيجاد الحلول المنطقية لها بعيداً عن ردات الفعل المتشنجة والتي تؤدي بدورها إلى زيادة التناقضات داخل المجتمعات وإضعافها.
وهنا يجب لفت الانتباه إلى بعض الغلاة من حداثيين متغربين أو أقلّويين انفصاليين من الكتّاب والنشطاء السياسين الذين يركبون موجة الليبرالية الجديدة والعولمة. وقد أفادوا من السياسات العولمية الغربية والأميركية بشكل خاص والضغوط والتهديدات على الدول العربية ليؤججوا الانقسامات والتناقضات الداخلية بين أبناء البلد الواحد من أجل تحقيق طموحاتهم الذاتية على حساب الأوطان ووحدتها واستقلالها.
تتوزع خريطة الأقليات على معظم الدول العربية حيث لا تكاد تخلو أي دولة عربية منها، والعديد من هذه الأقليات لها جذور وحدوية وتاريخية بعيدة في المنطقة. وقد تنوّعت بين إثنية ودينية ومذهبية ومرت بأوضاع مختلفة من التكّيف والتعايش والاندماج. ولم تكن التناقضات والصراعات الحادة تثور في الغالب إلاّ مع حدوث الغزوات الخارجية.
وإذا حدث في الماضي أن تعرضت بعض هذه الأقليات للاختراق بين الحين والآخر من قبل الإمبراطوريات المتصارعة على المنطقة فإن ثمة إجماعاً بين المؤرخين على أن هذه المشكلة قد تفاقمت وأصبحت أكثر حدة ومن ثم أكثر خطراً على الوطن العربي منذ نهاية القرن الثامن عشر أي منذ الغزو الفرنسي لمصر بقيادة نابليون 1797 وما تلاها من حروب استعمارية شنتها الدول الغربية للسيطرة على المنطقة واقتسام تركة الإمبراطورية العثمانية التي دخلت في مرحلة الانهيار. لكنها في المرحلة الراهنة أخذت تدخل في استراتيجية الشرق أوسطية النازعة إلى تفتيت دولنا العربية والإسلامية إلى دويلات وكانتونات متذرية تشل بعضها بعضاً.
فمنذ أن وطئت أقدام نابليون بونابرت أرض مصر بدأ العمل على كسب الأقباط إلى جانبه ورغم ادعائه الإسلام إلاّ أنه حاول إثارة الفتن بين الأقباط والمسلمين ولكنه فشل فشلا ذريعاً في ذلك، بفضل الأقباط أنفسهم ووحدتهم مع المسلمين، كما وعي العلماء لهذه المكيدة. وحين تحول بجيشه إلى بلاد الشام بدأ يلعب بورقة الأقلية اليهودية في فلسطين والبلاد الشامية ثم تابعت الدولة الاستعمارية الفرنسية بعد ذلك اللعب بورقة الموارنة في لبنان.
لم يكن الإنكليز أعداء الفرنسيين، في حينه، غائبين عن المنطقة. فقد لعبوا بدورهم بورقة الدروز ثم حاولوا اللعب بورقة الأقباط في مصر بعد استيلائهم عليها. هذا بالإضافة إلى أن معظم الدول الغربية أصبحت كل منها راعية للأقليات المسيحية في هذا البلد أو ذاك، وبدأ البعثات والمدارس التبشيرية تنتشر في البلاد العربية طولاً وعرضاً تهيء البلاد والعباد للتدخلات الاستعمارية وتسهل وجودها والتمكين لها.
ولكن تجدر الإشارة بقوة أن سعي الدول الكبرى إلى لعب ورقة "الأقليات" لا نقصد منه التعريض بتلك "الأقليات" كما أن الاستراتيجية الاستعمارية لم تقتصر على لعب ورقة الأقليات الدينية أو المذهبية وإنما كانت نهجاً لاستخدام كل أوراق التناقضات الداخلية، بلا استثناء، الاجتماعية والجهوية والقطرية كما القبليات والعشائرية. إنها استراتيجية "فرق تسد".
بعد إفشال مشروع محمد علي باشا (1770ـ 1846) في توحيد مصر وبلاد الشام، عمل الإنجليز على إنجاز مشروعهم الاستراتيجي في ضرب أية وحدة مستقبلية بين شرق الوطن العربي وغربه، فعمل (بالمرستون) وزير خارجية بريطانيا منذ أربعينيات القرن التاسع عشر على بلورة مشروع إقامة كيان سياسي "يهودي متنصر" يزرع من الخارج عن طريق الهجرة والاستيطان في فلسطين وقد أصبح للمنظمات الصهيونية في الغرب دور كبير وكذلك للوكالة اليهودية فيما بعد في تحقيق هذا المشروع الاستعماري الذي عانى منه الشعب الفلسطيني والأمة العربية وما يزال، لكن من دون محاولة تنصير اليهود.
والمتتبع لمسألة "الأقليات" الآن كمجال للاختراق يراها في السودان كما هي في الجزائر والعراق ولبنان الأمر الذي راح يزعزع الثقة في ما بين أبناء الشعب الواحد في الدولة القطرية العربية الحديثة التي نشأت، عبر حروب الاستقلال ومقاومة الاستعمار، في إطار التقسيمات الاستعمارية من جهة، وبين التناقضات الداخلية المختلفة ومن ضمنها هذه الأقليات ومن جهة أخرى وقوع المظالم والاضطهاد. فلم تستطع تلك الدول أن تعالج هذه المشكلة الخطيرة ولم تجد الحلول العادلة التي تحافظ على وحدة المجتمع وتمنع اختراقه قدر الإمكان. وبالمناسبة لو كان ثمة اتحاد كونفيدرالي عربي لتضاءلت المشكلة أو لانتفت.
وللحقيقة فإن استبداد الدول العربية الحديثة قد وقع على الأقلية والأغلبية، على المسلم والمسيحي، على السني والشيعي على الكردي والعربي، وهكذا سواءً بسواء. طبعاً من دون أي تسويغ لما وقع من بطش ومجازر بفئات أكثر من غيرها أو لما وقع من تمييز ومظالم داخلية.
واليوم وعلى ضوء تغّير ميزان القوى العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك حلف وارسو توهمت الولايات المتحدة الأميركية بأن بمقدورها التصرف وكأنها القطب الأوحد في العالم ومالكة مصيره، فاندفعت في عدوانيتها الكونية كمارد معصوب العينين. وصحب هذا التقدير غير الدقيق لتطورات موازين القوى اندفاع عدد من النخب للاستقواء بأميركا. وهذا بالطبع لم يقتصر على نخب داخل "الأقليات" وإنما شمل نخباً في "الأكثريات" كذلك.
وهكذا مضت الولايات المتحدة تغطي عدوانيتها على الشعوب والأمم بحجة القيم الأميركية والديمقراطية وحقوق الإنسان بما في ذلك الحريات الدينية وحقوق الأقليات، هذه الأسلحة الدعائية القديمة الجديدة التي تلقفها البعض ورأوا فيها مناسبة لتحقيق مصالحهم الضيقة غير عابثين بوحدة الوطن واستقلاله. فبعد أن كانت الدول الاستعمارية ترسل المبعوثين والمبشرين والعملاء للاتصال بالأقليات، أصبح البعض ممن يدّعون تمثيل "الأقليات" يسعون بأنفسهم إلى الدول الكبرى لإقناعها بالتدخل في أوطانهم ويستقوون بها لفرض برامجهم الحزبية وطموحاتهم السياسية.
من جانب آخر فإن الحقائق التاريخية تؤكد أن العديد من الأقليات في الوطن العربي سواء أكانت اثنية أو دينية أو مذهبية قد شاركت في حروب الاستقلال ضد المستعمر الغربي وقدمت الشهداء وذاقت مرارة المعتقلات والسجون في مشرق الوطن العربي ومغربه. هذا ويبرز اليوم، كما بالأمس، من داخل هذه "الأقليات" من يربأون بأنفسهم أن يكونوا مطّية للدول الكبرى وللولايات المتحدة على وجه الخصوص برغم ما تعرضوا له من مظالم وتمييز في هذا البلد أو ذاك. وهذه ظاهرة منتشرة بين مختلف المكونات الاجتماعية. ولهذا يجب ألاّ نتحدث عن أي شعب أو طائفة أو مذهب باعتباره كتلة صماء. وإنما ضرورة استخدام "البعض و "أولئك" أو "الذين" أو "ومنهم من" كما هو المنهج القرآني حتى لا تستدرج العصبية المغلقة عصبية مقابلة، وحتى لا نظلم الأحرار من كل الفئات.
واليوم عندما تطرح الولايات المتحدة الأميركية مشروعها للشرق الأوسط الكبير فإنما تتماهى مع المشروع الإسرائيلي. والهدف تجزئة معظم دول المنطقة وخلق كيانات هزيلة تدين لها بالولاء والحماية. وهذا لن يتم إلاّ من خلال استخدام "الأقليات" أو "الأكثريات" وإثارتها ضد أوطانها وإمدادها بالدعم السياسي والمال والسلاح إذا لزم الأمر.
لقد حققت أميركا في هذا النهج بعض النجاح في السودان حيث بلورت أقليات" بين أبناء الدين الواحد والمذهب الواحد والانتساب القومي الواحد، مثلاً دارفور ومناطق أخرى. وتحاول فعل الأمر نفسه في العراق فلماذا لا تواصل هذا التكتيك في الدول الأخرى ما دام يحقق لها الهيمنة والسيطرة. ويحقق للدولة العبرية استراتيجيتها.
لقد حاولت الدولة العبرية بدورها انتهاج هذا السبيل حين سعت إلى تشجيع إقامة دولة مارونية في لبنان إلاّ أنها لم تنجح فأغلب الموارنة رفضوه. وكانت عمدت إلى الاتصال بالمواطنين السوريين من دروز الجولان بعد عام 1967 وعرضت عليهم إقامة دولة درزية تشمل قسماً من لبنان بالإضافة إلى الجولان وجبل العرب في سوريا. وأفشل مشروعها ذاك دروز الجولان أنفسهم. (راجع كتاب: قصة الدولة الدرزية/ محمد خالد قطمة). وحاولت الأمر نفسه مع عشائر البدو في فلسطين ولم تنجح كذلك.
وهاهي ذي (الدولة العبرية) تتطلع إلى الأكراد في شمال العراق لنفس الغرض فيما تواصل الولايات المتحدة سياستها تلك من خلال سن القوانين (قانون الحماية الدينية للأقليات في العالم) وقانون (عدم بث الكراهية) وتعمل على تغذية الأزمات والإمساك بخيوطها للحصول على شرعية للتدخل. فضلا عن ابتزاز الأنظمة لتلبية الأجندة الإسرائيلية.
إن مسألة بهذه الخطورة تستوجب أن تُحشد لها كافة الجهود العربية الرسمية والشعبية وكذلك الأحزاب وأهل الفكر والإعلاميين من أجل الحوار حول كيفية تثبيت وحدة الكيانات الوطنية لاسيما مع هشاشة الدولة القطرية عموماً أمام الضغوط الأميركية والإسرائيلية مما يعرضها إلى التفتّت من خلال الضغط الخارجي والاستقواء الداخلي عليها.
2
"الأقليات" في النظرية والسياسة والمصلحة العليا
ثمة نقطة نظرية وسياسية وتمس المصلحة العليا للأمة يتوجب التشديد عليها بعد هذا العرض الذي يغطي بعض ملامح المشكلة... وهي أولاً أن ينظر إلى كل مكونات الشعب في أي قطر عربي أو إسلامي وعلى مستوى الأمة باعتبار أفرادها مواطنين متساوي الحقوق والواجبات ويجب أن يذهب الحل في ما وقع من مظالم أو تمييز أو هدر حقوق هنا أو هناك، إلى إقامة العدل ورفع تلك المظالم واحترام الحقوق المتعلقة بالهوية أو العقيدة أو العادات.
وهذه نظرة تختلف جوهريا عن خطأ الذين نقلوا "حق تقرير المصير وحق الانفصال" من إطاره الخاص المتعلق بحق تقرير المصير ضد الاستعمار إلى حق تقرير المصير لهذه الفئة أو تلك من فئات الشعب الواحد أو المتساوين في المواطنة في الدولة الواحدة. وأضافوا حق الانفصال.. وهو نقل مفتعل لنظرية تخص الشعوب ضد الاستعمار إلى داخل الوطن الواحد والشعب أو الأمة. وهو ما لا ترضاه أية دولة في العالم أكانت ديمقراطية أم غير ديمقراطية. فهل تقبل أميركا بحق تقرير المصير للسود أو الكاثوليك أو السبانك؟ وهل تقبل فرنسا بحق تقرير المصير للكورسيكيين والباسك أو أسبانيا للباسك. بل إن ما من أمة إلا وفيها أقليات قومية أو دينية أو مذهبية أو عرقية. فماذا يحدث في العالم إذا استسلم لنزعات النخب الطامحة للسلطة بتطبيق مبدأ حق تقرير المصير وحق الانفصال داخل الأمم والدول؟ ستكون هناك تذرية لا محدودة وصراعات دموية وأزمات حادة إلى ما لا نهاية.
فالغرب عندما يثير مشكلة من يسميهم بالأقليات في البلاد العربية والإسلامية، وعندما تتجاوب معه بعض النخب المتغربة والطامحة فتطرح قضية حق تقرير المصير وحق الانفصال يطبق معياراً مزدوجاً في ما يتعلق بأممه ودوله وفي ما يتعلق بشعوبنا ودولنا. وبالطبع تذرية أقطارنا تدخل ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية التي ترفض وجود هوية جامعة وتريد أن تحوّل بلادنا إلى قطع فسيفساء (موزاييك) من دويلات طائفية وإثنية وحتى جهوية وقطرية وكما تشاء من اختراع مكوّنات بحاجة إلى دويلة أو حكم ذاتي وهكذا.
هذا الموقف نطبقه على المسلمين داخل الأمم الأخرى فلا نشجع على الانفصال أو تطبيق مبدأ حق تقرير المصير لأن النتيجة نشوء دويلات هزيلة مستباحة من قبل الدول الكبرى. لكن في المقابل إذا تحققت للمسلمين العدالة داخل الأوطان التي يعيشون فيها، وحق ممارستهم لعقيدتهم المسلمة في دول كبرى مثل روسيا والهند والصين أو الفليبين وتايلاند وغيرها دوراً إيجابياً في كسب شعوب تلك الدول وسياساتها الرسمية في مصلحة قضايا الأمة الإسلامية وفي مقدمتها قضية القدس والمسجد الأقصى وفلسطين.
أما البديل الآخر فانقسامات وحروب أهلية داخل البلدان الإسلامية وحروب بين المسلمين وكل دول العالم حين نفتح كل الجبهات بسبب تأييد حركات الانفصال.
الجواب دائماً في الوحدة والمساواة والعدالة وعدم السماح بالاختراقات الخارجية.
 
 
 
 
 
وضع الأقليات في الدولة الإسلامية
الأحد 24 ديسمبر 2006
وضع الأقليات في الدولة الإسلامية
محمد بن شاكر الشريف
 
التقرير الارتيادي الاستراتيجي لمجلة البيان
الإصدار الثالث 1427هـ
ملخص البحث
تمحورت العديد من التجمعات البشرية عبر التاريخ حول قواسم مشتركة تتميز بها عن غيرها، وجرى الاصطلاح أن يطلق على إحدى تلك التجمعات لفظ الأقلية.
وتعددت الرؤى في بيان مفهوم الأقلية على ثلاثة اتجاهات، ينظر الاتجاه الأول منها لاعتبار "العدد"، بينما ينظر الاتجاه الثاني لاعتبار "القوة والسيطرة"، في حين ينظر الاتجاه الثالث إلى "المكانة والرفعة".
ويترتب على عدم التعامل مع الأقلية على أساس العدل مشكلات كثيرة من أهمها تفتيت وحدة المجتمع ونشوء المصادمات بين الأقلية والأكثرية.
ولم يستخدم التراث الإسلامي مصطلح الأقليات بالنسبة للتجمعات الدينية غير الإسلامية، وإنما استخدم لفظ "أهل الذمة" إذ يحمل هذا الأخير من الدلالات الأخلاقية ما لا يحمله لفظ الأقليات.
وقديماً ظهرت الأقليات العقدية في المجتمع الإسلامي مما عرف في الاصطلاح باسم الفرق الضالة وأهل البدع من خوارج وشيعة وغيرهم ممن اجتمعوا على الانحراف في فهم الإسلام ومن شابههم في زمننا المعاصر من حداثيين وعلمانيين.
ولم ترتب الشريعة لبقية الأقليات العرقية واللغوية وغيرها أحكاماً خاصة بهم؛ إذ أهدرت النصوص التفريق بين المسلمين على أساس اللون والعرق واللغة.
ولم تبرز مشاكل الأقليات العرقية واللغوية وغيرها إلا مع تفتت الدولة الإسلامية وضياع معاني الخلافة.
إذا استثنينا الأقليات العرقية واللغوية ونحوها من الأقليات المسلمة التي لا تخرج عن الأحكام العامة للمسلمين، نجد الأقليات " الدينية والعقدية" قد اختصت ببعض الأحكام، مثل قضايا المشاركة السياسية والجهاد وحرية التعبير عن الخصوصيات.
إن مشكلة الأقليات التي ظهرت في بلاد المسلمين لم تكن إلا نتيجة الاحتلال الذي استولى على بلاد المسلمين،و زوال الروابط الدينية بين المسلمين، إذ لا توجد مشاكل للأقليات في الدولة التي تقوم على أساس الإسلام.
 
يمكنك الحصول على البحث كاملاً بتحميل الملف المرفق
 
 
 
خطر التصوف على الأمة الإسلامية
الثلاثاء 28 نوفمبر 2006
مقدمة كتاب :
المؤُفي بمعرفَة التصَوُّف وَالصُّوفي
الإمام كمال الدين أبي الفضل جعفر بن ثغلب الأدفوي المصري
تحقيق وتقديم الدكتور محمد عيس صالحية
نشر مكتبة العروبة – الكويت 1988 م
بسم الله الرحمن الرحيم
شهد القرن الثاني الهجري ظهور الحركة الصوفية، حين بدأ إعراضُ النَّاس عن السبيل السويّ من مراقبة الله وخشيته وذكره في السِّرّ والعلَن والزهد في الدنيا. فقد هال جماعة الصالحين تكالبُ الناس على الدنيا. واستباقهم للانهماكِ في الملذّات والملاهي، فانتحوا جانباً متجهين إلى الحقِّ سبحانَه، متبتلينَ، يتلُونَ كتاب الله، ويقومون الليل تهجداً وتهليلاً بالسرّ والعلن.
وأخذ جماعةٌ من هؤلاء على أنفسهم تبيين السلوك العملي للصوفية، فوصف المحاسبي في كتابه "الرعاية لحقوق الله تعلى" سلوك الصوفية بأسلوب علمي.
وكانت مسالك الصوفية حتى القرن السادس الهجري بصورة عامة قريبةً إلى الزهد، مع ما خالطها في بعض الأحيان من ابتعادٍ عن جادة الصواب.
غير أن الأحداثَ الجسامَ التي تعاقبت على الدولة الإسلامية منذ أواخر القرن السادس الهجري وأوائل القرن السابع الهجري، أوجدت ردة فعل معاكسة، فانصرف بعضهم عن الحياة وشؤونها ومالوا إلى التواكل، وغدا الزهد في أعرافهم نوعاً من اللامبالاة يصل لدرجة الخنوع.
لقد كانت البداية حين عقد الأيوبيون على التصدّي لتيار الفكر الشيعي إثر انهيار الدولة الفاطمية؛ إذ أنشأ الأيوبيون العديد من المدارس ودور الحديث في مصر والشام واستدعى علماء وفقهاء السُّنَّة ليقوموا بدورهم في تلك المؤسسات، فأصبحت مدن إسلامية كثيرة مثل الإسكندرية، والقاهرة، وقوص، وأسيوط، والقدس، وحلب، ودمشق، وطرابلس، مراكز نابضة لعلوم السنَّة والفكر السنّي.
ثم جاءت الهجمة الصليبية الشرسة لتُضيف أعباءً أُخرى، حيث ألقت بكاهلها على صلاح الدين، فعمل على تثبيت عروبية وإسلامية البلاد التي كانت مطمع الغزاة الجدد، فأقم الخوانق والرُّبط والزوايا والتكايا، إضافة إلى المساجد والمدارس ودور الحديث والبيمارستانات، وكان هدف صلاح الدِّين من وراء ذلك النهوض بالشعور الديني عند المسلمين، ورفع استعدادات الأمة الإسلامية لمقاومة الأخطار التي تتهددها.
واحتل جماعة من الناس تلك الأماكن، امتهنوا الذكر وقراءة القرآن. وسلكوا السبيل القويم، وكانت نماذج مخيرة للأتقياء والعبَّاد. ولكن تلك الأماكن ما لبثت أن أصبحت ملجأً وملاذاً لكل طالب راحة، حيث يجد فيها ضالته من الطعام واللباس والشراب دون عناء يذكر، وتلا ذلك ازدياد أعداد المنتظمين في سلك الصوفية، لاسيما بعد تضخم عدد الخانقات والرُّبط والزوايا والتكايا، ومبالغة الناس في حبس الأوقاف عليها، وتباري السلاطين والأمراء والأغنياء في تقديم الأموال والهدايا لمرتاديها. فسهلت حياة المتصوفة ونعموا بعيشة مترفة باذخة، قادت إلى تفشي البدع فيما بعد.
وإزاء ذلك فقد كثر ادّعاء التصوف، بقصد التعيش، فأمّ العديدون الخانقات، ولبسوا الصوف، وحلقوا الرؤوس. ولكنهم لم يتخلقوا بأخلاق الزهاد أو الصوفية، وغدا الصوفي على الأغلب، رجلاً أكولاً، كثير الفضول، يُضرب بتطفُّله المثل، فقالوا: "نعوذ بالله من النّار، ومن الصوفي إذا عرف باب الدار". وفي وصفٍ آخر لحالهم بأنهم "أكلة، بطلة، سطلة، لا شغل لهم ولا مشغلة".
وعرَّف كثير من الفقهاء جماعة المتصوفة "بأنهم رجال يظهرون الإسلام، ويبطنون فاسد العقيدة، في أرجلهم جماجم وعذباتهم من قدام"([1]).
ومما زاد في تكالب جماعات من الناس على الانضواء في سلك الصوفية، وقوع الهجمة التترية المغولية المدمرة على العالم الإسلامي، وما أورثته في النفوس من شعور بالمرارة وخيبة الأمل، وما اتصف به ذلك العصر من شظف في العيش نتيجة القحط والجدب فاستدامت المجاعات، وانتشرت الأمراض السارية كالطاعون والجُدري وغير ذلك من الأمراض الفتاكة. ووجد هؤلاء في الخانقات بسطةًً في العيش، وسَعة في الحال، بل وترفاً في المأكل والمشرب والملبس، وذلك أن العديد من المصالح والمنشآت، كالبساتين والدكاكين والحمامات والأسواق قد وقفت على الصوفية، فخانقاه سعيد السعداء بمصر التي أنشئت سنة 569هـ = 1173م، أوقف عليها جملة من المصالح لينفق من ريعها على فقراء الصوفية، من جملتها بستان الحبانية وقيسارية شراب، وكان يخصص لكل صوفي فيها ثلاثة أرغفة زنتها ثلث رطل في مرق، ويعمل لصفيتها الحلوى كل شهر، ويفرق عليهم الصابون([2]). أما صوفية خانقاه ركن الدِّين بيبرس، فقد أُلحق بها مطبخ، يوزع منه على المجاورين اللَّحم والطعام وثلاثة أرغفة كل يوم إضافة إلى الحلوى، ولصوفية خانقاه شيخو علاوة على ما ذكر، الزيت والصابون([3]).
أما صوفية خانقاه سرياقوس فلهم كل سنة ثمن كسوة وتوسعة في كل رمضان والعيدين والمواسم، فوق ما كان لهم من طعام شهي وخبز نقي إضافة إلى الحلوى وزيت الزيتون والصابون وثمن الفواكه، هذا عدا ما في الخانقاه من سكر وألوان من الشراب وأنواع الأدوية.
كما أُلحق بالخوانق الحمامات والمطابخ والمدافن، ومدت أرضيتها بالفرش وآلات النحاس والكتب والقناديل وغيرها من الأدوات النفيسة، التي لا يقتنيها إلى الملوك والأمراء.
إنّ من يطلع على وقفيات الخوانق والزوايا والأربطة يدرك مدى العبء الاقتصادي الذي عاناه المجتمع بسبب ضيق القاعدة التي تستفيد من المصالح الاقتصادية المحبوسة على الصوفية دون غيرهم من شرائح المجتمع.
وكدليل على حياة البذخ والترف التي نعم بها الصوفيون، نقدّم أنموذجين لسماعين عقدا في مصر والشام سنة 659هـ = 1261م.
"قال المولى قطب الدِّين ـ رحمة الله ـ: حكى لي بعض الناصرية، قال: لما دخلنا الدِّيار المصرية، اتفق أن أكابر الأمراء عمل سماعاً، وحضر بنفسه إلى الأمير جمال الدِّين ودعاه، فوعده بالمضي إليه والحضور عنده، فلما كان عشاء الآخرة، مضى ونحن معه ـ جماعة من مماليكه وخواصه ـ إلى دار ذلك الأمير، فلما دخل وجد جماعةً من الأمراء جلوساً في إيوان الدار، وجماعةً من الفقراء في وسط الدار، فوقف، ولم يدخل، وقال لصاحب الدار: أخطأتم فيما فعلتم، كان ينبغي أن يقعد الفقراء فوق وأنتم في أرض الدار، ولم يجلس حتى تحول الفقراء إلى مكان الأمراء، والأمراء إلى مكان الفقراء، وقعد هو ونحن بين الأمراء، فلما غنّى المغني، قام أحدهم والدف بيده يستعطي، وهذه كانت عادة المغاني في الدِّيار المصرية، فلما رآه الأمير جمال الدِّين انتهره، وقال: والك".
وتمضي الرواية في شرح حال الصوفية وهم يقصون ويجمعون النقود من الذهب والفضة من الأمراء، ثم أكلهم ما لذ وطاب من المطعم والمشرب([4]). وانصرافهم فرحين جذلين.
كما أورد قطب الدِّين اليونيني في "ذيله" على "مرآة الزمان" لسبط ابن الجوزي عرضاً دقيقاً وصف فيه إحدى الليالي الراقصة، جاءت في ترجمة لاجين بن عبد الله الأمير حسام الدِّين الجوكنداري (ت 662هـ/63 ـ 1264م).
حيث قال: "... وكان له في الفقر والصالحين عقيدة حسنة، ويكثر من الإحسان إليهم والبر بهم، وافتقادهم بالنفقة والكسوة وغير ذلك، وكان يعمل لهم السماعات، ويحضر فيها من المآكل والمشارب والأراييح الطيبة والشموع ما يبهر العقل ويتجاوز الحد، فكان يقدر ما يغرمه على السماع الواحد تقريباً آلاف درهم([5])...إلخ.
ويمضي اليونيني في وصف ليلة سماع حضرها هو بنفسه في دارة لاجين الكائنة بالعُقَيبة بدمشق أواخر سنة 659هـ، ذلك أن الدار أضيئت بالشموع الكافورية في أنوار (شمعدانات) الفضة، والمطعمة بصنوف الجواهر والأحجار الكريمة.
حتى إذا قضيت صلاة المغرب مدَّ للفقراء سماطاً اشتمل على قريب مئة زبدية عادلية، في كل زبدية خروف صحيح رضعي، وحوالي ثلاث مئة زبدية في كل واحدة ثلاثة طيور دجاج وغير ذلك من أنواع الطعام، وبعد العشاء وإتمام الصلاة شرع الحاضرون في الغناء والرقص، حتى إذا ما تعبوا مَدَّ سماطاً من الحلوى والقطائف الرطبة والمقلوة المصنوعة بالسكر المصري والفستق والمسك ثم رقصوا وغنوا جميعاً، ومن ثم مُد سماطاً عظيماً من الفواكه النادرة في غير موسمها من سفرجل وتفاح وكمثرى ورمان وبطيخ، وبعدها عادوا إلى الرقص والغناء، ومن ثم مَدَّ سماطاً من المكسرات على أنواعها من قصب عراقي وفستق وبندق زبيب، والكعك المحشو والخشكنان (أقراص من الدقيق والحلوى)، والبقسماط وغيرها، وكان شرابهم مصنوعاً بالثلج والسكر وماء الخلاف (نوع من الصفصاف المصري المستقطر)، وماء الورد، إضافة إلى المباخر المعمرة بالند والعنبر والعود الهندي حتى إذا كان وقت السحر دخلوا حماماً مجاوراً لدار لاجين، فاستحمّوا وأُلبسوا القمصان والثياب الجدد، وبعد الحمام عادوا إلى الدار فأُشربوا الأشربة التي تناسب الحمام، ومن ثم مد لهم سماطاً من الحلوى الساخنة، وبعدها ينصرفون.
ولتقدير حالة الناس آنذاك، فقد علّق اليونيني على وقوع هذا السماع، بأنه أقيم، والناس في ضنك، فغرارة القمح بدمشق ثمنها ثلاث مئة درهم، ورطل اللحم بالدمشقي ثمنه سبعة دراهم، والدجاجة ثمنها ثلاثة دراهم. وجميع الأشياء غالية جداً.
فانظر أي ترف ورخاء، عاش فيه صوفية ذلك العصر؟
ولم يقتصر دور الصوفية على التخريب الاقتصادي، بل تعداه إلى التأثير في الأحداث السياسية والاجتماعية، وذلك من خلال تغلغل الحركة في أوساط العامة والخاصة، ومن ثم فإن الدولة اعترفت بمؤسسات الصوفية وقربت مشايخ الصوفية، حتى إن السلاطين كانوا يفاخرون ببناء الأربطة والخوانق والزوايا لجماعة الصوفية، لاعتقادهم أن بإمكان الفقراء المتصوفة الإتيان بالخوارق، وكشف الضّرّ عن السلاطين، والادعاء بالمكاشفة ومشاهدة الحق([6]). ولذا فإن فقراء الصوفية كثيراً ما دعوا ليرفعوا الضرر عن مصاب، أو ليدعوا بالعافية لمريض([7]).
وقد بلغ من تأثير شيخ شيوخ خانقاه سعيد السعداء أن نجح في إبعاد ابن تيمية عن مصر إلى الشام سنة 707هـ = 1307م، حيث حُبس في الشام، بدعوى تكلمه على مشايخ الطريقة، وكان شيخ سعيد السعداء قد جمع فوق خمس مئة صوفي من صوفية الخانقاه وسار بهم في تظاهرة، إلى القلعة، وكانت جماعات غفيرة من العامة قد انضمت إلى المظاهرة، وفي القلعة، شكوا للسلطان ابنَ تيمية، الذي أحالهم بدوره إلى القاضي الشافعي فدفعهم عنه إلى تقي الدين علي بن الزواوي المالكي، والذي أصدر بدوره الحكم الذي أشرنا إليه([8]).
وفي دمشق أيضاً عُنِّف ابنُ رمضان الشاهد، لأنه تكلم في حق الفقراء([9]). وضُرب حتى طلب التوبة والاستغفار.
بل إن الصوفية كثيراً ما قاموا بإراقة الخمور والبوزة لأنها محرمة على غيرهم، وقد يخرجون إلى الشوارع لإطلاق سراح أحدهم من السجن، وأموراً أخرى كثيرة.
وسدر الصوفية في مفاسدهم، حتى إن بعضهم أفتى بحرام الكسب إلاّ عند الضرورة، لأن الكسب في عرفهم ينفي التوكل على الله أو ينقص منه، وقد أمرهم الله بالتوكل، ورزقهم في السماء وما يوعدون([10]).
ثم إن بعض الصوفية كانوا لا يقيمون الصلاة أبداً، مدَّعين أنهم لا يقومون بأدائها إلاّ في الأماكن المقدسة فقط([11]).
لقد عمَّ الفساد حياة الصوفية في عادتهم وأخلاقهم ورسومهم وسننهم وملابسهم وأزيائهم ومشاربهم ومآكلهم، واشتهر المتفقرون من المتصوفة بالجشع في الأكل والشرب، والولع بالرقص والتهافت على السماع والغناء.
حتى قال فيهم الشاعر الطاهر: [الوافر]
أرى جيلَ التصوف شرَّ جيلِ     فقل لهم وأهون بالحلولِ
أَقالَ اللهُ حـين عـبدتمـوه      كلوا أكل البهائم وارقصوا لي([12])
وعليه فإن أبرز مظاهر الفساد في حياة المتصوفة علاوة على ما ذكر، يمكن إيجازها بما يلي:
ـ السماع والرقص:
والسماع عند الصوفية، لياليَ تعقد، فيها ينشدون ويرقصون وفي عرفهم أن السماع يولد حالة في القلب تسمى بالوجد، وهذا بدوره يحرك أعضاء البدن، فإن كانت الحركات غير موزونة كانت اضطرابات، وإن كانت موزونة فحينئذ يكون تصفيقاً ورقصاً([13])، ويبدو أن نوعاً من الهوى والغلبة قد سيطرا على الصوفي، فإن سمع غناءً أو إيقاعاً بقضيب، تواجد وصفق وربما مزَّق ثيابه ورماها([14]).
وقد أنكر عليهم جماعة من العلماء مثل هذا السلوك الشائن، وصنفوا الكتب ووضعوا القصائد في ذم سلوكهم، فالإمام موفق الدين، عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي وضع رسالة في ذم ما عليه مدَّعو التصوف من الغناء والرقص والتواجد وضرب الدُّف وسماع المزامير، ورفع الأصوات المنكرة بما يسمونه ذكراً وتهليلاً، بدعوى أنها من أنواع القُرَبِ إلى الله تعالى.
وهجاهم كثيرً من الشعراء مثل شدَّاد بن إبراهيم الملقب بالطاهر الجزري، والعميد أبو محمد، عبد الله، أحمد بن إبراهيم الزواوي الكاتب، وظهير الدين قاضي السَّلاميَّة ـ 610هـ = 1213م([15]) ، الذي هجا مكي شيخ زاوية الفقراء بالبوازيج، لبليدة القريبة من السّلاَّمية، فقال، [المتقارب]
ألا قل لِمَكّي قَولَ النصُوحِ     فَحقُّ النصيحة أن تُستَمَع
متى سمع الناسُ في دِينِهم     بـأنَّ الغِنـَا سـُنةٌ تُتَّبع؟
وأن يأكُلَ المرءُ أكلَ البـعيرِ      وَيَرقصَ في الجَمع حتَّى يَقَع
ولو كان طاوي الحَشَا جائعاً       لما دار من طَرَبٍ واستمـع
وقالوا سَكِرنا بحبَّ الإلـهِ        وَمـَا أسكَرَ القَومَ إلا القِصَـع
كذاك الحميرُ إذا أخصبـت       يُنـقزهـا ريُّـها وَالشَـبَـع
ـ مصاحبة المرد والأحداث:
استحل بعض الصوفية كل المحرمات والكبائر، وتظاهروا بالفسق والفجور والمخازي، فليلة الماشوش تتم علانية عند متصوفة شيراز([16]). وقد روى خبرها التنوخي في نشوار المحاضرة([17])، ذلك أن ابن خفيف البغدادي، شيخ متصوفة شيراز، وقد مات رجل صوفي من أصحابه، وخلف زوجة صوفية، فاجتمع النساء الصوفيات يعزينها، حتًّى إذا انتهت مراسيم الدفن، وصل ابن خفيف الدار وأخذ يعزي المرأة بكلام من كلام الصوفية إلى أن قال: أعزبت.
قال لها: هاهنا غير([18]).
فقالت: لا غير([19]).
فقال: فما معنى التزام النفوس آفات الهموم وتعذيبها بعذاب الغموم؟ ولأي معنى تترك الامتزاج([20]) لتلتقي الأنوار([21]) وتصفو الأرواح وتقع الاختلافات وتنزل البركات. فقالت النساء: إذا شئت.
فاختلط جماعة الرجال بجماعة النساء طول ليلتهم، فلما كان سحراً خرجوا، ويبدو أن ذلك الحادث قد وقع في اليوم الأول من الصوم، أو الأحد الأول من الصوم حسب رواية الشابشتي في الديارات([22])، وأصبح ذلك اليوم احتفالاً لهم يختلط فيه الرجال بالنساء.
وقد أشار ابن الجوزي إلى أن صوفية عصره قد سدُّوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب، لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن، واشتغلوا بالتعبد عن النكاح. واتفقت لهم صحبة الأحداث على وجه الإرادة وقصد الزهادة([23]).
ويقرر ابن الجوزي بأن آفة الصوفية في عصره في صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد([24])، ولم يقف البلاء عند هذا الحد، بل تعداه لإضفاء مشروعية ذلك للمتصوفة، فقد صنف أبو الفضل، محمد بن طاهر، المعروف بابن القيسراني الشيباني ت 507هـ = 1113م رسالة في إباحة السماع والنظر إلى المرد([25]). واشتهر من المتصوفة بالتهتك والاستباحة خضر الكردي شيخ الملك الظاهر بيبرس، والشيخ أبي الحسن الحريري، وسليمان بن المولّه المجذوب.
وكان علي الحريري أكثرَ المتصوفة تهتكاً في معاشرة الأحداث "فكان من وقع نظره عليه من الأحداث وأولاد الجند والأمراء وغيرهم يحسن ظنه فيه، ويميل إليه، ولا يعود ينتفع به أهله، بل يلازمه ويقيم عنده، اعتقاداً فيه وميلاً إليه"([26]).
ومع أن ظاهرة مصاحبة المرد والأحداث والمخنثين كانت واضحة في العصور العباسية المتأخرة، فقد اشتدت في عصر المماليك، وذلك إثر قدوم طائفة من الأويراتية التترية([27])، المشهورين بالجمال سنة 695هـ = 1295م وانتشارهم في مصر والشام، ومن ثم دخولهم في خدمة الأمراء المماليك، وتنافس أمراء المماليك في اقتناء صبيانهم وبناتهم، ومن تبقى من هؤلاء الأويراتية بعد ذلك انخرط في الجيش، وتفرقوا في الممالك لتنتشر معهم المفاسد، ووجدت جماعات من الصوفية فيهم ضالتهم، فبالغوا في إضفاء مشروعية صوفية على فعلتهم النكراء، وقد أورد لنا الشعراني ـ أحد كبار متصوفة القرن العاشر الهجري ـ خبر الصالح محمد بن عراقي، الذي كان لا يمكن ابنه علياً من الخروج إلى السوق، حين كان أمرد، إلاّ أن يُبَرقَع خوفاً عليه من السوء والفتنة([28]).
ولم يقف الأمر على المرد والأحداث بل تعداه إلى سواه من البهائم والحيوانات، فقد كان الشيخ الصوفي علي وحيش (ت 917هـ/ 1511م) كثير الاعتداء على البهائم والأتن([29]).
ولقد كان هذا الضرب من التصوف استهزاء بالأديان، وبعداً عن جادة الزهد والعبادة، وتهتكاً، حتى استحق صوفية القرون التالية للقرن السادس هجري، لقبَ "الفقراء المخربين"، لأنهم يناقضون السنن والعادات ويخرجون عن الآداب والشرائع([30]).
 
ـ تعاطي الحشيش:
دأب عدد من الصوفية على تعاطي الحشيشة، بدعوى أنها تذهب الهموم الكثيفة عن قلوبهم، وتجلو بفعلها أفكارهم الشريفة.
وليس بين أيدينا نص موقوق حول كيفية دخولها إلى العالم الإسلامي، فقد تعددت الروايات حولها فبعض الروايات تنسبها إلى الهندي بيرزطن الذي حملها معه من الهند إلى فارس في القرن الأول الهجري، ومن ثم انتقلت بواسطة جماعة القلندرية الذين كانوا ينتظمون في سلك الصوفية، وقد حلقوا الرؤوس والحواجب والشوارب([31]).
ورواية أخرى تنسب كشفها إلى الشيخ حيدر ـ 618 هـ = 1221م، والذي جعلها وقفاً على رفاقه من متصوفة خراسان، وأوصى أن يزرعوها على قبره بعد وفاته، ومن ثم انتقلت إلى بغداد فالشام ومصر، ومن الجدير بالذكر أن جماعة الحيدرية قدموا إلى دمشق بعد سنة 655 هـ = 1257م، وعلى رؤوسهم طراطير، ولحاهم مقصوصة، وشواربهم بغير قص، وبنوا لهم زاوية خارج دمشق، ومنها وصلوا إلى مصر([32]).
وقد تغنى شعراء الصوفية بمحاسن الحشيشة، وأطلقوا عليها عدة أسماء مثل حشيشة الفقراء، ومدامة حيدر، والقلندرية.
وكان شاعرهم محمد بن علي بن الأعمى، أكثر الشعراء لهجاً بمزايا الحشيشة، فقال: [الطويل].
دع الخمر واشرب من مدامة حيدر      معنبرة خضراء مثل الزبرجد
يعاطيكها ظبيٌ مـن الترك أغيـد       يميس على غصنٍ من البانِ أملدِ
فتحسبها في كفـه إذ يـديـرهـا       كـرقـم عذار فـوق خد مورد
يرنـحها أدنـى نسيـم تنسمـت        فتهفـو إلى بـرد النسيم المرود
وتشدو على أغصانها الورق في الضحى    فيطربها سجع الحمام المغرد
هي البكر لم تنكح بمـاء سحابـةٍ       ولا عصرت يوماً برجلٍ ولا يد
ولا عبث القسيس يومـاً بكأسهـا       ولا قربوا من دنهـا كل مقعـد
ولا نص في تحريمها عند مالـكٍ        ولا [هي] عنـد الشافعيّ وأحمدِ
ولا أثبت النعمان تنجيس عينهـا        فخذهـا بحـد المشرفي المهنـد
وكف أكف الهـم بالكيف واسترح       ولا تطرحن يوم السرور إلى غد([33])
لقد أدخل الصوفية الحشيشة إلى العالم الإسلامي منذ القرن السادس الهجري، ولا زالت أمتنا تعاني من آثار هذا المرض الاجتماعي حتى اليوم.
ـ الإدعاء بالإتيان بالخوارق والكرامات:
عم بين الصوفية اعتقاد ، بأن الإنسان إذا ارتاض وجاهد في العبادة، فإنه قد يلتحق بالملائكة الكرام حتى يطير في الهواء ويمشي على الماء، فبالرياضة حسب اعتقادهم، ينسلخ الصوفي بالكلية عن الحظوظ البشرية، وهذا الاعتقاد في أساسه، اعتقاد البراهمة([34]). ولكنه شاع عند الصوفية، وكانوا يحرصون على نشر الأخبار التي تروي طيران أحدهم في الهواء، فالشيخ أبو يوسف، صفي الدين، الحسين بن جمال الدين الأنصاري الخزرجي "ارتفع بجلسته إلى العلو قدر قامتين، ودار وسع المجلس الذي كان الصوفية فيه، ثم نزل إلى موضعه!!"([35]).
وقد أنكر ابن تيمية على صوفية الأحمدية ما يفعلونه من دخولهم في النيران المشتعلة، وأكلهم الحيًّات، ولبسهم الأطواق الحديد في أعناقهم، وتقلدهم بالسلاسل على مناكبهم، وعمل الأساور الحديد في أيديهم([36]) وغيرها من الخوارق.
لقد حفلت القرون من السابع الهجري إلى العاشر الهجري بأخبار كرامات وخوارق هؤلاء الصوفية حتى غدت أمراً مصدوقاً، يتعرض من كذبه إلى التعزير والإيذاء، وانسحبت آثار ذلك على العصور التالية، وخاصة في العهد العثماني، حين أصبحت الطرق الصوفية واسعة الانتشار، كثيرة الأتباع.
كانت الصوفية في ذلك العصر شراً أصاب المجتمع، وإفساداً للقيم والآداب، وتخريباً للشرائع والسنن، وقد عبر كل من فتح الدين ابن سيد الناس، وصلا الدين الصفدي عن حال الصوفية بعبارات مقنعة، تعكس واقع حال المتصوفة، فالشيخ فتح الدين محمد بن محمد بن سيد الناس، يقول فيهم: [الخفيف]
ما شروط الصوفي في عصرنا اليو    م سوى ستة بغيـر زيادة
وهي...([37]) العلوق والسكر والسط     ـلة والرقص والغنا والقياده
وإذا ما هذى وأبدى اتّحاداً     وحلولاً من جهـله واعـاده
وأتى المنكرات عقلاً وشرعاً   فهو شيخ الشيوخ ذو السجادة([38])
كما وصف الصفدي هيئة أحد رجال الصوفية، فقال:
"شيخ مسن فقير، حرفوش، مكشوف الرأس، منفوش الشعر، عليه دلق رقيق، بالي الخلقة رقيق، قد تمكن منه الوسخ ونبت فيه ورسخ، قد جمعه من عدة رقاع، له مدفأة يستدفئ بنارها"([39]).
تحليل مادة الرسالة التي ننشرها:
ناقشت الرسالة، مسألة اقتصادية مهمة، وهي، هل يصح الوقف والوصية للصوفية أم لا؟ ذلك أن عدداً كبيراً من مصالح البلدان، كالدكاكين والحمامات والأسواق والبساتين والقرى الفلاحية والطواحين والمعاصر وغيرها، كانت توقف على صوفية خانقاه أو يوصى بإنفاق ريعها على جماعة صوفية معينة، وبالتالي فإنه لا يستفيد من هذه المصالح إلا حفنةٌ من المجتمع حظيت بخيراته وهباته، بل وأثرت في مجرى الأحداث السياسية والاجتماعية حظيت بخيراته وهباته، بل وأثرت في مجرى الأحداث السياسية والاجتماعية في الأمة، فغدت هي المتنفذة المقربة من أولي الأمر، بل إن أولي الأمر أنفسهم باتوا يخشونهم، فتزلفوا لهم بالمبالغة في إكرامهم وإغداق الأموال عليهم.
لقد شكل هؤلاء الصوفية عبئاً ثقيلاً على اقتصاد المجتمع، وأرهق الأهالي والفلاحون بتوفير احتياجاتهم طمعاً في إرضائهم ونيل دعواتهم، وانعكست الأهداف وغرق الصوفية في المفاسد والإفساد، وسيروا الحياة الاجتماعية وفق ما يرغبون، وطغى هيلمانهم، واستفحل تأثيرهم، فقام جماعة من العلماء، وأخذوا على عاتقهم تنبيه المجتمع لحالة التردي التي وصلت إليها حركة الصوفية، وذلك من خلال إيقاظ الأحاسيس بأصول الصوفية الحقة، فأعاد هذا النفر من العلماء، البحث في التصوف، وحقيقة الصوفي من حيث المبادئ والأهداف، والقصد من ذلك إثارة المسألة عند الناس، ليقارنوا بين حال الصوفية في عصرهم، وما يجب أن يكونوا عليه.
وكان مؤلف رسالتنا جعفر بن ثعلب الأدفوي أحد هؤلاء العلماء الذين صنفوا في باب الصوفية، وعقد أبواباً في رسالتنا للبحث في مبادئ الصوفية حيث اتكأ على "الرسالة القشيرية" واقتبس عشرة آراء لكبار فقهاء الصوفية عرضها بشكل ميسر بسيط.
وحول حقيقة الصوفي والكلام فيه، فقد تناول مؤلفنا، النسبة إلى التصوف، وبيان من تصدق عليه النسبة، وقرر بأن البدع واختلاف الفرق الإسلامية بعد سنة 200هـ، هي التي أخرجت التصوف من أصوله ومعناه([40]).
وحتى ينجح في إقناع قارئ الرسالة أو سامعها، فقد استشهد بأكثر من عشرين رأياً لفقهاء من الصوفية من أهل الطريق وأصحاب العلم والتحقيق([41])، وملخص ما انتهى إليه، أن الصوفي في العرف العام، هو من اتصف بالصفات المحمودة في الشرع، وتخلق بالأخلاق الممدوحة، وإن بعد فيها الطبع، معرض عن الدنيا، مقبل على الآخرة، سالك الطريق التي هي أولى بالمرء".
وأما في العرف الخاص، فإن الصوفي من يلبس لبسة مخصوصة من دلق([42]) أو فرجيه([43])، وله عمامة، يرخي منها عذبة قصيرة من قدامه، ويحضر في الخانقاه بعد العصر اليحضر القراءة والذكر، وغير متعاط للحرف الدنيئة كالحياكة أو الحجامة أو القمامة، وغير موصوف بالثروة.
وكأن الأدفوي أراد القول، إن شروط الانتظام في سلك الصوفية في عصره هي:
ـ التزيّي بأزياء معينة.
ـ مداومة الحضور إلى الخانقاه بعد العصر للقراءة والذكر.
ـ عدم تعاطي الحرف الدنيئة كالحياكة والحجامة والقمامة.
ـ غير معروف بالثراء.
وما عداها من الزهد والعبادة والبعد عن زخرف الدنيا فغدت شيئاً مهملاً.
لقد مهد الأدفوي بالبابين ليصل إلى الباب الثالث، وهو "من يستحق الوقف والوصية من الصوفية"، وهذا الباب هو جوهر الرسالة، والمقصد الأساسي لتصنيفها، ويدخل هذا الباب في نظريات الإلزام والالتزام من فقه القانون المدني. في حيثيات "العُرف".
والمادة القانونية التي يطرحها هي، أن العرف محكّم وفاصل في النزاع إذا كان منضبطاً، ولا خلاف عليه في بلد معين، فإذا اضطرب العرف في ذلك البلد، وجب البيان حينئذٍ، أي أن الحكم يربط بالأسباب.
فالوقف لا يصح على الصوفية، لعدم ضبط معنى الصوفية ووقوفه عند حدٍ. وقد أفاض مؤلف الرسالة في الاستشهاد بما في المذاهب الأربعة جواز الوقف من عدمه، فالشافعية لا تجيزه، وكذا بعض علماء الحنفية، وأما الحنابلة، فأجازوا الوقف على المنقطعين للعبادة، وتصفية النفس، من الأخلاق المذمومة([44]).
ثم ناقش مؤلفنا رأي الغزالي في الوقف على الصوفية، والذي أورده في كتاب "إحياء علوم الدين([45])، حيث ذهب الغزالي إلى أن الصوفي هو من اتصف بما يلي:
ـ الصلاح.
ـ الفقر.
ـ لبس زي الصوفية.
ـ ألا يكون مشتغلاً بحرفة.
ـ أن يكون مخالطاً للصوفية بطريق المساكنة والخلطة([46]).
وقد تناول مؤلف رسالتنا هذه القضايا، وناقشها، وفندها بنداً بنداً، واستشهد بأقوال كبار رجال الزهد والتصوف لإثبات حجته، وإبطال حجج الغزالي، وقد استند مؤلفنا في ردّه على الغزالي، على الأمور التالية:
ـ أن الغزالي فيما أورده لم يجرِ على القواعد الفقهية.
ـ اعتراف الغزالي بأن لا دليل لديه عما يقول إلا العادات والأعراف الخاصة.
ـ العرف الخاص لا اعتبار له عند أهل الفتوى([47]).
قدم الأدفوي جملة من الشواهد التاريخية تبطل الادعاء بالزي، وتنفي شرط المساكنة والخلطة، وحتى الفقر والاشتغال بحرفة دون أخرى، وأما الصلاح، فبَّين مؤلف رسالتنا، بأن الصلاح محصور في الاقتداء بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن مسالك الصوفية لا بد أن تكون وفق القرآن والسُّنًّة([48])، وأتى بشواهد عديدة من أقوال أئمة التصوف المشهورين بالصلاح والتحقيق.
ويلاحظ بأن مؤلفنا كان ينقم على الغزالي طرح تلك الآراء، بل ويقابلها بالاستهجان، فحين عرض الغزالي لنزول الخانقاه، قال مؤلف رسالتنا "وهذا الذي ذكره الغزالي لا يناسب تحقيقه"([49])، وفي موضع آخر قال: "... وهو لم يبينه قبل، وأحال عليه، فهو عجيب منه"([50])، وفي معرض نقده لكتاب "الإحياء" قال: "لأن كتاب الإحياء ليس موضوعاً للتحقيق على طريقة الفقه، وأكثره وكثير منه، مبني على كلام صوفي"([51]).
ومجمل ما انتهى إليه مؤلف رسالتنا، أن المنتسبين إلى التصوف ثلاثة أقسام:
ـ قسم اتبعوا ما جاء في الشرع، ووقفوا مع ما قاله علماء السُّنَّة، فهم يستحقون التعظيم ويستوجبون التبجيل والتكريم([52]).
قسم حصل لهم غلوّ في التصوف فابتدعوا طرقاً واخترعوا عقائدَ، ووقفوا مع ألفاظ مزخرفة جمعوها، فيدخلون في جملة الكفار، ويستحقون النار.
ـ قسم غلب عليهم الجهل، ووقفوا مع ما أحدث من رسوم وتركوا النظر في المعارف والعوارف والعلوم. واحتفلوا بالرقص والسماع والشهوات، وهؤلاء الأخسرون أعمالاً في الدنيا والآخرة([53])
أما الوقف على صوفية عصره، فلا يُقره مؤلف الرسالة للأسباب الشرعية التي أشرنا إليها. وفي ذلك قطع لمصدر ارتزاق لفئة كسولة خاملة، استنامت في عيشها إلى السهولة واليسر، واستطابت الراحة. وكان خطأ المجتمع أن وفَّرَ لها سبُل الحياة بدون تعب، فملأ الواحد منهم بطنه بلذيذ الطعام، ونام نوماً عميقاً، في انتظار الطعام الألذ، والمتعة السهلة المنال.
وصدق من قال: نعوذ بالله من النار، ومن الصوفي إذا عرف باب الدار.
مؤلف الرسالة:
هو جعفر بن ثعلب بن جعفر الأدفُوي، أبو الفضل، كمال الدين ولد في بلدة أدفُو([54]) سنة 685= 1286م، وبها نشأ. ثم درس بمدرسة قُوص، التي كان بها مدرسة تضارع مدارس القاهرة، ثم انتقل إلى القاهرة، درس على جملة من أساتذة العصر، منهم أبو حيَّان، محمد بن علي بن يوسف الأندلسي، أثير الدين، وابن دقيق العيد، وتاج الدين الدشناوي، وأحمد بن محمد بن أحمد، محيي الدين القرطبي وسواهم.
وقد وُصِفَ المؤلف بأنه مؤرخ، وله علم بالأدب والفقه والفرائض والموسيقا، وكان ينعى على علماء عصره ما وَصَلَ إليه العلم في عصره. 
من أهم مؤلفاته التي عرفناها:
ـ الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد
ـ الإمتاع في أحكام السماع
ـ البدر السافر وتحفة المسافر
ـ فرائد الفوائد ومقاصد القواعد في علم الفرائض
ـ كتاب الإسعاف
ـ كتاب الموفي بمعرفة التصوف والصوفي
 
 
 
 
 
 
 


([1])  ـ سلام: الأدب في العصر المملوكي، 1/202 ووردت الأوصاف في الرسالة، 7أ.
([2])  ـ المقريزي: الواعظ، 2/416.
([3])  ـ المرجع السابق، 1/283.
([4])  ـ حبيب الزيات: ليلة رقص وسماع أميرية للفقراء، مجلة المشرق العدد 43 سنة 1939م، نقلاً عن الدر المنتخب في تكملة تاريخ حلب ـ مخطوط بالمكتبة الأحمدية بحلب المحفوظة الآن بمكتبة الأسد بدمشق رقم 1214، الأوراق من 270 ـ 271 من الجزء الأول.
([5])  ـ اليونيني: "ذيل مرآة الزمان" خ أكسفورد 132 POC. OR الأوراق 112 ـ 113.
([6])  ـ الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، 16.
([7])  ـ الصقاعي: تالي وفيات الأعيان، 151.
([8])  ـ ابن طولون: مفاكهة الخلان، ج1 ص 21.
([9])  ـ المرجع السابق ج1 ص 9،7، حوادث سنة 885هـ.
([10])  ـ الشيباني: الكسب، 37، العيني: عقد الجمان، ج33/38أ، الكلاباذي: التعرف، 102.
([11])  ـ الشعراني: اليواقيت والجواهر، 1/125.
([12])  ـ وردت الأبيات في النص المنشور من رسالة ابن القارح، علي منصور الحلبي، الذي كان معاصراً لأبي العلاء المعري، والتي جاءت رسالة الغفران رداً على رسالة ابن القادح لأبي العلاء، وقد جاء في الشطر الأول من البيت الثاني: أقال الله حين عشقتموه ولعله الأصوب، لأن الصوفية تعشق بينما العبادة لكل البشر، انظر: أبو العلاء المعري: رسالة الغفران، ومعها نص محقق من رسالة ابن القارح، تحقيق د. بنت الشاطئ، ط. السادسة، دار المعارف، 1977 ص 36 ـ 37، بنت الشاطئ: جديد في رسالة الغفران، ط. بيروت 1972، ص 51.
([13])  ـ الغزالي: إحياء علوم الدين، 2/236، ابن الجوزي، تلبيس إبليس 267 (نقد مسلك الصوفية في الغناء والسماع، الهروري: عوارف المعارف، باب 24 "القول والسماع".
([14])  ـ ابن الجوزي: تلبيس إبليس، 247، 250، 260.
([15])  ـ هو أبو إسحاق، إبراهيم بن نصر بن عسكر، انظر ابن خلكان: وفيات الأعيان 7/37 ـ 38.
([16])  ـ انظر الزيات (حبيب): كتاب الديارات في الجزء الأول من مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري. مجلة المشرق 42: 1948، 297.
([17])  ـ التنوخي: نشوار المحاضرة، مجلة المجمع العربي بدمشق، العدد 17 ص 261 ـ 262.
([18])  ـ أي هل يوجد هنا غير موافق في المذهب.
([19])  ـ أي ليس من يخالف.
([20])  ـ كناية عن الوطء.
([21])  ـ أي النور الإلهي.
([22])  ـ وردت عند الحديث عن دير الخوات ص 93، وانظر ابن فضل العمري: مسالك الأبصار، 1/280 ـ 282 (تحقيق أحمد زكي باشا).
([23])  ـ ابن الجوزي: تلبيس إبليس، 265.
([24])  ـ المرجع السابق، 276.
([25])  ـ الشعراني: الطبقات الكبرى، 2/129.
([26])  ـ الدلجي: الفلاكة، 72، ابن الفوطي: الحوادث الجامعة، 325.
([27])  ـ قبائل مغولية سكنت الجزء الأعلى من خط نهر venessei بأواسط آسيا.
([28])  ـ الشعراني: لواقح الأنوار، 2/257، زكي مبارك: التصوف، 1/257.
([29])  ـ الشعراني: الطبقات الكبرى، 2/129، 130.
([30])  ـ الزيات: الفقراء المخربون، مجلة المشرق، مجلد 43سنة 1949، 511 ـ 515.
([31])  ـ ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، 2/112.
([32])  ـ المقريزي: السلوك، ج1 ق1 ص 407.
([33])  ـ المقريزي: الخطط، 3/40.
([34])  ـ الغزي: لطف السمر، 1/363.
([35])  ـ صفي الدين الخزرجي: سير الأولياء، 30، تحقيق مأمون محمود ياسين وعفت وصال، ط. بيروت.
([36])  ـ المقريزي: السلوك، ج2 ق1 ص 16.
([37])  ـ كلمة فاحشة بذيئة.
([38])  ـ المقريزي: الخطط، 2/424، ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات 3/287.
([39])  ـ سلام: الأدب في العصر المملوكي، ج1 ص 203.
([40])  ـ انظر الرسالة، 4ب.
([41])  ـ الرسالة، 6أ.
([42])  ـ الدلق: نوع من اللباس يجعل تحت العباءة الفوقانية، وقد يكون كالمعطف واسعاً بدون فتحة، سوى فتحة الكتفين، ويحاك من حرير الطرح الأزرق اللون أو من الصوف الأسود، انظر، محمد عيسى صالحية: من وثائق الحرم القدسي الشريف، ص 27، دوزي: معجم، 183، ماير: الملابس المملوكية،90.
([43])  ـ فرجية: ثوب فضفاض، له كمان واسعان، يتجاوزان قليلاً أطراف الأصابع، وقد يكون لها ذيل يرخى من فوق الرأس. انظر دوزي: معجم الملابس، 167 (النص المترجم المنشور في مجلة اللسان العربي م 10ج3).
([44])  ـ الرسالة، 8أ.
([45])  ـ الغزالي: إحياء علوم الدين، 2/ 153.
([46])  ـ الرسالة، 9 أ.
([47])  ـ الرسالة، 9 ب.
([48])  ـ الرسالة 12ب ـ 15أ.
([49])  ـ الرسالة، 8ب.
 ([50])ـ الرسالة، 8ب.
([51])  ـ الرسالة، 8ب.
([52])   ـ الرسالة، 8ب.
([53])  ـ انظر الرسالة، ص 17.
([54])  ـ وهي بلدة بصعيد مصر الأعلى بين أسوان وقُوص. انظر "معجم البلدان" (1/126) و "شذرات الذهب" (6/153) طبعة القدسي (م).
 
 
 
طائفة الشيعة في سورية وحاجتها إلى الإصلاح
الأحد 21 مايو 2006

طائفة الشيعة في سورية  وحاجتها إلى الإصلاح

بقلم العلامة محمد رشيد رضا

(( مجلة المنار المجلد 23 الجزء ‌10 ص 763 ربيع الآخر 1341 ديسمبر 1922 ))

 

   كان لطائفة الشيعة المشهورة باسم ( المتاولة ) شأن عظيم في جبل عامل ،وجبل لبنان من سورية ، ونواحي بعلبك في سعة الأملاك والوجاهة والثروة وفي العلم والأدب ، ولما كان ما كان من نهضة النصارى الأخيرة في لبنان – انكمش الشيعة وتضاءلوا وفاقهم النصارى في كل شيء ،

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: