فواصل استراتيجية وفكرية
الجمعة 25 أغسطس 2006
أنظر ايضــاً...
فواصل استراتيجية وفكرية
محمد أبو رمان - صحيفة الغد 21/8/2006
تكمن أزمة الخطاب الفكري أو التحليل السياسي العربي، في كثير من الأحيان، في القفز على القراءة الموضوعية والتحليل الواقعي لصالح مواقف فكرية أو سياسية مسبقة، تختزل كل المسافات والتناقضات الواقعية في سياقات أيدولوجية معلّبة وصارمة، لا تسمح بتفكير أو قراءة خارج النص المحكم ظاهرياً المثقل بالثغرات داخلياً.
لم يقتصر التحليل الاختزالي العربي، في الحرب الأخيرة التي وقعت على لبنان، على اتجاه دون آخر، فقد شمل قراءات وتحليلات ومدارس سياسية مختلفة، وإن كان الاستقطاب الرئيس تمثّل بين اتجاهين رئيسين؛ الأول يعكس تيار المقاومة والمواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، والثاني يعكس الموقف الرسمي العربي.
تيار المقاومة، يبدو منتصراً وقوياً في المناظرة الفكرية والسياسية العربية، اليوم، لعدة أسباب؛ أولاً لصمود المقاومة اللبنانية في مواجهة الجيش الإسرائيلي وكسر هيبته أمام الرأي العام العربي والعالمي، ما يكشف إمكانية الخروج من الهيمنة الأميركية والأحادية الإسرائيلية بإعادة الاعتبار لخيار الكفاح المسلّح، وصولاً إلى تحسين شروط الحوار والتسويات السياسية مع الغرب مستقبلاً. ثانياً لضعف حجة النظام الرسمي العربي، الذي راهن على هزيمة المقاومة اللبنانية خلال أيامٍ معدودات. وثالثاً للتأكد، للمرة الألف، أنّ الإدارة الأميركية لا تلقي بالاً لدماء الشعوب العربية، وأنه لا مجال للتلاعب بتحالفها الاستراتيجي الوثيق مع إسرائيل، فضلاً عن إحراج أصدقائها وحلفائها العرب، الذين باتت علاقتهم بالإدارة الأميركية مصدر تهديد حقيقي لاستقرارهم السياسي.
لا يعجز المراقب أن يرصد الروح الثائرة التي بثها صمود حزب الله في روع المجتمعات العربية والمسلمة على العموم. وتكاد تشعر أنّ تيار المقاومة يمتلك الشارع بلا منازع، إذ يضغط خطابه على وتر شديد الحساسية يتمثل بقيم الهوية والكرامة، التي يمكن أن تختصر رمزية المواجهة المتصاعدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. المفارقة المدهشة في الآونة الأخيرة أنه في الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأميركية وإسرائيل إلى تحجيم القضية الفلسطينية في بعدها المحلي الداخلي، وعزلها عن المحيط العربي، فإن دائرة الاهتمام والتصدي لها تتسع لتشمل العالم الإسلامي بأسره ما أصبح يطلق عليه في أوساط سياسية وإعلامية بـ"أسلمة القضية الفلسطينية"، وهي الظاهرة التي يمكن التقاطها بسهولة في مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي الذي عقد في ماليزيا مؤخراً، وفي حدة التصريحات الصادر عن مسؤولين ومثقفين مسلمين من غير العرب تجاه إسرائيل وأميركا، إلى الدرجة التي يدعو فيها مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا السابق، إلى مقاطعة الدولار الأميركي.
خطاب المقاومة يضم، اليوم، عددا كبيراً من المثقفين الإسلاميين والقوميين واليساريين ويعبُرُ حركات إسلامية جماهيرية عريضة كالإخوان المسلمين وحماس والجهاد وحزب الله والتيار السلفي الجهادي أو القاعدة" (مع اختلافها فكرياً وسياسيا عن الآخرين)، ويستند إلى إيران كقوة صاعدة في المنطقة قادرة على الوقوف في وجه الهيمنة الأميركية وكذلك إلى الدور السوري الحالي.
الفكرية الجوهرية لخطاب المقاومة أنّ انجاز حزب الله وفشل أميركا في العراق وانتصار الإسلاميين المعارضين للهيمنة الأميركية في مختلف العمليات الانتخابية، بمثابة مقدمات لمستوى رفيع من مستويات المواجهة العسكرية والسياسية لرفع يد الهيمنة والتسلط الخارجي عن المنطقة.
قدرٌ كبير من التفاؤل يتملّك تيار المقاومة يدفعه إلى أخطاء كبيرة في التحليل والاستنتاج؛ أول هذه الأخطاء المبالغة في تقدير الانجاز الذي حققه حزب الله! صحيح أنّ هذا الانجاز يعد بالفعل اختراقا عسكريا ورمزيا حقيقيا، ونقلة نوعية في الصراع العسكري، لكن على الطرف المقابل هنالك ثمن باهض دفعه لبنان من دمائه واقتصاده وأمنه لا يقارن بما تكبدته إسرائيل، وفي سياق معادلة موضوعية، بعيداً عن الأبعاد الرمزية والروحية، وهي مهمة بلا شك، فإنّ معيار الربح والخسارة يميل لصالح الطرف الآخر، على الأقل في مجال الأهداف السياسية؛ إذ قبل حزب الله بما لم يقبل به من قبل.
ثمة فاصلة دقيقة مهمة بين اعتراف إسرائيل بالإخفاق العسكري وعدم تحقيق أهدافها المعلنة من الحرب وبين المقاييس الواقعية الحقيقية في الأرقام والخسائر والمحصلة السياسية الاستراتيجية، التي في حدها الأدنى كفلت لإسرائيل وأميركا التخلص من ورقة إقليمية مهمة من أوراق المواجهة على خلفية أزمة البرنامج النووي الإيراني.
وثمة علامة استفهام مقلقة تتعلق بدور إيران الإقليمي، والتحالف الذي تتبناه قوى- أفكار المقاومة العربية معها. ففي الوقت الذي لا يمكن تجاهل البعد الإسلامي في العلاقة مع إيران، وأهمية هذا البعد، فإنّ قراءة السياسة الخارجية الإيرانية في السنوات الأخيرة تستدعي المناقشة الموضوعية. فإيران التي تهاجم أميركا وإسرائيل اليوم وتتحداهما وترفع وتيرة خطابها الثوري هي نفسها التي سهّلت المهمة الأميركية في أفغانستان، وهي التي تتكفل بـ"تسكين" الشيعة في العراق، بما يشكل الضمانة الكبرى للاحتلال الأميركي، ولو مؤقتاً، وهي التي تعاونت تماماً مع الولايات المتحدة في "الحرب على الإرهاب"، على الرغم أنها على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي التي تحتفظ بعدد من قيادات "القاعدة" في سجونها كورقة للمقايضة مع الإدارة الأميركية وغيرها.
ما يحرّك إيران، كأي دولة في العالم، مصالحها القومية، ولا يعدو تحالفهم مع الشيعة العرب، بمن فيهم حزب الله، سوى كونه ورقة من أوراق النفوذ الإقليمي، سواء وصل ملف المواجهة مع الغرب إلى ساحة الحرب المباشرة، بلا وكالات، أو تم عقد الصفقات، وعندئذٍ يمكن تقديم المقاومة على طبق من ذهب إلى الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. وإلاّ كيف يمكن تفسير أن تدعم إيران حزب الله وتدفعه إلى حرب شرسة مع إسرائيل على أسيرين ومزارع صغيرة محدودة المساحة، وفي المقابل تحتل أميركا العراق بمباركة إيران ورعايتها؟!
بالطبع موقف إيران مبرّر لأي دولة في العالم تسعى إلى الحفاظ على مصالحها وحمايتها، لكن هذه الفاصلة المهمة في الإدراك والقراءة لا بد أن تكون في وعي تيار المقاومة العربية اليوم حتى لا يكون مجرد أداة في مواجهة على مصالح قومية بشعارات دينية وعاطفية. وإذا كان ثمة سؤال يوجه للدول العربية فهو لماذا تركت الفراغ لتملأه إيران دون أن تفكر في عقد "صفقة" معها، على قاعدة المصالح المتبادلة، بدلاً من رهانات خاسرة على الإدارة الأميركية وأوهام السلام مع إسرائيل.
فاصلة أخرى تتمثل بالفارق الكبير بين التحالف مع سورية المجتمع في مواجهة الضغوط والتهديدات الخارجية وبين التحالف مع النظام السوري. فالنظام البوليسي المهزوز الذي يكتم على حريات الناس ويستبيح كرامتهم وتكتظ معتقلاته بالأحرار والشرفاء من شعبه هو أعجز عن حماية بلاده، ويخشى أنّ أي معركة مع الخارج تؤدي إلى انهياره في الداخل. مشكلة خطاب المقاومة العربي أنه يقفز على مشاعر الشعب السوري ومرارة الاستبداد الذي يذوقه، دون أن يرف له جفن، ودون أن يتعلم درساً واحداً من التجربة العراقية المريرة، وهي أن زواج النظام المستبد بدعوى المقاومة والتحرر زواجُ فاسد وباطل.
تجربة حزب الله لا تكفي وحدها لقراءة المشهد العربي اليوم. ما يعني ضرورة وضع مقاربة استراتيجية موضوعية لخطاب المقاومة العربية تدرك الفواصل الواقعية والأبعاد المختلفة المتداخلة معه كالديمقراطية والتنمية، ولا تستسلم للرغبات والعواطف، فيكفي الشعوب العربية ما ذاقته من نكبات وويلات، فلها حقٌ في الحياة الكريمة والطبيعية كباقي شعوب الأرض بعيداً عن أوهام نخبٍ وفساد أنظمة!
 
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: