شيعة العراق.. فصائل متناحرة!
محمود صادق الوطن العربي ـ 15/11/2006
يبدو أن اللاعبين الأساسيين في العراق قد تحالفا ألا يتركاه قبل أن تنفسخ أركان الدولة القومية الواحدة، قبل أيام أصدر مركز التقدم الأميركي للأبحاث في واشنطن تقريراً اعتبر فيه أن الصراع بالعراق أصبح أسوأ من حرب أهلية، وجاء في تقرير المركز أن العراق يخوض الآن ما لا يقل عن أربعة صراعات تهدد بالمزيد من الخروج عن السيطرة، والنزاعات الأربعة المختلفة التي وردت في التقرير هي الحرب المذهبية بين السنة والشيعة في وسط العراق، والتمرد السني في الغرب، والتوتر العرقي بين العرب والأكراد. والصراع الشيعي ـ الشيعي في الجنوب، وإذا كانت الصراعات الثلاثة الأولى مفهومة وإن كانت مرفوضة فإن تقاتل أصحاب المذهب الشيعي هو الغريب، "الوطن العربي" تبحث في الأسباب التي أدت إلى ذلك والتي تلخصت في كلمتين، إيران وأميركا!.
مسؤول أميركي ذكر بعد عودته نم رحلة سرية إلى العراق أن إيران ستعمد إلى إثارة شقاق واسع بين الشيعة هناك إن هي لم تفلح في تجنيدهم ضمن مخططاتها التي تهدف إلى جعلهم وقودا في حربها مع المجتمع الدولي بشأن ملفها النووي، وربما تكون تلك الرؤية صائبة لكنها لا تعفي الإدارة الأميركية من مسؤولية إشعال الحروب الأهلية في العراق. ذلك أن الخطط التي تدعمها الولايات المتحدة لإنشاء مناطق تتمتع بحكم ذاتي وتستفيد بشكل غير متساو من الثروة النفطية تهدد بإشعال صراع أكبر بين الفصائل الشيعية المتنافسة يمكن أن يحول العنف الفوضوي القائم بالفعل إلى أقذر الحروب على الإطلاق، وهذا ما أكده أيضاً عدد من المسؤولين بقولهم إن خطط إجراء الانتخابات المحلية العام القادم قبل التشكيل المحتمل لأقاليم فيدرالية جديدة في عام 2008 سيدفع بتلك الصراعات على السلطة إلى الواجهة من أجل الحصول على جانب من السلطة.
وقد ذكر مسؤول بالائتلاف العراقي الموحد أنه لا يمكن القول إنه لن يكون هناك قتال، في بعض المناطق قد يصبح الأمر مروعا، نعم سيحاول زعماء كل الفصائل تجنب وقوع معركة ولكن لا يمكن حساب شيء بأي درجة من الدقة في العراق، كما أن بعض العناصر المارقة في أي حزب قد تبدأ الحرب!، وتشير مصادرنا الخاصة إلى أن الصراع الذي بدأ الآن بين الفصائل الشيعية كان من أجل السيطرة على حقول النفط في البصرة والمؤسسات الدينية في النجف، فلم يعد سراً النفوذ الواسع والكبير للميليشيات الشيعية في الجنوب العراقي، حيث يتقاسم هذا النفوذ كل من المجلس الأعلى برئاسة عبد العزيز الحكيم وجناحه العسكري فيلق بدر وحزب الدعوة الإسلامية الذي ينتمي إليه نوري المالكي رئيس الحكومة، وحزب الفضيلة المرتبط بمقتدى الصدر وميليشياته العسكرية "جيش المهدي"، ووصل الأمر بهذه الميليشيات أن تتقاتل فيما بينها حول بسط النفوذ ومن تكون له عوائد النفط المسروق!، وقد ذكرت صحيفة لوس أنجليس تايمز الأميركية أن السبب الرئيسي وراء التصفية والقتل والتنافس هو السيطرة على تجارة النفط العراقي المسروق التي أصبحت رابحة بعد الاحتلال، وقدر مسؤول حكومي قيمة البترول المهرب والمنهوب بحوالي 4 مليارات دولار أميركي، أي ما يعادل 10% من الناتج الوطني العراقي!.
تنافر شيعي
إذن قد يبدو شيعة العراق من الخارج مجموعة متجانسة ولكن عند النظر إليهم من الداخل يتبين أنهم يشكلون تركيبة معقدة وغاضبة من التنافس على المال والسلطة، وهذا التنافر الشديد في البناء الشيعي الداخلي أنتج مظاهر وصوراً كثيرة من التناقضات والاضطرابات التي تزيد وترسخ من تبعية الكيانات الشيعية للأطراف الخارجية، بحيث يحق لنا القول إن شيعة العراق إنما ينفذون في الأساس أجندات تلك الأطراف، وحتى هدف إقامة دولة شيعية مستقلة الذي يعتبره أغلبية الشيعة مشروعهم القومي يكتنفه الغموض سواء ذلك في إمكانية تنفيذه أو القدرة على حمايته في حال تحققه، مع اعتبار أن العقبة الأولى في طريق نجاح هذا المشروع هم الشيعة أنفسهم قبل غيرهم.
ونظريا فإن شيعة العراق جزء أساسي من الشعب العراقي ينتمون عرقا إلى العرب ومذهبا إلى طائفة الشيعة المعروفة منذ القدم في الخريطة الفكرية والسياسية الإسلامية، ويطلق وصف الشيعي في هذه المنطقة على كل من ينتمي إلى المذهب الجعفري ولادة أو اختيارا، فالشيعة ليسوا عرقا ولا جنسا ولا قومية، بل هم مجموعة من الشرائح الاجتماعية التي تتبنى رؤية دينية وفكرية محددة.
ولاية الفقيه
وولاية الفقيه هي الأبرز بين أجوبة ثلاثة للفقه الشيعي التقليدي على السؤال المزمن "من هو الحاكم الأمثل وما هي السلطة المشروعة؟". وقد مال أكثر الفقهاء إلى حصر سلطة الفقيه في الشؤون الروحية، بينما مددها بعضهم إلى الجانب السياسي واختارها آية الله الخميني محورا لمشروعه السياسي الرامي إلى إقامة حكومة دينية في إيران، وطبقا لهذا الرأي يتوجب على الحزب السياسي الرجوع إلى الفقيه، لأنه يمارس عددا من الوظائف المصنفة ضمن الولاية العامة، وإذا كان عمل الحزب سريا فإن إشراف الفقيه ضروري لمنع استثمار قواه المادية والبشرية فيما يتجاوز حدود الشريعة، وقد تعززت مصداقية ولاية الفقيه مع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 ووجدت الأحزاب الدينية الشيعية نفسها مطالبة بتبني قيادة الإمام الخميني، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لضمان مشروعية العمل الحزبي، وعلى المستوى السياسي والتنظيمي فإن تبني ولاية الفقيه يعني فعليا اختصاص كبار رجال الدين بالمرتبة العليا في الهرم القيادي للمنظمة ولكي تكون السلطة السياسية مشروعة، فيجب أن تتصل بالإمام المعصوم وأن تلتزم في أعمالها بالتعاليم الدينية، وهذا يتطلب بالضرورة أن يكون على رأسها فقيه أو ممثل للفقيه يضمن اتساق عملها مع تلك التعاليم.
وقد أسست الأحزاب الشيعية العربية على يد فقهاء فأسس حزب الدعوة الإسلامية العراقي مثلا محمد باقر الصدر في 1959، وأسست منظمة العمل الإسلامي على يد محمد تقي المدرسي حوالي عام 1970، كما أسس حركة المحرومين (حركة أمل لاحقا) الإمام موسى الصدر في 1974، وتواصل هذا المنحى بعد قيام الثورة الإسلامية، من حزب الله في لبنان، إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق، إلى جمعية الوفاق في البحرين، وكان رجال الدين مؤسسين أو مشاركين رئيسيين في التأسيس، ويفسر هذا بطبيعة الحال الدور المحوري لرجال الدين في العمق السياسي الشيعي واستمرار الضغط على الأحزاب الشيعية الرئيسية لاتخاذ موقف محدد إزاء دور الفقيه حتى بداية التسعينيات حين تغيرت أولويات الحكومة الإيرانية، كما تراجع النقاش حول ولاية الفقيه وعلاقة الدين بالسياسة بشكل عام، ونتيجة لذلك فقد تحول اتجاه الجدل داخل الأحزاب الدينية إلى قضايا مثل الحريات العامة وحاكمية الشعب والعلاقة الممكنة مع الأنظمة السياسية العلمانية والقوى الدولية ذات التأثير، وانتهى النقاش حول ولاية الفقيه إلى تشكيل مشهد جديد للعمل الحزبي الشيعي، يتألف في الوقت الحاضر من ثلاثة ألوان:
ـ أحزاب تؤمن بولاية الفقيه وترجع دينيا إلى الفقيه الحاكم، وهو حاليا آية الله خامنئي، وأبرز هذه المجموعة حزب الله في لبنان والخليج، إضافة إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق.
ـ أحزاب تؤمن بدور إشرافي للفقيه على أساس نظرية ولاية الفقيه العامة أو في إطار الالتزام التقليدي بالمرجعية الدينية لكنها لا ترجع إلى الفقيه الحاكم آية الله خامنئي، ومن بينها منظمة العمل الإسلامي، وحزب الفضيلة، والتيار الصدري، وجمعية العمل الإسلامي بالبحرين.
ـ أحزاب تلتزم بالإطار الديني لكن من دون دور خاص للفقهاء، ويدخل في هذا الصنف حزب الدعوة وجمعية الوفاق في البحرين.
الشورى والولاية
وبالإضافة إلى الموقف من ولاية الفقيه فإن من التقسيمات التي أحدثت شرخا في البناء الشيعي التفرقة بين شيعة الداخل والخارج، فالفريق الأول يعتبر نفسه تحمل المشاق وعانى الكثير من نظام صدام وفي مقدمة هؤلاء بالطبع تيار الصدر، في حين أن التيارات الخارجية مارست نشاطها في ظروف إيجابية وتلقت الدعم من قوى عظمى مثل الولايات المتحدة، وعلى سبيل المثال فإن عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عاش في الكويت23 عاماً قبل أن يعود إلى العراق على ظهر دبابة أميركية، ولذلك يقول كاظم العبادي الناصري أحد مساعدي الصدر، "أي شخص تدعمه أميركا يستحق لعنتنا، أولئك الذين يدعون أنهم شخصيات معارضة كانوا خونة غادروا العراق وتركونا نعاني هنا"!.
ومن الضروري عند الحديث عن الشأن الشيعي العراقي الإشارة إلى مسألة مهمة، وهي مسألة التغلغل الإيراني في العراق، من الواضح أن السياسة الأميركية عمقت الطائفية وسلمت العراق على طبق من ذهب إلى إيران، فقد سادت اللغة الفارسية والتعامل بالعملة الإيرانية "التومان"، وأصبحت أمرا مألوفاً في مدن الجنوب، وقد وصل الأمر بمحافظ البصرة أن يهدد الحكومة بقطع النفط. وعلى الرغم من وجود القوات البريطانية في البصرة، إلا أن الميليشيات استطاعت أن تبسط نفوذها على جميع مرافق الجنوب، وهناك ثمة شبكات وميليشيات عراقية مسلحة أسسها الحرس الثوري الإيراني لأهداف عديدة ويتصدرها بالطبع تقوية شوكة التيارات الموالية لطهران سياسيا عسكريا، ونفوذ إيران ينمو مع وجود حكومة عراقية يسيطر عليها الشيعة الإيرانيون، إنه نفوذ تغلغل حتى في تفاصيل الحياة اليومية للعراقيين وعمق من بصماته على النسيج السياسي والاجتماعي العراقي، والميليشيات الإيرانية تسرح وتمرح.. كل شيء في العراق الجديد يسير لصالح إيران.
وفي الحقيقة فإن إيران لا تدعم كل شيعة العراق بل فقط من يسير على نهجها ويدين بالولاء والطاعة لها، أما من هم غير ذلك فقد استهدفهم النظام الإيراني حتى ولو كانوا أصحاب مذهب واحد، وملالي إيران يحاولون سلخ الهوية العربية عن الشيعة العرب في العراق وذلك بإطلاق كلمة شيعة فقط عليهم أو طلاق لفظ "أتباع أهل البيت". وقد بدأت حرب إيران على شيعة العراق أول ما بدأت بقتل كل شيعي عربي يعارض نفوذها أو نفوذ عملائها في العراق، ولا فرق في هذا بين شيخ عشيرة من العشائر العربية في جنوب العراق أو أستاذ في جامعة أو رجل دين شيعي على علو منزلته، لقد قامت المخابرات الإيرانية بعمليات التصفية تلك بعد أن فشلت بتحريك ملف الاعتراف بالقومية الفارسية كأحد مكونات الشعب العراقي، ومن خلال أجهزة المخابرات الإيرانية التي تعيث في العراق فسادا قامت بضرب الجماهير المنتفضة في مدينة كربلاء وبأسلحة نفر من شرطة المدينة الذين هم في الأصل من عناصر منظمة بدر الإيرانية الذين انضموا إلى وحدات الشرطة المشكلة في العراق حديثا، وليس ببعيد أمر التظاهرات التي خرجت في مدن متعددة بجنوب العراق تندد بالدور الإيراني المحرض على إشعال الفتنة السياسية.