مقابلة مع د.وجيه كوثراني
الأثنين 25 سبتمبر 2006
مقابلة مع د.وجيه كوثراني
السياسة 6/9/2006 باختصار
 - أكد وجود فرق كبير بينما أتى به موسى الصدر وطروحات "حزب الله" .
 - ما حصل في الجنوب ليس  انتصاراً وإنما بطولات فردية ... وخطأ قاتل .
 - العرب بقياداتهم وأحزابهم لا يتعلمون من دروس الماضي وأن تجاربنا تكرر أخطاءها منذ حرب النكسة في العام 1967 وحتى حرب يوليو ,2006 متناولاً ما قاله عبد الناصر آنذاك: "انتظرناهم من الشرق فأتونا من الغرب", وما قاله نصر الله اليوم: "لو كان يعلم رد الفعل لما أقدم على خطف الجنديين", مشدداً على ستراتيجية القائد ووعيه التاريخي.
 - مشكلة العقل العربي المراهنة على البطولة الفردية .
 - ما جرى في الجنوب هو انتصار بل بطولات على مستوى الأفراد.
 - طالب بالتمييز بين الطائفية السياسية والعقائدية الشيعية الجديدة التي تبناها »حزب الله« من خلال تبنيه نظرية ولاية الفقيه التي ولدت وأنتجت في إيران .
 - هناك فرقاً كبيراً بين ما أتى به موسى الصدر وما أتى به "حزب الله". وإن "حزب الله" .
 - "حزب الله" يناور ويحاول إرضاء عون وإن حركة "أمل" عازمة على استعادة المبادرة من "حزب الله".
"السياسة" التقت الدكتور وجيه كوثراني وأجرت معه الحوار التالي:
ما قراءتك لما حصل في لبنان منذ 12 يوليو حتى 14 أغسطس ?
هناك تصوران يغمران شخص مثلي: الأول كإنسان مواطن شعوري بما جرى شعور كارثي, ....وكان كل واحد منا يشعر بعجز هائل.
لكننا في جانب آخر نعود ونتذكر بشيء من البرودة في أوقات معينة ليكتب شيئاً: أنا لست محللاً سياسياً أكتب الحدث السياسي وإنما أكتب في خلفيات الحدث لناحية تداعيات ما حصل على النواحي الاجتماعية والإنسانية, ومن هذه الزاوية أنظر لأهمية الحدث على قاعدة ما أنتجه من أبحاث في قراءاتي السياسية الحديثة والمعاصرة.
في العالم العربي وفي العالم الإسلامي طبعت فهمي للحدث في عدد من المفاهيم التي تساعدني على فهم ما يجري. المفهوم الأول لقد كتبت مجموعة من الدراسات هو أن العرب بقياداتهم وبأحزابهم لا يتعلمون من التاريخ. لا يذاكرون التاريخ كتجارب نستخلص منها دروساً وأعني بذلك أن كل حزب, كل فئة, كل نخبة تستلم السلطة أو مشروع السلطة تعتقد أنها ستغير العالم بنفسها, وأنها ستبدأ من الصفر وإن ما جرى في الماضي لا قيمة له لأنه كله أخطاء بأخطاء فكل نخبة جديدة تعتقد أنها تؤسس تاريخاً جديداً لا يستفيد من التاريخ الماضي .
إن تجاربنا تكرر أخطاءها منذ حرب 1967 وحتى حرب تموز 2006. أذكر أن الرئيس عبد الناصر فسر هزيمة 1967 بمعادلة فهمت آنذاك بأنها معادلة تفسر ما قاله: إننا انتظرناهم من الشرق فجاؤونا من الغرب, هذا هو تفصيل أسباب الهزيمة آنذاك. كلام السيد نصر الله في آخر حديث له أنه: لو كنا نعلم رد الفعل الإسرائيلي بهذه القساوة لما أقدمنا على خطف الجنديين. أيضاً هو تفسير مختصر ومبسط لما حدث, بمعنى أن القائد يجب أن يكون استراتيجياً لناحية وعيه التاريخي ووعيه السياسي. أقصد بوعيه السياسي ليس وعياً آنياً للأحداث وإنما هو وعي تاريخ للمسارات وللمصالح. يعني غير مقبول للقيادات كلها ويمكن بين عبد الناصر وبين السيد حسن, أن نضع تجارب كثيرة, تجربة أبو عمار, كل هزيمة وكل انكسار ينتهي بانتصار لفظي وشكلي من خلال رفع الإصبعين يمكن وضع تجربة صدام حسين الذي أصبح من خلال الخطاب ومن خلال المزايدة ومن خلال المغامرات غير المحسوبة, أصبح في وعيه العربي غير التاريخي بطل الأمة العربية. أشعر أن هناك إحباطاً على مستوى النخب العربية والجماهير العربية, هذا الإحباط يؤدي بها أو يدفع بها إلى رهانات غير واقعية وغير إستراتيجية وكلما شعرت جماهير الأمة ببارقة أمل في نصرٍ ما, بإنجازٍ ما, تعول عليه كثيراً وتبني عليه كثيراً بمعزل عن السياقات التاريخية التي هي مجمل الظروف ومجمل الأسباب, ومجمل المسارات, أو لا يمكن المراهنة على الحدث الواحد العابر.
مطلوب وضع الحدث في سياقات كبيرة هل هذا الحدث يؤدي فعلاً إلى الانتصار? وهل تتحقق من هذا الحدث الشروط المتكاملة للانتصار أم لا?.. مشكلة العقل العربي أنه يراهن على البطولة الفردية, يراهن على البطولات, وهذه مغروسة في ثقافتنا التراثية منذ زمن كانت المعارك تقوم فيه على البطولات الفردية, على التضحية, على الفداء. الفداء والتضحية, أشياء مهمة جداً التي تندرج في نطاق النضال والفداء. لكن هذا وحده لا يكفي, اليوم في عصر الاقتصاد المعولم والتكنولوجيا الدائمة في سياقات أخرى وشروط أخرى للبطولة, إنها التكامل ولا يمكن أن أعد ما جرى في الجنوب انتصاراً, هو بطولات, هو مقدرة على التصدي على مستوى الأفراد والأبطال, لا شك في ذلك وهذا ما يدعو للإعجاب, لكن التضحيات الفردية لها أيضاً سياقات تاريخية أن نحمي الاقتصاد, المعارك في العصور الحديثة لم تعد تضحيات فردية وإن لعبت دوراً في مرحلة معينة يجب أن نفكر كيف نحمي الاقتصاد, كيف نحمي الجسور, كيف نحمي الجو, كيف نحمي الإنسان, كوننا في المقدمات بعد الألفين قامت مقدمات "حزب الله" على نظرية توازن الردع أو توازن الرعب, يعني أن إسرائيل لم تجرؤ على الاحتلال المباشر ربما هذا صحيح, لأن البطولات الفردية يمكن أن تصدها, لكن هناك تكنولوجيا وطيراناً وقدرة على التدمير, وفي الحروب عودتنا إسرائيل بأنها لا تقيم أي وزن لحقوق الإنسان ولحقوق المواطن ولا تقيم أي اعتبار لقواعد الحرب الكلاسيكية. تجويع الناس, الحصار, ضرب المدنيين, كلها أمور ممنوعة في الحرب, ويجب أن نحسب لها ألف حساب, نحن أمام عدو لا يلتزم بقواعد الحرب, فهذه جملة عناوين لم يستطع "حزب الله" مع الأسف الانتباه إليها وجلبت على الوطن هذه الويلات.
ما هي الدروس التي يمكن للطائفة الشيعية الاستفادة منها بعد حرب تموز 2006? وهل يمكن أن يتلبنن الشيعة?
الشيعة لبنانيون أقحاح. الشيعة تبلننوا منذ زمن وهم جزء أساسي من الكيان اللبناني. يمكننا أن نتحدث عن اتجاهات سياسية في الطائفة الشيعية ولا يمكن اعتبار أن الطائفة الشيعية تتماهى مع "حزب الله", الجماهير الشيعية والجماهير غير الشيعية العربية تتماهى مع "حزب الله" كإنجاز بطولي, وهذا يثير إعجاب كثير من الفئات العربية. وهنا أريد أن أميز بين الطائفية السياسية التي هي جزء من المشكلة اللبنانية. عند الشيعة يجب التمييز بين الطائفية السياسية وبين العقائدية الشيعية الجديدة التي تبناها "حزب الله" من خلال تبنيه نظرية لا تحوز الإجماع الشيعي العام هي نظرية ولاية الفقيه التي ولدت وأنتجت في إيران, نظرية ولاية الفقيه بصيغتها الخمسينية, يعني ولاية الفقيه المطلقة غير ولاية الفقيه الإسمية, ولاية الفقيه تعني دور الفقيه.
في المذاهب الإسلامية كلها دور للفقيه, هناك ولاية فقيه في التقليد الشيعي العام, ولاية الفقيه تنحصر فقط في المعاملات والعبادة, أما ولاية الفقيه المطلقة فتشمل أيضاً السياسة, السلم والحرب هذه النظرية الجديدة التي يعتمدها "حزب الله" تشكل إيديولوجيا جديدة انخرط فيها بعض الشيعة اللبنانيين نتيجة عدة عوامل سياسية مالية, خدماتية اجتماعية, وهناك عامل أساسي ناتج عن غياب الدولة التاريخي عن الاهتمام بالشيعة بشكل عام.
"حزب الله" حل محل الدولة وتحمل مسؤولية الدولة التي أهملت الجنوب وتركته لقمة سائغة لإسرائيل وللحرمان وللفراغ.. كان هناك فراغ وعبء هذا الفراغ. الفرق بين ما أتى به "حزب الله" وما أتى به السيد موسى الصدر, هناك فرق كبير يجب أن ننتبه له, قرأت خطاب الرئيس بري الأخير في مدينة صور فكان يشير بالشكل الضمني إلى هذا بصراحة مشروع موسى الصدر مشروع لبناني وطني يندرج في إطار الميثاق الوطني اللبناني, ما هو موقع الشيعة في الميثاق? كان هذا هو سؤال موسى الصدر الأساسي يجب أن نفهم حركة موسى الصدر على مستوى مشاركة شيعية لبنانية في دولة كيف ينال الشيعي حقوق مواطنة كاملة, وبعد غياب الإمام الصدر أكمل الشيخ محمد مهدي شمس الدين بنشاطاته وبمواقفه وبوصاياه الأخيرة, بأنه ليس هناك مشروع شيعي خاص, المشروع الشيعي هو جزء من المشروع الوطني. برأيي ظاهرة "حزب الله" ظاهرة تاريخية. والظاهرة التاريخية لا تدوم كثيراً, يعني أمام "حزب الله" خيار أن يكون حزباً لبنانياً أو أن يكون حزباً إيرانياً وهذا أمر مستبعد لوجود قاعدة شعبية لبنانية, وبالتالي عليه أن يتخلى عن نظرية ولاية الفقيه ليندرج في المعتقد الشيعي السائد الذي هو معتقد شيعي إصلاحي وليس راديكالياً, الآن هناك تياران شيعيان, تيار أصولية شيعية شبيهة بأصولية سنية تتمثل بها ولكنها أكثر عقلانية منها, وراديكالية شيعية تتمثل ب¯"حزب الله" وهناك شيعية إصلاحية تتمثل بخط قوي ومتين وعميق في الثقافة الشيعية اللبنانية خاصة ونسميها الشيعية العاملية, بدءاً من السيد محمد حسن الأمين والسيد علي حسين شرف الدين إلى السيد موسى الصدر إلى الشيخ محمد جلال مغنية. فهم من كبار علماء الإسلام والعلماء العرب في الفكر والثقة, ثم الشيخ محمد مهدي شمس الدين. هذا التيار من التيار الإصلاحية الشيعية.
ما الانطباع الذي خرجت به بعد خطاب الرئيس بري ودعوته للاعتصام حتى فك الحصار عن لبنان, وهل وجدت في خطابه تبايناً مع "حزب الله" في حين كان يدعم المقاومة خلال فترة الحرب?
الخطاب إيجابي جداً على عدة مستويات. المستوى الأول الذي لفت نظري شكل غطاء سياسياً للحكومة, وهذه نقطة تمايز كبيرة, في وقت كان "حزب الله" يبعث بين الحين والآخر رسائل تهديد للحكومة من خلال التعاون مع عون. ولو كان "حزب الله" يريد أن يترك البلاد في أزمة حكومة لماذا لم يستقل وزراؤه? وهم ليسوا بوارد الاستقالة. "حزب الله" برأيي يناور بالنسبة للحكومة ويحاول إرضاء عون بالمطالبة باستقالة الحكومة. "حزب الله" مستفيد من عون بالدعم الماروني وعون يستفيد من "حزب الله" من كل الجوانب, يوجد شراكة بين الاثنين. النقطة الثانية لا بد من الإشارة إلى أن الرئيس السنيورة كان يدير الأزمة بحكمة ودراية, وهو يتقدم بإيجابية نحو ترسيخ فكرة الدولة الى دور وظيفي منوط بالحكومة, والرئيس بري يتميز معها بعمق الالتقاء ويسجل فيها نقطة إيجابية تندرج في الحصاد السياسي لحركة "أمل".
النقطة الثانية تندرج في النقطة الأولى بأن هناك عزماً على استعادة المبادرة من "حزب الله" على أن تستعيد حركة "أمل" قدرتها التي فقدتها بدءاً من العام 1984 نتيجة الضغط السوري والضغط الإيراني وضغط "حزب الله" عليها. لقد تقلص دور حركة "أمل" في المقاومة وتقلص دورها في القضايا الأساسية وحصر دورها في الوظائف وهذا ما سبب أذية لحركة "أمل" ولرئيسها نبيه بري وما يشاع عن فساد الموظفين وتحميله مسؤولية تعيينهم في الإدارات. هذا الواقع أساء فعلاً لحركة "أمل" وأساء لنبيه بري شخصياً. فعساه أن يستفيد من هذه المراجعة ويطل علينا بحركة "أمل" جديدة.. الذي يؤكد هذا التوجه عودته إلى نصوص السيد موسى الصدر, النصوص اللبنانية التأسيسية كيف فهم موسى الصدر المشروع اللبناني.. لبنان وطن نهائي, طبعاً الاقتراحات التي قدمها في البرلمانات العالمية كانت اقتراحات ذكية تندرج في ما يمكن أن تسميه استراتيجية الديبلوماسية. وتكلم مع العالم وخاطب العالم بشكل جيد, كون لبنان منبر ديمقراطي متعدد الثقافات, ولاحظنا أن الديبلوماسية اللبنانية تحركت وقامت بنشاط مميزة من خلال ما قام به الرئيس السنيورة والوزير طارق متري وغيرت في القرار الفرنسي الأميركي الذي لو أقر لكان كارثة على لبنان.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
  
 
 
 
 
 
  
 
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: