أحمدي نجاد ومجتمع السلطة في إيران
صادق زيبا كلام - مختارات إيرانية ـ العدد 72ـ يوليو 2006
عندما يتحدث أي إيراني مع مراسلين صحفيين سواء كانوا يعيشون خارج إيران أو داخلها عادة ما يواجه سؤالا مفاده: ما هي طبيعة بنية السلطة في إيران؟. يمكن القول أن هذا السؤال يبدو في الظاهر بسيطا جدا ويحتاج إلى إجابة محددة وواضحة ولكنه في الحقيقة ليس كذلك.
إضافة إلى ذلك فإنه إذا أجاب أحد بصراحة وسرعة على هذا السؤال بأن السلطة الحقيقية في إيران بيد هذا المسئول أو ذلك، أو هذه المؤسسة أو تلك، فهو إما أنه لم يدرك هذا السؤال على نحو صحيح أو أنه لم يعرف بنية السلطة في إيران على وجه اليقين ولديه تصور بسيط سطحي عنها. لأن بينة السلطة في إيران أشد تعقيداً من أن تلخص في عدة جمل أو فقرات.
وبالطبع هذا السؤال نفسه عن الشكل العام لمجتمع السلطة يظل غير ممنطق وبلا إجابة محددة في حين أنه يتطلب إجابة واضحة دقيقة.
على سبيل المثال إذا ما تم التساؤل عن بنية السلطة الرسمية في ألمانيا أو الهند أو اليابان أو الولايات المتحدة نجد إجابة سواء قل أو كثر الوضوح فيها.
حتى في النظم غير الديمقراطية أيضاً نجد الأمر أكثر وضوحا، في السعودية، والسودان وسوريا والصين إجابة التساؤل عن السلطة في يد من، ومن يتحكم فيها؟ واضحة بدرجة ما. في المجموعة الأولى من هذه الدول نجد السلطة في يد ملك أو أمير أو سلطان. وفي مجموعة أخرى في يد زعيم ثوري، وفي ثالثة في يد حزب شيوعي، وفي رابعة في يد رئيس جمهورية لمدى الحياة، وفي خامسة السلطة في يد الجيش والقوات المسلحة، وقس على هذا إذا ما أخذنا مجموعة الدول الأولى الغربية بقدر من التساهل والتسامح لتحديد نمط السلطة فإن المجموعة الثانية الشرقية تحتاج إلى تساهل وتسامح أكبر وبالأخص الهند واليابان.
لكن المشكلة في إيران في الحقيقة ليست غربية ولا شرقية، والواقع أن بنية السلطة في إيران لا تتشابه مع مثيلاتها في فرنسا، واليابان والهند من ناحية ولا مع السودان ومصر وزيمبابوي والديمقراطيات التي تؤيدها الولايات المتحدة في أذربيجان وقرغيزستان. إن بنية السلطة في إيران شرقية وغربية أيضاً. فبداخلها درجات من سيادة القانون ومأسسة مستلزمات الديمقراطية وفي المقابل يلحظ بها كثير من مؤشرات النظم الراديكالية والثورية بالعالم الثالث، وفي الوقت نفسه وبدرجة أكثر من كل ما سبق يتمتع مجتمع بنية السلطة في إيران بسماته الخاصة أيضاً التي تستند عليها معايير تحليل بينة هرم السلطة السياسي.
إن النظر من قرب إلى توزيع السلطة في إيران على مدى دورات رئاسة الجمهورية الثلاث الأخيرة التي امتدت على مدى السبعة عشر عاما الماضية يظهر قدرا من هذه التشابكات والتباينات.
طبقا للدستور الإيراني، لرئيس الجمهورية المكانة الثانية بالنظام من ناحية السلطة السياسية بعد مقام الزعامة، لكن أسلوب توزيع السلطة في عهد كل واحد من رؤساء الجمهورية أولئك كان على نحو يجعل المراقب يعتقد أن كلا منهم ينتمي إلى نظام سياسي مختلف عن الآخر، فهاشمي رفسنجاني يبدو أنه كان يتمتع بقدر أكبر من السلطة وأنه كان من الناحية العملية رئيسا للجمهورية بلا منازع لكنه لم يكن كذلك في الحقيقة.
فقد تقرر نوع من تقسيم السلطة غير المكتوب بين رئيس الجمهورية القوي ظاهريا من ناحية وبقية مراكز السلطة من ناحية وبقية مراكز السلطة من ناحية أخرى، وقد اعترفت به نطاقات السلطة كبيرة وصغيرة وكانت تحافظ عليه، لم يرد تقسيم السلطة لا في الدستور الإيراني ولا في قرارات مجلس الشورى الإسلامي. ومن الطبيعي أن يكون لمثل هذا التقسيم للسلطة مشكلاته ومعضلاته الخاصة في مواضع كثيرة كان يضع هذا التقسيم النواحي الإدارية والقضايا التنفيذية لإيران على نحو يجعل نطاقات السلطة تدخل في نوع من المواجهة والتعارض فيما بينها أكثر مما يجعلها مترابطة متراصة إلى جوار بعضها ودائما ما كان رئيس الجمهورية هذا ينحاز إلى طرف ضد بقية الأطراف وترتب على ذلك أن توازن السلطة السياسية على مدى السنوات الثماني لرئاسة هاشمي رفسنجاني تغير لمصلحة الجماعة المعارضة له وبعبارة أخرى فإن الرد على تساؤل كيف كانت بنية السلطة في إيران؟ وبيد من كانت فيما بين عامي 89، 90 نجد أنها مختلفة تماما عما كانت عليه في عامي 96، 97.
كانت السنوات الثماني من حكم خاتمي لها سماتها الخاصة أيضا وإذا كان هاشمي رفسنجاني في سنواته الثماني قد تمتع بقدر من اعتلاء الموجة فإن سفينة سلطة خاتمي قد انغرست في الوحل منذ البداية.
وإذا اعتبرنا أن السلطة السياسية لهاشمي رفسنجاني كانت من ناحية القاعدة الاجتماعية منبعثة من البنى والمؤسسات التابعة للنظام فإن قاعدة خاتمي قد استمدت من المحبة والتأييد الشعبي وبالأخص بين أوساط سكان المدن المتعلمين والشباب والنساء والطلاب والمثقفين، وإذا كانت قاعدة السلطة السياسية لهاشمي رفسنجاني تنبع من المؤسسات الرسمية داخل النظام ففي المقابل تمتع خاتمي بدعم مدفعية قوية باسم صحافة الثاني من خرداد وذلك على مدى السنوات الثلاث الأولى من فترة رئاسته. منذ مايو عام 2000 وما بعده، ورغم إيقاف عدد كبير من صحف الثاني من خرداد بقيت الصحافة المنتمية للإصلاحيين تؤيد وتدعم خاتمي، وقد زاد على تعقد بنية السلطة السياسية في مرحلة خاتمي دعم ذلك القطاع من البيروقراطية التي تكونت في عهد هاشمي رفسنجاني السياسيين والاجتماعيين والدبلوماسيين والتجاريين والصناعيين الذين كانوا مؤيدين لهاشمي رفسنجاني كانوا يساندون خاتمي أيضا وملخص الأمر أن التفاوت الأهم بين تركيب بنية السلطة بين الاثنين ويعود إلى أسلوب تعاملهما مع السلطة التشريعية، فلم يكن أي من المجالس الثلاثة التي تشكلت إبان رئاسة هاشمي رفسنجاني (الدورات الثالثة والرابعة والخامسة) على توافق معه وبالأخص المجلس الرابع ( 1981، 1985) الذي كان يتمتع فيه تيار اليمين بالنفوذ الأعلى، لكن الأمر لم يكن كذلك فيما يتعلق بخاتمي حيث كان يتمتع بالدعم الكامل من المجلس السادس (1999، 2003) ـ وفي المقابل كان مجلس صيانة الدستور يعوض دعم مجلس الشورى الإسلامي.
وفي النهاية نصل إلى رئيس الجمهورية الثالث محمود أحمدي نجاد، وإذا كانت القاعدة الاجتماعية للسلطة لدى كل من الرئيسين السابقين عليه تنبع من داخل النظام وقطاع من خارج النظام على الترتيب فإن قاعدة السلطة لدى "أحمدي نجاد" تنشأ بالأساس من داخل مؤسسات السلطة داخل النظام.
فقد وقف خلف رئيس الجمهورية طيف كبير من المحافظين بمؤسساتهم القوية الرسمية وغير الرسمية بالإضافة إلى مجموعة من الأصوليين أصحاب السلطة داخل المجلس وخارجه.
إن قاعدة السلطة الرسمية لأحمدي نجاد أقوى بكثير من قاعدة هاشمي رفسنجاني وخاتمي وهو أمر لاشك فيه حيث أن سلطة رئيسي الجمهورية السابقين في أفضل حالاتها كانت شراكة أو ائتلافاً مليئا بالنزاعات والقلاقل، لكن أحمدي نجاد تقف خلفه جميع السلطات الرسمية للنظام: مجلس صيانة الدستور، أغلبية مجلس الشورى الإسلامي، السلطة القضائية، الإذاعة والتليفزيون، صحافة تيار اليمين، ورحانيت مبارز، أئمة الجمعة والجماعات، اتحاد مدرسي حوزة قم، وغيرها.
إنه غير مجبر أن يتحالف مع شخص ما أو مؤسسة ما لكي يقتسم معهم سلطاته وليس مجبرا مثل هاشمي وفسنجاني أن يلجأ إلى التخلي عن الكثير من سياساته وأهدافه أو أن يكون مثل خاتمي تقتصر رئاسته للجمهورية على أخذ ردود أفعال ضعيفة دون القيام بأفعال إستباقية، من حيث الظاهر تتراءى لنا سلطة أحمدي نجاد كسلطة موحدة قد وضعت بأكملها في يد المحافظين الأصوليين.
ربما يمكن الآن الإجابة على تساؤل المحاورين الأجانب بخصوص كيفية توزيع السلطة في إيران ولعلنا نتصور الآن إنه يمكن شرح وتوضيح بنية السلطة في إيران مثل بقية المجتمعات المتقدمة الأخرى من ناحية خريطة الدستور، لكن مازال السراج المرشد الذي باليد لتوضيح تلك البنية يعاني تعرج الطريق والتواءه، أولى علامات ذلك الالتواء والتعرج وأول نغمة نشاز خارجة عن النص هي ما حدث في تعيين وزراء أحمدي نجاد، فخاتمي الذي لم يكن له ثلث أو حتى ربع السلطة الرسمية لأحمدي نجاد كان يستطيع أن يحصل على ثقة المجلس ـ الذي كانت أغلبيته من معارضيه ـ في ترشيحاته لوزرائه حتى لعبد الله نوري وعطاء الله مهاجراني، لكن رئيس الجمهورية "القوي" كان في تناحر مع المجلس لمدة أشهر من أجل اختيار وزرائه وعلى رأسهم وزير النفط، ووصل الأمر إلى حد أن عددا من النواب الأصوليين قالوا إنه إذا لم يعرف رئيس جمهوريتهم المحبوب كيف يتعامل مع نواب المجلس فإنهم لن يمنحوا الثقة لعدد آخر من الوزراء المرشحين من قبله.
ومازالت حتى الآن حادثة تصلب أحمدي نجاد في المجلس دعما لوزرائه من الذكريات التي لم تمح، وكذلك وقوف الحكومة والمجلس في مواجهة بعضهم البعض في الأشهر الأولى من عام 2005 حول موضوع الموازنة وتراجع أحمدي نجاد بشكل منظم في مواجهة المجلس والمشكلة التالية كانت فيما يتعلق بقرار رئيس الجمهورية بالسماح للنساء للذهاب إلى مباريات كرة القدم.
ومن بين جميع الأحداث التي وقعت لأحمدي نجاد على مدى الأشهر التسعة الماضية كانت الأخيرة الأكثر معنى ودلالة.
فرئيس الجمهورية الذي حصل على 17 مليون صوت في الانتخابات وكان منافسه الأقرب يقل عنه بسبعة ملايين صوت، رئيس الجمهورية الملتزم الثوري الأصولي المنتمي إلى عصر الرئيس محمد رجائي، المقلد لرجال الدين والمحبوب من كثير من كبارهم المؤيدين للحكومة، قد أصدر قرارا من تصاريف القدر أجبر مؤيديه على الوقوف في مواجهته، الأمر الذي لم يحدث على الإطلاق لا في مرحلة خاتمي ولا في عهد هاشمي رفسنجاني.
إن الأمر لم يكن مثلما كان الحال في عهد هاشمي رفسنجاني أو خاتمي إزاء ضرورة تحديد أي الأطراف الذي ينبغي أن يلقى درعه ويخلي الميدان.
إن مجرد طالب في الصف الأول الابتدائي يستطيع أن يقول لأي مراسل أجنبي من هو الطرف الذي ينبغي أن يتراجع ويخلي الميدان.