التعددية في تنظيمات رجال الدين
الأثنين 25 سبتمبر 2006
التعددية في تنظيمات رجال الدين
حوار مع محمد علي أبطحي
شرق (شرق) 21/6/ 2006
مختارات إيرانية ـ العدد 73ـ أغسطس 2006
يعتبر محمد على أبطحي من الوجوه المعروفة في إيران، إذ كان يشاهد دائماً إلى جوار الرئيس محمد خاتمي، وعلى الرغم من أسلوبه السياسي الهادئ، لكن نشاطاته في مجال الكتابة بالمواقع الإلكترونية أظهرت وجهاً مختلفاً لذلك الشيخ التقدمي، وعلى حد قوله فإنه كان يواصل كتاباته هذه على الرغم من جميع مشاغله وكان يطالعها أكثر من 25 ألف فرد يومياً.
يدير أبطحي حالياً منظمة غر حكومية تعمل في مجال حوار الأديان، وقد أصدرت عدداً من المطبوعات القيمة. وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته جريدة شرق معه.
× السيد محمد أبطحي، ما هو الاختلاف والسمات الفارقة بين مجمع روحانيون مبارز وجمعية روحانيت مبارز؟ ولماذا ظهر روحانيون كتنظيم جديد لرجال الدين؟
ـ بعد قيام الثورة وفي السنوات الأولى من عمر الجمهورية الإسلامية وجدت اختلافات تنظيرية في الساحة السياسية وسرعان ما كرست تلك الاختلافات وأصبحت أكثر تحديداً ووضوحاً، هذه الاختلافات التي ظهرت بين التيارات السياسية كانت جوهرية ذات جذور، ولم تستثنى تيارات رجال الدين من ذلك بل كانت فيما بينها القدر الأكبر من تلك الاختلافات فقد كان هناك نوعان من القراءات الدينية حافظ على وجودهما على الدوام وعلى الرغم من مرورهما بفترات متباينة من القوة والضعف لكنهما كان موجودين على الدوام، ويمكن القول أن تيارات رجال الدين كانت تنقسم إلى وجهتي نظر متباينتين منذ البداية، الأولى لها وجه ثابت في كال زمان وتحت أي ظروف ويمكن تسميتها بالفرقة المتحجرة أما الثانية فلها ملامح مختلفة إذ تؤمن بأطروحة أن الإسلام يتوافق من التغيرات الحديثة، وكتعريف موسع لها يمكن تسميتها بوجهة النظر التقدمية، وأصحابها يؤمنون بضرورة رؤية مختلفة للمصادر المعرفية الأساسية للدين وأصحابها على خلاف المجموعة الأولى يؤمنون أن آليات العمل الموجودة الرائجة حالياً هي الأفضل حتى ولو لم تؤدي إلى نتيجة، لقد طرح هذا الموضوع أثناء فترة تولي مير موسوي رئاسة الوزراء، فعلى سبيل المثال أحضر عدد من السياسيين كتابي توضيح المسائل وتحرير الوسيلة للإمام الخميني وكانوا يقولون أنه ينبغي أن نعمل وفق الآراء الواردة فيهما، لأن سعادتنا كامنة بين دفتيهما.
كانوا يريدون أن يضعوا قانون العمل وجميع ما تحتاجه الدولة من قوانين وفق أحكام هذين الكتابين.
هناك نقطة على جانب كبير من الأهمية وينبغي أن نتناولها هنا وهي أن فكر الإمام الخميني لم يكن الفكر الغالب في الحوزات الدينية، وإنما كان فكر الإمام فكراً استثنائياً غريباً على الحوزة، كما أن الثورة لم يكن نتاج فكر رائج آنذاك، ولقد أكدت هذه المسألة مراراً، إن الثورة لم تخرج من قلب الفكر الديني الرائج آنذاك، وإنما هذه الشخصية الاستثنائية وفي نفس الوقت الغريبة على الحوزة والمقصود بها الإمام هي التي تزعمت الثورة وأرشدتها، لقد قال الإمام عدة مرات أنه عندما كان ولدي يشرب من الماء في مدرسة الفيضية بقم، كانوا يقولون أن كوبه نجس ولا يجوز الشرب فيه، لأن ابن فلان قد استعمله وشرب منه، إن هذا القول في أوساط الحوزة يعني ارتكاب أغلظ الآثام فهو يعني أن أحداً كفر ذلك الشخص واعتبره نجساً بمعنى كفره المطلق.
بناء على هذا فإن فكر الإمام لم يكن سائداً بالحوزة بحيث يتزعم الثورة، لكن عندما نجحت الثورة دخل الفكر المسيطر على الحوزة آنذاك وهو الفكر التقليدي التيار الثوري، لقد التقى هذان التيارات في نقطة واحدة، أن الفكر التقدمي الذي كان الإمام زعيماً له والفكر التقليدي الذي كان مسيطراً على الحوزة، وقفاً إلى جوار بعضهما البعض بعد الثورة.
× هل يمكن القول أن كل واحد منهما كان في نفس المسار؟
ـ لا، لم يكونا يخطوان في نفس المسار، وإنما التقيا في نقطة واحدة، فلأن زعامة الثورة كانت بيد الإمام وكان رجل دين صارت الثورة باسم جميع رجال الدين، حتى التيار الذي لم يكن يؤمن بفكر الإمام ولم يقبله. من الناحية الأخرى هناك الجماعة التي اعتقدت بالإمام وكونت التيار الثوري التقدمي، كانوا يريدون في هذه الظروف أن يكونون دعماً لبعضهما البعض، ثم ظهرت التصادمات بسبب وجود أزمات إدارة الدولة فذهبت مجموعة صوب التقليدية، ومجموعة أخرى صوب التقدمية.
كان آية الله بهشتي نموذج التيار الثاني بعد الإمام، وداخل صفوف هذين التيارين وجد أفراد لم يؤمنوا بالثورة ووقفوا في مواجهتها فتم استبعادهم، ووجود هذه الأفكار المتضاربة كان يؤدي إلى ظهور صدامات، وشيئاً فشيئاً انتقلت تلك الصدامات إلى الأوساط التنفيذية في الدولة وعبر أصحابها عن أنفسهم في القضايا السياسية والاقتصادية بل والاجتماعية أيضاً، استمرت هذه الصدامات حتى انتخابات المجلس الثالث، في هذه المرحلة كان زمام التيار التقدمي بيد السيد أحمد الخميني وكان يحافظ على ربط التقدميين بالإمام ويدير تلك العلاقة، وفي الدورة الانتخابية الثالثة لمجلس الشورى الإسلامي ظهر الخلاف جليا واضحاً، وكان السبب وراء ذلك أن روحانيت مبارز قدمت قائمة انتخابية لم تضع فيها أي فرد من التيار التقدمي لرجال الدين، ولو كانت هذه المسألة قد استمرت لاستولى التقليديون بشكل فعلي على السلطة والنفوذ والإدارة.
× هل هذا يعني أن سلطة ونفوذ التقليديين كانت تتوحد داخل إطار النظام؟
ـ لم تكن تتوحد وإنما كانت تقوى وتتدعم، وكان الإمام وأفراد آخرون يقفون في مواجهة هذا الأمر، على الرغم من وجود خلافات داخل الحكومة نفسها، لكن المهم في تلك المرحلة أن التيار المتحجر لم يحصل على إدارة كل مؤسسات الثورة، ولو أن هذا الأمر حدث لدفعت الثورة ثمن باهظاً.
في ذلك الوقت كانت روحانيت مبارز أقوى التنظيمات السياسية، لذلك السبب شكل مجموعة من أصدقاء، الإمام الذين لهم تاريخ نضالي طويل وكان لهم دور رئيسي في الثورة بالوقوف أمام الفكر التقليدي، وكانوا حلقة أولية للدفاع عن الفكر التقدمي، وكان رمانة الميزان في تلك الحلقة السيد أحمد الخميني.
وكان معظم رجال الدين الأعضاء بإدارة مكتب الإمام من أنصار الفكر التقدمي وتقريبا همه جميع من كان في مكتب الإمام مثل السيد توسلي ومحمد على أنصاري والسيد سراج والحاج حسن صانعي والسيد خاتمي والسيد كروبي والسيد موسوي خوئيني ها وبين هؤلاء الأفراد من ينبغي أن نفصلهم نهائياً عن التيار التقليدي مثل هادي غفاري وكروبي وموسوي خوئينى ها وجلالي خميني، هؤلاء الأفراد طالبوا بتشكيل تنظيم جديد وأمنوا بضرورة إنقاذ فكر الإمام والثورة والتصدي لتصاعد موجات الفكر المتحجر، وبالطبع عندما أرادت هذه المجموعة أن تنفصل كانت قلقة من رأي الإمام ثم حصلت بشكل ضمني على موافقة الإمام.
× ما هو دور السيد أحمد الخميني؟
ـ لم يكن لأحمد الخميني وجوداً مباشراً لكن كان الجميع أصدقاء للإمام يمكن القول أنه كان هناك تنسيق مع الإمام وهو الذي كان يقول بهذا الدور.
ذات يوم تجمع كل الأصدقاء بالقرب من حسينية جماران في منزل السيد صدوقي، وتبادلوا وجهات النظر حول كيفية الانفصال عن المجموعة التقليدية الفكر، حيث كانوا في ذلك الوقت ما زالوا يمارسون نشاطاتهم تحت اسم روحانيت مبارز.
× ماذا حدث لكي تأخذوا اسم روحانيون مبارز لتنظيمكم؟
ـ لم يكن هذا الاسم مطروحاً في الجلسة الأولى، لكن قبل أن تبدأ انتخابات الدورة الثالثة للمجلس، قرر عدد من الأصدقاء أن يختاروا اسماً لأنفسهم، واختار كبار هذه المجموعة اسم (روحانيون مبارز) ثم ذهبوا إلى الإمام لكي يحصلوا على الموافقة على هذا المسمى، فشجعهم الإمام وقال هذا يعني أنه ليس هناك اختلاف.
كانت هذه النقطة مهمة جداً لأن الإمام كان قلقاً جداً من أن تلتصق الأفكار المتحجرة باسم رجال الدين بمعنى أن يترادف اسم رجال الدين في التاريخ مع الأفكار المتحجرة، فكان يرى أنه من الضروري جداً وجود مجموعة أخرى من رجال الدين داخل التيارات السياسية.
× ما هي القضايا التي حدث اختلاف حولها بين روحانيت مبارز وروحانيون مبارز كتيار ذي توجه يساري؟
ـ كان الاختلاف حول قضايا مثل الضرائب، تقسيم الأرض، حدود الملكية، قانون العمل وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وحدث كل ذلك في العقد الأول من عمر الثورة، كانت وجهات نظر الطرفين مختلفة، وكانت آراء روحانيون مبارز أقرب إلى الدفاع عن المستضعفين المحرومين.
× في التجمع التقليدي قبل الثورة كان يتم السعي إلى توحيد صفوف رجال الدين، كضرورة لازمة للنضال بعكس نظام الحكم الذي يسعى إلى إحداث الفرقة بين رجال الدين وكذلك المناضلون، فكيف بعد الثورة يتجه هذا التيار الموحد إلى التعددية؟
ـ قبل نجاح الثورة أيضاً لم يكن رجال الدين موحدين، فقد كانت هناك اختلافات على سبيل المثال كانت هناك وحدة بين رجال الدين في عهد السيد بروجردي في ذلك الوقت لم تكن هذه المسألة مطلقة فكان هناك آية الله الكاشاني أيضاً، والإمام الخميني أيضاً وعلى الرغم من أنه لم يكن له ظهور كبير آنذاك ولكن ميوله كانت مختلفة عن الجميع، لم يكن لرجال الدين تيار موحد في أي وقت، دوماً كانت بينهم أفكار وتيارات مختلفة، ونرى ذلك إبان الثورة الدستورية 1906م حيث كانت هناك تيارات كثيرة مختلفة بين رجال الدين وكانت اختلافاتهم جوهرية.
× ألم تؤد هذه التعددية بين رجال الدين إلى توزيع الناس؟
ـ لا، الناس إنما يواجهون هذه التعددية ومعتادون عليها، فبعد وفاة آية الله بروجردي في عقد الأربعينيات، كان هناك عدد من مراجع التقليد بتوجهات مختلفة، وتوجه كل فرد من الشعب صوب مرجع منهم، لكن الأغلبية في النهاية اختارت الإمام وسارت على نهجه في حين أن فكره ونهجه كان في موضع الأقلية داخل الحوزات الدينية.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: