صحوة الشيعة
الأربعاء 14 أبريل 2010
صحوة الشيعة

 

الصراعات داخل الإسلام وكيف سترسم مستقبل الشرق الأوسط

  ولي نصر

  [ هذه هي الفقرات المهمة من هذا الكتاب، وهي تكشف حقيقتين:

  1- ما هي التصورات الغربية عن علاقات الشيعة والسنة.

  2- دور اللوبي الإيراني  والشيعي في نصرة إيران والتشيع بترويج كثير من الأكاذيب.

  نعرضها للقراء الكرام حتى ندرك كيف يسير العالم من حولنا، ليكون جهدنا في مساره الصحيح . الراصد ]

   المقدمة

 في أوائل عام 2003، وبالتحديد حوالي بدء الحرب في العراق، كنتُ في زيارة لصديق قديم لي من الشيعة في باكستان. يومها رحنا نتحدث عن التغييرات والتحوّلات التي أخذت تكتسح الشرق الأوسط. بالنسبة لصديقي هذا، كان هناك شيء ملتوٍ ويبعث على السخرية من كل ذلك الحديث عن السُنة والشيعة الذي يملأ أمواج الأثير ويبلبل بوضوح أفكار أولئك الناس في الغرب ممّن يظنون أن كل ما يهمّ في العراق والشرق الأوسط هو النضال في سبيل الديمقراطية. وهذا ما حدا به إلى استعادة حوار جرى له مع مسؤول أميركي رفيع المستوى.

لقد كان صديقي من كبار الموظفين الحكوميين الباكستانيين في ثمانينيات القرن العشرين، وكان يعمل ضابط ارتباط مع البنتاغون في إدارة دفة الحرب ضد السوفييت في أفغانستان. فتذكّر أنه في تلك الأيام الخوالي، عندما كانت إيران وحزب الله يشنّان حرباً نشطة ضد الولايات المتحدة وكان المجاهدون الأفغان هم "الأبطال" و "الأخبار"، كثيراً ما كان يحلو لنظيره الأميركي ـ وهو مسؤول رفيع في النتاغون ـ أن يغيظه بالقول إن الشيعة "غيلان متعطشة للدماء". فكان صديقي يردّ على ذلك بأن الأميركيين لا يفهمون الأمور حق الفهم. كان يقول إن المشكلة الحقيقية ستكون مع السُنّة. إنهم هم المُسْتَكْبِرون والشيعة هم المُستَضْعَفون". ومرّ الزمن، وتقاعد صديقي من الوظيفة الحكومية. وذات عصر ناعسٍ من خريف عام 2001، وكان ذلك بُعيد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، إذا به يستيقظ من غفوته الخفيفة على زعيق أبواق قافلة من السيارات السوداء المطهّمة تكرج قاصدة منزلة في إسلام آباد. لقد عاد صديقه الأميركي القديم ـ وهو الذي صار الآن شخصاً مهمّاً في واشنطن ـ عاد إلى باكستان مجدداً ليُدير حرباً أخرى في أفغانستان، وقد ارتأى أن يعرّج عليه أولاً. سأل الأميركي صديقي الباكستاني: "أما زلتَ تذكر نقاشاتنا طوال تلك السنوات عن الشيعة والسُنة؟ أُريدك أن تشرح لي ماذا كُنتَ تقصد بقولك إن السُنّة هم من سيشكّلون لكم المشكلة الحقيقية". وهكذا شرح صديقي له الفوارق ما بي الطائفتين المسلمتين، ومَنْ تغلّب على مَنْ، ومتى كان ذلك ولماذا، وماذا يعني كل ذلك اليوم.   ص (13 ـ 14).
 
على مدى رُبع قرن، ما بين الثورة الإيرانية على 1979 و 11 أيلول / سبتمبر 2001، كثيراً ما كانت الولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأوسط من خلال عيون النخب السُنّية المتسلّطة في إسلام أباد وعمّان والقاهرة والرياض، التي تُمثّل الحلفاء المحليين الرئيسيين لأميركا. وحتى في الدراسات الأكاديمية الغربية عن الإسلام، لم يكن الشيعة يحظون سوى بإشارات عابرة وسطحية. لكن مع استمرار التحوّلات الطارئة على الشرق الأوسط وتعرّض الهيمنة السُنية لتحدّيات شتّى، كان لا بد للمنظور الأميركي للمنطقة من أن يتغيّر هو الآخر. رداً على الاعتراضات الأوروبية على الحرب في العراق، قام وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد كما هو معروف بالتمييز ما بين "أوروبا القديمة" المُعارضة للحرب، و "أوروبا الجديدة" الأكثر ميلاً إلى تأييدها. كذلك رسمت الحرب إيّاها خطأ فاصلاً (وإنْ يكن بطريقة مختلفة) ما بين شرق أوسط "قديم" وآخر "جديد". الشرق الأوسط القديم يعيش تحت هيمنة مكوِّنه العربي، ويتوجه بأبصاره نحو القاهرة وبغداد ودمشق ـ الحواضر الغابرة للخلفاء السُنّة ـ باعبتارها "مدن السلطة" فيه. كما أن مشاكل المنطقة ومطامحها وهويتها وصورتها لنفسها كانت في المقام الأول، وإن لم تكن حصراً، مشاكل ومطامح وهوية وصورة العرب. وقُل الشيء نفسه عن القيم السياسية الغالبة في الشرق الأوسط القديم؛ إنها عُصارة عقول وعقود من القومية العربية.
هذا الشرق الأوسط الآخذ في الزوال حالياً وسط حالة من الاضطراب الشديد، كان في جوهره موئلاً للمؤسّسة الحاكمة السُنّية، ومن أجلها، وفي متناولها ورهن مشيئتها. أما الشرق الأوسط الجديد، الذي يُولد حالياً ولادةً متشنجة ـ وتتخلّل آلام ولادته السيارات المفخّخة، ولكن أيضاً الاحتجاجات السلمية والانتخابات ـ فإن ثمة هوية جديدة تحدّده وعلى قدم المساواة... تلك هي هوية الشيعة بروابطهم الثقافية وعلاقاتهم الدينية وتحالفاتهم السياسية وصلاتهم التجارية العابرة للفوارق ما بين العرب وغير العرب. خذوا العراق مثلاً. إنه مع زعامة العالم العربي إبّان أوج القومية العربية. العراق هذا انتخب كردياً كأول رئيس له ما بعد الحرب، وهو يُقيم علاقات أوثق مع إيران منها مع جيرانه العرب. لا بل إن شيعة العراق وأكراده، الذين يُشكّلون غالبية سكّانة، اختاروا أن يحذفوا القَسَم المعتاد بالولاء للحوية العربية في أولى محاولات البلاد سنّ دستور جديد في صيف عام 2005/ معلنين أن العراق "جمهورية فيدرالية" وليس "جمهورية عربية".
لعلّ الأعضاء المنتخبين للحكومة العراقية الناشئة ما بعد الحرب كانوا من أوائل القادة الشيعة الذين تقيم معهم الولايات المتحدة اتصالاً مباشراً وذا معنى منذ قيام الثورة الإيرانية. وحين تحدّث الزعماء الأميركيون عن تغيير سياسة المنطقة نحو الأفضل بُعيد الحرب العراقية، فإنما كانوا يتحدثون في الواقع عن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط القديم ذي الهيمنة السُنيّة. لم يعيروا كبير التفات إلى الشرق الأوسط الجديد الآخذ بالبزوغ، ويتوجب عليهم بعدُ أن يدركوا ما ينطوي عليه من إمكانيات واحتمالات. هذا الشرق الأوسط لن تحدّد معالمه الهوية العربية أو أي شكل من أشكال الحُكم القومي. بل إن طابع المنطقة سيتقرّر في النهاية، داخل بوتقة الصحوة الشيعية والاستجابة السُنيّة لها.
إن الشرق الأوسط هو اليوم أكثر عُرضة للاضطراب والتطرّف من أي وقت مضى منذ أن أطاحت الثورة الإيرانية الإسلامية بحليفٍ للولايات المتحدة عن عرش ذلك البلد وحملت متشددين شيعة إلى سُدة السلطة هناك.   ص ( 16 ـ 18)
 
ولا تزال نظرة العديد من السُنّة إلى أبناء جلدتهم. في لبنان، على سبيل المثال، تزعم المعتقدات الشعبية أن للشيعة أذناباً، وأنهم يتناسلون أكثر من اللازم، وهم أشدّ صخباً في التعبير عن تديُّنهم؛ وإذا ما أخذنا في الاعتبار صورة لبنان عن نفسه كبلد يتسم باللُطف والرهافة، تجدهم موضع ازدراء من جرّاء تصرفاتهم المجافية للذوق وأحياناً المبتذلة. بالرغم من الشعبية الواسعة التي يتمتع بها حزب الله، يواجه الشيعة في لبنان تمييزاً في المعاملة، ويتعرّضون للنبذ بوصفهم قرويين خرقاء، وغير جديرين بادّعائهم الطافح بالغرور بتمثيل لبنان. وفي المملكة العربية السعودية، يُقال إن الشيعة يبصقون في طعامهم ـ وهو افتراء يُقصد به دونما شك عدم تحبيذ حتى المشاركة في الطعام بين السُنّة والشيعة ـ وأن مصافحة شيعي نَجَسٌ ينقض الوضوء. أما في باكستان، فالشيعة يتعرّضون للتحامل المُغرض بما يُطلق عليهم من تسميات وأوصاف تحقيرية، ومنها: "البرغش" مثلاً.   ص (18 ـ 19)
 
لن يهنأ الشرق الأوسط بالسلام والاستقرار إلاّ إذا عكس توزيع السلطة والثروة حجم الطوائف الحقيقي، واحتضن النظام السياسي الجميع دونما استثناء، ووفر الوسائل لحل المنازعات الناشئة والمتوارثة سلمياً. ومتى استنفدت النزاعات والصراعات المنفلتة من عقالها أغراضها فعلاً، ستوصل السواد الأعظم من السُنّة والشيعة إلى ترتيب نظام سياسي يُمكنهم جميعاً أن يشاركوا فيه ـ لا أن تهيمن طائفة على أخرى دينياً أو سياسياً ـ نظام يُمثّل مطامح وتطلّعات كل فرد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ص (24)
 
هذا الكتاب ليس عن الحرب في العراق، بل هو عن الصراعات التي فجّرتها الحرب هناك، وعن تداعياتها، وكيف سترسم تلك الصراعات صورة المستقبل. وغايتي منه هي أن أشرح للقارئ لماذا يوجد نزاع بين السُنّة والشيعة، وما الذي دفعه إلى البروز أكثر في الآونة الأخيرة، وماذا سيعني هذا النزاع بالنسبة لمستقبل الشرق الأوسط وعلاقة العالم الإسلامي بالغرب على حد سواء. سيجد القارئ بين دفتيه الشيء الكثير عن الإسلام والتاريخ الإسلامي، والمزيد عمّا يعينه ذلك لمن يدينون بهذا الدين.   ص (24 ـ 25)
 
وعلى مرّ السنوات وترامي المسافات، قام المؤمنون الشيعة بتكييف عاشوراء لتُصبح تنويعات في الثقافات المحلّية. وبالنتيجة، تبدو عاشوراء في لُكنو بشمال الهند مختلفة تمام الاختلاف من بعض الوجوه عنها في النبطية بجنوب لبنان. وفي العراق، يقطع مئات الألوف مسافات طويلة سيراً على الأقدام، قاصدين كربلاء، ويكون ذلك أحيااناً في عزّ حرارة الصيف، تماماً شأن الحجّاج الكاثوليك الذين لا يزالون إلى اليوم يقومون بالمسير من كاتدرائية نوتردام دو باري إلى كاتدرائية تشارتر في فرنسا. إن عاشوراء في شمال الهند تعكس مدى الاحتكاك بالرموز والاحتفالات الهندوسية. وإذا كان بالوسع إدراك وتفهُّم الكثير من الممارسات فيها من جانب الهندوس هناك، إلاّ أنها ستبدو ولا شك هجنة في أعين الشيعة من الشرق الأوسط.
كانت الفيلة تتقدم مواكب عاشوراء الملوكية في لكنو إبّان القرن الثامن عشر، وكانت الجموع ترفع مجسّمات ضخمة، تمثل أهم المزارات الشيعية في الهند والعراق، على أكتافها لساعات طويلة. وإلى يومنا هذا، لا يزال حمل تلك المجسّمات يحتلّ مكانة بارزة في احتفالات عاشوراء في لكنو؛ هذا التقليد الذي يُذكّرنا بمهرجان "عيد الجسد" الذي يُقام في شهر حزيران/ يوينو من كل سنة في البيرو، حيث يرفع السكّان المحليون تماثيل ضخمة للقديسين يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر، ولا سيما تمثالَيْ سان كريستوبال وعذراء بيت لحم، ويطوفون بها لعدة أيام في الهواء النقي لجبال الأنديز الشاهقة. ومثلما أن مهرجان "عيد الجسد" مبني على طقوس حضارة الإنكا القديمة، كذلك عاشوراء في منطقة لاداخ تحمل بصمات بوذية واضحة، وهي في أودة وحيدر أباد تعكس مؤثّرات هندوسية لا تخطئها العين.
في أودة خلال القرن الثامن عشر، كان الهندوس يُشاركون بشكل تلقائي في احتفالات عاشوراء. ذلك أنهم كانوا قد كرّسوا الحسين إلهاً للموت، "فجواده المضرّج بالدماء ورأسه المحزوز المرفوع على أسنّة الرماح الأموية، مشهدٌ لا يقلّ بأي حال هولاً وفظاعة عن صورة كالي دورغا* التي تطوّق جيدها بقلادة من الجماجم البشرية". وقد عملت المؤثّرات الهندوسية على التحوير في طقوس عاشوراء، فمدّدت على سبيل المثال مدة الاحتفال إلى عشرة أيام، وهي نفس المدّة التي يستغرقها المهرجان المخصّص للإلهة دورغا. وفي حيدر أباد بجنوب الهند، جرت العادة أن يقوم "الفقراء"** الهندوس، وقد قلّموا وجوهم بالأصباغ الحمراء وحملوا الطبول والسياط في أيديهم، بتقدّم الصفوف في موكب عاشوراء الرئيسي. فيأخذون بجلد أنفسهم فيما هم يستعطون المتفرجين أن يتصدّقوا عليهم بشيء كُرمي للحسين. وكانت أعواد البخور تحترق في الجرار على نسق التقليد الديني الهندوسي عند التجمّع للصلاة أو لتلاوة المراثي الحزينة. وكان الهندوس يأتون إلى تلك الاجتماعات وهم يرتدون الملابس الزعفرانية، لون ديانتهم، مما كان يُشكِّل تبايناً صارخاً واللون الأسود الذي يرتديه الشيعة. وقبل المغادرة، كان الزائرون الهندوس ينحنون فوق الجرار ويدعكون أجفانهم برماد البخور، تعظيماً للإمام الحسين والتماساً لبركاته بالطريقة المتُبعة في ديانتهم.
وهذا وتحمل التمظهرات الأخرى للتعلّق الشديد بعليّ وأئمة الشيعة في جنوب آسيا بصمات الهندوسية هي الأخرى. فمن الشائع أن عامّة الشيعة هناك ينخرطون في ما يُعرف بـ "معجزة خاني" (أي قراءة المعجزة)، وهي عبارة عن قسم روحي يأخذه المرء على نفسه بأن يتلو سيرة من سير الأئمة على أمل أن يمنّوا عليه بتحقيق إحدى أمانيه. ولعلّ هذه العادة تعود بأصولها إلى التقليد الهندوسي في عبادتهم المعروفة بـ "البختي"، حيث تتمّ تلاوات طقسية لحكايات معيّنة تُدعى "فرات"، مرفوقة بالصيام والصلوات (يوجا).   ص ( 43 ـ 44)
 
مهما يكن من أمر، فإن ما يفصل الشيعة عن السُنّة ليس هو، في النهاية الفوارق لجهة العبادات بقدر ما هي الروح التي يؤوَّل بها الإسلام. فإذا كان التسنُّن يتمحور، بادئ ذي بدء، حول الأخذ بإرادة الأغلبية والقوة الشرعية لإجماع الأمة، فإن التشيُّع لا يعير كبير أهمية لرأي الغالبية في المسائل الدينية. إذا إن الحقيقة عند الشيعة غير منوطة بجماعة المؤمنين، وإنما هي حقّ مكتسب من حقوق القيادة الصالحة للنبي والمتحدرين من صلبه. وفي حين يُشدّد السُنّة على الدوام أكثر من يشدّدون على رسالة الإسلام، نجد الشيعة يُعطون أهمية أكبر بكثير لناقل هذه الرسالة. وقد شرح البعض هذا الاختلاف بالقول إن السُنّة يعظِّمون النبي لأنه نقل القرآن إلى المسلمين، بينما يُبجّل الشيعة القرآن لأن النبي هو الذي تولّى نقله. ولئن كان معظم الشيعة لا يذهبون إلى حد اعتناق رأي كهذا إلاّ أنه ما من شك في أن غُلاة الشيعة يُقرّون به، وأن التشيُّع يُشدّد تشديداً كبيراً على النبوّة في ترادفٍ مع رسالة الإسلام. ص (47 ـ 48)
 
ظهر التصوّف بين السُنّة كتعبير باطني عن الإيمان الإسلامي مقصور على فئة قليلة، وكان شبيهاً من عدّة أوجه بالتديُّن الشيعي، وكذلك كثقلٍ موازن لتقيُّد السنّة الحرفي بأحكام الشرع ولاهوتهم المفرط في عقلانيته. هذا ولئن كان التصوّف منتشراً في أوساط الشيعة أيضاً، إلاّ أن انشغاله بالمعاني الباطنية لرسالة الإسلام ليس عميقاً وقويّاً كما هو عند السُنّة.
والحال أن ما بين التصوّف والتشيُّع العديد من القواسم المشتركة إنْ من حيث الروح أو المزاج. فعلى غرار الشيعة، يؤمن المتصوفة بوجود معان ظاهرة وباطنة للقرآن والأحاديث النبوية، وهم يُجلّون من يرون فيهم لقُدرة على إدراك أشَدّ المعاني باطنية. ومثل أئمة الشيعة تماماً، يحظى أولياء التصوّف بمكانة خاصة متأتية من معارفهم اللدُنية وقربهم من الله. والماهية الروحانية للأولياء تُعبر شأن مثيلتها لدى الأئمة، ينبوعاً للبركات التي لا تنقطع عن الأتباع حتى بعد أن يغيَّب الموت هؤلاء الأولياء. إن المزارات الصوفية، على غرار المزارات الشيعية، هي أماكن يُخالج المؤمنين تجاهها إحساسٌ عميق بالهوى الروحي والتعلّق العاطفي. فين أتباع الطريقة الششتية في جنوب آسيا والطريقة العلوية في شمال إفريقيا، تقوم زيارة الأضرحة في صُلب إيمانهم وتديّنهم. وحتى عندما كانت أفغانستان تعاني الأمرّين تحت نير التزمّت الطهراني العنيف لطالبان، استمر العديد من الأفغان في التردد على المزارات وممارسة عبادات الإسلام الشعبي المقترنة بها.
إن الإمام الشيعي والوليّ الصوفي كليهما موضع إجلال وتعظيم بوصفهما وسيطاً خاصاً ما بين الإنسان وربّه، قادراً على التشفُّع للمرء كي يمنّ الله عليه بالشفاء والنعمة والغفران، حتى ولو كان هذا المرء من مهملي الفرائض الدينية اليومية إلى حد ما. بعبارة أخرى، يتقبّل المتصوفة المواقف التي تُعرَّف التديّن الشيعي وتؤطّره ـ تلك المواقف بالذات التي يرفضها بعض السُنّة بحجّة أنها منافية للإسلام.
وأخيراً، يُشارك المتصوفة الشيعة في تبجيلهم لعليّ وحُبّهم لآل البيت بالنسبة للقسم الأعظم من المتصوفة، يُمثّل عليّ الينبوع الأبرز للمعارف الروحية. إنه في نظرهم المريد الصوفي الأول طُراً ومصدر الحكمة اللدُنية التي تشكّل أساس التصوف. ومن هنا، فإن جميع الطُرُق الصوفية، فيما عدا النقشبندية التي تعود بنسبها على الخليفة أبي بكر، ترى في عليّ المنبع الرئيسي للحكمة الروحية (وإنْ كان العديد من زعماء الروحية الاستثنائية). فالكثير من السجايا التي تُعزى إلى عليّ، كالشهامة والبسالة والكرم والعدل وعظمة الروح، هي من القيم التي يتعلّق بها المتصوفة بوصفها الجوهر الحقيقي للتديُّن الإسلامي. وهذه النزعة هي أٌقوى ما تكون عند الصوفية الشيعية، التي تجد تعبيرها الأهمّ في الطريقة "النعمتلّلهية" الشهيرة في إيران حيث تنحبك في عقيدتها: الروحانية الصوفية والتديّن الشيعي في نسيجٍ واحد.
وقد تولّد عن تأثير الصوفية في الحياة الإسلامية والفكر الإسلامي تسامحٌ إزاء التشيُّع في العديد من المجتمعات السنّية. فحيثما تؤطر الصوفية التديّن الإسلامي، يلقى الشيعة قدراً أكبر من القبول. ففي جنوب آسيا مثلاً، لطالما أظهر المذهب البرلوي الإسلامي، الذي يُضافر ما بين تعاليم الصوفية والفقه الشرعي السُنّي، مزيداً من صور التسامح مع الشيعة. وعندي أن التصوّف والتشيُّع لديهما الكثير مما يخشيانه معاً، ولا سيما في ذلك الضرب من التديُّن الطهراني المتزمّت الذي تروِّج له الوهابية والسلفية. علماً بأن الكثير من القوى التي تنتهج الخط السنّي المتشدّد في رفض التشيّع تُبدي كذلك معارضة شرسة للتصوّف. ففي العراق وباكستان، القوى المتشدّدة التي تهاجم الشيعة في الوقت الحاضر، لا توفِّر الصوفية والمتصوفة أيضاً من هجومها. وفي العديد من أنحاء العالم الإسلامي اليوم، تطغى المعركة ما بين التصوّف من جهة، والتزمّت الوهابي أو السلفي من جهة أخرى، وإلى حد بعيد على أي صراعٍ بين التيارات الإسلامية التقليدية والحداثة. فالمواقف من الاثنتين تشهد حركة مدّ وجزر في موازاة نزعة التزمّت والتشدّد داخل المذهب السُنّي ـ أعني وجود تجاذب قوي بين القول بالصوفية والإسلام الشعبي وبين التوكيد على متطلبات العقيدة الرسمية الصارمة.
وقد توصل التشيُّع والتصوّف إلى بناء قضية جامعة بينهما في مواجهة خصمهما المشترك. ولعلّ سوريا اليوم مثال عصر للتعاون القائم بين الاثنين. الإخوان المسلمين، الجماعة المحبّذة للأصولية السُنّية المتزمتة، ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، إلى التعويل على الطريقة الصوفية النقشبندية لتأمين الغطاء الشرعي له. وقد كان الشيخ أحمد كفتارو، الذي توفي عام 2004، مفتي سوريا الأكبر وزعيماً بارزاً للطريقة الصوفية النقشبندية في البلاد. وخليفته في كرسي الإفتاء، الشيخ أحمد بدر الدين حسّون، متصوّف نقشبندي هو الآخر. وقد أمَّن كفتارو وطريقته الدعم والسند اللازم في وجه تحدٍ أصولي لنظام حكم علوي علماني تسنّى له مؤخراً فقط أن يُقنع مرجعيات دينية شيعية لبنانية وإيرانية بالإعلان عن أن العلويين هم مسلمون شيعة لا غبار عليهم. وفي أفغانستان والشيشان والبلقان، ابتدأت حروب التحرير في الغالب على أيدي الجماعات النقشبندية المحلية، لتُختطف بعد ذلك من جانب الجماعات السُنّية المتزمتة المدعومة سعودياً والأفضل تمويلاً. وقد كانت المقاومة النقشبندية للإسلام المتزمّت المأثور عن الوهابيين والسلفيين، جلية بنوع خاص أثناء الحرب الأفغانية، حيث قاتلت القوى النقشبندية للسيطرة على البلاد، أولاً ضد مختلف مجموعات المجاهدين المدعومة سعودياً وباكستانياً، مثل "الحزب الإسلامي" بقيادة قلب الدين حكمتيار، ولاحقاً ضد طالبان. ص (55 ـ 57)
 
إلى الجنوب من طهران، وفي مكان ليس ببعيد عن ضريح أية الله الخُميني، يقوم مزار صغير مقدَّس عند الشيعة، لكنه لا يستقبل إلاّ النساء فقط. إنه مقام السيدة (بيبي) شهربانو. وشهرة المقام متأتية من سخاء البركات التي يُسبغها على زائراته المتوسّلات به؛ وكذلك لأنه مدفن الأميرة شهربانو، ابنة آخر ملوك الفُرس، يزدجرد الثالث، وزوجة الأمام الحسين. ينهض المزار على قمة رابية تطلّ على أفقر الأحياء السكنية المنتشرة جنوب العاصمة طهران. والمرء ليشقّ طريقه إليه ببطء ومشقة نظراً لوجود مئات النسوة المتجمّعات حول قبر الأميرة باكيات ضارعات، وهن يتطلّعن بلهفة إلى السلوان والشفاء والعطف. إن زواج الإمام الحسين من ابنة آخر ملوك الساسانيين ـ والتي هي بطبيعة الحال والدة الإمام الشيعي الرابع* ـ ليرمز في نظر الإيرانيين إلى الاقتران الوثيق ما بين إيران والتشيُّع. ص (59)
 
والحال أنه لم يكن هناك الشيء الكثير مما يُمكن تسميته خلافة حقيقية حتى يتصارع الشيعة والسُنّة عليها في القرن السادس عشر. فما ورثه العثمانيون لم يكن مؤسّسة بكامل اشتغالها بقدر ما كان الزعامة الرمزية البحث للعالم السُنّي. وقد كان الصراع عملياً بين المطالب المتنافسة بالحقّ في بسط السلطة السُلالية والإمبراطورية الشيعية من جهة، والسُنية من جهة مقابلة، على المنطقة بأوسع نطاقها. وقد كان الصفويون من أصحاب التطلّعات الشيعية إلى الهيمنة الإقليمية، فمثلت السلالة الصفوية نوعاً جديداً من الحامل للطموح الشيعي.   ص (61)
 
هنالك جاليات إسماعيلية عربية، في محافظة نجران السعودية النائية على سبيل المثال. لكن الإسماعيليين باتوا، ولا سيما في القرون الأخيرة، جالية هندية ـ إيرانية إلى حد بعيد. لقد عاش معظم الإسماعيليين، كما هو مأثور عنهم، ضن دائرة استيطانية تمتد من الهند إلى غرب الصين وطاجكستان وأفغانستان وشمال غربي إيران لتنتهي نزولاً في باكستان. وسقوط الاتحاد السوفييتي وظهور بعض معالم الانفتاح في الصين، أتاحا للإسماعيليين الفرصة لإقامة أواصر متجدّدة مع هذا القوس الشاسع وعبر العديد من الحدود الدولية التي تخترقه. في ظل الحكم البريطاني، ازدهرت أحول التجار الإسماعيليين في الهند، فكان أن هاجروا بكثرة سالكين طُرُق التجارة الأمبراطورية. وقد استقر العديد منهم في شرق إفريقيا الخاضع للاستعمار البريطاني، وكوّنوا هناك طبقة تجارية في كينيا وتنزانيا وأُوغندا. لكن حملات "الأفرقة" التي شهدتها تلك المنطقة في سبعينيات القرن العشرين ـ وكانت أسوأها على الإطلاق جزءاً من حُكم الإرهاب والترويع الذي ساد أوغندا في ظل الدكتاتور عيدي أمين ـ حملت عدداً كبيراً من الإسماعيليين الأفارقة من أصل هندي على النزوح إلى المنافي. فتوجه البعض منهم إلى الولايات المتحدة أو بريطانيا، لكن القسم الأكبر منهم آثر الهجرة إلى كندا. ومع مرور الزمن، خرجت من الإسماعيلية مللٌ أصغر فأصغر، كطائفة البُهرة في الهند مثلاُ، كما كان لها يدٌ في انشقاق نحلٍ صغيرة أخرى عن التشيُّع، كالدروز في الشرق، واليزديين في العراق، والعلويين في سوريا، والعلويين الأُخر في تركيا*
 ص (72 ـ 73)
 
إن صعود الدولة الحديثة حمل في طياته تبدّلاً في بُنية المجتمع الشيعي وذلك من خلال تفكيك الروابط التي كانت فيما مضى تشدّ الكثرة الكاثرة من الشيعة شدّاً محكماً إلى طائفتهم وزعمائهم. فقد اتجه الشيعة من الطبقتين الوسطى والعالية إلى تحصيل العلم في المدارس العلمانية سواء في الغرب أم داخل الوطن، ضمن معاهد أنشأتها الإرساليات التبشيرية الأوروبية، مثل كلية كينيرد أو كلية فورمان المسيحية في لاهور، وكلية بغداد، وجامعة طهران الأميركية، والجامعة الأميركية في بيروت، ولاحقاً في تلك المعاهد التي تأخذ بالنُظُم التربوية الحديثة في بلادهم. وهكذا صار البعض منهم علمانياً في نمط عيشه أيضاً، أو اعتنق المذهب السُنّي من أجل تسهيل حركة الترقّي إلى الوظائف العُليا، الطريقة التي قد يتحوَّل بها مواطن معمداني من الجنوب إلى أسقفي في بعض المحافل من المجتمع الأميركي، وآخرون افتُتنوا بالأصولية السُنّية التي كانت تكسب المزيد من الأنصار، فضلاً عن تعزّز مكانتها سياسياً ودينياً على حد سواء خذوا باكستان في سبعينيات القرن العشرين وأذربيجان في تسعينيات القرن عينه مثلاً، كان التشيُّع هُناك يُرى على أنه هامد سياسياً ويحفل على نحو مفرط بأمور العبادات والطقوس. وعلى النقيض منه كانت الكفاحية السُنّية تُمثِّل صورة بطولية مشرّقة، إذ كانت تبدو طهرانية، ديناميكية وملتزمة سياسياً. فشعر العديد من الشباب الشيعي الناهض بما لهذه الصورة من جاذبية سحرية، فانقلب سنّياً، أو شرع على الأقل يُمارس التشيُّع كما لو كان سنّياً.
وأدّى التحديث كذلك إلى ظهور اتجاه نحو العلمنة تجلّى بنوع خاص بين أبناء الطبقتين الوسطى والعُليا من الطائفة الشيعية في لبنان والعراق وإيران وباكستان. وقد لعبت النخبة العلمانية دوراً بالغ الشأن في السياسات اليسارية على اتساع الشرق الأوسط كله، عزاه البعض إلى التماهي القطري لدى التشيُّع مع الفقراء والمعدمين، فيما نسبه البعض الآخر إلى رغبة لدى الشيعة في تركيز السياسة على المسائل الأيديولوجية التي تحرف الانتباه عن المشاكل المؤلمة الناجمة عن الهوية الدينية. ففي العراق، كان الأعضاء القياديون في الحزب الشيوعي العراقي وعلى الدوام من أبناء الطائفة الشيعية، وما زال الأمر كذلك إلى يومنا هذا. وعلى النسق عينه، تصوِّت الغالبية الساحقة من الشيعة في باكستان وكالمعتاد لحزب الشعب الباكستاني، حزب يسار الوسط العلماني، والمطيّة السياسية لأسرة بوتو. ومن شأن هذه العادة السياسة أن تعزّز فقط الشكوك لدى يمين الوسط السُنّي في باكستان حيال جيرانهم الشيعة.
كذلك أدخل التحديث تحوّلات على طبيعة العلاقة ما بين النخبة الشيعية والطائفة التي تنتمي إليها. في وقت مبكّر من بدء عملية تكوين الدولة في باكستان والعراق والبحرين ولبنان، كان ممثّلو الطائفة الشيعية في تلك العملية هم الوجهاء والأعيان ("زعيم" بالعربية أو "زمندار" بالأُردية)، وكانوا في غالبيتهم من ملاّك الأراضي وزعماء العشائر. وقد اعتاد هؤلاء إجراء صفقات مع الطبقة الحاكمة السُنّية، ومن خلال مثل هذه المساومات، وجد الشيعة العاديون مواقع جدّ متواضعة لهم في الدول الناشئة حديثاً. كان الوجهاء يستفيدون من ارتباطهم بالسلطة، وفي المقابل كان المطلوب منهم أن يمثّلوا طائفتهم ويكبحوا جماحها في الوقت نفسه. تلك هي الحال إلى الآن في البحرين والمملكة العربية السعودية حيث يحصر الحكّام السُنّة المشاركة السياسية الشيعية في ضرب من لعبة الوجاهة. غير أنه في العديد من الأماكن الأخرى، عملت التحوّلات الاجتماعية وشيئاً فشيئاً على إضعاف قبضة ملاّك الأراضي وزعماء العشائر. فثمة نفرٌ قليل من الإقطاعيين الريفيين، مثلاً، من يُمارس نفوذاً واسعاً في المدن الكبرى حيث يتواجد الشيعة بأعداد غفيرة من الطبقتين الوسطى والدُنيا. فـ "هواء المدينة هواء حُرّ" على ما يقول المثل السائر، وبالتالي فإن الشيعة الذين لم يعودوا مقيّدين بعد اليوم بالأعراف الصارمة للحياة القروية وإيقاعها الزراعي البطيء، باتوا يتطلّعون بإلحاح ويتوقعون أن تكون لهم كلمة مسموعة في السياسة.
هذه السيرورة هي التي غيّرت السياسة الشيعية في لبنان خلال عقد السبعينيات من القرن العشرين. في ظل النظام السياسي الطائفي المعمول به في لبنان، كانت تجري قسمة الغنائم بين الطوائف، وكان ملاك الأراضي من الشيعة، من أمثال آل الخليل وآل الأسعد وآل الزين، يمثّلون صورياً كل الشيعة، وإنْ كانوا في واقع الأمر يحمون مصالحهم الخاصّة ليس إلاّ. وقد أدّى تفاقم التوترات من كل لون وشاكلة في جنوب لبنان إلى إطلاق موجة نزوح شيعية واسعة إلى أحياء الفقراء الواقعة جنوبي بيروت، فيما غادر العديد من الشيعة الأكثر يُسراً البلاد بحثاً عن مستقبل مشرق لهم ولأولادهم في إفريقيا وأميركا اللاتينية والولايات المتحدة. التحوّل الاجتماعي والهجرة ساهما معاً في إرخاء قبضة الوجهاء والإقطاعيين. فقام الإمام موسى الصدر، الزعيم الديني للطائفة، بجمع شمل المتشرذمين القاطنين في سهل البقاع غربي البلاد وفي جنوبها أيضاً، ونظَّمهم في إطار حركة سياسية جديدة سُمِّيت بـ "حركة المحرومين"، وهي التي أضحت في سبعينيات القرن العشرين الصوت الجديد للشيعة في الحياة السياسية اللبنانية. وعندما اندلعت الحرب الأهلية عام 1975، أفسحت حركة المحرومين في المجال لمنظمة سياسية وميليشيا باسم "أمل"*. وهذه الأخيرة هيمنت على السياسة الشيعية إلى حين بروز "حزب الله" في ثمانينيات القرن العشرين بدعم سوري وإيراني. أما أمل، فصارت حزب كثيرٍ من التجّار الشيعة اللبنانيين في فريتاون وأكرا وكينشاسا وديترويت الكبرى؛ وثراء هذه الجاليات في الشتات بات عنصراً مالياً مهمّاً في السياسة الشيعية اليوم.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الشيعة العلمانيين ليسوا هم من استفادوا إلى أبعد حدود الإفادة من التغييرات الطارئة على المجتمع والسياسة الشيعيين، بل رجال الدين أو العلماء. ففي لبنان، الذي ازداد بروزاً ونفوذاً كان الإمام موسى الصدر، ولاحقاً زعماء معمّمين كمحمد حسين فضل الله، وحسن نصر الله زعيم حزب الله. وفي جنوب وشرق العراق حدثت عملية مماثلة. ذلك أن الإصلاح الزراعي الذي طُبِّق في أواخر عقد الخمسينيات من القرن الماضي حرّر الفلاحين الشيعة من سطوة الوجهاء السياسية. وإذا بمدينتَيْ بغداد والبصرة وغيرهما تتضخم سكانياً على غرار ما حصل لبيروت، كيف لا والنزاعات وأعمال الاضطهاد وارتفاع معدل المواليد دونما توقف والبطالة الضاربة أطنابها في المناطق الريفية... الخ، دفعت بالملايين من الشيعة إلى خارج المزارع وحتى من القرى نفسها. خرج هؤلاء الناس في سيلٍ متصلٍ نحو الضواحي الشاسعة والبائسة كحيّ الزعفرانية جنوبي بغداد، أو مدينة الصدر، ذلك الحيّ الشيعي المترامي الأطراف الذي يلتف حول العاصمة العراقية من الجهتين الشرقية والشمالية. فلم تعد لفقراء بغداد أو البصرة في أقصى الجنوب أية صلة بعد الآن السلطة المتخشّبة في مزارع أسلافهم وأهوارهم. أما الخدمات الاجتماعية التي هم بأمسّ الحاجة إليها حيث هم في أحياء الصفيح، فجاءتهم عبر جهود زعماء دينيين من أمثال أية الله محمد صادق الصدر (الذي أعدمه صدّام حسين عام 1999، وهو والد مقتدى الصدر). وبالنتيجة، حين انهار نظام صدّام أمام الدبابات الأميركية، لم يكن عالم الرياضيات المتحوِّل رجل سياسة أحمد الجلبي، أو الطبيب المتحول ناشطاً سياسياً إياد علاّوي، من برز لقيادة الشيعة، بل الصدر والسيستاني ورجال الدين من "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق".
وفي إيران هي الأخرى، وبعد عقود من محاولات التحديث، كان رجال الدين (الملالي) وليس الزعماء العلمانيون من ورث عباءة الشاه. وهذا راجع إلى الوشائج القوية التي كانت تربط العلماء تقليدياً بأبناء رعيتهم. لكن التغيير الحاصل في صفوف العلماء كانت له أهميته أيضاً. فالعديد منهم قد تبنّوا مقاربة جديدة إلى السياسة على غرار موسى الصدر والخميني وباقر الصدر والآخوين الحكيم*. فانخرطوا في التعبئة الاجتماعية وتوسّلوا العديد من الأدوات الأيديولوجية والسياسية المأثورة عن اليسار حتى وهم يتنافسون وإيّاه على الفوز بتأييد الشباب.
وقد لعب ذلك التنافس دوراً مهمّاً في دفع المثقفين والزعماء الدينيين الشيعة إلى التعاطي بجدّية مع الأفكار الغربية التي كانت تسود المجال العام. ففي الستينيات من القرن العشرين، لفت أية الله مرتضى مطهّري، الذي سيغدو فيما بعد واحداً من زعماء الثورة، النظر إلى الشعبية التي يحظى بها اليسار بين شبيبة البلاد. وفي العراق، كتب محمد باقر الصدر في الفلسفة والاقتصاد بأسلوب جديد يستقي مفرداته ومفاهيمه من الفكر الغربي. وكان الغرض من ذلك هو تقديم التشيُّع إلى الشباب بوصفه فكراً يُضاهي الفكر الغربي. فدراسته المطوّلة في الاقتصاد المؤلّفة من مجلدين وتحمل عنوان "اقتصادنا"، تعرض لوجهة النظر الشيعية في العدالة الاجتماعية بلغة جدّ مألوفة لقرّاء كارل ماركس. كان الصدر يتعارك والماركسية حتى وهو يعكس تأثيرها فيه.
وأقبل الشيعة كذلك على اعتناق الفكرة القومية بحماسة لافتة. في أعقاب الحرب العالمية الأولى، تمّت صياغة هويات قومية جديدة ـ وفي بعض الحالات من فراغ ـ وذلك لتحديد أُطر النضال ضد الاستعمار، وتقرير طابع الدولة القومية الذي ينبغي ارتداؤه. بالنسبة للشيعة، ولاسيما عندما يكون هؤلاء أقليّة، كانت القومية العلمانية هوية جامعة، شاملة، كونها تعرّفهم تعريفاً يرتفع بهم فوق المماحكات الجدلية القديمة، ويساويهم بالسُنّة في أعين الأمة. لقد عجز الشيعة عن الاستحكام بالعالم الإسلامي أيديولوجياً أو سياسياً، وكابدوا آلام ومخاطر التهميش. وها هي الدولة الحديثة تُريهم سبيل التقدم إلى الأمام من دون حمل وزر هويتهم الدينية. في إيران، لم يكن للقومية تلك الدلالات والتضمينات، لأن الشيعة يشكّلون الغالبية العُظمى. لكن حيث كان الشيعة أقلية أو محكومين من قبل السُنّة، فقد راقت لهم الفكرة القومية بالطريقة ذاتها التي تجتذب بها الأيديولوجيات الجامعة أبناء الأقلّيات، منقادين وراء وعود التكافؤ والمساواة. لهذا السبب اعتنق الشيعة القومية العربية، والقومية الباكستانية، فضلاً عن الوطنية العراقية أو اللبنانية، متخيّلين في كل حالة من تلك الحالات مجتمعاً لا أهمية فيه للفوارق بين السُنّة والشيعة. وهكذا حمل العالم الحديث معه، في جلبابه القومية على الأقل، الوعد القاطع بإنهاء قرون من التحيّز والتعصب المؤلم.   ص ( 78 ـ 83)
 
لقد حظيت الحركة لإنشاء باكستان بدعم مبكر من الآغا خان، زعيم الطائفة الإسماعيلية، وبدعم مالي سخي من جانب ممولين كبار من الشيعة أمثال م. أ. إصفهاني، وراجا محمود أباد من مدينة لُكنو، وهو أمير شيعي وأكبر مالك للأراضي في شمال الهند. خلافاً للقومية العربية، كانت القومية التي وقفت خلف إنشاء دولة باكستان قومية إسلامية جامعة ولم تكن سُنيّة على وجه التخصيص. إن فكرة باكستان بوصفها وطناً منفصلاً لمسلمي الهند البريطانية، كانت ومنذ البداية تشمل الشيعة والسُنّة جميعاً، والتركيبة الأوّلية للإدارة والجيش في الدولة الوليدة عكست هذه الوضعية.
إن مؤسَّس باكستان، محمد علي جناح، كان إسماعيلياً بالولادة وشيعياً اثنى عشرياً بالعقيدة، مع أنه لم يكن ممارساً لواجباته الدينية. كان قد تمرَّس في "إينز أوف كورت"· في لندن، وكان أكثر إلماماً بالقانون الإنكليزي منه بالفقه الشرعي الشيعي. ولم يحدث أن شارك في المواكب العاشورائية. عدا عن أنه كان يمتلك خزانة ملابس تحوي من البدلات الغربية بقدر ما فيها من أردية محلّية. مع ذلك وبقدر ما يتعلق الأمر بكونه مسلماً وناطقاً بلسان القومية الإسلامية، كان محمد علي جناح شيعياً. لعب إخوانه في المذهب دوراً خطيراً في حركته؛ وعلى مرّ السنوات، كان العديد من قادة باكستان من الشيعة، بمن فيهم واحد من أوائل الحكّام العامّين للبلاد، وثلاثة من أوائل رؤساء الوزارة فيها، واثنان من قادتها العسكريين (الجنرال إسكندر ميرزا والجنرال يحيى خان)، دع عنك العديد من أبرز الموظفين العامّين وملاّك الأراضي والصناعيين والفنانين والمثقفين الباكستانيين. واثنان من رؤساء الوزارة اللاحقين: العاثر الحظ ذو الفقار علي بوتو وابنته المتعلّمة في رادكليف والمنفية في الوقت الحاضر بنازير بوتو، كانا هما أيضاً شيعيين. أحسّت بنازير بتغيُّر اتجاه الريح في تسعينيات القرن العشرين، فاعتنقت المذهب السُنّي. لكن أمها الإيرانية وزوجها المتحدّر من أسرة إقطاعية شيعية كبيرة واسم أبيها المقترن باسم سيف الإمام علي الشهير (ذو الفقار)، كل ذلك جعل أصولها الشيعية واضحة للعيان لا تحتاج إلى بيان. إن تحوّل بنازير بإرادتها إلى المذهب السُنّي يحكي لنا قصة القومية العلمانية التي بدت ذات يوم وعداً صلباً، وكيف أنه انهار مثل لوح خشبي نخره السوس تحت أقدام الأقلية الشيعية المحاصرة في باكستان المعاصرة.
كان والد بنازير ينتمي إلى أسرة من كبار ملاّك الأراضي الشيعية، قادرة على إرسال ابنها للدراسة في جامعة بيركلي بكاليفورنيا وجامعة أوكسفورد بإنكلترا. كان شخصاً مندفعاً، مفعماً بالحيوية والنشاط، طموحاً، نبيهاً وعلمانياً كما كان خطيباً مفوّهاً، ولديه المقدرة على حمل حشدٍ من مليون شخص على الرقص ومن ثم البكاء. وبراعته الخطابية هذه كانت تتلاعب بعواطف الجماهير بالبراعة عينها التي تجدها عند الوعّاظ الشيعة، ودعونه إلى العدالة الاجتماعية تلاقت مع ما يحمله التشيُّع، أي: الأسود والأحمر والأخضر. ومع أنه لم يتفاخر يوماً وبصورة علنية بخلفيته الاجتماعية الشيعية، استطاع علي بوتو أن يفوز بولاء جماهير الشيعة في باكستان، وهي التي تُُشكّل قرابة خُمس عدد سكان البلاد وما كان ينقصه في مجال القيام بالفرائض الدينية المعتادة، كان يعوِّضه بتحمّسه الشديد للأولياء الصالحين ومزاراتهم، ولاسيما مزار لال شهباز قلندار، الوليّ الصوفي من أصل شيعي ذي الشعبية الواسعة الذي يُعدّ قبره من أهم الأضرحة في جنوب باكستان.
شكّلت السنوات التي أمضاها ذو الفقار علي بوتو في السلطة (1971 ـ 1977) أوج النفوذ الشيعي في باكستان وذروة الوعد بقومية إسلامية جامعة حاضنة للجميع. لكن البلاد التي بناها محمد علي جناح وحكمها ذو الفقار علي بوتو كانت تحوّلت مع الزمن إلى بلاد سُنّية من حيث وعيها بنفسها. والهوية السنّية التي اكتسحت باكستان لم تكن، فوق ذلك، من الصنف الصوفي المسالم، بقدر ما كانت من النوع الحادّ وغير المتسامح أبداً. هذا المزيج من العلمانية والشعبوية الاستبدادية التي لا ترحم ـ سقط أخيراً في انقلاب عسكري قاده جنرالات متديّنون من السُنّة تحت تأثير أصوليين متشدّدين. وفي شهر نيسان/ إبريل 1979، شنقت الدولة بوتو بعد أن وجَّهت إليه تُهماً بالقتل مشكوكاً فيها. وكان الجنرال السنّي محمد ضياء الحقّ، المدعوم بقوة من الأحزاب الأصولية السنّية، هو الذي أمر شخصياً بتنفيذ حكم الإعدام، حتى بعدما أوصت المحكمة العليا الباكستانية بإبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد.
أنهى انقلاب عام 1977 التجربة الباكستانية مع القومية الإسلامية الجامعة. صحيح أن الساسة والقادة العسكريين وكبار رجال الأعمال الشيعية لم يختفوا عن المسرح، غير أن "أسلمة" البلاد بشكل دؤوب (والأسلمة هنا تعني تغليب المذهب السُنّي تحديداً). جعلت باكستان تبدو أكثر فأكثر أشبه بالعالم العربي حيث السُنّة يتبوّؤُون المراتب العليا والشيعة يُدفعون إلى الهامش بالتدريج. أجل، إن باكستان تلخّص، ومن نواحٍ عديدة، جوهر التبدّل السياسي الذي واجه الشيعة ما زال: الدولة الحديثة تراوغهم بوعودها وفي ظنّهم أنها قومية علمانية جامعة، في حين أنه واقعة عملياً تحت الهيمنة السُنّية. ص (83 ـ 86)
 
وفي العالم العربي، تعلّم الشيعة الدرس القاسي، وهو أن الأنظمة والأيديولوجيات العلمانية قد تأتي وتذهب، لكن أشكال التحيُّز والافتئات السُنيّة لا تحول ولا تزول. ص (86)
 
خذوا مثلاً الدولة العراقية المُسيطر عليها سنّياً التي اصطنعها موظفو الإدارة الاستعمارية البريطانية بالاشتراك مع زمرة الأمراء الهاشميين من شبه الجزيرة العربية. لقد كان فيها شيء قليل من التعيين التجميلي لسياسيين وأعيان من الشيعة في البرلمان، ولكن لا شيء أكثر من ذلك في اتجاه تعزيز النفوذ الشيعي. وحتى على كثرتهم العددية، لم يتسنَّ للشيعة أن يحكموا أو حتى أن ينالوا نصيباً عادلاً من السلطة في العراق الحديث. ص(86)
 
ولكي يعوّض السُنة عن وضعهم كأقلّية في العراق، عمدوا إلى إدماج هوية البلاد ضمن هوية العالم العربي السُنّي الأكبر. وفي هذا المخطط، لم يكن يُنظر إلى الشيعة على أنهم شركاء في الوطن، بل اتهموا بدلاً من ذلك بتمثيل المصالح الإيرانية، وتالياً بعدم الإخلاص للقضية العربية، فكان نصيبهم التهميش. فلم يكن للعراق رئيس وزراء شيعي قبل عام 1947، أي بعد زهاء ثانية وعشرين سنة من تكوين البلاد. وإذ وجد الشيعة المُحبطون أنفسهم مُبعدين إلى أطراف الحياة الوطنية، فقد فرّ عدد كبير من زعمائهم الدينيين من النجف وكربلاء إلى إيران. واستسلم الشيعة المنهكون والمهزومون للحُكم السنّي في أعقاب الثورة المتهوّرة، تلك الثورة التي طارد شبحها أية الله السيستاني بعد انقضاء صمانية عقود. فحذّر الشيعة من تكرار أخطاء 1920، لمّا على التحلّي بالاعتدال خلال وبعد عملية القضاء عسكرياً بقيادة الولايات المتحدة على نظام صدّام حسين، لأنه كان يخشى إنْ فعل العكس أن تسلِّم الولايات المتحدة وبريطانيا مفاتيح البلاد إلى السُنّة وتحبس الشيعة خارج السلطة مرة جديدة مثلما فعل الإنكليز من قبل. ص (87)
 
ومع تبلور معالم الدولة السعودية في ثلاثينيات القرن العشرين، جرى تهميش الشيعة بصورة ممنهجة، كما تمّ تجريدهم من أي دور لهم في الشأن العام. لقد تسامحت الدولة الوهابية معهم، أجل لكنها لم تقبلهم كما هم؛ فكانوا الأقلية غير المرغوب فيها؛ الأقلية الوثنية. ص(93 ـ 94)
 
في بحر القرن الثامن عشر، اكتسب التشيُّع شيئاً من القوة طرداً مع الوهن المتزايد في أوصال أمبراطورية المغول. والتحوّل في حظوظ الشيعة هذا انعكس في قرار الأمبراطور بهادور شاه استقدام الممارسات الشيعية إلى بلاطه في دلهي مطلع العقد الأول من القرن الثامن عشر. والاتجاه عينه كان بعدُ أكثر جلاءً في الممالك الأصغر التي كانت قد بدأت بالظهور في ما كانت حتى ذلك الحين أراضي تابعة اللأمبراطورية المغولية. فإمارة أودة التي ظهرت في عشرينيات القرن الثامن عشر، وإمارة البنغال التي خرجت إلى الوجود في وقت لاحق، كانت تدينان لأمراء من الشيعة يُعرفون بـ "النَوَاب". وفي جنوب الهند، كانت أكبر دولة إماراتية، ألا وهي "حيدر أباد نظام شاهي"، يحكمها "نظام" سنّي (هكذا كان يُدعى الأمير الحاكم لحيدر أباد)، لكنها على العموم كانت منطقة أكثرية سكّانها من الشيعة. وكان المشهد السياسي والثقافي الغني في بلاط حيدر أباد يطغى عليه النبلاء ورجال الحاشية والكتبة والشعراء الفرس (أعاد وليام دالريمبل وعلى نحو نابض بالحيوية بناء الحياة والزمن كما كانا في أواخر القرن الثامن عشر في حيدر أباد، وذلك في كتابه الصادر عام 2002 بعنوان "المغول البيض"، والمتمحور حول قصة حب رومانسية بين المقيم البريطاني وأميرة فارسية). والنفوذ الشيعي كان أيضاً ملموساً في بلاطّيْ ميسور ومدراس. فكان الأمراء الشيعة فيهما يشملون برعايتهم علماء الدين الشيعة ويشجعونهم على الدخول في سجالات فقهية مع نظرائهم السُنّة. كذلك كان هؤلاء الأمراء يؤمَّنون الموارد المالية اللازمة للمعاهد الدينية الشيعية ولا يبخلون بأي عون لنشر الثقافة الشيعية. وبفضل الأموال الملكية والرعاية الكامنة خلفها، بدأت بعض الممارسات الشيعية كعاشوراء تصبح مناسبات عامّة كبرى. كانت أودة قد برزت بصفتها الحاضرة المجلّية للثقافة والفنون والدراسات الدينية الشيعية في شمال الهند. ومن هنا، تُعتبر مدينة لُكنو الهندية الثانية بلا جدال بعد أصفهان بإيران كواجهة عرض زاهية للفنون والعمارة الشيعية.
بدا صعود نجم الشيعة في نظر المسلمين السُنّة في الهند كما لو أنه نتيجة من نتائج نفوذ بريطانيا المتنامي على الصعيدين التجاري والسياسي. كذلك رأى السُنّة في هيمنة الشيعة مظهراً من مظاهر تدهور وضع الإسلام المحلّي ـ أي لعنة إلهية تُلازم أي زيغ في ممارسة الإيمان. من هنا، أخذ الزعماء الدينيون السُنّة يشدّدون على الحاجة إلى إحياء الإسلام، وهو ما كان يعني لهم أولاً وقبل كل شيء: نقض التشيُّع. الباحث الإسلامي الهندي لمرموق والشخصية الصوفية النقشبندية البارزة، شاه ولي الله الدلهوي (ت 1736م)، الذي كان هو نفسه يُعظِّم الإمام عليّ، أصرّ على أن الشيعة أخطأوا في إنكار شرعية الخلفاء الراشدين الثلاثة الأُول. وحثهم على إيلاء كل من أبي بكر وعمر الاحترام الواجب لتعزيزهما الأمان والتلاحم بين المسلمين في آن مع توسيعهما رقعة الأراضي الخاضعة للحُكم الإسلامي.
أما سيد أحمد الريباريلّلي (ت 1831م)، الذي اشتُهر أكثر ما اشتُهر بجهاده ضد البريطانيين، فقد اتبع أجندة إصلاحية أشدّ تطرفاً وجذرية. فبموجب تلك الأجندة، لا بد لإحياء السلطة الإسلامية في الهند من نقض التشيُّع أولاً نقضاً تامّاً وصريحاً كجزء من حملة إصلاحية ترمي إلى إعادة المعتقدات والعبادات الإسلامية إلى نصابها الصحيح. ونظراً إلى تأثره بالحركة الوهابية، حكم سيد أحمد ببطلان التصوّف والتشيًُّع كليهما ومعهما العادات الشعبية الضالّة لكونها مصدر الفساد الديني وتسبّبها تالياً بتداعي قوة المسلمين.
نزع سُنّة الهند، شأن بقية أهل السُنّة في كل مكان من العالم الإسلامي، إلى رسم رابطٍ مستقيم ما بين رضا الله والنجاح في الدُنيا. وإزاء ما يرونه من تدهور في مكانتهم، يُقابله صعود المتطفّلين الإنكليز والمنحرفين الشيعة إلى مصاف القيادة. حاول السُنّة إيجاد تفسير لانفلات السلطة من أيديهم (وهي الشاهد على رضا الله أولاً وأخيراً)، والنظر فيما ينبغي عمله لاستعادتها ثانية. بالنسبة إليهم، كان النفوذ الشيعي هو السبب والمعيار في آن لانحطاط حالة المسلمين. وهكذا أضحى الشيعة الشُغل الشاغل لأولئك السُنة المعنيين جداً بمعرفة الخلل الحاصل وماذا يلزم لإصلاحه. وعلى نسقٍ سيتبدّى في أكثر من مكان من العالم العربي، أثار الاستعمار حفيظة السُنة، فكان أن صّب هؤلاء قدراً لا يُستهان به من سخطهم على الأقلية المتهمة سلفاً بين ظهرانيهم: الشيعة.
وموقف سيد أحمد هذا من التشيُّع ما لبث أن صار مادة خام لمعظم الحركات الإصلاحية بين علماء السُنّة الهنود في القرن التاسع عشر. فحركة "ديوباندي" (المتخذة اسمها من بلدة تقع في شمال الهند)، التي ظهرت في وقت متأخر من ذلك القرن لحماية الهوية الإسلامية عن طريق التعريف بممارسة الإسلام القويم ومن ثم نشر تلك الممارسة في عموم الهند البريطانية؛ وكذلك حركة "أهل الحيدث" التي سعت إلى تنقية الدين على نحو ما فعلت الوهابية، هاتان الحركتان رفضتا بل هاجمتا بعنف المعتقدات والعبادات الشعبية الشيعية. جاءت الحركتان كلتاهما رداً على الاستعمار البريطاني، وبحثاُ عن أجوبة للاضطرابات التي تعصف بالهند عند منعطف القرن عبر تفسير جديد للإسلام (إنما تفسير ذي طابع إحيائي صريح). عملت حركة ديوباندي جاهدة على تعليم رجال الدين الهنود وتشريبهم بأفكارها وآرائها، بينما ركّزت حركة أهل الحديث على تنقية الممارسات الدينية من الشوائب بغية خلق ملّة إسلامية حقيقية، قادرة على حماية الإسلام من صدمات الاستتباع الاستعماري. ص (94 ـ 96)
 
لم يكن موسى الصدر، وهو الإيراني والشاب المفتقر إلى ظهير له في السياسة اللبنانية التي لا ترحم، لم يكن بالزعيم المحتمل لشيعة لبنان. ومع ذلك، فقد أثبت في النهاية أنه هو المخلِّص الذي كانوا يحتاجونه ويتشوّقون إليه. كان صنفاً جديداً من القادة، رجل دين حركياً، منخرطاً بهمّة ونشاط في حياة طائفته. كان ممشوق القامة وسيماً وذا عينين خضراوين ثاقبتين. وكان حكيماً خبراً بالناس، يحمل إجازة في الحقوق من جامعة طهران، ويتكلّم عّدة لغات. كما كان ملمّاً بالفقه الشيعي إلمامه بالفكر الغربي. ومثل رجال الدين الكاثوليك الحركيين في أميركا اللاتينية، روّاد ما يُعرف بـ "لاهوت التحرير"، أقبل موسى الصدر على العمل بلا كلل لتحسين حظوظ أبناء طائفته، أي إعطائهم صوتاً مسموعاً، وحمايتهم من ويلات الحرب والنزاع الطائفي، وقبل كل شيء، منحهم هوية وصوتاً في السياسة اللبنانية.
ضافر الصدر بين الحركية الاجتماعية والهوية الشيعية لإنتاج مقاربة شيعية متميّزة للنقاش السياسي؛ مقاربة تستجيب بإخلاص للأهداف القومية للعرب، لكنها تؤكّد في الوقت عينه على مصالح الشيعة. وقد كان ناجحاً إلى حد بعيد في إعطاء الشيعة اللبنانيين هوية سياسية جديدة تختلف عن القومية العربية ذات القيادة السنّية، وسيراً على خطاه، تخلّى شيعة لبنان عن ولائهم الأعمى للقضية العربية؛ وعوضاً عن ذلك، طالبوا بالاعتراف بهم وبحقوقهم كشيعة لبنانيين. وقد استطاعوا من خلال تنظيم صفوفهم سياسياً ولالتفاف حول مليشياتهم المسلحة أن ينتزعوا حقّ التصرّف بمصيرهم. وكان الأثر الذي تركه الصدر فيهم من العُمق بحيث صار الناس في نواحٍ من لبنان يقلّدونه في لكنته الفارسية. لقد أضحى الصدر ومليشياه أمل ـ التي كانت تقدّم كذلك خدمات اجتماعية وتعمل كمنظمة سياسية في آن ـ بمثابة منارة للصحوة الشيعية وحامل لواء التحدّي الشيعي للقصة الخيالية الواهية عن الوحدة العربية الجامعة والواقع الاسمنتي الصلب للهيمنة السنّية معاً. لا بل إن الصدر كان مصدر إلهام للشيعة في أماكن أخرى من المنطقة. ففي سبعينيات القرن العشرين، قامت معسكرات حركة أمل بتدريب عراقيين وإيرانيين وسعوديين ونشطاء شيعة عرب آخرين. بل إن مفارز الحرس الثوري الإسلامي الإيراني تمّ، في واقع الأمر، تنظيمها وتشكيلها لأول مرة على أيدي الكوادر المتمرسين في معسكرات التدريب التابعة لحركة أمل. ص (108 ـ 109)
 
جاء أول هجوم علني على العقيدة الرسمية للقومية العربية من جانب شيعي لبناني هو فؤاد عجمي. ففي كتابه "الورطة العربية"، ولحقاً في السيرة المشبوبة بالعاطفة التي وضعها لموسى الصدر بعنوان "الإمام المختفي"، انتقد عجمي بشدّة الادّعاءات الضمنية والوعود المُعلنة للقومية العربية". ص (109)
 
وقد تجلّى عُمق الغضب الشيعي على الفلسطينيين والقومية العربية كأوضح ما يكون التجلّي في عام 1982، حين استقبلت أقلية من الشيعة جنود الجيش الإسرائيلي المحتلّ كمحرّرين. وحين أخرج الجيش الإسرائيلي منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وجد الشيعة الساحة مفتوحة أمامهم لعرض عضلاتهم، بعدما صاروا هم القوة المهيمنة. وما لبثت أن أظهرت أمل قوتها المكتسبة حديثاً في سلسلة من الهجمات المسلّحة شنّتها على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين حول بيروت، كمخيمي صبرا وشاتيلا ـ هذان المخيمان اللذان حازا على شهرة عالمية بعدما اتُهمت إسرائيل بالسماح للمليشيات المسيحية بارتكاب مجزرة دموية بحق المدنيين فيهما ـ ومخيم برج البراجنة. في "حرب المخيمات" تلك التي دامت قرابة الثلاث سنوات، صبَّت أمل جام غضبها وانتقامها على الفلسطينيين. وفي إحدى المراحل فُرض حصار شامل على مخيَميْ برج البراجنة وشاتيلا لمدة ستة أشهر كاملة. وقد حاق بسكانهما خطر المجاعة بعدما قُطعت عنهما المياه والأغذية. واستمر السياسيون الشيعة، ومن بينهم زعيم أمل الحالي نبيه بري، بدعم القوانين والتشريعات المقيِّدة للفلسطينيين. ولم تُغفر للشيعة، "خطيئتهم" بتأييد إسرائيل والهجوم على الفلسطينيين إلاّ بعد ظهور حزب الله على المسرح ليتحدّى الجيش الإسرائيلي ويُجبره على الانسحاب من لبنان، معتِّماً بذلك على "أمل" كواجهة للسياسة الشيعية في لبنان. ص (110)
 
يتعاطى حزب الله مع قضية فلسطين من خلال انتهاجه سياسة فلسطينية مُلحقة باستراتيجيته الخاصة بالوصول إلى السلطة. إن محطته التلفزيونية "المنار" هي اليوم ثاني أكثر المحطات شعبيةً في المنطقة (بعد "الجزيرة")، وذلك عائد جزئياً إلى نسبة المشاهدة العالية التي تتمتع بها بين الفلسطينيين على اتساع الشرق الأوسط. في عام 1994، باشر لبنان بعملية تطبيع لوضع اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه. وتلافياً لأي اختلال في التوازن الطائفي الدقيق للبلاد، سوف يُصار إلى تجنيسهم بأعداد متساوية كشيعة وسُنة ودروز ومسيحيين. وأول المرشّحين للتجنيس كانوا دُفعة قوامها 30 ألف شخص في جنوب لبنان، الذين باتوا الآن في عداد الشيعة من الوجهة الرسمية ـ بعبارة أخرى، يستطيع الشيعة الآن أن يدّعوا لأنفسهم حجماً يفوق عددهم الفعلي في لبنان. وهؤلاء "الشيعة" الذين من غير المرجّح أن يشاركوا في مواكب عاشوراء، سوف يقترعون حتماً وعلى الأغلب لصالح حزب الله. إن حرب حزب الله على إسرائيل منذ عام 1982 قد صنعت من التنظيم بطلاً من أبطال القضية الفلسطينية. لكن إسرائيل، العدو المشترك للطرفين، هي في رأيي من سيحدّد مآل علاقة "الشيعة" الفلسطينيين بحزب الله. ص (111)
 
كان مهدي حائري يزدي فيلسوفاً وفقيهاً ـ آية الله عُظمى بحكم حقّه الشخصي. إذ كان أبوه واحداً من أهمّ رجال الدين الشيعة في القرن العشرين. ففي العشرينيات من ذلك القرن، أنشأ في مدينة قُم الإيرانية مركزاً للتعليم الديني لمنافسة مدينة النجف العراقية. كما كان معلِّماً ومرشداً لآية الله السيد روح الله الخميني. أضف إلى ذلك أن ابنة أخيه كانت متزوجة من ابن الخميني، وحائري نفسه كان قد درس الفلسفة الصوفية على الخميني. ففي خمسينيات القرن العشرين، درَّس الخميني مهدي حائري وبضعة طلبة آخرين "الأسفار الأربعة"، ذلك النصّ الصوفي الذي وضعه الملاّ صدرا* إبان الحقبة الصفوية.
كان الخميني في مقتبل سيرته المهنية فيلسوفاً ذائع الصيت (مع التخصّص في تعليم المنطق الأرسطي)، بالإضافة إلى الاشتغال على نطاق ضيّق بالصوفية، ربما لتأثره بكتابات المتصوف الأندلسي الشهير ابن عربي. لا بل إنه نظم بنفسه شعراً صوفياً، وإن أي من شعره لم يُنشر قبل وفاته عام 1989. ولعلّ أهم عامل صنع له شهرته بين الملالي الشيعة أنه أبدى براعة فائقة في تحليل "الأسفار الأربعة" للملا صدرا، وهو النصّ الروحاني المعقّد على وجه الخصوص الذي طالما حظي بشعبية في المراكز الإيرانية للدراسات الدينية. في عمله هذا، رسم صدرا طريق البحث عن الحقيقة على شكل سفرٍ من أربع مراحل، يقود الإنسان أولاً إلى الله، فيتعلّم كيف يفتح ذاته لاستقبال الحكمة الروحانية، ومن ثم يعود إلى العالم كامرئ اتحد مع الله، ليعكس فيه صفاته وسجاياه السماوية.
أخبرني حائري أنه (حلم) ذات ليلة خلال أحلك سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية، وعقد الثمانينيات من القرن العشرين يغوص في لُجّة من الدماء، وآلاف لا تعد ولا تُحصى من الشباب الإيراني يسيرون إلى الهلاك على خط الجبة، قصد منزل أستاذه القديم وقلبه يعتصر ألماً. فوجد الخميني بمفرده متربعاً على سجادة في حديقته أمام بركة ما صغيرة. وشأن العديد من الإيرانيين في ذلك الحين، كان حائري مضطرباً أشد الاضطراب إزاء أهوال الحرب التي اشتملت على هجمات صاروخية بعيدة المدى على الأحياء المدنية في مدن كلا البلدين. ففتح قلبه المثقل بالكآبة للخميني وسأل مرشده إنْ كان عاجزاً عن إيجاد سبيل إلى وقف المذبحة المروّعة.
بادره الحائري قائلاً: "حرامٌ على المسلمين أن يقتلوا مسلمين. إن مئات الآلاف يموتون في حرب لا نهاية لها ولا تخدم غاية نبيلة". لم ينبس الخميني ببنت شفة إلى أن أنهى حائري كلامه. ثم ومن دون أن يلتفت إليه، سأله الخميني بنبرة هادئة ولكن تأنيبية: "أتلوم الله أيضاً إذا أرسل زلزالاً؟".
صُعق حائري لمقارنة الخميني نفسه ضمنياً بالعليّ القدير، فما كان منه إلا أن نهض واقفاً وغادر المكان من دون أن يتفوه بكلمة واحدة. ومنذئذ لن يعاود حائري مكالمة الخميني مرة أخرى. وبعد مضي سنوات على ذلك، استذكر حائري إدراكه في تلك الأمسية أن الخميني انتهى إلى رؤية نفسه امرءاً يجتاز المرحلة الأخيرة من سفر الملا صدرا ـ امرءاً أضحى متماهياً أشدّ التماهي مع الله وصفاته الإلهية حتى إنه يستطيع، وهو الإنسان، أن يتصرّف كمشترعٍ سماوي عملياً. ( 115 ـ 116)
 
وما من أحد من بين أنداد الخميني كان أكثر صراحةً في نقده من آية الله العُظمى أبو القاسم الخوئي، أستاذ آية الله السيستاني ومرشده. كان الود مفقوداً بين الخوئي والخميني. وأثناء وجود الخميني في النجف (1964 ـ 1978)، ساد الفتور بين الاثنين، وكثيراً ما كان يتبادلان التعليقات اللاذعة بالواسطة من خلال طلابهما. ص (121)
 
كان للخوئي أنصار ومؤيدون بين العلماء الإيرانيين، لكن الخشية من العقاب ألزمهم الصمت لدى وصول الخميني إلى السلطة وتكريس نفسه ما يُشبه الشاه المعمّم تحت لقب "المرشد الأعلى للثورة الإسلامية". فأحد المنشقين، وهو آية الله العظمى محمد كاظم شريعتمداري، جرّده الخميني من سلطاته الدينية، وتلك إهانة لم يخطر لأي شاه أن يفكّر بها مجرد تفكير. ص (122)
 
في الوقت الذي جعلت فيه الجمهورية الإسلامية من علماء الدين الشيعة طبقة حاكمة ـ نخبة "حارسة" سياسية فضلاً عن كونها دينيّة ـ فإن الذي حدّد وتيرة الثورة الإيرانية لم يكن أفلاطون بل كارل ماركس. فقد تزامنت التحوّلات العنيفة التي شهدتها السياسة الشيعية في عهد الشاه مع فترة من الحركية اليسارية الجامحة في البلاد، أقبل معها رجال دين شباب على قراءة الكتب الماركسية ووجدوا أنفسهم متأثرين جداً بالأفكار والروح الكفاحية الشيوعية. فيما شارك بعضهم الأخر نشطاء يساريين زنزانات السجن وتعلّموا منهم الشيء الكثير عن الثورة. وقد تركت المؤهّلات التنظيمية لليساريين وفعاليتهم ذات الحافز الأيديولوجي بصمتها الواضحة على بعضٍ ثالث من رجال الدين.
كان محمد طالقاني رجل دين ذا وجه نحيل وسلوك رزين، كما كان مدخناً لا تسقط السيجارة من فمه. كان من قُدامى المناضلين ضد نظام حُكم أسرة بهلوي، وقد دخل السجن عدة مرات وفي عقود مختلفة، مرة كواعظ شاب، وأخرى كرجل دين متوسط المرتبة، وثالثة كزعيم ديني راشد قُبيل الثورة. خلال وجوده في السجن، التقى طالقاني بالعديد من اليساريين، من عُتاة الستالينيين في خمسينيات القرن العشرين إلى الصنف الشاب من الماويين الذين هيمنوا على الجامعات في سبعينيات ذلك القرن. كان منهم مفكّرون ومثقفون، كما كان من بينهم مقاتلون في حرب العصابات. وكم كان يطيب له، وهو المكرَّم في أعين محادثيه للندوب الكثيرة التي خرج بها من السجن، أن يروي طرائف ونوادر من الحياة في الزنزانة، وكان شغوفاً على الأخص بالحديث عن تفاعله مع اليساريين.
خلال توقيفاته الأولى، حرص طالقاني على النأي بنفسه عن اليساريين، فكان يقرأ القرآن ويتجنّب الملحدين. لكنه شيئاً فشيئاً بدأ يُشارك في السجالات اليسارية، مدافعاً عن إيمانه في وجه المادية الماركسية والتُهم المُساقة ضد الدين بأنه مُحافظ من دون تفكير. وإدراكاً منه أن القرآن يجب أن يُضاهي "البيان الشيوعي" إذا كان له أن يبقى وثيق الصلة بإيران الحديثة، فقد عقد طالقاني العزم على إثبات أن الإسلام لا يقلّ بأي حال تقدمية وثورية عن الماركسية. وإذا كان لم يُقرّ علانية بأنه استعار شيئاً من اليساريين، لكن من الواضح أنه كان يكنّ لهم مودّة ليست بالقليلة. لقد فهمهم وتفهّمهم وشاطرهم وجهات نظرهم. ووضع كتابه الشهير "الإسلام والمِلْكية" الذي يتناول، كما يوحي عنوانه، موضوعاً أثيراً من مواضيع الماركسية، مفصحاً فيها عن تأييده للمِلْكية الجماعية كما لو كانت ركناً من أركان الإيمان في الإسلام.
يُمثّل طالقاني اتجاهاً نافذاً لدى رجال الدين نحو توليف التشيُّع من المُثُل العليا الماركسية بغية مزاحة الحركات اليسارية على استقطاب المؤيدين من الشباب. فضلاً عن توظيف الدين توظيفاً سياسياً على نحو أعمّ. وليس من مفكِّر أكثر ذرائعيةً في هذا المضمار من علي شريعتي، المثقف العلماني (أي غير العلمائي) الذي توفي قبل الثورة بوقت وجيز في عام 1977. نشأ شريعتي في أسرة دينية، لكنه شأن الكثيرين من أبناء جيله، تلقى تعليماً علمانياً. وأكمل تعليمه بأن انتقل إلى باريس لدراسة علم الاجتماع، حيث راح يتردد على الأوساط اليسارية ويُصادق الوطنيين الجزائريين (إنه الرئيس الجزائري هواري بومدين من توسَّط لدى الشاه أثناء حضور هذا الأخير مؤتمر القمة للسلام بين إيران والعراق في الجزائر العاصمة عام 1970، كي يُطلق سراح صديقه القديم علي شريعتي من السجن). كان شريعتي جيد الإلمام باللاهوت والتاريخ الشيعي، لكن نظرته إلى العالم كانت من صياغة العقيدة الماركسية والنظرية العالمثالثية اللتين وتعرّف إليهما في باريس. لقد اقتنع بالأفكار الماركسية وآمن بالصراع الطبقي والثورة واليوتوبيا الشيوعية. كتب عن الإسلام بمصطلحات ماركسية واضحة: "لألفٍ وأربع مئة سنة خلت، تبع نفرٌ قليل من العبيد وباعة التمر ومربّي البعير والشغّال دين محمد. أما اليوم، فهم العمال والفلاحون والتّجار والموظفون والطلاّب من يجب عليهم أن يُحبوا هذا الدين من جديد. إن الحركات لا تنى تظهر وسط الجماهير لأن الطبقات الأرستقراطية الحاكمة تشجع النزعة المحافظة وتمنع التحوّلات الاجتماعية لتحمي مواقعها... كما نجد العديد من علماء الدين يلبسون لبوس الأرستقراطيين سعياً وراء الشهرة والمجد أو لأن الأرستقراطيين يتخذونهم أُجراء لديهم للحفاظ على مصالحهم". بالنسبة إلى شريعتي، التحدّي هو كيف السبيل إلى ترجمة الأفكار الماركسية إلى رموز ثقافية يُمكن للجماهير الشعبية أن تلتصق بها. بعبارة أخرى: كيف نجعل نزول ماركس إلى تحت أكثر سهولة من خلال إعطائه صبغة شيعية؟
كان التشيُّع في نظر شريعتي بمثابة "قانون إيمان" الثورة. فتاريخه يحكي قصة سعي جبّار إلى العدالة، وأولياؤه كانوا أبطالاً ثوريين. الإمام الحسين، في عُرفه، هو تشي غيفارا القرن السابع، وكربلاء عنده ليست سوى دراما ثورية بكل ما في الكلمة من معنى. فتاريخ الشيعة لم يكن شيئاً آخر غير جدلية الصراع الطبقي الذي يبلغ ذروته بثورة. وقد بدأ كل شيء في كربلاء، وسوف ينتهي بثورة إيرانية. في تفكير شريعتي، كربلاء ليست بعد الآن تجليّاً سرمدياً للحقيقة، بل فعلٌ ثوري، وفاعله بطلٌ ثوري قابلٌ للاستنساخ في أواخر القرن العشرين. ولطالما ردّد شريعتي القول المأثور: "كل يوم عاشوراء، كل أرض كربلاء". لقد انتقد شريعتي علماء الشيعة لتحويلهم عقيدة ثورية إلى إيمان هامد. في رأيه، لقد ضلً التشيُّع سبيله في الحقبة الصفوية ليغدو عقيدة للدرس والتديُّن، بدلاً من أن يكون عقيدة للعدالة الاجتماعية والثورة.
أطلق شريعتي على التشيُّع كما يفهمه تسميته "التشيُّع الأحمر"، الذي يتميّز عن "التشيّع الأسود" أو الصفوي. وكان التشيّع الأحمر يُشابه بدرجة كبيرة الحركة الكاثوليكية المعاصرة المعروفة بـ "لاهوت التحرير" التي بدأت مع كتابات الكاهن البروفي غوستافو وكتابات الأب الفرنسيسكاني البرازيلي ليوناردو بوفّ. وعلى نسق المفكّرين والكهنة الكاثوليك اليساريين في أميركا اللاتينية، وجد شريعتي مصدر إلهامه في الماركسية والمحفِّز له في قراءة ما كان الكاثوليك يُسمونها "علامات الزمن". وفي مجرى هذه العملية، استطاع شريعتي أن يقنع العديد من الإيرانيين بأن دينهم يستلزم فعلاً اجتماعياً، حتى ولو بلغ حد اعتناق الشهادة في سبيل العدالة الاجتماعية، تماماً مثلما فعل أولياء الشيعة من قبل.
كثيرون من بين العلماء أمطروا شريعتي بنقدهم القاسي لميوله الماركسية البعض رأى فيه سُنّياً سريّاً نظراً لتهجّمه على العلماء الذين قال إنهم في أحسن الأحوال لا لزوم لهم (كون المحتوى الثوري للمذهب مُتاح للجميع)، وفي أسوأ الأحوال محرِّفون للتشيُّع ومسخه عقيدة مناوئة للثورة. فيما زعم آخرون أن الأمر متروك للأمام الثاني عشر كي يشفي العالم من علله. جاء ردُ شريعتي على هذا الاعتراض الغيبي الطابع بمثابة تَذْكِِرة قوية بالفكرة القيامية الرؤيوية المفتوحة والملحّة التي أثبتت قوتها الفعّالة في تاريخ المسيحية الحديثة في طورها المبكر في أوروبا، حيث لم تترك أحداً إلاّ وأثّرت فيه ـ من كريستوفر كولومبوس... إلى مارتن لوثر، وجون ميلتون وإسحاق نيوتن وأوليفر كرومويل. قال شريعتي إنه حريّ بالشيعة ألا يقبعوا فقط بانتظار عودة الإمام هامدين. بل يجب أن يشعروا بأنهم مدعوون إلى العمل بهمة مضاعفة في سبيل التعجيل بعودته.
لم يفلح منتقدوه إلاّ فيما ندر في المسّ بمكانة علي شريعتي بين الشباب في إيران، أو عرقلة نجاحه في تبسيط وتعميم قراءته الثورية للتشيُّع. لقد صارت "الماركسية الإسلامية" ـ كما وصفها الشاه ذات مرة ـ عقيدة للشباب الثوري. وبالفعل، لم تحل السنوات الأخيرة من سبعينيات القرن العشرين إلا وكان صغار العلماء قد وقعوا تحت تأثير شريعتي، وصاروا هم أيضاً يعرّفون كربلاء بأنها ليست سوى نموذج للثورة الاجتماعية. إن المرشد الأعلى الحالي لإيران، آية الله علي خامنئي، كان صديقاً مقرّباً من شريعتي ويشاطره الكثير من أفكاره أيضاً. وخلص آخرون إلى أن الطريقة الوحيدة لكبح تأثيره هي في انتحال بعض من أفكاره لأنفسهم. وبالنتيجة، انتهى الأمر بقراءة شريعتي، القراءة الماركسية للتشيُّع، أن حدّدت هي بالذات معالم حركة الخميني. وهكذا اقترنت حجج الخميني ضد المَلَكية ولصالح حكم رجال الدين بالماركسية الشيعية التي نادى بها شريعتي لتشكّلا معاً حركة ثورية جارفة. ص( 122 ـ 126)
 
لجأ أتباع الخميني، وعلى امتداد مسار الثورة، إلى استخدام رموز ومفردات "خلاصية" لإضفاء هالة من القوة والبأس على أنفسهم. وقد اتخذ الخميني لنفسه لقب "الإمام". بالنسبة للسُنّة، هذا اللقب يعني حرفياً "القائد"، كما هي الحال في ذلك الذي يقود الآخرين أثناء الصلاة في مسجد المحلّة. أما بالنسبة للشيعة، فالأمر على العكس تماماً، إن تعبير مثير للذكريات والعواطف، إذ يستحضر في الذهن صورة عليّ وصور الأحد عشر من ذرّيته. وحده موسى الصدر اتخذ هذا اللقب. لكن بما أنه يوجد في لبنان حضور سنّي قوي، فقد أدّى الاستخدام الروتيني لهذا اللقب هناك إلى الانتقاص من قيمته ودلالته الرمزية. بينما الإشارة إلى "الإمام الخميني" في إيران لم تجعله فوق سائر آيات الله الآخرين فحسب، بل ساوته بالأولياء وأنزلته منزلة القدّيسين كذلك. وهذه ما صارت عليه الحال وأكثر حين أخذ أتباع الخميني يوظّفون التديُّن الشعبي لتعزيز مكانته الدينية. فرأينا كوادره يروّجون شائعات في خضم الثورة مفادها أنهم شاهدوا وجه الخميني في القمر، وهذا كما قيل برهان ساطع على أن الله قد بارك قضيته. ص (126 ـ 127)
 
وفي إحدى المرّات، سأله عضو في البرلمان ما إذا كان هو "المهدي المنتطر"، فلم يُجب الخميني على سؤاله. وخشية من أن يكون الخميني لم يسمعه جيداً، كرر عضو البرلمان السؤال عليه. لكن الخميني ظل معتصماً بالصمت، لا يدّعي ولا ينكر أنه الإمام الثاني عشر، في موقفٍ ينمّ عن دهاء شديد. ص (127)
 
لذلك لجأت الحكومة الثورية إلى تعبئة مئات الآلاف من المتطوعين للدفاع عن الجمهورية الإسلامية. وقد دُفع بهؤلاء الأبرياء المفتقرين إلى التدريب والمجهّزين أسوأ تجهيز إلى خطوط الجبهة بعدما أُعطي كلّ منهم مفتاحاً بلاستيكياً يُمثّل مفتاح بوابات الجنّة. وكم من ليلة مرّت خلال الحرب استيقظ فيها الجنود الإيرانيون ليروا شكلاً آدمياً ملفعاً كله بالبياض ويمتطي صهوة فرس بيضاء يُوزِّع عليهم بركاته. أشباح "المهدي المنتظر" هذه كانت، في الحقيقة، ممثّلين محترفين أُرسلوا عن قصد لرفع معنويات المقاتلين؛ فكان الجنود العاديون، وهم غالباً فتية من بيئات فلاّحية نشأوا وترعرعوا في جوٍ من التديُّن والورع البسيط، يقومون من ثم بنقل الحكاية إلى أقربائهم وأصدقائهم في القرى والدساكر التي يسمّونها دياراً، هذا إذا كُتبت لهم النجاه وعادوا إلى ديارهم. ص (128)
 
وقد أثبتت "عبادة الشهادة" هذه أنها لا تقلّ أهميةً بأي حال عند الشيعة في لبنان أيضاً، حيث استخدمها حزب الله لشنّ حملته من التفجيرات الانتحارية ضد الجيش الإسرائيلي في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين. كان الاستعداد للموت من أجل القضية الشيعية بمثابة حد فاصل في الواقع السياسي للشرق الأوسط. فقد وضع في أيدي النظام الإسلامي الثوري في إيران أداةً ماضية في سعيه وراء أهدافه المحلية والدولية، وجعل التطرّف والإرهاب الإسلامي أشدّ فتكاً بتشجيعه ما دُعي في ثمانينيات القرن العشرين بـ "العمليات الاستشهادية". في البيئة الشرق أوسطية على الأقل (لأن نمور التاميل في سري لانكا استخدموا أسلوب التفجيرات الانتحارية على نطاق واسع)، كان الاستعداد للموت في سبيل القضية، وحتى زمن متأخر نسبياً، ظاهرة شيعية في الأغلب، ومرتبطة بأدبيات كربلاء والإمام الثاني عشر. ص (129)
 
كان أفراد إحدى الجماعات المهدوية القوية المكرّسة للإمام الثاني عشر والمُسماة على اسمه "الحجّتية"*، يناصبون أسرة بهلوي الحاكمة العداء الصريح ويدعمون أهداف الثورة، لكنهم لم يكونوا مرتاحين لتلميحات الخُميني بأنه المهدي المنتظر أو ممثّله. وقد جرى حلّ جماعة "الحجّتية" بعد الثورة، لكن عدداً كبيراً من أفرادها انضموا إلى النظام الثوري، وبعضهم كرئيس الجمهورية الإيرانية الحالي، محمود أحمد نجاد، أضحوا شخصيات بارزة فيه. تعبيراً عن تفاني "الحجّتية" وولائها للإمام الثاني عشر، بل وسعياً منه أيضاً إلى استعادة قبضة الخميني على الجماهير، أعلن أحمدي نجاد بُعيد انتخابه رئيساً بأن الحاكم الحقيقي لإيران هو الإمام الثاني عشر، وأن سياسة الحكومة يجب أن تسترشد بهدف التعجيل بعودته (فرجه). لا بد أنه أوعز إلى أعضاء حكومته بأن يوقّعوا على قسم رمزي بالولاء للإمام الثاني عشر. إن معظم الإيرانيين لم يكونوا يوماً تواقين إلى الاعتراف بالخميني على أنه المهدي المنتظر، لكن "المهدوية" بقيت مع ذلك تروق للكثير من الأوساط حتى يومنا هذا.
كانت الدولة الشيعية التي تمخّضت الثورة عنها دولة ثيوقراطية شعبوية فرؤيتها للدولة وللحاكمية مستقاة من نظرية "ولاية الفقيه" للخميني، لكن علاقتها بالمجتمع كشفت عن بصمات للأيديولوجيات اليسارية فيها. إن الجمهورية الإسلامية في إيران تعوِّل في قابليتها للحُكم على الحماسة الدينية والإحباطات الاقتصادية لدى الفقراء. وقد قامت على القيم الدينية التي حدّدها الخميني، بيد أنها تعمل كدولة مستبدّة من العالم الثالث ذات حكومة سلطوية مركزية، تملك قطاعاً عاماً ضخماً وتنتهج سياسة اقتصادية يسارية ـ شعبوية. إنها تُضافر ما بين نظرية أفلاطون في الحُكم وقدر معيّن من النزعة الفاشستية التي تعرف كيف تتعاطى مع الأوضاع الصعبة والخطيرة وتتملّق الناس فتُسمعهم ما يحبّون سماعه لتكسب حظوةً وشعبيةً لديهم. ص (129 ـ 130)
 
منذ ظهوره والتشيُّع يستمدّ تعريفه من روح كربلاء والطقوس المشبوبة العاطفة التي تُبقي جذوة تلك التجربة حيّة في النفوس ومتوهجةً أبداً. غير أن جمهورية الخميني الإسلامية لم تكن شيئاً سوى قوانين ولا تحفل كثيراً بالقيم المرتبطة بكربلاء، وحتى بقدر أقلّ بالشعائر المتصلة باستشهاد الحسين. فلم يحدث أن أُقيمت مراسم ضخمة لعاشوراء يترأسها الخميني، ولا شيء مما يوازي المواكب العاشورائية الملكية التي كان يحضرها شاهات إيران وأمراء أودة. في الحقيقة لم يكن الخميني أو أحد من بطانته في وارد تشجيع التديُّن الشيعي الشعبي، وبدرجة أقلّ بعدُ التقاليد المأثورات الشيعية. خلال عهده كزعيم مطلق لإيران، لم يتجنّب الخميني حضور احتفالات عاشوراء فحسب، بل إنه لم يتجشم حتى عناء زيارة المقام ذي الشعبية الطائلة للإمام الثامن في مشهد (الإمام الرضا)؛ لأنه، في قرارة نفسه، أسمى من ذلك كله.
إن الزعماء الإيرانيين الذين يزورون باكستان، غالباً ما يصدمون مضيفيهم الباكستانيين الشيعة بما يبدر عنهم من ازدراء للتقاليد الشيعية، على نحو ما فعلت ذات مرة فائزة رفسنجاني، ابنة رئيس الجمهورية الأسبق علي أكبر رفسنجاني، وكانت هي نفسها عضواً بارزاً في البرلمان خلال تسعينيات القرن العشرين، إذ جرجت مشاعر برلماني باكستاني عتيق لمّا دعاها إلى زيارة أحد المقامات الشيعية، فما كان منها إلاّ أن ردّت في صلفٍ أن زيارة الأضرحة ليست من الإسلام في شيء. وقد دلّ موقفها هذا بجلاء على تأثرها بالتزمّت السُنّي الحديث. فالأصولية الشيعية تستهويها الهوية الشيعية لكنها لا تعوِّل كثيراً على الروحانية الشيعية . فذهنيتها القانونية وتكلُّفها الزائد بالقوانين والتشريعات كانا ولا يزالان، في الحقيقة، "غير شيعيين" بالمرة. ص (131)
 
عندما تُوفي الخميني، شيَّد له خلفاؤه ضريحاً على طراز مقام الإمام الرضا في مشهد، وشجعوا فعلياً زوّاره على أداء طقوس عادةً ما تُقدّم لدى زيارة قبر أحد الأئمة. قد تكون الجمهورية الإسلامية في إيران، بما هي حكومة دنيوية، قد تغيّرت وتبدّلت في مجرى العقدين الأخيرين من الزمن، إلاّ أن قصد حكّام إيران كان ما زال حجب الثورة الإيرانية والخميني خلف غلالة أسطورية ـ لإضفاء مسحة من الخلود عليهما وإحاطتهما بهالة من الرهبة الدينية. ص (132)
 
حرص الخميني على التعتيم على صورته الشيعية خارج العالم الشيعي، وتمظهر بدلاً من ذلك في صورة بطل للصحوة الإسلامية، وقدَّم الثورة الإيرانية على أنها الثورة الإسلامية التي طالما ادّعى المفكّرون السنّة من الإخوان المسلمين و "جماعتي إسلامي" أنها ضرورية إذا ما أُريد للإسلام أن يسترد مجده الغابر. إيران، معقل التشيُّع، هي أيضاً طليعة الثورة الإسلامية العالمية! مقولة كان من الصعب جداً تسويقها، ناهيك عن أن السُنّة في معظمهم ما كانوا ليتقبّلونها. صحيح أن العديد من النشطاء والحركيين الإسلاميين في العالم السُني كانوا معجبين بالخميني وسعوا إلى الاقتداء بمثاله، إلاّ أنهم ظلوا متردّدين في قبول زعامته. وقد حاول الخميني معالجة هذه المشكلة من خلال التركيز على المسائل الدنيوية التي توحّد المسلمين عوضاً عن القضايا الدينية التي من الجائز أن تفرّق بينهم. فصار العدو اللدود للأمبريالية، وأشدّ عداءً لإسرائيل من العرب أنفسهم. فعمل على توجيه الحركية الإسلامية نحو هذه المسائل ـ أي نحو المعركة مع الدخلاء ـ بدلاً من الانشغال بالهموم الإسلامية. إن نزعة العداء لأميركا عند الخميني لها جذورها في التاريخ الإيراني، إنما يُمكن اعتبارها من عدة وجوه نتاجاً جانبياً لتطلّعه إلى الاعتراف به زعيماً لكل المسلمين، ولبحثه عن قضية من شأنها أن توحّد الشيعة والسُنّة تحت عباءته. ص (133)
 
استقبل العالم الشيعي الثورة الإيرانية بقدر عظيم من الزهو والاعتزاز. كيف لا وقد حقق الشيعة الغايتين الساميتين: الثورة الإسلامية والدولة الإسلامية، اللتين تحدّث عنهما مطوّلاً نشطاء السُنة في جماعة الإخوان المسلمين و "الجماعة الإسلامية" الباكستانية. كذلك أحدثت الثورة الإيرانية تغييراً كبيراً في منزلة الشيعة، فقد ارتفعت مكانتهم في العالم بفضل الخميني. قبل وفاة الخميني ببرهة وجيزة، قال الزعيم الباكستاني، مولانا أبو الأعلى المودودي، وهو واحد من أهمّ مفكّري ومنّظري الأصولية الإسلامية، إنه كان يودّ لو حقَّق ما حقَّقه الخميني، ولكم يتمنّى لو تسمح له ظروفه بزيارة إيران ليرى الثورة بأمّ عينيه. وهذا النوع من المصادقة والإغباط كان يمنح الشيعة شعوراً فائقاً بالافتخار والثقة بالنفس. ص (134)
 
من جهة أخرى، عملت الثورة على إيقاظ الشيعة، فأضحوا أكثر جُرأة في المطالبة بحقوقهم وتمثيلهم، مطمئنين إلى أن الخميني سوف يُساندهم في ذلك، وأن لديهم نموذجاً حيّاً للحركية السياسية تكفل لهم النجاح في تحدّي السلطة. وكان الخميني قد بعث ذات يوم برسالة إلى الحاكم العسكري الباكستاني ضياء الحق، يحذّره فيها من أنه إذا ما أساء معاملة الشيعة، فإنه (أي الخميني) "سوف يفعل به ما فعله بالشاه". لذا، حين قصد عشرات الألوف من شيعة باكستان العاصمة إسلام آباد عام 1979 للمطالبة بإعفائهم من "الزكاة" المفروضة عليهم بموجب الشرع الإسلامي، لم يكن أمام الحكومة من خيار سوى الإذعان. ص (134)
 
في عام 1975، وقّع الشاه وصدّام حسين معاهدة سلام لتطبيع العلاقات بين البلدين. لكن تقاعس الشاه عن عمل أي شيء في مواجهة التحدّي المتصاعد من جانب الخميني، أثار حفيظة صدّام، الذي حذّر الملكة فرح، زوجة الشاه، أثناء زيارة لها في العراق في عام 1977، من أن نجاح الخميني ستكون له عواقب وخيمة على إيران والعراق على حد سواء. قال لها إن مئات الألوف سوف يموتون ما لم يتصرف الشاه بالشدّة المطلوبة ويسحق الثوريين. ونُقل عن صدّام قوله بعد ذلك بسنوات إنه ما كان يجدر به أن يطلب الإذن من الشاه للتعامل مع الخميني، وأن أكبر غلطة مفردة ارتكبها في حياته العامة أنه ترك آية الله يغادر العراق حيّاً. ص (136)
 
كان أسلوب الخميني والتحدّي الذي مثَّله يُثيران أعصاب المنطقة. حين توجّه وفد من رؤساء الدول المسلمة إلى طهران للتوسط من أجل إنهاء الحرب، جعلهم الخميني ينتظرون مدة ساعتين قبل أن يستقبلهم وهو جالس على الأرض، وتحدث إليهم بالفارسية من دون ترجمة لعشر دقائق وهم وقوف، ثم غادر القاعة. والمغزى الذي يُمكن استدلاله من القصة واضح جداً: إن آية الله ـ "الإمام"، قوةٌ لن يتسنّى لقادة المنطقة احتواؤها إلاّ لقاء تعريض أنفسهم للخطر. ص (137)
 
المكان الوحيد الذي تسنّى للثورة الإيرانية أن تمتد إليه بقدر من التأثير الدائم كان لبنان. كانت حركة أمل قد درّبت، كما سبقت الإشارة، عدداً من الثوريين الإيرانيين في مخيماتها العسكرية*. والعديد من أوائل قادة الحرس الثوري الإيراني (الذين ما عتموا أن تعرّضوا للتطهير) كانوا من خرّيجي أمل. بالرغم من ذلك كله، لم تكن أمل محبوبة في طهران. فموسى الصدر وأتباعه كانوا يرون في الخميني شخصاً مغروراً ومدّعياً سياسياً يحمل آراءً غير قويمة في الدين كما في السياسة. والخميني؛ من جانبه، كان يجد أمل حركةً غير جذرية بالقدر الكافي، ومنهمكة أكثر من اللازم في المماحكات السياسية الداخلية مما يمنعها من أن تكون حركة ثورية حقيقية. ص (137 ـ 138).
 
ليس الشيعة كُلهم وقعوا في سحر الخميني. ولعلّ آية الله أبو القاسم الخوئي، غريم الخميني القديم منذ أيام النجف، كان وأكثر من أي شخص آخر عقبة في وجه امتداد نفوذ الخميني في العالم الشيعي. صحيح أنه لم يُصر إلى اختيار أي من آيات الله مرجعاً أعلى في عام 1979 ـ وحده الخميني سيدّعي أحقّيته بتلك المرتبة في وقت لاحق ـ إلاّ أن الخوئي هو من كان يحظى بأوفر قدر من المهابة والتوقير بين مجموعة من خمسة من آيات الله الكبار بلا مُنازع، من بينهم الخميني نفسه طبعاً. كان الخوئي من أصل إيراني، لكن تواجده في النجف منحه نفوذاً واسعاً بين الشيعة العرب، وكذلك في المدار الشيعي في جنوب آسيا الذي كانت تربطه أواصر تقليدية قوية بالنجف. كما كان للخوئي نفاذاً إلى الوقفيات الغنية (بحكم مكانتها كمزارٍ للشيعة، كانت النجف تستدرّ تبرعات خيرية طائلة)، وشبكة من المريدين المتفانين الذين هم من أرشد رجال الدين في جماعاتهم. ولئن التحق البعض من هؤلاء المريدين في آخر المطاف بالخميني، كمحمد حسين فضل الله اللبناني (وكان لفترة من الزمن وكيلاً للخوئي في ذلك البلد)، وعارف حُسيني الباكستاني، إلا أن الغالبية الساحقة بقيت على ولائها للخوئي. لقد رفض الخوئي ومنذ البداية نظرية الخميني في "ولاية الفقيه"، معتبراً إيّاها بدعة ضالة، وحثّ أتباعه علناً على تجاهل آية الله الآخر.
في أنحاء عديدة من العالم الشيعي، أضعف ازدراء الخوئي بالخميني من جاذبية هذا الأخير، لا بل شقّ صفوف الشيعة في بعض الحالات. سألتُ الشيعة في قرية بشمال باكستان عام 1989 عمّن يقلّدون من آيات الله، فكان الجواب حاضراً: "في الأمور الدينية آية الله الخوئي، وفي المسائل السياسية آية الله الخميني". فإذا كانت الثورة الإيرانية يومها بصدد صهر الدين والسياسة في بوتقة واحدة، فإن الشيعة في باكستان كانوا مصمّمين فيما ظهر لي على الفصل بين الأمرين، بل وحتى على إرجاع كل من هذين المجالين إلى مرجع تقليد مختلف. في لُكنو بشمال الهند، وجدتُ الناس هناك يشيرون إلى الخوئي باللقب الجديد المُفرد للخميني في إيران: "نائب الإمام" (أي نائب الإمام الشيعي الثاني عشر). وبدا لي كما لو أن الخوئي سيحصل على ترقية تلقائية في لقبه كلما فعل الخميني ذلك. وإذا ما وضعنا في الاعتبار ما كان يقوم به النظام الإيراني من محاولات محمومة لإعلاء شأن الخميني دونما انقطاع، أدركنا كم كان تماسك الولاء للخوئي مثيراً للدهشة والإعجاب معاً، وربما كان ذلك أيضاً سبباً يُعزي إليه النفوذ الذي يتمتع به حالياً تلميذه وخَلَفه: آية الله علي السيستاني.
ينتسب الخوئي إلى المجموعة الإثنية الأذرية في إيران، وكان يتكلم اللغتين الفارسية والعربية بطلاقة إنما بلكنة تذكّرنا باللغة التركية اللغة الأم اللأذرييين. كان ذا شخصية تختلف جذرياً عن شخصية الخميني. فالخوئي محافظ دينياً، والمفتاح الرئيسي لتلك النزعة المحافظة المبدئية عنده هو الإخلاص للموقف الهادئ التقليدي الذي دأب علماء الشيعة على التزامه منذ الحقبة الصفوية. وأهمية الخوئي في زرع العوائق في وجه انتشار أفكار الخميني وهيبته، غالباً ما لا تُقدّر حق قدرها. فهو من أبقى حيّاً ذلك التقليد من الفكر الشيعي الذي يترك هامشاً أكبر من التمييز بين السلطتين الدينية والسياسة، وقد فعل ذلك إلى أن فقدت الثورة الإيرانية بريقها وخفّت جاذبيتها. وإذا كان آية الله السيستاني قد استطاع أن يبلور بنجاح سياسة شيعية تتسم بالاعتدال منذ عام 2003، وتقوم ولو في جانب منها على الموقف الهادئ التقليدي، فإن ذلك راجع بالأساس إلى الإرث الذي تركه له أستاذه ومرشده: الخوئي. إن النموذج الدستوري المُقيَّد الذي ربما يكون قيد التبلور حالياً في العراق، يملك فيما يبدو كل الإمكانيات لأن يكون بديلاً واقعياً عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومزاعمها المفرطة بشأن أحقية السلطة الدينية في البتّ بالقرارات السياسية. وإذا قُيِّض لهذا النموذج المعتدل أن ينجح، فإن نصيباً لا يُستهان به من هذا الفضل ينبغي عزوه حُكماً إلى المقاومة العنيدة التي أبداها الخوئي في وجه الخميني. ص ( 140 ـ 141)
 
الأصوليين السُنّة لم يفيدوا بوجه من الوجوه من الثورة الإيرانية. ففي البدء، جعلوا يراقبون الخميني ومعاونيه وهم يلقّنون المناضلين السُّنّة الشيء الكثير عن كيفية تنظيم وإدارة الحركات الاجتماعية الجماهيرية. لا بل إن الثورة الإيرانية أثارت مشاعر حتى اليساريين في البلدان ذات الغالبية المسلمة كإندونيسيا وتركيا ولبنان، ودفعتهم إلى مطالعة الإسلام باهتمام متجدّد. على أية حال، الإسلام في إيران نجح حيث أخفقت الأيديولوجيات اليسارية. كما أثبت الإسلام جدارته كأيديولوجيا ناجحة للمقاومة. إلاّ أن الإعجاب بما تحقق في إيران لا يعني التسليم بزعامة إيران. وبالفعل سرعان ما وجد المناضلون الإسلاميون خارج إيران الثوريين الإيرانيين أُناساً متعجرفين، منغرين وسكارى بنجاحاتهم.
أضف إلى ذلك أن الأصولية الإسلامية في باكستان، والقسم الأعظم من العالم العربي، كانت أبعد ما تكون عن الثورة من الوجهة السياسية. ذلك أنها متجذرة في الحوافز الدينية المحافظة وفي السوق (البازار)، وهي تخلط ما بين المصالح التجارية والقيم الدينية. والغاية التي تعمل لها تلك الأصولية ـ على حد ما ذكر جيل كيبل، الباحث الفرنسي في شؤون الإسلام المعاصر ـ ليست هدم النظام القائم بل إعطاؤه طبقة جديدة سميكة من الدهان "الأخضر الإسلامي". بينما أصولية الخميني على النقيض منها أصولية "حمراء"- أي ثورية بحق وحقيق- . وهدفها هو تحطيم الدولة القائمة واستبدالها بأخرى جيدة تماماً. ص (144)
 
وقد تجلّت تداعيات الانقسام السعودي ـ الإيراني أو السنّي ـ الشيعي على الحياة السياسية في العالم الإسلامي بمنتهى الوضوح في عام 1982، حين سحق النظام العلوي التابع لحافظ الأسد في سوريا انتفاضة قام بها الإخوان المسلمون في مدينة حماه. كانت إيران آنذاك قد بنت تحالفاً مع سوريا محوره معارضة البلدين لنظام صدّام حسين في العراق. وكان السُنّة، ومنهم الإخوان المسلمون، كثيراً ما يتهمون العلويين بأنهم ملّة مارقة من الإسلام، وبالتالي فهم غير مؤهّلين أو مُهيأين لحُكم المسلمين. وهذا الاعتقاد كان كافياً وحده ليزيد من تمردهم على نظام الأسد. رفض الخميني دعم الإخوان المسلمين أثناء انتفاضة حماه، فكان أن أكسبه هذا الرفض احتقار جماعة الإخوان المسلمين إلى الأبد؛ وبيَّن كذلك أنه بالرغم من توق الخميني إلى الظهور بمظهر الزعيم لكل المسلمين، فإن العلاقات بين الأصوليين الشيعة والسُنّة آخذة بالتفكك على النهج الطائفي المألوف. وعندما حان الوقت للاختيار بين حليف شيعي ولو بالاسم فقط كحافظ الأسد وتنظيم سنّي مكافح حقاً، لم يتردد الخميني لحظةً في الاصطفاف مع الأول. ص (150)
 
وصنفُ الإسلام الراديكالي الذي انتشر على نطاق واسع خلال تسعينيات القرن العشرين في آسيا الوسطى والقوقاز لم يأتِ من إيران، بل كان إسلاماً راديكالياً سُنّياً وُلد من رحم السياسة السعودية المدروسة لاحتواء إيران. ص (154)
 
في عام 1977، أي قُبيل قيام الثورة في إيران بوقت قصير، استولت المؤسسة العسكرية على السلطة في باكستان، وصبّت جام غضبها وانتقامها على رئيس الوزراء الشيعي ذو الفقار علي بوتو. كبير القادة العسكريين، الجنرال ضياء الحق، كان سنّياً محافظاً وشديد التأثر بالأصولية الإسلامية. فانكبّ على "أسلمة" باكستان عن طريق بناء دولة إسلامية من القمة إلى القاعدة؛ دولة تعكس أيديولوجيا الأحزاب الأصولية السُنّية في البلاد. العديد من خُمس مجموع الباكستانيين الذين هم من الشيعة تشجّعوا بوصول الخميني إلى سُدة الحكم وكذلك بِحثّ طهران لهم كي يُطالبوا بحقوقهم، فشرعوا برفض الانصياع لمدوّنة من القوانين واللوائح السنّية التي سُنّت حديثاً برعاية المؤسسة العسكرية. وأشار هؤلاء الشيعة إلى أن ما قُدِّم إليهم على أنه "أسلمة"، تبيَّن أنها لا تعدو كونها عملية "تسنين" ليس إلاّ. وفي تموز/ يوليو 1980، احتشد زهاء 25 ألف شيعي في إسلام أباد للاحتجاج على قوانين الأسلمة. وهذا ما أغلق العاصمة عملياً وفتح العيون على حقيقة حملة "الأسلمة" الجارية على قدم وساق. هنا تراجع ضياء الحق وأُعفى الشيعة من التقيُّد بالقوانين "السنّية" بعدما وجد نفسه محاصراً بين طهران ومواطنيه الشيعة المتململين، وتساوره فوق ذلك الخشية بشأن الحفاظ على علاقات طيبة مع الولايات المتحدة فيما الحرب ضد السوفييت انطلقت فعلاً في أفغانستان. وإذا كان للشيعة ما أرادوه في هذا الشأن، إلاّ أن احتجاجهم أسهم في طرح الانقسام الطائفي قضية مركزية في سياسة البلاد.
تراجعُ ضياء الحق أمام احتجاجات الشيعة أحزن حلفاءه الأصوليين السُنّة أشدّ الحزن. فقد تبادر إلى هؤلاء السنة أنه وكما حصل في ظل الخلفاء الأمويين والعبّاسيين، أثبتت الملّة الشيعية أنها فعلا السوس الذي ينخر الجسم الإسلامي وتُشكّل تهديداً دائماً للسلطات في أية دولة إسلامية. من جهتهم، ما أثار غضبة الشيعة ليس قوانين الأسلمة المشار إليها فحسب، بل وإعدام ذو الفقار علي بوتو عام 1979 كذلك؛ أضف إلى ذلك الحافز إلى التحرّك الذي حقنهم به مثال الخميني وخطابته المناوئة لأميركا. وهكذا غدت باكستان حثيثاً ساحة معركة بين الأصوليتين: الأصولية "الحمراء" الآتية من إيران، والأصولية "الخضراء" التي يروِّج لها ضياء الحق والعسكريون بمساعدة الأحزاب الأصولية الباكستانية واختبار الإرادات هذا ما لبث أن اتخذ شكل تنافس بين أصوليتين شيعية وسنّية. هنا حاولت إيران تجنّب استخدام التعريفات الطائفية، لكن ضياء الحق وحلفاءه والمملكة العربية السعودية نجحوا أخيراً في تعريف المنافسة بمفردات طائفية لصالحهم.
كان ضياء الحق يعلم جيداً أن الخميني لا يستلطفه. إذ كان قد توجّه إلى طهران في عام 1977، وحرص خلال اجتماعه بالشاه على حثّه على اتخاذ إجراءات صارمة بحق القوى الثورية في الشارع. وفيما بعد، التمس الخميني منه الإبقاء على حياة علي بوتو، لكن ضياء الحق ضرب بذلك الالتماس عرض الحائط. وفي اللقاءات الشخصية القليلة بينهما، أبدى الخميني علناً ازدراءه بالجنرال ومثاليته الإسلامية. في إحدى المناسبات، أخذ ضياء الحق على عاتقه تحذير الخميني من مغبة المجابهة مع الولايات المتحدة، لأنه من الحماقة بمكان الاشتباك مع قوة عُظمى. أجابه الخميني بأنه لن يفعل أمراً كهذا مطلقاً وأنه في الواقع يتّكل دائماً على القوة العظمى. انبهت ضياء الحق للوهلة الأولى، لكنه أدرك بعد ذلك أن الخميني كان يسخر منه، إذ قال له إن "القوة العظمى" عنده هي الله، بينما هي عند ضياء الحق الولايات المتحدة. شعر ضياء الحق بالإهانة، فقرّر ألا يجازف أبداً بالسماح بوصول النفوذ الإيراني إلى باكستان مهما كلف الأمر، وما لبث أن ترك لحلفائه الأصوليين السُنّة أمر كبح جماح الشيعة في البلاد. ص (156 ـ 158)
 
في آذار/ مارس 2003، وبينما كانت القوات الأميركية تندفع من الناصرية باتجاه الشمال، أوعز القائد الأعلى لشيعة العراق غير المعروف على نطاق واسع، أية الله العظمى علي الحُسيني السيستاني، إلى أبناء طائفته بعدم مقاومة الزحف الأميركي على بغداد. وبعد ذلك بفينة وجيزة، حين شقّ مشاة البحرية الأميركية (المارينز) طريقهم إلى وسط مدينة كربلاء في منتصف الليل، وجدوها هاجعة يعمّها السكون ويُخيِّم عليها الظلام، فيما خلا القبة المذهبة المتلألئة لمقام الإمام الحسين ـ منظرملؤه الصفاء والبهاء، انبهر لمرآه المحاربون الأميركيون الشباب. كان الوجه الوحيد للتشيُّع الذي تجلّى للجنود الأميركيين وهم يدخلون إحدى أقدس المدن عند الشيعة، وجهاً هادئاً ساكناً بلا ريب، هذا إنْ لم نقل وجهاً روحانياً. نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفويتز فسَّر إيعاز آية الله السيستاني على أنه فأل حسن للولايات المتحدة. وأخبر الكونغرس بأن هناك الآن فتوى "لصالح أميركا" قائمة، وأوحى بأن الحرب في العراق آخذة فعلاً في تحقيق ما تتمنّاه إدارة بوس، ألا وهو حصول تغيير في العالم الإسلامي حتى قبل أن يبلغ مشاة البحرية بغداد.
لكن الحقيقة هي أن إيعاز السيستاني يومها لم يكن لصالح أميركا بقدر ما كان خطوة أولى نحو المطالبة بالعراق للشيعة. هذا الأمر المجهول للعديد من الأميركيين في حينه، كان بالفعل البداية لتحوّل كبير في المنطقة. فقد كان سقوط نظام صدّام حسين إيذاناً بنهاية تسلُّط السُنّة على العراق، وهذا ما أخلّ بميزان القوى بين الشيعة والسُنّة. في آذار/ مارس 2003، لم تبدّل الولايات المتحدة النظام الحاكم في العراق فحسب، وإنما اعترضت أيضاً على نظام الحكم ـ وسمَّته نظام "الهيمنة السنّية" ـ الذي ساد المنطقة ككل زمناً طويلاً. والحال أن أخطر نتائج الحرب في العراق هي أن واحداً من أهمّ ثلاثة بلدان ذات غالبية عربية أضحى رسمياً الدولة الأولى في العالم العربي التي تحكمها غالبية شيعية أُنيطت بها السلطة بصورة ديمقراطية. أملت الولايات المتحدة بأن يكون ذلك إيذاناً بانبلاج عصر جديد في تاريخ الشرق الأوسط ـ وبالتحديد بناء شرق أوسط ديمقراطي، علماني مزدهر اقتصادياً. كانت الإطاحة بصدّام ونظام الأقلية السنّية التابع له، أولاً وقبل كل شيء، بشيراً بشرق أوسط يتقلّد فيه الشيعة سلطة أكبر من أي وقت مضى، ويعيدون بذلك تشكيل بنى التحالفات والثقافات والمؤسّسات السياسية في المنطقة. ومن المرجّح أن يكون للبروز المتعاظم للشيعة أثره في كيفية تعريف هذا الشرق الأوسط الجديد لنفسه بما يتعدّى القيم التي يأملها القادة الأميركيون له. وأكثر من ذلك، في حال اقتربت المنطقة ذات يوم من تلك القيم التي تزكّيها الولايات المتحدة، فإنها ستفعل ذلك يقيناً بطريقة شيعية متميّزة تقريباً. ص (167 ـ 168)
 
من مفاعيل فتح العراق، ظهور قيادة جديدة للشيعة ممثّلة بشخص أية الله علي السيستاني. فالسيستاني، وريث عباءة معلمه ومرشده أية الله الخوئي، برز رأساً بوصفه الزعيم بلا منازع لشيعة العراق، وسرعان ما اعترف به الشيعة بهذه الصفة من لبنان إلى إيران وصولاً إلى باكستان. لقد حاز على محبة ملايين الناس، وعلى ما هو أهمّ من ذلك، على خُمسهم وزكاتهم وتبرعاتهم ـ وهي بمثابة اقتراع مالي بالثقة يبيِّن إلى أي حد يُجلّ الكثيرون رجل الدين كبير السنّ هذا، البعيد عن الأضواء، لا بل المنكمش على نفسه، المعروف بعيشه المتواضع وعلمه العميق. حتى وكلاء السيستاني الذين يجمعون الأموال بالنيابة عنه وينقلون آراءه في المسائل الدينية والسياسية إلى المؤمنين، ارتفعت مكانتهم أيما ارتفاع في شتى المجتمعات الشيعية خارج العراق، بما في ذلك إيران نفسها.
ينتمي السيستاني إلى المدرسة القديمة. فهو أولاً وقبل كل شيء باحثٌ ألمعي واسع الاطلاع، ممن يكنّ تقديراً عميقاً لعلم التاريخ، ويملك موهبة استشفاف الصورة كاملةً غير منقوصة. وقد ارتقى الصفوف في النجف بفضل تحصيله العلمي. ولئن وُلد وترعرع في إيران ـ فهو سليل أسرة من العلماء في مدينة المزارات العظيمة مشهد ـ إلا أنه لم ينخرط قط في سياسة رجال الدين الإيرانيين. وقد توصل السيستاني على مرّ السنوات إلى تكريس نفسه راعياً للعديد من المشاريع الخيرية في وطنه الأم، غير أنه لم يكن له عدد كبير من المقلّدين إلى حين سقوط صدّام حسين. قبل عام 2003، لم يكن السيستاني مشهوراً على نطاق واسع في إيران، ولم يدّعِ أحدٌ من رجال الدين البارزين في قُم أنه مرجعه في التقليد. فقط نواة صلبة صغيرة من أتباع آية الله الخوئي كانت تعرفه ونقلت ولاءها إليه بعد وفاة الخوئي.
وعلى غرار الخوئي تماماً، يرى السيستاني العلماء أساساً كمعلمين ومدافعين عن الإيمان. وهي أدوار لا تضطلع بها حكومة إسلامية حصراً، بل تؤدي من خلال حماية وتعزيز التديُّن الشيعي أياً تكن الحكومة التي قد تتيسَّر للشيعة. ثم إن السيستاني عليم وخبير بأدق تفاصيل الفقه الشرعي الشيعي، وهو عدا عن ذلك قادرٌ على الاحتفاظ برباطة جأشه عند مناقشة مسائل من قبيل نظرية الدستور الوضعي على سبيل المثال. وقد دلّل منذ البداية على براعة استثنائية في استيعاب المضامين المتباينة لمختلف المقاربات بشأن الدستور العراقي ما بعد صدام. ومن أجل بسط وجهة نظره، استخدم بمهارة الحجج الإسلامية فضلاً عن الحجج الديمقراطية المدنية. وقد كانت شخصيته وشعبيته المتنامية على وجه الخصوص عاملاً مهماً في توطّد الإخلاص للإيمان الشيعي على المستوى الشعبي، وساعد ف توليد ونشر شبكات جديدة من الناس والمنظمات الملتفّة حول السلطة التابعة لقيادة رجال الدين في النجف.
وقُدرة السيستاني على ممارسة مثل هذا النفوذ الواسع، إنما بدأت مع سجلّه الناصع بعدم التورط سابقاً في السياسة الإيرانية. لقد كانت بينه وبين زملائه رجال الدين ممّن يحكمون إيران اختلافات عديدة لاهوتية وسياسية، إلاّ أنه لم يحاول قط تشجيع قيام تنافسٍ بين النجف وقُمْ. كما أنه تعالى فوق بواعث الاختلاف ما بين محمد حسين فضل الله وكبار رجال الدين الإيرانيين. كما أنه لم يُدلِ بشيء فيما خصّ المواجهات بين الإصلاحيين والمحافظين في قُمْ، حتى بعدما سعى آية الله حسين علي منتظري الإصلاحي إلى ربط نفسه بالسيستاني أو بين الأصوات الشيعية المتباينة في لبنان. وقد اتضح أنه انطلاقاً من مقاربة السيستاني هذه، من المتاح جداً إجماع في الرأي بين القوى السياسية الشيعية في المنطقة. حتى إيران نفسها قبلت تقريباً بهذا الإجماع على أمل أن يتحوّل بطريقة أو بأخرى إلى أداة في خدمة القوة الإيرانية. وقد تطلّع الشيعة من لبنان إلى العراق فالخليج فباكستان، إلى تلك القوة الإقليمية الشيعية كي تكون حامية لهم وتعزّز مصالح طائفتهم الخاصّة.
في العراق، طرح السيستاني نموذجاً بسيطاً للحُكم قميناً بأن يقبله الجميع. انطلق من موقفه حيال مبدأ حُكم الغالبية وطالب بحكومة خاضعة للمًساءلة وتمثيلية من شأنها أن تعكس الهوية الشيعية وتصونها. وكل شطر من هذه المعادلة دعم الشطر الآخر. فأن تكون الحكومة خاضعة للمُساءلة وتمثيلية معناه تمكين الشيعة من امتلاك السلطة، بينما عنت الهوية الشيعية تحصين تلك السلطة وترسيخها في الدولة والمجتمع على السواء. أما ما المقصود بالهوية الشيعية، فقد كان موضع استفهام. بالنسبة للبعض كانت تعني إدراج الفقه الشيعي في الدستور، فيما عنت للبعض الآخر إفساح المجال أمام العقائد الدينية والعبادات الشعبية الشيعية كي ترسم معالم المجتمع والثقافة. السيستاني رجل محافظ في مسائل الفقه الشرعي؛ فشكل الفقه الشرعي الشيعي الذي ينصح به غير متأثر بالحداثة. مع ذلك، فإن نطاق وطبيعة الفقه الشرعي الشيعي في الدولة والمجتمع العراقيين مسألة من المستحسن، في رأيه، ترك أمر البتّ بها إلى وقت لاحق. وكان ذلك انحرافاً مهمّاً عن سائر نماذج الحكم القائمة في المنطقة. لقد تخلّى السيستاني وبصورة أكيدة وقاطعة عن أي شيء يُِشبه نظاماً دكتاتورياً عربياً، كالنظام البعثي مثلاً الذي أتى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتحطيمه. كما أنه لم يكن ثيوقراطياً مدّعياً من النوع الخميني أو أصولياً يحلم بـ "دستور قرآني" مثلما تعوّد المتطرفون السُنّة أن يفعلوا. لقد حصر دور الإسلام في تأمين القيم والخطوط الهادية لنظام المجتمع. وفيما كان العالم غافلاً إلى حد بعيد عن أهمية ابتداعه هذا، كان يحمل إلى الشرق الأوسط الكبير، بهدوء إنما بثبات، مقاربة سياسية جديدة تُمثّل في حد ذاتها التحدّي الأكثر وجاهة والأكثر معقولية الذي قُيِّض للأصولية وضروب النزعة السلطوية الأخرى أن تواجهه في أي وقت.
كان السيستاني حريصاً على ألا يضع نفسه في وضعٍ يُشتمّ منه أنه موالٍ لأميركا، وإنْ كان لا يخجل في الوقت عينه من الوقوف في وجه السلطات الأميركية عندما يتهدّد هدفه خطرٌ ما. وقد أوضح موقفه باكراً على هيئة فتوى أصدرها وتتعلق بالمدى المتاح للسلطات الأميركية في رسم مستقبل العراق:
ليس لسلطة الاحتلال البتّة حق اختيار أعضاء لجنة صياغة مسودة القانون الأساسي (الدستور). وليس لأية سلطة تقوم من أجل لجنةِ صياغةٍ كهذه أن تمثّل بأية حال المصالح النبيلة للشعب العراقي، أو تترجم إلى قوانين أماني الشعب العراقي وهويته الأساسية التي عمادها الدين الإسلامي الحنيف وقيم المجتمع. إن الخطة [الأميركية] المطروحة حالياً على بساط البحث غير مقبولة من أساسها. وعلى ذلك، تكون الانتخابات الشعبية ضرورية حتى يتسنّى لكل عراقي بلغ سن الاقتراع أن يختار ممثّله في الجمعية التأسيسية. وبعد ذلك، لا بد من المصادقة على أي قانون أساسي تضعه تلك الجمعية عبر استفتاء وطني. فلزامٌ على جميع المؤمنين أن يُطالبوا بذلك، والجزم بصحة هذا التوجّه هو الطريقة الفُصلى التي تتيح لهم المشاركة في هذه العملية.
ومع ذلك، وبالرغم من كل الضغوط الآتية من الشارع، لم يقرب السيستاني قط نزعة معاداة أميركا. ذلك أنه عمل ومنذ وقت مبكر، وبقدر كبير من النجاح، على رسم خطوط حول ما يُسمح للولايات المتحدة أن تفعله على الصعيد السياسي في العراق، إنما دائماً باسم المبادئ الديمقراطية، المطروحة بقوة ومثابرة ومن غير عنف. قال مجادلاً إن على الولايات المتحدة أن تتجنّب اتخاذ أية خطوة من شأنها أن تعيق خيارات العراق الدستورية والسياسية في المستقبل، طالما أن العمل بغير ذلك سيكون عملاً غير ديمقراطي. ربما كان ذلك حركة تكتيكية تنمّ عن دهاء أُريد منها تكبيل أيدي السلطات الأميركية بخطابيتها هي عن الديمقراطية. مع ذلك، كان انتقاء السيستاني للاستراتيجية والأسباب التي ساقها لرفض دفة التوجيه الأميركية بالغة الأهمية. فلم تكن هناك أية ابتهالات نارية بإنزال الغضب الإلهي على الولايات المتحدة أو أية تنديدات بها من الصنف الخميني، أي بوصفها "الشيطان الأكبر"، وإنما فقط حُجج وبراهين هادئة (مدعومة في بعض الأحيان بمظاهرات حاشدة حقاً إنما سلمية) عن البراغماتية والحقوق والديمقراطية وحق تقرير المصير. وعندي أن أسلوب السيستاني هذا المتّسم بالاعتدال والاتزان، هو ما سيرسم الاتجاه العام لبسط سطوة الشيعة على العراق ـ وفي المنطقة.
وللحفاظ على مصداقيته عند العراقيين، تفادى السيستاني أي تعاطٍ مباشر وشخصي مع الولايات المتحدة، فرفض الاجتماع بالمسؤولين الأميركيين، لكنه فوّض ابنه وعلماء شيعة كبار آخرين الاتصال بهم. وأثبت أنه ماهر في تثبيط همّة الحاكم الإداري الأميركي المؤقت*، بول بريمر، من خلال تحدّي الخطط الأميركية لتسليم السلطة إلى عراقيين من أمثال إياد علاّوي وأحمد الجلبي، اللذين كان السيستاني يشعر بأنهما يتعارضان ورؤيته لعراقٍ شيعي. وحين أعلن بريمر أن الانتخابات الأولى ستعتمد صيغة المؤتمرات الحزبية لاختيار المرشحين له، أصرّ السيستاني على اعتماد صيغة "صوت واحد للناخب الواحد"، محاججاً بأن أي دستور يُصار إلى تركيبه بوسائل أخرى "لن يكون "شرعياً" ". ومن أجل تدعيم وجهة نظره هذه، أنزل حشوداً ضخمة لكن بصورة منظّمة إلى شوارع بغداد لمدة خمسة أيام متتالية إلى أن تراجع بريمر. وعندما طلب هذا الأخير الاجتماع بآية الله لمناقشة أوجه الخلاف بينهما، كان ردّ السيستاني المقتضب والجازم: "اسمع يا سيد بريمر. أنت أميركي وأنا إيراني. أرى أن نترك الأمر للعراقيين فيضعون هم دستورهم".
كانت تلك رؤية براغماتية بعيدة كل البُعد عن مثالية الخميني الثورية أو سياسة حزب الله المولعة بالقتال. لقد كانت تعاطياً عملياً مع الولايات المتحدة قائماً على تحقيق المصالح الشيعية. وما دامت السياسة الأميركية والوجود الأميركي في العراق يخدمان المصالح الشيعية، فلن يتوانى السيستاني عن التعامل مع الولايات المتحدة. وقد تمثّل نجاحه الأكبر في إقناع شتى الفصائل الشيعية العراقية، دع عنك إيران وحزب الله، بحكمة هذا التوجّه. قال السيستاني إن الانتهازية والعصبية المناهضة لأميركا لن تعودا على الشيعة بأي نفع. وعندما انحرف رجل الدين الناريّ مقتدى الصدر عن هذه الاستراتيجية لمجابهة الولايات المتحدة، وجد شيئاً من الدعم من جانب الحرس الثوري الإيراني والرئيس الإيراني السابق علي أكبر رفسنجاني، الذي أشاد بنزعة الصدر المعادية لأميركا ـ لكن في الغالب لتمييز أتباع الصدر عن التمرد السنّي في محافظة الأنبار الواقعة في شمال وغرب البلاد. بالإجمال، لم يستثر الصدر قدراً كبيراً من التعاطف مع قضيته بين القوى الشيعية الأخرى. وآية الله منتظري، رجل الدين المنشق في إيران، لم يوفر "جيش المهدي" من انتقاده لانتهاكه حُرمة المدن المقدسة بلجوئه إلى التحريض في النجف وكربلاء والكوفة.
التزم السيستاني الحذر والتعقّل، فلم يحاول أن يكون مصدر السلطة العليا بين الشيعة، بل سعى بالأحرى إلى أن يكون وسيطاً نزيهاً وباني جسور يستطيع أن يوصل الأصوات والتجمعات السياسية بعضها ببعض. لم يحاول أن يضيف خطاً أو لوناً، بل اكتفى بتأمين القماشة التي يُمكن للطائفة الشيعية أن ترسم عليها مستقبلها. كذلك لم يجرّب السيستاني أن يصنع دولة "إسلامية" مثالية، وإنما عمل فقط على منح الشيعة سلطة دستورية وقوة سياسية انتخابية بما يتماشى مع حجمهم الديمغرافي ومبدأ حكم الغالية. أما الاستخدامات السياسية التي يُمكن استنباطها من تلك القوة، فكان موضوعاً مؤجلاً ليوم آخر. كان من شأن مثل هذا الإجماع الشيعي أن يلمّ تحت مظلته ثيوقراطيينً وديمقراطيين، متدينين وعلمانيين، رجال دين وإصلاحيين. ذلك أن الكل موافقٌ على أن يكون للشيعة سلطة أكبر في البتّ بالأمور؛ ولكل مجموعة بعد ذلك أن تجادل وتضغط وتنظم وتتحالف داخل الطائفة وخارجها على السواء كي ترى خياراتها وقد اختيرت لتكون المخطط الهندسي لبناء العراق الجديد ما بعد صدّام حسين. هذا كان الدور الذي طالما لعبه كبار رجال الدين تقليدياً، وسوف يعاودون لعبه مجدداً تحت قيادة السيستاني.
بالنسبة للسيستاني، الصحوة الشيعية على المستوى الإقليمي، كانت تعني بناء هوية مشتركة لملايين البشر من عراقيين وإيرانيين ولبنانيين وباكستانيين وأفغان، بغية إنضاج المكاسب في الرأسمال السياسي الذي يُمكن لمثل هذه الهوية أن تستتبعه حتماً. ومن وجهة نظر السيستاني ومشروعه الكبير، ليست الحروب الصغيرة المتنقّلة بين مقتدى الصدر والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وحزب الدعوة سوى تلهّيات وملهيات لا أكثر، ويُمكن التكهّن بها فوق ذلك. فصراعات القوى على التقاط حجارة شطرنج العراق الجديد ما بعد صدّام تُعتبر أمراً مفروغاً منه.
أبانت مسودة الدستور العراقي التي أُجيزت في استفتاء جرى في تشرين الأول/ أوكتوبر 2005 عن بصمات السيستاني في صياغتها، وعن تأثرها كذلك بالدستور الإيراني لعام 1906، لجهة قبولها بمبدأ الحكومة التمثيلية مع الاشتراط في الوقت عينه بألا يتعارض أي قانون مع "أحكام الشريعة الإسلامية". وهذا ليس من عقيدة الخميني في شيء، كما لا يُشبه البتّة نظريته بخصوص "الحكومة الإسلامية"*. وقد كان نجاح السيستاني في العراق إرهاصاً بتراجع حركة الخميني إلى مصاف الأفكار المنحرفة في تاريخ الشيعة ـ أي مجرد خروج قصير الأمد عن المعيار المألوف في المواقف السياسية لآيات الله العظُمى. غير أن التطوّرات الدستورية العراقية لا تقدّم نموذجاً ديمقراطياً يُحتذى للإيرانيين. ذلك أن نطاق وعمق المناقشات حول الديمقراطية في إيران، ناهيك عن اعتياد الشعب هناك على آليات الانتخابات وما إليها، أمور متقدمة أصلاً عمّا يجده المرء في العراق. بدلاً من ذلك، يبدو الأثر العراقي على إيران في صورة اهتمام إيراني متجدِّد بالنموذج الهادئ الذي تجلّى في الاهتمام مجدداً بدستور 1906 والتوازن الدقيق بين الدين والسياسة الذي توصّل إليه.
يعتمد السيستاني على شبكة واسعة من الممثّلين له (الوكلاء)، الذي يروّجون لآرائه ووجهات نظره بكل السُبُل المتاحة في الأحياء والمساجد والبازارات والمعاهد الدينية، من كركوك في الشمال إلى البصرة في الجنوب. ومن خلال هؤلاء الوكلاء، يصنع السيستاني الرأي العام الشيعي. وهو لا يُسيء استعمال هذا النفوذ بأن يُصادق على سياسيين معينين أو برامج محدّدة، بل يُحدِّد الاتجاه العام للسياسة الشيعية العراقية. ولعلّ تأثيره ظاهرٌ بأجلى صورة، وإن كانت قابلة للجدل، في منع الشيعة من الردّ على الفظائع الوحشية التي يرتكبها بحقهم المتطرفون السُنّة بصفة يومية تقريباً. إنه يحذّرهم من أن الحرب الطائفية فخٌ يتعين عليهم تجنّبه في مسيرتهم نحو حيازة السلطة عبر الانتخابات، ونحو تلك "العملة النادرة" في التاريخ السياسي للشرق الأوسط: حُكم الغالبية.
مثبط العزم إزاء نطاق العُنف المُمارس ضد الشيعة، قام السياسي الشيعي البارز وسليل الأسرة المرموقة من رجال الدين، محمد بحر العلوم، وقصد السيستاني في تشرين الثاني/ نوفمبر 2004. وقف أمام آية الله وضرب عصاه بغضب في الأرض قائلاً: "لا يسعنا ترك عوائلنا هدفاً لهجمات الإرهابيين. إن لكل شيء حدّاً يقف عنده. وما أن يتمّ تخطّي هذا الحدّ حتى لا يعود هناك غير الله وسلاحنا". وطلب من السيستاني أن يدعو المليشيات الشيعية إلى الردّ بالمثل. هنا أجابه السيستاني من بنبرة هادئة: "لا تفعل ذلك أرجوك. كن متمدناً من فضلك. إننا لا نريد إشعال حرب أهلية. هذه هي النقطة الأهمّ على الإطلاق". ونزل بحر العلوم عند رغبة السيستاني. وخلال الشهور التالية من التفجيرات وسفك الدماء ـ وحتى في أعقاب تدمير مقام الإمامين العسكريين* في مدينة سامراء في شباط/فبراير 2006 ـ عاد السيستاني وكرّر النصيحة ذاتها. وبدورهم أعاد العلماء والدّعاة الشيعة ترديد كلماته بحذافيرها في خُطبهم على اتساع العراق. ومرة جديدة استمع معظم الشيعة إلى ندائه حتى بعد الصدمة الناجمة عن تفجير المقام في سامراء. وبعد كل تفجير، تقوم المساجد الشيعية المرتبطة بالسيستاني بإخبار المصلّين فيها أن الذين يقتلونهم ليسوا هم جيرانهم السُنّة بل "الوهابيون" الأغراب.
وتعلّم بريمر والإدارة في واشنطن العيش مع السيستاني في نهاية المطاف، لا بل واعتباره رصيداً لصالحهم. والحال أن السيستاني يُمثّل صنفاً من آيات الله يختلف تمام الاختلاف عن ذاك الذي قُيِّض للأميركيين أن يعرفوه في إيران. ومثاله هذا يُذكِّرنا كم أن القيادة تبقى خطيرة الشأن، وكم أن الحقائق على الأرض ترتدي أهمية فائقة، وكذلك كم أن الشيعة باتوا مستعدين وتوّاقين إلى طرح أنفسهم لاعبين أقوى فعلاً وأشدّ حزماً من أي وقت مضى في رسم صورة الشرق الأوسط المقبلة.
وعلى مستوى التحليل الجوهري، تشير الصحوة الشيعية إلى اتفاق في الرأي بين الحكومات والحركات الشيعية، مؤداه أن المكاسب المحقَّقة في العراق لا بد من صونها وترسيخها. فالنتيجة المتحصّلة من الحرب قد عاد بالنفع على الشيعة في كل المنطقة وليس على شيعة العراق وحدهم. غير أن الصحوة الشيعية لا تعني بأي حال قدوم ما يُرادف "الجامعة الشيعية"، وإن كان لها عدة مفاعيل واستتباعات ضمنية:
أولها، أن روابط ثقافية ودينية أمتن سوف تستمر في التشكّل بين شتّى التجمعات الشيعية في المنطقة، وأن إجماعاً سوف يتعزّز حول الحاجة إلى الدفاع عن قوتهم السياسية.
ثانيها، أن مثال العراق سوف يُمارس "تأثيراً بالبيِّنة" على التجمعات الشيعية خارج العراق لتبدأ بالمُطالبة بأن يكون لها صوت أعلى في إدارة الحُكم داخل بلدانها.
وثالثها، أن هذه المكتسبات على صعيد القوة والجزم سوف تعزّز الأواصر الثقافية والدينية بين الشيعة، وتلك الأواصر سوف تعمل بدورها على استدامة المكتسبات التي حقّقوها على صعيدي القوة والنفوذ.
إن الصحوة الشيعية غير مقترنة بأي شكل مفرد من أشكال الحُكم. فهي لا تدل لا على انتشار جمهوريات إسلامية من النمط الإيراني، ولا على احتمال أن يُصبح العراق نموذجاً سياسياً للحُكم في البحرين أو لبنان. فأهمية العراق لا تكمن في المسائل التفصيلية للحُكم، بقدر ما تكمن في العبرة المُستفادة، وهي أن الشيعة قادرون على المُطالبة بالمزيد وفي وسعهم الحصول عليه. لقد أطلق العراق ثمة تفاعلاً متسلسلاً، وهذا التفاعل سيشتغل على نحو مغاير في لبنان والبحرين والمملكة العربية السعودية. لكن الحصيلة الإجمالية ستكون من دون أدنى شك قوة شيعية أكبر ومزيداً من الصلات الثقافية والعُرى الدينية الظاهرة بجلاء على امتداد الهلال الممتدّ من لبنان إلى باكستان. ص ( 169 ـ 177)
 
بعبارة أخرى، إن الشيعية هم قوة ديمقراطية موضوعية وذاتية في آن. فصعودهم في معارج القوة النسبية إنما يضخّ عنصراً منشِّطاً من التعدّدية الحقيقية في الحياة السياسية المُهيمن عليها سُنياً أكثر من اللازم في العالم الإسلامي. كما أن العديد من الشيعة يجدون الديمقراطية جذّابة كفكرة في حدّ ذاتها، وليس فقط كمطيّة نافعة ظرفياً لسؤددهم وطموحهم. ص( 178) 
 
والأمر اللافت هنا، أن التعارض قد اشتدّ بدلاً من أن ينحسر بعد سقوط صدّام. فقد كان هناك شعور بعدم الارتياح في صفوف حزب الله إثر دعوة آية الله السيستاني رجال الدين كي يبتعدوا عن السياسة. كذلك اختلف حزب الله مع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ومليشياه: "فيلق بدر". فحزب الله ينتهج على الدوام سياسة الخميني القاضية بالتقليل من أهمية الفوارق المذهبية مع أهل السُنّة والتركيز بدلاً من ذلك على الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ وهو عين التوجّه الذي يتبعه مقتدى الصدر أيضاً في مزجه السياسة الشيعية بالسياسة الوطنية وبنزعة العداء لأميركا من أجل تحديد دوره في العراق. ص ( 181)
 
في الحقيقة، إن إيران تجد في الوقت الحاضر حرجاً شديداً في المطالبة بـ "باباوية" شيعية لمرشدها الأعلى، ستكون إيران، على ما أرى، "أخاً كبيراً" واسع النفوذ، لكنها لن تكون "أباً متجبِّراً"، وبالتأكيد ليس "سيداً مُطاعاً". ص (182)
 
تقوم الصحوة الشيعية على ثلاث دعائم: الغالبية الشيعية القابضة حديثاً على زمام الأمور في العراق؛ الصعود الراهن لإيران كزعيم إقليمي في المنطقة؛ وتمكين الشيعة من أمرهم في لبنان والمملكة العربية السعودية والكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة وباكستان. وهذه الدعائم الثلاث مترابطة فيما بينها، وكل واحد تسند وتقوّي الدعامتين الأخريين. وثلاثتها معاً تضمن للشيعة كلمة أكبر في تقرير سياسة الشرق الأوسط، وتدفع الأمور نحو توزيع جديد للقوى في المنطقة. وكل هذا سوف يعني كذلك ميزان قوى بين السُنّة والشيعة أكثر تكافؤاً من كل ما عرفته المنطقة طوال أربعة عشر قرناً. ص ( 182)
 
لكن النجاح في الانتخابات بالنسبة للشيعة ككل، وهو كما رأينا كان الأولوية الأولى عند السيستاني، ما لبث أن أفرخ خصومات ونافسات حادّة بين شتّى الفصائل الصغرى. فالسجال الذي دار على نطاق العراق طوال العام 2005 حول الدستور الجديد، صاحبه على خط موازٍ سجال آخر بين الشيعة حول طبيعة الدولة الشيعية المقبلة. الحكومة الشيعية في المركز قدّمت نفسها في صورة أكثر التزاماً بالتعدّدية من الحكومة المحليّة التي يُديرها المجلس الأعلى في البصرة تلك التي أبدت حماسة منقطعة النظير لتطبيق الشريعة، فأغقلت دور السينما ومحلاّت أشرطة الفيديو، وعاقبت بوحشية بنات الهوى وباعة المشروبات الكحولية، وفرضت معايير صارمة لجهة اللّباس، وطردت حتى المواطنين السُنّة من المدينة وضواحيها. واحتمال قيام جمهورية إسلامية في البصرة أثار ثائرة العديد من الشيعة في بغداد وحمل إلى السطح كل المسائل التي كان السيستاني قد أجّل النظر فيها إلى وقت لاحق. في غضون ذلك، لم تتمكّن المجالس البلدية المحسوبة على حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية من حلّ الكثير من المشاكل الاجتماعية، في الوقت الذي بدت فيه متساهلة جداً مع أعمال الفساد والمحسوبيات. ولعلّ الحكومة المحلية في البصرة التابعة للمجلس الأعلى كانت بنوع أخصّ مثار إشكالية، ليس لمنحاها الثيوقراطي فحسب، بل ولانغماسها في الفساد أيضاً. إنها في نظر منتقديها ثيوقراطية مجبولة باللصوصية. ص (193)
 
حاول السيستاني، طوال هذا الجدل والنزاع، أن يبقى بمنأى عن حمأته. فبقيت عيناه مسمّرتين على الغنيمة الكبرى: تسليم العراق للشيعة، وحماية الهوية الشيعية عن طريق تجسيدها في الدستور الجديد والدولة الناشئة عنه. فلم يغص في مستنقع الجدال حول من هو الإيراني ومن هو العراقي. فمعظم الشيعة العراقيين هم عرب أقحاح، لكن تلك الهوية تتمظهر الآن في هيئة جديدة، تختلف تمام الاختلاف عن الهيئة التي طالما تصوّرتها بها القومية العربية أو العقيدة البعثية.
في غضون ذلك، كانت التفجيرات تقع بصفة يومية تقريباً في الأسواق وأمام مخافر الشرطة والمساجد، ووسط التجمّعاتت الدينية في الهواء الطلق، مخلِّفة مشاعر الأسى والغضب، وممزّقة شر تمزيق آخر ما تبقى من لُحمة بين السُنّة والشيعة. في 31 آب / أغسطس 2005، احتشد زهاء مليون زائر شيعي عند مقام الكاظمية في بغداد لإحياء الذكرى السنوية لوفاة الإمام السابع (موسى الكاظم) المدفون هناك. وقد امتد الحشد من الجامع عبر نهر دجلة إلى مدينة الصدر، سادّاً الجسر المارّ فوق النهر. وكانت قذيفة هاون قد أُطلقت في وقت مبكر من صباح ذلك اليوم على المواطنين المتجمعين، فقتلت ستة عشر منهم وجرحت العديدين. كان الجمع البشري بعد متوتر الأعصاب حين روَّج أحدهم أو بعضهم على الجسر إشاعة ـ صدّقها الشيعة عن عمد ـ مفادها أن هناك انتحارياً يستعد لتفجير نفسه في وسطهم. فإذا بالحشد الذي تملّكه خوف شديد يندفع مذعوراً في هروب جماعي. وفي خضم هذا الهروب المفاجئ والمذعور، لقي أكثر من ألف شخص حتفهم؛ بعضهم دوساً بالأقدام حتى الموت، والبعض الآخر غرقاً بعدما رموا بأنفسهم في النهر. ومعظم الضحايا كانوا من النساء والأطفال. كشف الحادث إلى أي مدى يُمكن لحركة التمرد في العراق أن تعكّر صفو حياة الشيعة وتحوِّل إحياءهم ذكرى وفاة أئمتهم إلى مناسبات جديدة للحِداد. كذلك عرّى الحادث مدى عجز الحكومة العراقية عن مكافحة العنف، ولعلّه بيّن قبل هذا وذاك مدى نجاح حركة التمرد في زرع الخوف في قلوب الشيعة وعقولهم.
أظهر الشيعة قدراً هائلاً من ضبط النفس بعدما حثّهم السيستاني وشبكة العلماء التابعة له على عدم الردّ بالمثل. لقد أُرهق صبرهم، لكن شعورهم بهويتهم المميَّزة راح ينمو ويكبر تحت وطأت الهجوم الإرهابي السنّي (وقسم غير يسير منه كان من عمل أُناس غير عراقيين، كالجماعة الإرهابية التي يقودها أبو مصعب الزرقاوي، السلفي الأردني والعقل المدبِّر لمعظم الارتكابات العنيفة لحركة التمرد). وازدادت المواقف في الشارع تصلّباً، وكذلك تصميم الشيعة على البقاء مسؤولين عن مصيرهم هم. وحتى حيث بقيت العلاقة بين الأحياء السنّية والشيعية ودّية، وجدنا الارتياب آخذاً بالازدياد سواء بالبعثيين أو برجال الدين السُنّة المتأثرين بالوهابية.
أخذ الشيعة، وعلى نحو متزايد، ينظرون إلى جيرانهم السُنّة على أنهم قوم أخباث ويستهزئون بادّعائهم العظمة تاريخياً. وفي البصرة وأماكن أخرى من الجنوب العراقي، بدأ السُنّة يتعرّضون للهجمات والتعدّيات. والقتل المستهدف لرجال الدين زعماء الطائفة السُنيّة هناك كان إشعاراً للآخرين بضرورة الإسراع بالرحيل. هذه الأعمال، والبعض يُحمِّل مسؤوليتها لفيلق بدر، عكست المزاج السائد في الشارع. الغضب والتحامل آخذان في التصاعد على جانبي الشرخ الطائفي. والطريقة التي كانت الهوية الشيعية تتشكّل بها اقترنت على نحو مباشر بالحدّة التي بلغها النزاع الطائفي.
وهذا ما تكشّف جلياً حين دفع الهجوم التفجيري على مقام الإمامين العسكريين (حيث دُفن الإمامان العاشر والحادي عشر وحيث دخل الإمام الثاني عشر في طور الاحتجاب) النزاع الطائفي إلى العلن. فقُتل المئات عندها هاجم شيعة وسُنّة غاضبون المساجد، وقتلوا رجال دين، واختطفوا مدنيين أبرياء وقاموا بتصفيتهم. وبالرغم من الدعوات إلى التهدئة، استمر العنف بالاشتداد والتوسُّع، كاشفاً عن الشقاق الطائفي الخطير الذي في ضوئه تتشكّل الهوية والسياسة الشيعية. ص ( 194 ـ 196)
 
إن هيمنة الشيعة على العراق تجد لها سنداً في تطورٍ مهمٍّ آخر في الشرق الأوسط (وتسنده بدورها): ذلك هو بروز إيران كقوة إقليمية. إن يقظة الشيعة متواشجة من كل بد بصعود نجم إيران. فإيران يسكّانها البالغ عددهم 70 مليون نسمة، و 90 بالمئة منهم شيعة، تُعدّ أكبر بلد شيعي في العالم. كما تربطها برُكنّيْ الصحوة الشيعية في الشرق الأوسط ـ وهما من القوى السياسة الفاعلة في كلٍ من لبنان والعراق ـ أواصر متينة للغاية، ناهيك عن علاقتها الوثيقة بالجماعات الشيعية المتنفّذة اقتصادياً في منطقة الخليج، والعديد من أفرادها كما هو معلوم من أصول إيرانية. قد تكون الصحوة الشيعية قد بدأت في العراق، لكن إيران هي المستفيد منها، وهي من يلعب أيضاً دوراً بالغ الشأن في قيادتها وتحديد أُطرها. ص ( 210)
 
إن القياديين المحافظين الذين وصلوا إلى قمة السلطة في إيران يشاطرون تلك الجموع مشاعرها هذه، ولغة القوة التي يستعملونها هذه الأيام إنما تعكس مزاج الشارع الإيراني. ومع ذلك، فإن قادة إيران يدُركون أيضاً أن بلادهم لا تستطيع تبوؤ مكانة "القوة العظمى" التي تطمح إليها إلاّ إذا تمكّنت من تذليل المقاومة السنّية للصحوة الشيعية. لذلك تجدهم وقد استعاروا جانباً من استراتيجية الخميني، فيركّزون الهجوم على الولايات المتحدة وإسرائيل ليحرفوا الانتباه عن الشرخ الطائفي بين السُنّة والشيعة. ص (224)
 
وقف الشيعة في لبنان والبحرين والمملكة العربية السعودية يتابعون جميعاً باهتمام كبير التطوّرات في العراق. فالكل معتنق لتوجّه السيستاني البراغماتي في السياسة، وقد تجاوبوا بسرعة مع دعوته القائلة: "صوت واحد للناخب الواحد". والكل جعل يتطلّع إلى جني مكاسب له من السير على خطى شيعة العراق في تبنّي الديمقراطية كي يقلبوا الطاولة على رأس السُنّة. وهكذا وجدنا زعماء حركة أمل وحزب الله ودُعاتهما يشيدون عالياً بآية الله السيستاني، ملمّحين إلى أن لبنان سيتوجّه مجدداً نحو النجف وليس قُمْ لتلقّي الإرشاد الديني.
وموافقة حزب الله على توجُّه السيستاني كانت أقرب إلى المصلحة الذاتية السياسة منها إلى الاعتبارات الروحية. واللافت للنظر أن زعماء حزب الله اتسموا بالفتور إزاء دعوة السيستاني رجال الدين إلى الانسحاب من الحلبة السياسية، إنما وجدوا منفعة لهم في رمزية قيادته. فكانت ردّة فعلهم الأوّلية على ما يجري في العراق سريعة، ألا وهي تبنّي معادلة السيستاني السياسية كلازمة يردّدونها في كل حين. فصيغة "صوت واحد للناخب الواحد" إذا ما طُبِّقت في لبنان، ستعني أن الشيعة، الذين يشكّلون أكثر من خُمسَيْ عدد السكان، هم من سيهيمنون على مقاليد الحكم فيه. وفي الأشهر التي تلت انتخابات كانون الثاني / يناير 2005 في العراق، لم تتوقف محطة التلفزة التابعة لحزب الله، قناة "المنار"، عن الإشارة إلى صيغة "صوت واحد للناخب الواحد". غير أن مصادقة حزب الله على توجُّه السيستاني ولعبة القوة التي يلعبها في لبنان أثارتا حنق السُنّة، الذين كانوا حتى ذلك الحين يُقابلون الحزب بشيء من الرهبة للدور الذي قام به في التصدّي لللإسرائيليين، لكنهم اعتبروا شيعة العراق في عداد عملاء أميركا، وانتظروا من حزب الله أن يمحض التمرد السُنّي في العراق دعمه وتأييده. غير أن حزب الله رأى ثمة مصلحة له في إطراء المثال العراقي. وحين طالبت الولايات المتحدة السوريين بالانسحاب من لبنان وبنشر الديمقراطية في ذلك البلد، أصبح حزب الله أكثر هجومية في لغته الخطابية، متوقعاً أن تمهِّد حماسة واشنطن للديمقراطية الطريق أمام وصول الشيعة، في لبنان أيضاً، إلى سدة الحُكم على حساب المسيحيين والسُنّة في هذه الحالة، تماماً مثلما استخدم السيستاني دعوة واشنطن إلى الديمقراطية كي يحمل بول بريمر على الانصياع لمعادلته: "صوت واحد للناخب الواحد". ص (229 ـ 230)
 
ما عجزت الثورة في إيران عن فعله، شرعت الصحوة الشيعية في عراق ما بعد صدّام بتحقيقه. إنّ التحدّي الذي تشكّله الصحوة الشيعية بالنسبة للهيمنة العربية السنّية على الشرق الأوسط وكذلك للمفهوم السنّي للهوية والسلطة السياسية، لا يختلف من حيث الجوهر عن الخطر الذي كان يمثّله الخميني فيما مضى. فالثورة الإيرانية عملت جاهدة هي الأخرى لتحطيم السيطرة المطلقة للمؤسّسة العربية السنّية. والفارق الوحيد ههنا هو أنه في المرة السابقة كان الشيعة محاطين بأشدّ القوى تطرفاً وعداءً لأميركا، فيما العكس هو الصحيح حالياً على ما يظهر.
الكوكبة نفسها من القوى الإقليمية التي تصدّت لتحدّي الخميني فيما سلف سوف تتصدّى للتحدّي الجديد هذا على أرجح الظن. ولئن كان السياق مغايراً الآن وكذلك الأيديولوجيات الفاعلة حالياً، إلاّ أن المصالح الوطنية المطروحة على الطاولة هي نفسها إلى حد بعيد. فخطوط الصراع في العراق اليوم هي نفسها من حيث الأساس الخطوط التي كانت قائمة في الحرب الإيرانية ـ العراقية؛ لقد انزاحت فقط مسافة مئتي ميل أو نحو ذلك باتجاه الغرب. وهي ستستقرّ على الأرجح عند الخط الذي يفصل المنطق ذات الغالبية الشيعية عن المناطق ذات الغالبية السنّية من العراق ـ الخط المارّ ببغداد تقريباً من بين أمكنة أخرى.
إن استراتيجية إيران في هذا الصراع هي هي كما كانت في ثمانينيات القرن العشرين، ألا وهي: تركيز الانتباه على المسائل ذات الصلة بمعاداة أميركا وإسرائيل، وانتحال شعارات إسلامية وعربية شعبية، وتجنّب الدخول في جدلٍ حول الفوارق المذهبية. هذه الاستراتيجية نجحت مع حزب الله في لبنان. وقد حاول الصدريون، مستلهمين تجربة حزب الله، أن يطبّقوها في العراق أيضاً. كذلك ستكون الاستراتيجية السعودية والأردنية هي هي من دون تعديل كما كانت في ثمانينيات القرن العشرين، في الوقت الذي تشتكي فيه إيران من "الاحتلال" الأميركي والبريطاني للعراق، نجد النظامين الملكيين الأردني والسعودي يتفجّعان على الحال الطائفية، وعلى الصحوة الشيعية، وبالطبع على تزايد النفوذ الإيراني في العراق. خلال زيارة قام بها إلى الولايات المتحدة في أيلول/ سبتمبر 2005، وبنبرة تنمّ عن خيبة وفظاظة غير معهودتين عنده، أخبر وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، محدّثيه الأميركيين عن احتمال تفكك العراق وأن ذلك يُشكّل إمكانية حقيقية فعلاً، وهذا ما "سيجرّ بلداناً أخرى في المنطقة إلى حومة الصراع". ومن دون أن يدع أي مجال للشك فيمن تعتبره المملكة العربية السعودية أكبر غريم لها في هذا الصراع، أنحى الأمير سعود باللائمة على الولايات المتحدة، قائلاً: "إننا [المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة] خضنا الحرب سوياً لإبقاء إيران خارج العراق بعد دحر العراق من الكويت. وها نحن الآن نُسلّم البلد بأكمله إلى الإيرانيين بلا داعٍ". وما لبثت عبارة الأمير هذه أن أصبحت لازمة تتردّد على ألسنة زعماء من لبنان إلى البحرين: التحذير من تعاظم النفوذ الإيراني كسباً للدعم الدولي من أجل قطع الطريق على تمكين الشيعة من امتلاك زمام الأمور. ص (239 ـ 240)
 
مكانان فقط في العالم الإسلامي شهدت شوارعهما تعاطفاً على مستوى الجماهير مع ضحايا 11 أيلول/ سبتمبر، وكلاهما في غضون أيام معدودات من انهيار برجَيْ مركز التجارة الدولي، وكان المكانان كلاهما على صلة بالشيعة: الأول كان في إيران، حيث تجاهل عشرات الألوف أوامر حكومتهم ونزلوا إلى شوارع طهران وهم يحملون الشموع تضامناً مع ضحايا الهجمات؛ والمكان الثاني كان في كراتشي، حيث خالف حزب محلي وثيق الصلة بشيعة المدينة. ص (248)
 
وستكون هناك أيضاً قوى جديدة لا بد من التعامل معها. تلك هي الأصوات الشيعية الجديدة المنفصلة عن النظام العربي القديم العليمة واشنطن بأحواله جيداً. وحين سينجلي الغبار، لمن يكون مركز الثقل في الأقطار السنّية العربية كما كان حتى اليوم، بل سيكون في الأقطار الشيعية. سينزاح مركز الثقل شرقاً، من مصر وبلاد المشرق إلى إيران والعراق ومنطقة الخليج. إن الولايات المتحدة لا تعرف الشيعة حق المعرفة، وهذا ما يجب أن يتغيّر، لسبب وجيه وهو أن الشيعة يعيشون فوق بعضٍ من أغنى حقول النفط في المنطقة. وإنه لمن مصلحة أميركا أن تأخذ الشيعة والصحوة الشيعية مأخذ الجد. إنما لن يكون من السهل على الولايات المتحدة أن توازن ما بين مطالب السُنّة ومطالب الشيعة، أو تعقد الخناصر مع المؤسّسة السنّية فيما هي تتعامل مع التحدّي الشيعي والردّ السنّي عليه. تلك سيرورة أرى أنها يجب أن تبدأ بفهم طبيعة الصراع والمستقبل الذي سيرسمه. ص (249)



* ـ صفته الرسمية هي : المدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقتة. (م)
* ـ وركيزتها الأولى والأساسية أطروحة "ولاية الفقيه" (م)
* ـ وفيه ضريحا الإمام علي الهادي وولده حسن العسكري (الإمامين العاشر والحادي عشر من أئمة الشيعة). (م)

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: