العراق: مراجع الشيعة يجب أن يتكلموا
فهمي هويدي الشرق الأوسط 22/11/2006
( إلى ماذا يحتاج المفكرين والمثقفين من السنة حتى يفهموا حقيقة سلوك الشيعة مراجع وأفراد ، ألم يعتبروا بخيانة طالبان والعراق وبغداد ومؤامرة حزب الله وفرق الموت !! الراصد )
نريد أن نسمع رأيا واضحا لمراجع الشيعة وعقلائهم في ما يتعرض له أهل السنة في العراق. ذلك انه لا يعقل أن يقف الجميع متفرجين إزاء الدعوات التي يروج لها البعض هناك لإنهاء الزيجات بين السنة والشيعة، بزعم أن استمرارها «يغضب الله».
وهي المفاجأة التي وقعت عليها ذات صباح، حين قرأت خبرا على الصفحة الأولى في جريدة الأهرام القاهرية (عدد 10/11) يقول إن سيدة عراقية شيعية تزوجت من مسلم سني منذ 18 عاما، أقاما خلالها حياة مستقرة أثمرت أربعة أطفال، لكن عائلتها أجبرتها مؤخرا على الطلاق منه بدعوى أن العيش معه «يغضب الله». ونقل خبر «الأهرام» عن الشبكة الإقليمية للأنباء (ايرين) إن ثمة تهديدا مماثلا لأكثر من مليوني أسرة عراقية قائمة على الزواج المختلط بين السنة والشيعة. وهو ما يمثل نحو ثلث عدد أسر المجتمع العراقي. كما نقلت الشبكة التي تتبع الأمم المتحدة بشكل شبه رسمي عن جمعية «السلام للعراقيين» الأهلية في بغداد، أن حالات الطلاق تلك تعرض الأطفال لما يشبه «غسيل المخ»، الذي يجعلهم يتقبلون العنف بشكل عام، والطائفي منه على وجه الخصوص، وان ثمة حالات حاول فيها بعض الأطفال الانتحار لمنع وقوع الطلاق بين الوالدين بسبب اختلاف المذهب.
بذات القدر فانه لا يعقل أن يقف الجميع متفرجين إزاء انتشار مظاهر التعصب وحالات الاشتباك الطائفي بين أطفال المدارس الابتدائية. وهو ما تحدثت عنه «الشرق الأوسط» في تقرير لها (نشر في 7-11) تضمن تصريحات لعدد من مديري المدارس الذين أعربوا عن قلقهم من تنامي تلك الظاهرة التي لم يكن الاشتباك بين التلاميذ الشيعة والسنة هو التجلي الوحيد لها، لأن بعض الآباء من أهل السنة اشتكوا من أن أبناءهم منعوا من المشاركة في نشاط ديني لزملائهم الشيعة، في الوقت ذاته عبرت مديرة إحدى المدارس عن قلقها من اتجاه المسؤولين عن الوقفين الشيعي والسني إلى فتح مدارس خاصة لمختلف مراحل التعليم، الأمر الذي يؤدي إلى تخريج جيلين مختلفين ومتعاديين من الطلاب. وكنت قد قرأت من قبل خبرا مفاده أن الأطفال الذين يحملون أسماء بعض الصحابة (خصوصا أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما) منعهم آباؤهم من الذهاب إلى المدارس، لتجنب تعريضهم للأذى من جانب متعصبي الشيعة.
لا يعقل كذلك أن يظل الجميع متفرجين إزاء استمرار حالات الخطف والتصفية والترويع التي يتعرض لها السنة بصورة يومية ودورية، من جانب من يسمون بفرق الموت، وكذلك اتساع نطاق عمليات التهجير التي تلاحق أهل السنة في بغداد وبعقوبة وكركوك والموصل وغيرها، مما يعد تطهيرا عرقيا صريحا. وهو ما يراد له أن يمهد لإقامة الفيدرالية الشيعية التي دعا إليها السيد عبد العزيز الحكيم في العام الماضي، والتي يفترض أن تستأثر بثروة العراق النفطية.
هذا اللامعقول إذا صحت الأخبار التي تحدثنا عنه يحز في نفس كل وطني عراقي مخلص لبلده، وكل عربي غيور على أمته، وكل مسلم حريص على دينه. كما انه من الطبيعي أن يستثير أهل السنة ويدفعهم إلى التعبير عن الاستياء والغضب. فضلا عن انه لا بد أن يقلقنا من حيث أن تلك الرياح البائسة إذا استمرت، فإن أصداءها يخشى منها أن تثير الحساسية إزاء الجماعات الشيعية التي تعيش في كنف المجتمعات السنية في العديد من أقطار العالم العربي والإسلامي. وهو ما قد يؤثر على التعايش والتلاحم والاستقرار في تلك الأقطار.
حين أعلنت فتوى الشيخ ابن جبرين التي نالت من الشيعة وآذت مشاعرهم إبان العدوان العدوان الإسرائيلي على لبنان، كان رموز أهل السنة ومراجعهم في مقدمة الذين استنكروها وردوا للشيعة اعتبارهم، ومن ثم عبأوا الرأي العام العربي والإسلامي للوقوف إلى جانب حزب الله في لبنان والانتصار له، والذين اقتربوا من الحدث وقتذاك ـ وكنت واحدا منهم ـ يدركون جيدا مدى الجزع الذي أصاب مراجع وأركان المذهب الجعفري من جراء إعلان كلام ابن جيرين. كما يذكرون لا ريب حجم الجهد الذي بذل على أصعدة متعددة لاحتواء الموقف وتصحيح الصورة لصالح مساندة حزب الله والحفاوة بوقفته الباسلة في وجه العدوان. وحين تحركت المراجع السنية على ذلك النحو فإنها كانت مدركة أن تصويب الإدراك وترشيده. هو مسؤولية يجب أن ننهض بها في كل وقت. وفي مواجهة الهجمة الإسرائيلية بوجه أخص، وما يتعرض له أهل السنة الآن في العراق يشكل خرقا حادا وحالة خطرة للغاية تقتضي من مراجع الشيعة وعقلائهم أن يخرجوا عن صمتهم ويتحركوا، إن لم يكن لإطفاء نار الفتنة. فعلى الأقل لتحديد موقف واضح يستنكرها ويحرمها، ويحذر من تداعياتها. وهم بذلك لا يبرئون ذمتهم أمام الله والتاريخ فحسب، ولكنهم أيضا يحسمون لغطا مثارا في أوساط أهل السنة يشكك في موقف المراجع. ويذهب إلى الزعم بان ما يجرى ليس حماقة من جانب نفر من المتعصبين والمتطرفين، وإنما هو سياسة لطائفة لها تطلعاتها القريبة ومقاصدها البعيدة.
وإذا جاز لي أن اذهب إلى ابعد في المصارحة، مستثمرا ما اعتز به من مشاعر المودة والثقة التي أحظى بها وأتبادلها مع العديد من أتباع المذهب الجعفري، فإنني لا أريد أن يصدق البعض ما يقال عن أن مراجع الشيعة حريصون على الأخذ دون العطاء، فقد رحبوا وشجعوا إلى ابعد مدى الفتوى التي أصدرها في الأربعينات من القرن الماضي الشيخ محمود شلتوت حين كان شيخا للأزهر. واعتبر فيها أن المذهب الجعفري مما يجوز التعبد به شرعا، شأنه في ذلك شأن المذاهب الإسلامية الأخرى. لكنهم التزموا الصمت حين اعتبر البعض في العراق أن زواج شيعية من سني او العكس. يعد إثما يغضب الله. وهو ذات المنطق التكفيري الذي يروج له متطرفو أهل السنة، مع فرق أساسي هو أن مراجع أهل السنة استنكروه واثبتوا فساده، في حين أن مراجع الشيعة لم يسمع لهم صوت بشأنه.
إن التفكير في المشهد العبثي الراهن في العراق، لا ينبغي أن يغفل عوامل واعتبارات عدة في مقدمتها ما يلي:
إن الاحتلال الأمريكي للعراق هو الذي أيقظ الفتنة النائمة وحركها، حين شكل أول مجلس لحكم البلاد بعد سقوط النظام البعثي، على أساس مذهبي وعرقي، وكأنما اختار أن يفرق من البداية بين أبناء الوطن الواحد لكي يسود ويبسط هيمنته.
إن ثمة جماعات متطرفة من أهل السنة في العراق ارتكبت جرائم مماثلة بحق الشيعة، بعضها كان من قبيل رد الفعل. والبعض الآخر انطلق من موقف تكفيري لهم. لكننا ينبغي أن نلاحظ في هذا الصدد ما ذكرته توا في أن مواقف المتطرفين السنة استنكرتها مراجعهم، لكننا لم نشهد استنكارا مماثلا بذات الوضوح والقوة من المراجع الشيعية.
إن القيادات الشيعية في العراق تتحمل مسؤولية اكبر إزاء ما يجرى، باعتبار أنها في الموقف الأقوى في المرحلة الراهنة، فبيدها السلطة، ولديها ما يكفي من الميليشيات والعناصر المسلحة، ثم إنها مطمئنة إلى الدعم الأمريكي من ناحية، والغطاء الإيراني من ناحية ثانية.
إن إيران ليست بعيدة عما يجري في العراق حيث من الثابت أن ذراعها ـ أو اذرعها ـ طويلة هناك. وإذ نقدر حقها في أن تقوم بدور سياسي يؤمن ظهرها ويحمي أمنها. إلا أن الدور السياسي يصبح لعبة خطرة إذا اعتمد على البعد الطائفي. ومن الواضح أنها حتى الآن تلتزم الصمت إزاء الموضوع الطائفي.. ويتعين عليها أن تجلي الغموض في ذلك الجانب، حتى لا يفهم الصمت بحسبانه تحبيذا أو رضاء.
إن الإيقاع بين الشيعة والسنة، وتوسيع رقعة المواجهة بين الطوائف في المنطقة حلم راود كل الكارهين للعرب والمسلمين، وما يجرى الآن لا يلبي لهم ما تمنوه فقط، وإنما أيضا يمهد لهبوب تلك الرياح المسمومة على مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي. في الوقت نفسه فان إشعال ذلك الحريق البائس من شأنه أن يصرفنا عن تحديات أخرى خطيرة تواجه الأمة، بدءا من الاحتلال الأمريكي للعراق، وانتهاء بالاحتلال الإسرائيلي للأراضى الفلسطينية، مرورا بمخططات الابتلاع والهيمنة التي تتطلع إلى تنفيذها الدول الكبرى، مستثمرة حالة الانشقاق والتشرذم والانبطاح التي تعيش في ظلها الأمة. ذلك بخلاف التحديات الداخلية التي تعوق تقدم الأمة والنهوض بها.
إن الجميع في هذه الأمة ينبغي أن يكونوا منتبهين ومتيقظين لذلك كله، ويوجعني أن اضطر في ذلك إلى ذكر الشيعة والسنة وغيرهما من الطوائف والملل والنحل والأعراق، ومن ثم إلى التنويه إلى أن الجميع في مربع واحد ومركبة واحدة. وسوف يصحح الإدراك إذا ما رفع مراجع الشيعة وعقلاؤهم أصواتهم بإدانة ما يجرى في العراق ورفع الغطاء عنه، لأنني ازعم أن هذه المبادرة ستفتح الباب لالتقائهم مع مراجع أهل السنة، واصطفافهم معا لمواجهة قائمة التحديات الأخرى التي تهدد حاضر الأمة ومستقبلها.