الليطاني... نهراً إقليمياً ودولياً
جهاد الزين – النهار 18/8/2006
لا نستطيع بعد أن نسمي ما وُلد من الحرب الأخيرة في لبنان "نظاماً إقليمياًجديداً". ولكن الذي يتبلور الآن هو أكثر من صراع إقليمي جديد. انه مناخ يقترب من أن يكون نظاماً جديداً للعلاقات والصراعات في المنطقة.
لم تدخل إيران فقط كلاعب "داخلي" في مشرق العالم العربي بل العامل الجديد – على الأقل منذ العام 1970 – هوخروج سوريا من نظام إقليمي سابق كان قائماً على المحور السعودي المصري السوري وحلول الأردن مكانها ودخولها – أي سوريا – في تحالف واضح وحيد مع إيران.
لكن إيران المؤثرة في جنوب لبنان هي نفسها صاحبة نفوذ رئيسي في العراق "الجديد". إذن للمرة الأولى فعلاً خط متصل من طهران إلى صور.
كشفت بداية الحرب الأخيرة في لبنان احتدام الصراع بين المحورين الإيراني السوري والسعودي المصري. فالمحور الثاني رفض ما سماه "مغامرة" المحور الأول. لكن "نهاية" الحرب كشفت اندلاع الصراع بشكل لا سابق له.
استند المحور الأول إلى عدم قدرة إسرائيل على القضاء على الوجود العسكري لـ"حزب الله" في جنوب لبنان رغم الضربات الموجعة جداً التي وجهها إلى المدنيين مجازر ودماراً في الضاحية والجنوب والبقاع، ورغم "التنازل" السياسي الأمني الجاد الذي قدمه الحزب إلى الدولة اللبنانية بالقبول بانتشار الجيش اللبناني مع القوات الدولية جنوب الليطاني ولو كانت صيغة الانتشار قائمة على "عدم وجود سلاح ظاهر" حتى الآن فقط... استند إذن المحور الأول على هذه النتيجة ليشن على المحور الثاني هجوماً سياسياً وحتى "شخصياً" غير مألوف.
الجديد ليس التهم... بل الصراع نفسه... الذي لن يتحول إلى عنصر أساسي لنظام إقليمي جديد قبل أن تتضح عدة عوامل أهمها ثلاثة:
1- موقع تركيا. فالصراع "يستدعيها" إلى لعب دور في المنطقة، لكن كيف ستلعب انقره هذا الدور وأي دور. انقره الأوروبية، الأميركية، المسلمة، المشدودة إلى ادوار في مناطق أخرى من آسيا الوسطى إلى البحر الأسود إلى المتوسط، والتي تعتبرالخطر الأول الماثل عليها في شمال العراق، وليس كما كان سابقاً في "بحر إيجه" لجهة "العدو" السابق التقليدي اليونان.
2- الإدارة الأميركية للصراع مع إيران وكيف سينتهي لا سيما في انعكاسه على الدائرة العراقية التي باتت شديدة التعقيد والإثارة من حيث تشابك النفوذين الإيراني والأميركي لا سيما في إطار "الشيعية السياسية" التي تمكنت من الوصول إلى السلطة بعد الانقلاب الذي أحدثه الإسقاط العسكري الأميركي لنظام صدام حسين، وهو تشابك في النفوذ داخل الجهة السياسية الواحدة في العراق بل حتى في الشخص الواحد! (رئيس الوزراء). هذا التشابك جديد على العراق والمشرق العربي، ولكنه ليس جديدا على الأميركيين. فكما أن إدارة الرئيس جورج بوش تعيش حاليا مفارقة تحالفها، بل رعايتها ودعمها لـ"الشيعية السياسية" في العراق كقوة أكثرية في نظام فدرالي، فهي بالمقابل تصطدم مباشرة مع "الشيعية السياسية" في لبنان التي يسيطرعليها المحور الإيراني – السوري... وهذا شبيه بما حصل في البلقان، عندما خاضت أميركا الحرب لصالح مسلمي كوسوفو ضد صربها وصرب صربيا في الوقت نفسه الذي كانت قد انتقلت فيه لمقاتلة "الطالبان" في أفغانستان.
3- مجرى الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والصراع العربي - الإسرائيلي عموما. فإذا بقيت إدارة بوش قابلة بتعطيل المسار الفعلي للحلول في فلسطين، وإذا بقيت مصرة على الربط بين موقفها السلبي من نظام دمشق وبين رفض فتح أي مفاوضات سورية – إسرائيلية حول الجولان المحتل، معنى ذلك أن المناخ العام في المنطقة سيبقى لصالح الطروحات الراديكالية وخصوصا الإسلامية منها. وهذا سيضع أيضا المحور السعودي المصري الأردني في موقع أكثر صعوبة بسبب هذا المناخ العام المتوتر.
...
لكن الاختلافات المزمنة والأساسية بين القوى السياسية لم تمنع نضجا وطنيا فعليا من الظهور من خلال استقبال النازحين بمئات الآلاف في مختلف المناطق اللبنانية. لقد عاش جنوب لبنان وضاحيته شهرا كاملا من الأشهر التي امتدت أكثر من خمس سنوات عاشتها "مدن القنال" عندما أدت حرب الاستنزاف التي خاضتها مصراعتبارا من عام 1968 بعد هزيمة 1967 إلى تهجير ملايين السكان في مدن بور سعيد وبورفؤاد والإسماعيلية والسويس على طول قنال السويس التي كانت إسرائيل قد أقامت على ضفتها الشرقية خط بارليف... حتى القضاء عليه في عملية عسكرية هائلة قام بها الجيش المصري عام 1973، عاش جنوب لبنان والجزء الأكبر من الضاحية الجنوبية حالة "مدينة قنال" لشهر واحد فقط.
إذن الطوائف – كطوائف – "سلّفت" الشيعة فعلا في الأزمة الأخيرة وبدون مِنّة، لكن في النظام السياسي اللبناني، خصوصا في تبلوره الفدرالي الرباعي منذ سنوات، وخصوصا بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، فإن الطوائف تصبح "طائفيات سياسية" عند الشيعة كما عند الدروز والسنة والمسيحيين... وبوضوح الصراعبين المحورين الإقليميين ينعكس مباشرة على المحاور اللبنانية رغم توافق الجميع – طبعا – على العداء لإسرائيل.
الأيام القليلة الماضية في السياسة اللبنانية كانت أياما مباشرة من مواجهة المحورين .
المهم ... أن يكون التوافق "التاريخي" الذي حصل على دور الجيش، ولاحقا دور القوات الدولية الموسعة، إذن الفعالة، بداية صيغة تحييد لبنان من "حرب أهلية" واضحة سياسيا، بعيدة شعبيا، هي الأفق الداخلي الإقليمي... ونسبيا الدولي إذا انهار التوافق الجنوبي.
... هذا البلد الرائع الملعون! الذي يشبه قَدَرَ "كانديد" فولتير... فلا يكاد الحدث السعيد يحصل... حتى تقع الكارثة... والعكس صحيح... إنما في سلسلة لا تنتهي من كتاب هذا الساخر العظيم.
في هذا الجو عادت "الأحقاد الصومالية" بين الأطراف اللبنانية. ساهم في ذلك أن إسرائيل شنت حربا "فدرالية" الطابع في لبنان تبعا لأن "الفرز" العسكري الذي نشأ في لبنان، كان في إطار النظام السياسي الطائفي في لبنان الذي تحول إلى فدرالية غير معلنة منذ سنوات... فعلى الرغم من ضربات مؤذية وهائلة امتدت إلى كل المناطق اللبنانية تحت شعار منع الإمدادات العسكرية من سوريا لـ"حزبالله"... كانت الحرب الأكثر دموية وتدميرية على "الإقليم" الشيعي داخل هذه الفدرالية غير المعلنة .