عجائب الزمن العراقي الأميركي
عمان ـ عبد الله التميمي
الوطن العربي ـ العدد 1538ـ 23/8/2006
أفرز المسرح السياسي العراقي المضطرب تحت ظلال الاحتلال الأميركي ظواهر غريبة لم تكن مألوفة من قبل، خاصة في ظل النظام السابق الذي اعتاد الناس فيه على رؤية الحزب الواحد والقائد الأوحد والمحتوى المتشابه في وسائل الإعلام وإدراك مدى الخطوط الحمر المحرمة بالتفكير والتعبير.
ورغم قساوتها وانتهاكها للحريات الأساسية للإنسان والمجتمع فهي تبدو أكثر رحمة من الفوضى التي تجتاح العراق حاليا في المجالات كافة، ووصل الأمر إلى حد البدع المضللة أو الحقائق الربانية الساطعة كما يحب أن يسميها مروجوها، لكن الأكثر غرابة أن وراء كل هذه البدع عشرات الآلاف من المريدين المتطوعين للدفاع عنها بالسلاح حتى الموت وهنا سنتوقف عند ظاهرة "آية الله محمود الحسني الصرخي" الذي يدور حوله جدل صاخب وعنيف بعد أن نزل أتباعه المسلحون للشارع أكثر من مرة.. فمن هو الصرخي وماذا يريد؟
أتباع الصرخي هاجموا مؤخرا الشرطة العراقية في كربلاء واستولوا على مركز شرطة منطقة الحر وصادروا أسلحته ومقتنياته واشتبكوا مع القوات العراقية ووقعت خسائر بين الطرفين واعتقل أكثر من مائتي مسلح من جماعة الصرخي.. وقبل هذه الحادثة تظاهرت جماعة الصرخي في النجف وداخل ضريح الإمام علي بن أبي طالب احتجاجاً على نقص الخدمات، وفوجئ الناس بحجم أتباع الصرخي غير المتوقع وصدرت تفسيرات كثيرة عن تمويل هذه الحشود، وفي وقت سابق أضرم أتباع الصرخي جنوب العراق النار في مكتب استعلامات القنصلية الإيرانية في منطقة البراضعية في البصرة، وأضرموا النيران كذلك في العشرات من إطارات السيارات حولها وقذفوا القنصلية بكتل من اللهب تسبب في أضرار كبيرة في مبنى القنصلية ومقتنياتها.. وتبين بعد التحري أن السبب الرئيسي لهذه المظاهرات الاحتجاجية العنيفة التي نظمتها جماعات من مقلدي الصرخي كانت احتجاجا على تصريحات أطلقها رجل الدين الإيراني "علي الكوراني" عبر إحدى الفضائيات الإيرانية اختلف فيها مع اجتهادات الصرخي بشأن ظهور المهدي المنتظر.
يقول أتباع الصرخي إن السيد محمود الحسني الصرخي هو أحد المراجع الموجودين في العراق، وكان أحد طلاب السيد محمد الصدر (والد مقتدى الصدر) وقد ظهر بعد استشهاد السيد الصدر، وأقام صلاة جمعة في عهد النظام البائد وتد تم اعتقاله في زمن صدام حسين وحكم عليه بالإعدام، إلا أن تداعيات المواجهة مع الأميركيين حالت دون تنفيذ حكم الإعدام وخرج بعد سقوط بغداد بثلاثة أيام من سجون بغداد، وطلب من المراجع الموجودين في داخل العراق وخارجه المناظرة أو الرد على بحوثه الموجودة في الساحة العلمية، وأبطل آراءهم جميعها وفند أراءهم كلها، ولم يرد عليه أحد، ولا أحد دافع عن بحوثه التي أبطلها السيد الحسني الصرخي، وبعد ذلك أثبت علميته عليهم وجابهوه بالرفض والسب واللعن، وحاربوا طلابه واعتقلوا أنصاره وداهموا منزله وقتل من أنصاره ثمانية في تلك الليلة.
وأسس الصرخي مثل سلفه الصدر حوزة مستقلة عن حوزة النجف التقليدية وحوزة قم في إيران فبعد أن أطلق الصدر على حوزته تسمية الحوزة الناطقة أطلق الصرخي تسمية جديدة هي الحوزة العلمية الصادقة الناطقة (حوزة الإمام الصادق) وجعلها بزعامة آية الله الشيخ حازم السعدي، وأصبح لهذه الحوزة مقلدون كثيرون الآن في العراق وإيران وبين الجالية العراقية في أوروبا، وتقام له صلاة جمعة في معظم أنحاء العراق، وقد تم اعتقال أنصاره في إيران بعد خروجهم في مظاهرة تأييد لاجتهاداته، وكانت أحد مطالب المظاهرة هي نقل الولاية من علي خامنئي إلى سماحة السيد الحسني الصرخي لأنه أحق بها منه... ويعتقد أتباع هذه الحوزة بأفكار هي مثار خلاف كبير وتقاطع مع التيارات الشيعية الأخرى، خاصة فيما يتعلق في فلسفة غيبة وظهور المهدي المنتظر الإمام الأثنى عشر عند الشيعة، حيث تنقل عن الصرخي تصريحات مثيرة جدا عن ظهور المهدي ولقائه المستمر معه في قصص يتداولها البسطاء ويعدونها من معجزات القرن الواحد والعشرين ويعدون من لا يصدقهم من الزنادقة الذين يحق قتلهم وحرقهم!!.
أفكار عقلانية
يلمس المتابعون لتصريحات وفتاوى الصرخي السياسية بأنها تتسم بالعقلانية والوطنية خاصة ما يتعلق بالاحتلال والمحتلين وما صدر عنهم من أعمال ومواقف ودعاوي كالحرية والديمقراطية والانتخابات، فهو يقول إن هذه الأفعال والممارسات تجري ضمن مخطط خطير ولئيم يهدف إلى تحطيم وتضييع الأرض والمبدأ والدين والهوية، ويرى أنه مخطط صليبي صهيوني يستهدف العراق والعروبة والإسلام والمسلمين.
وأن الكثير من الشخصيات المشاركة في الفعاليات السياسية الراهنة بالعراق ما هي إلا أدوات مبرمجة بواسطة الاحتلال.
ويقول الصرخي أيضا إن رئيس الكفر والاحتلال والمخطط له اعترف وأفر بحق المقاومة العراقية، وأشار إلى أن بلده (أي أميركا) كانت محتلة، بينما نجد العديد من الشخصيات الإسلامية والواجهات الاجتماعية أفنت وطلبت من المحتل بتجريد السلاح من المؤمنين الصادقين الأخبار!!!.
معارضو الصرخي
إن السيد الحسني غير ثابت الاجتهاد وليس لديه بحوث استدلالية أبدا والكتب التي يتحدث عنها أتباعه أكثرها كتيبات وكراسات صغيرة، وهي عبارة عن ردود وتعليقات على كتب ومحاضرات. والصرخي كما يعتقد خصومه ادعى النسب الحسني وزعم أنه أعلم العلماء!! وهو أيضاً ذو تاريخ مجهول ومشبوه وأيضاً فهو فجائي الظهور على مسرح الأحداث!!
فد تخرج في كلية الهندسة جامعة بغداد من قسم الهندسة المدنية سنة 1987م، وهينفس الكلية والجامعة والقسم الذي تخرج فيه عدي صدام حسين عام 1986، وقد تعرف عليه ولازمه لمدة ثلاث سنوات في نفس القسم والكلية والجامعة، وبعد ذلك تسلل الصرخي إلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف في أواسط التسعينيات من القرن الماضي، وبدأ منذ ذلك الحين بمهاجمة الحوزة والتشكيك في أصول وفتاوي المراجع الكبار في محاولة لإسقاط هيبتهم وزرع بذور الانشقاق داخل الحوزة المذهب الشيعي بكاملة وإظهاره بالمظاهر التي لا تنسجم مع جوهر العقيدة الإسلامية الصحيحة.
عجائب!
يقول أحد الباحثين إن أتباع للصرخي من أبناء مدينة الناصرية جنوب العراق خرجوا يغمرهم فرح باذخ، وسرور عظيم، بعد أن منا إلى أسماعهم، وبتبليغ من الصرخي نفسه، أن الإمام المهدي المنتظر قد تقدم الصرخي، ليطلب منه يد أخته، ولهذا السبب هبت تلك الجموع مهللة، مباركة هذا الشرف العظيم الذي خُص به زعيمهم، وقائدهم، المطارد من قبل وزير الداخلية، وشرطته، وبوش وجنوده في العراق، والذين خصصوا جائزة مقدارها 50 ألف دولار لنم يدلي بمعلومات عن أماكن تواجده، فقد توارى هو عن الأنظار منذ أكثر من عامين، وذلك حين شنت قوات أميركية وبولندية غارة على مكتبه وسط مدينة كربلاء جنوب العراق، وهو ما أدى إلى مقتل جنرال كبير وجنديين أميركيين وجنديين بولنديين و13 من طلاب الحوزة العلمية، وخرج أتباع الصرخي في أكثر من مظاهرة لهم، طالبوا فيها بإغلاق ملف القضية المقامة ضد زعيمهم المريب الذي كان هو من ضمن مجموعة في تيار الصدر تدعو إلى ولاية "الولي الحي"، تلك المجموعة التي انقسمت بدورها إلى تشكيلين، يدعو الأول إلى ولاية السيد محمود الصرخي (الحسني)، بينما يقر الآخر بولاية علي خامنئي، مرشد الجمهورية الإيرانية.
وقد اختلف الناس في العراق وخارج العراق في أمر الصرخي، وراح البعض منهم ينسج حوله القصص والأساطير، فهو حاضر مرة، وغائب مرة أخرى، وقد يكون في مرة إنسانا من عامة الناس، وفي أخرى رجلا تكشف أمامه الغيوب، ويطلع على ما في العقول والقلوب، يقابل إمام هذا الزمان، وينقل عن آخر مات قبل ألوف السنين، فهو قد توزع بين الناس بصور عديدة، وأحيط بضباب من الغموض ويروج البعض أن ظهور "الصرخي" ما هو إلا تمهيد لظهور الإمام المهدي المنتظر، وأما لقبه الصرخي فلا يعدو كونه نسبة إلى مدينة إيرانية تقع على مقربة من خراسان، وتدعي سُرخ "بضم السين"، وعند العرب كثيرا ما تبدل السين صادا، فنقول: سراط المستقيم، مثلما نقول: صراط المستقيم، وعلى هذا أبدل حرف السين المضمومة في كلمة: سُرخ إلى صاد ثم نسب السيد محمود إليها بياء النسب المشددة، فصار الصرخي، وسُرخ في الفارسية تعني اللون الأحمر، وهو في هذا الإبدال لا يختلف عن الإبدال الذي لحق لقب وزير داخلية حكومة إبراهيم الجعفري، بيان جبر صولاغ، فأصل كلمة صولاغ في اللغة الفارسية هو سُولاغ بضم السين كذلك، ومعناها: الثقب في الفصيح، والزرف في لغة العامة من أهل العراق، وحين انتقلت تلك الكلمة إلى اللسان العربي صارات: صولاغ وعلى أساس من هذا فقد يكون السيد محمود الصرخي إيراني الأصل ووجد له مكانا يصول فيه ويجول في عراق العهد الأميركي.
وتنقل عن تصرفات الصرخي حكايات غريبة عن ظهور الإمام المنتظر ومرافقة الصرخي له يوميا والتعايش معه وينقل عنه أقوالا وأفعالا تجد من يصدقها من البسطاء، رغم عدم عقلانيتها وعدم اتفاقها مع كل ما تذكره كتب الشيعة عن ظهور الإمام المنتظر لقيادة الأمة الإسلامية في أخر الزمان... وحسب الصرخي فإن المهدي في ضيافته لا يتناول طعامه إلا بعد إحضار طعام الإمام ولا يحتسي قدح الشاي إلا بعد أن يقدم القدح الأول للإمام الذي تصدر مجلسه ولا يراه إلى الصرخي.. وتطول الحكايات والغريب أن هنالك من يصدقها من عامة الناس التي سئمت الحياة وهي بانتظار المعجزة التي قرّب موعدها الصرخي ولا تذعن للمراجع الكبار الذين يعتقدون أن ما جاء به الصرخي ما هو إلا بدعة لتشويه سمعة المذهب الشيعي.. ويبقى الشارع العراقي مصدرا لكل ما هو غريب يصدقه الجهلة القادرون على سحق مفكري وعلماء البلاد بالإقدام في لحظة واحدة في غياب القانون واستمالة رجال الأمن المنتمين لعالم الغيبيات والانحيازات المذهبية التي لا تعترف بالقانون والدستور!.