البصرة.. مدخل إيران على الخليج
محمود صادق الوطن العربي ـ 29/11/2006
مذكرة اعتقال حارث الضاري لم تكن البداية في مسلسل الاعتداء على أهل السنة في العراق، كما أن ذلك القرار لا يأتي منفصلاً عن تطورات الأحداث الداخلية، لكنه مجرد سلسلة في اعتداءات متتالية ومستمرة ضد السنة العراقيين، وقد أضاءت مذكرة اعتقال أو توقيف الضاري جزءا من ظلام الممارسات السلبية التي تجري بحق أهل السنة، والوضع في العراق خطير ومعالم هذا الخطر متعددة لكننا سنقف عند أبرز تلك المخاطر التي تحيط بهذا البلد المسلم وهو الخطر الشيعي الذي لا يقل في نتائجه المهلكة عن خطر الاحتلال بل يفوقه، فالمخططون له يبذلون كل ما بوسعهم من أجل تحويل هوية العراق لاسيما بغداد لتكون هوية شيعية!.
قال عضو جبهة التوافق العراقية السنية خلف العليان إن إيران لا تريد عراقا مستقراً بل تريد جنوبا شيعيا مواليا لها100% قد ينقسم لاحقا وينضم إليها خصوصا وأن الأطماع الإيرانية في العراق موجودة منذ زمن طويل، فإيران تعتقد أن قسما من الأراضي العراقية جزء من بلاد فارس. وأن الدولة العباسية والدولة العثمانية قوضتا بلاد فارس!. وقد وجدت إيران أخيرا فرصة سانحة للنيل من العراق بتسهيل الاحتلال والسيطرة من خلال الأحزاب الشيعية. والتدخل الإيراني يأخذ شكلا أكثر وضوحا في جنوب العراق، حيث توجد مكاتب المخابرات الإيرانية المعروفة باسم اطلاعات، بالإضافة إلى الدعم التسليحي والمادي للميليشيات التي تؤدي دورها المرسوم في المؤامرة الإيرانية التي تهدف إلى تصفية كل الكوادر العراقية التي تنتمي لمذهب أهل السنة خصوصا القيادات العسكرية.
وحسب منظمة "عراقيون لحقوق الإنسان" وجمعية "الضباط الأحرار" فإن أكثر من 11 ألف ضابط سابق من القوة الجوية والبحرية والمشاة تمت تصفيتهم على يد إيران، القسم الأكبر منهم هم طيارون وضباط استخبارات ومشاة على رتب عالية جداً في الجيش السابق، ويؤكد نجيب الصالحي رئيس جمعية الضباط الأحرار في بغداد أن أطرافاً في الحكومة العراقية الحالية متورطون بقتل ضباط عراقيين شاركوا في حرب إيران! ونتيجة للملاحقات الإيرانية وتهديدات الاغتيال من قبل البشمركة وفيلق بدر وجيش المهدي، هاجر الضباط العراقيون إلى المحافظات السنية التي تسيطر عليها المقاومة وقاموا بالانضمام إلى المقاومة واستوعب الجيش الإسلامي وتنظيم القاعدة وأنصار السنة وبقية الفصائل أعداداً كبيرة منهم، حيث ساهموا في وضع الخطط العسكرية كما شاركوا في صنع المتفجرات والصواريخ وإعداد الكمائن للاحتلال.
ويقول اللواء أبو تيسير الضابط في الجيش العراقي السابق وأحد قيادي المقاومة العراقية إن أغلب الضباط السابقين أخذت مقاومتهم طابعاً دينيا سلفيا أكثر من كونه طابعاً دفاعياً وطنياً. كما أن أغلب الضباط الشيعة السابقين الذين شاركوا في سقوط بغداد وتآمروا على البلاد عبر هروبهم من ساحة المعركة هم اليوم ضباط في الجيش العراقي الحالي وجزء منهم تولى مناصب كبيرة، أما الضباط السنة فإما استشهدوا خلال معركة بغداد أو انضموا مثلى للمقاومة أو سافروا خارج العراق.
وطبقاً لتقرير جمعية المحاربين القدامى فإن ثلاثة ألاف طيار تم اغتيالهم، وذكر في التقرير أنه تمت تصفيتهم لأغراض سياسية من أطراف خارجية، ويقول اللواء أكرم الشايب إن جميعهم قتلوا على يد مسلحي فيلق بدر الذراع العسكرية للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة عبد العزيز الحكيم.
صعود الشيعة
وحاليا تسعى إيران لاستغلال الظروف السياسية وتحقيق أكبر قدر من الانتشار والمكاسب الإقليمية للوصول إلى الهدف النهائي وهو السيطرة العقائدية والسياسية على المنطقة، وصعود الشيعة في المنطقة العربية، أصبح واقعا لا يمكن إنكاره، فالشيعة: في حالة نادرة منذ قرون، يعيشون حالة صعود في كثير من الجوانب، صعود فكري وسياسي واقتصادي، واستطاعت إيران أن تمد نفوذها إلى منطقة عربية جديدة سنية وليست شيعية وهي فلسطين عن طريق دعمها لحكومة حماس ودخولها كطرف مؤثر على الأحداث داخل فلسطين، خاصة بعد أن انحازت حماس لوجهة النظر الإيرانية ورفضت طلبات الوساطة العربية لإطلاق سراح الأسير الإسرائيلي.
وقد حظيت مؤسسة السياسة الخارجية الإيرانية بأهمية بالغة على مستوى الرئاسة الإيرانية، خاصة بعد مجيء الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد والذي كان يهدف إلى تعزيز موقع هذه المؤسسة في اتخاذ القرارات التي تهم البلاد، بكفاءة عالية، والواقع أنه يصعب على المتابع لتطور الأحداث التي شهدتها إيران والمنطقة أخيرا، عدم الربط بين ما يجري في العراق اليوم وتصاعد الأزمة بين إيران والولايات المتحدة خصوصاً حول ملف إيران النووي، وقد كشفت الأزمة الأخيرة عدداً من الحقائق، أبرزها أن الإستراتيجية السياسية الإيرانية الجديدة تتجاوز ظاهريا شعارات الهيمنة الفارسية على المنطقة أو الصراع المذهبي الشيعي ـ السني، رغم أنها تسعى بطرق متعددة لتحقيق السيطرة وإعادة الحلم الشيعي القديم ببسط نفوذها على المنطقة بدليل أن المطلب الإيراني الجدي الوحيد الذي قدم لأوروبا عن طريق إيطاليا كان ضرورة اعتراف النظام العالمي بالدور الإقليمي الإيراني قبل الدخول مع الولايات المتحدة في أي حوار بشأن المستقبل.
وفي تقارير أعدتها مجموعة من الباحثين المهتمين بشؤون المنطقة إشارة إلى أنه لا يزال يراود الإيرانيين ويدغدغ أحلامهم عودة الإمبراطورية الفارسية القادرة على منافسة الدول المهيمنة اليوم في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، ويقول أحد الباحثين الغربيين: إن إيران سوف تتطور بسرعة لتقديم نفسها في الإقليم كشريك دبلوماسي وقطب جاذب للاستثمارات الخارجية المباشرة، وهذا ما تشير إليه معظم التقارير الغربية التي تفيد بأن إيران قد وضعت لنفسها هدفا أن تصبح القوة الأكبر في الاقتصاد والطاقة في منطقة غرب آسيا خلال العشرين عاماً المقبلة، ويذهب باحث آخر إلى أن حقائق الجغرافيا السياسية تشير إلى أن القوة الإيرانية الحالية إذا ما أرادت الإقلاع فإن مسارها لن يكون الشمال أو الشرق، ففي الشرق هناك القوى النووية الأسيوية الكبرى الهند وباكستان والصين، وفي الشمال هناك روسيا، وبالتالي فإن إمكانية التمدد المتاحة لإيران هي في الغرب، أي منطقة الخليج، حيث يمثل الخليج منطقة رخوة على حيويتها، ولذلك لم تتوقف المحاولات الإيرانية للتمدد غربا، والسيطرة الجغرافية والسياسية، بل وحتى الدينية، على منطقة الخليج.
وبالنسبة للعراق، فإن طهران تسعى إلى إيجاد منطقة أكبر للتأثير والنفوذ الإيراني، ربما تكون مشابهة أو قريبة من المفهوم الروسي "المجال القريب"، وتقوم وجهة نظر طهران على أن جنوب العراق ربما يكون مجالاً مناسباً لإظهار قوة ومكانة إيران في المنطقة، ورغم ذلك لا يوجد من يتمسك بحلم الخميني في هيمنة وسيادة الشيعة على العراق، ولكن ينحصر هدف طهران بجنوب العراق في ممارسة نوع من التأثير السياسي والثقافي والاقتصادي، مشابهة لذلك الذي قامت به إيران في غرب أفغانستان منذ التسعينيات.
تقارير أميركية
وقد ذكر تقرير صادر عن هيئة البحوث التابعة للكونغرس الأمريكي أن أبرز الأخطار الأمنية التي تحدد المعالم الأساسية للتعاون الخليجي ـ الأمريكي، هو ارتفاع نفوذ إيران الإقليمي بعد سقوط صدام، إضافة إلى رفع المجتمع الشيعي الخليجي لمطالب جديدة متأثرا بوصول الشيعة إلى سدة الحكم بالعراق، وإيران لا تخفى طموحها في السيطرة على المنطقة، ففي مقابلة أجراها راديو مونت كارلو مع وزير الخارجية الإيراني أكد الوزير أن كل بلاد الخليج تشكل تاريخيا جزءاً من الأراضي الإيرانية!، ولم يكن ذلك زلة لسان، فقد كررها حسن روحاني مسئول الملف النووي السابق، حيث ذكر في مؤتمر الملف صحفي بإيران أن البحرين جزء لا يتجزأ من الأراضي الإيرانية، وهي تشكل الإقليم الرابع عشر في إيران بموجب الدستور الجديد، وأن الشاه المخلوع تنازل للعراق عن مناطق شاسعة جنوبي إيران بموجب اتفاق الجزائر 1975، ولا ننسى أيضا أنه في عام 2004 طالبت إيران قطر بتقليل معدل استغلالها لاحتياطيات حقل الشمال وحقل بارس الشمالي التي تشترك فيه الدولتان، محذرة إياها من أنها قد تلجأ لطرق ووسائل أخرى لحل القضية، هذا بالإضافة إلى احتلالها الجزر الإماراتية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى منذ عام 1971 ورفضها الدائم حل القضية عبر المحكمة الدولية، لأن إيران تعلم قبل غيرها أن المحكمة الدولية سوف تحكم لصالح الإمارات.
ويشير تقرير الكونجرس الأمريكي إلى أن العراق الموحد والقوي كان يقف حائلا دون تحقيق الرغبة الإيرانية، لذلك فإن إيران حاولت عبر تاريخها الطويل السيطرة على العراق، وفي جميع الاتفاقيات التي تنهي التوتر القائم بين العراق وإيران، منذ الحرب العالمية الأولى، مثل اتفاقيات أرضروم وما تلاها. كانت إيران تقضم جزءا من الإقليم العراقي من سهل شهرزور، الذي يعد امتدادا لمنطقة السليمانية بشمال العراق، وحتى حوض نهر الكارون ومنطقة عربستان (خوزستان) والمحمرة (خرمشهر)، مقابل البصرة الجنوبية، وحتى اتفاقيات مجرى شط العرب عام 1975 التي وقعها شاه إيران مع نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، ويعتبر العراق الجغرافي ذا بعد استراتيجي وحيوي بالنسبة لإيران التي ينقصها القرب الجغرافي البري من منطقة الخليج الغنية بالبترول، وبالتالي فإن بسط سيطرتها على البر في الجنوب العراقي يقرب نفوذها وتأثيرها من أبواب الخليج.
وتقوم الإستراتيجية الإيرانية في العراق اليوم على هدف أساسي، وهو ضمان عدم عودة العراق كمهدد لإيران، ويأتي هذا الهدف على رأس أولويات الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ومعظم قيادات الحرس الثوري. حيث يرون أن هدوء العراق يعد هدفاً إستراتيجياً مهما لإيران، ويرون أن العراق تحت القيادة الشيعية سيكون أكثر أماناً لهم وذلك على اعتبار أن الدول الشيعية لا تحارب بعضها البعض، وبناءً عليه قامت إيران بزرع قوى سياسية ومخابراتية لعناصر عراقية إيرانية الأصل في الداخل ليتولوا تنفيذ السياسات الإيرانية في العراق، ووقتها لن ينفع مقعد في برلمان أو حقيبة وزارية أو منصب سيادي ولا بندقية مقاومة، إن شيعت بغداد، واتشحت الأعظمية بالسوادّ.
مشروع الإنقاذ
في ظل هذا الوضع المتأزم، أصبح إيجاد مشروع سني للإنقاذ، ضرورة ملحة وواجب الوقت المستعجل، وهذا ما تعكف على تفعيله حاليا بعض القوى السنية داخل العراق تؤيدها أطراف خارجية. لأن الواقع إذا بقي على ما هو عليه فإنه بحسب تقديرات هذه القوى سيتم تشييع بغداد فيما بين 6ـ 12 شهرا، والمشروع يراعى ما يلي:
تعزيز روح الفريق الواحد في العمل بآليات تكاملية، يتمخض عنها جبهة إنقاذ سنية موحدة وفق مشروع واضح المعالم واقعي واضح الأطراف ومحدد الرؤى.
إيجاد تنسيق عال، وتحقيق قدر من التجانس في الرؤى بين الفصائل المسلحة، وتعاون ميداني مشترك، وبالتالي توظيف قوى البندقية في خدمة الشق السياسي في جبهة الإنقاذ.
العمل على إيجاد قوة ردع سنية لمجابهة الميليشيات الشيعية، من خلال التنسيق بين فصائل المقاومة والاستفادة من الجمهور السني، وتوظيف العشائر السنية لتكون عمقاً إستراتيجياً للمشروع.
العمل على تفعيل دور العشائر، لتكون سهام الكنانة لجبهة الإنقاذ ومداد قوتها وعمقها الحقيقي.
إعادة هيكلة الجانب السياسي، وتوظيف تجربة السنوات الماضية من عمر الاحتلال في خدمة المشروع السني السياسي، على أن تتخلى القوى السياسية السنية والفصائل المسلمة عن الحزبية الضيقة والفئوية المقيتة.
إعادة الموازنة للعملية السياسية في العراق من خلال عودة سنية سياسية تملك قوة حقيقية مؤثرة على الأرض ترغم الشريك الشيعي والكردي والمحتل الأمريكي على التفاوض بجدية من أجل خلاص البلد برمته. وذلك اعتماداً على مداد القوة التي تعطى المفاوض السني وزنه الحقيقي، الذي يمنع الآخرين من الاستخفاف به.
أن تتعامل الجبهة بواقعية وحذر مع الأطراف الشيعية والأمريكية، وأن تتخلى عن الثقة الزائدة بالآخرين والتي أوصلت السنة إلى ما وصلوا إليه. من خلال الثقة غير المبررة بالخصوم ووعودهم.
محاولة جبهة الإنقاذ الحصول على الدعم العربي والإسلامي والدولي، وتنبيههم لخطورة المشروع الشيعي التوسعي الإقصائي، الذي يحاول أن يبتلع المنطقة برمتها، وإيجاد تنسيق إقليمي عربي لمواجهة هذا المشروع.