إيران ترث الموارنة في لبنان
السبت 13 أكتوبر 2007
أنظر ايضــاً...
إيران ترث الموارنة في لبنان
الشراع 17/9/2007
 حسن صبرا
إيران تريد حكم لبنان من خلال جماعاتها فيه، كما تحكم الآن العراق، ومن خلال جماعاتها هناك.
في العراق احتكمت إلى الاحتلال الأميركي، كي تحتل إيران العراق وتشكل فيه فرق الموت وميليشيا بدر التابعة للمجلس الأعلى (آل الحكيم) وجيش المهدي (جماعة مقتدى الصدر) وحزب الدعوة (إبراهيم الجعفري ثم نوري المالكي) وعشرات التشكيلات الصغيرة التي استنسخت دكاكين لبنان المسلحة خلال الحرب الأهلية خاصة في المناطق الإسلامية.
استندت إيران إلى الاحتلال الأميركي كي تشكل الحكومة التي ترجع إليها، وكي تشكل الأحزاب التي تتمول منها، وكي تؤلف الكتل النيابية التي تدين لها بكل شيء من المرجعية إلى الانتخاب إلى التمويل ومن الاقتراع إلى الإعلام إلى بناء المؤسسات..
هكذا تحكم إيران العراق في الحكومة ومجلس النواب وقوات الشرطة وبقية المسلحين (قاعدة، فرق موت استخبارات حرس ثوري..).
الآن إيران تريد حكم لبنان بعد رحيل النظام السوري عنه، وبالأدوات السورية نفسها التي ظاهرت بشار الأسد في 8 آذار/مارس 2005 عبر مسيرة الوفاء له.
طرحت إيران مبدأ المثالثة بدل المناصفة لحكم لبنان وفق صيغة جديدة بديلة عن اتفاق الطائف أو الدستور الجديد للبنان الذي أقرّ عام 1989.
أرادت إيران اعتماد القاعدة التي وضعها الرئيس نبيه بري عام 1988 كشرط لتأييده قائد الجيش يومها ميشال عون لرئاسة الجمهورية.
عون وافق على المثالثة عام 1988، وأرسل إلى الرئيس بري هذه الموافقة لقاء جهد يبذله بري مع الرئيس الراحل حافظ الأسد، مكملاً لجهد آخرين حفروا طريقاً بين عون والأسد.
كان شرط بري يومها بسيطاً: نريد وزارة المالية للشيعة، ولا نريد أن نأكل من حصة احد لا المسلمين السنة ولا المسيحيين الموارنة فتصبح ((السيبة)) ثلاثية.
لكن شرط إيران الآن مختلف تماماً.
إيران تريد وراثة الموارنة في السلطة التنفيذية مع المحافظة على حصة الشيعة في مجلس النواب وفي مجلس الوزراء وزيادتها في بقية المؤسسات.
كيف ذلك؟
إيران تريد للبنان رئيساً توافقياً، بحيث يكون الرئيس الماروني محكوماً بإرضاء قوى الاستقلال وقوى التبعية لسوريا ولإيران، وهذا الرئيس الذي يرضي المتخاصمين لا يستطيع أن يكون حكماً بين الجميع، بل يكون خادماً عند الجميع.. وهذا هو المعنى الوحيد لكلمة توافقي.. وهذا ما تريده إيران: رئيساً طرطوراً للبنان.
الرئيس التوافقي ماروني.. إذن يتم نـزع السلطة والقوة وموقع الحكم من الموارنة في السلطة التنفيذية ويتم جعل القوة والتنفيذ والحكم داخل مجلس الوزراء الذي يرأسه سني قوي.. كما يرأس مجلس النواب شيعي قوي.. لكن الموارنة وحدهم يكون لهم في السلطة ممثل طرطور.
وحسب المفهوم الإيراني يختار الشيعة للحكومة التي يرأسها السني القوي وزراء أقوياء.. ينفذون داخل مجلس الوزراء المشروع الإيراني.. أي السلطة التنفيذية القوية التي يرأسها سني قوي بحضور وزراء شيعة أقوياء ورئيس مجلس نواب شيعي قوي. أما الماروني التوافقي فهو طرطور.
يضاف إلى ذلك..أن إيران تريد المزيد من المؤسسات التي تخضعها لحكم شيعي من جماعتها (حزب الله أو أمل)، فبعد أن حصل النظام السوري على موقع مدير عام الأمن العام للشيعة على حساب الموارنة، تريد إيران مواقع جديدة للشيعة وأيضاً على حساب الموارنة، لأنها لا تريد الدق بالسنّة، فهي قادمة لوراثة الموارنة، وليس لوراثة السنّة (حتى الآن).
والمواقع المارونية المحتملة للوراثة الشيعية هي حاكمية مصرف لبنان، مديرية الاستخبارات في الجيش اللبناني.. وغيرها.. لكن دائماً وزارة المالية.. ووزارة الخارجية.
لقد بات مفهوماً أن القيادات الشيعية السياسية في لبنان تعتبر أن كل موقع تدخله أو تدخل إليه احد جماعاتها هو ملكية شخصية وسياسية وعامية لها وللمذهب الشيعي.
فقد بات من المستحيل أن تتخلى القيادات الشيعية بعد الآن عن وزارة الخارجية بعد أن ذاقوا أهميتها في علاقات لبنان الخارجية.. إلا إذا حصلوا مثلاً على وزارة الداخلية.
وبات من المستحيل أن تتخلى القيادات الشيعية بعد الآن عن مديرية الأمن العام بعد أن ذاقوا أهميتها في العلاقات الداخلية إلا إذا حصلوا على قيادة الجيش.
وبات من المستحيل أن تتخلى القيادات الشيعية عن مطلبها بأن تكون وزارة المالية لها.. أو أنها تريد موقع حاكمية مصرف لبنان، وهي تعرض المقايضة بأن تتولى الطائفة السنية مصرف لبنان مقابل تسليم وزارة المالية لشيعي، فإذا تعذرت هذه المقايضة فإن إيران والقيادات الشيعية تريد احد الموقعين: إما وزارة المالية.. وإما حاكمية مصرف لبنان وليقتتل الموارنة مع السنّة على الموقع المتبقي من حصة الشيعة!!.
وكانت إيران طلبت في مباحثاتها مع الموفد الفرنسي جان كلود كوسران أن يتم استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية ليسند إلى شيعي على أن يعطى صلاحيات منها ترؤس جلسات مجلس الوزراء في حال غياب رئيس الجمهورية، وذلك إذا تعذّر إعطاء الشيعة وزارة المالية.
ومع تعذر هذا الطرح باستحداث منصب نائب رئيس الجمهورية.
إذن:
*رئيس توافقي ماروني يعني رئيساً ضعيفاً.
*مثالثة بدل المناصفة تعني أن يقفز الشيعة إلى مواقع جديدة للحكم في لبنان على حساب الموارنة.
وإلا لا انتخابات رئاسية للجمهورية في لبنان حتى لو دعا رئيس مجلس النواب إلى انتخاب رئيس في جلسات تبدأ يوم 25/9/2007، لأن شرط الانتخاب هو التوافق، فإذا تعذر القبول برئيس طرطور، فلا انتخاب لرئيس بالنصف زائداً واحداً في الدورة الثانية للانتخاب.. وإلا تصعيد اعتصام ساحة رياض الصلح إلى إحتلالات لوزارات ومؤسسات والمطار والمرفأ.. ونذر حرب أهلية تنتظر خلافاً سعودياً إيرانياً جذرياً.
 
كيف تروج إيران لهذا المشروع؟
أول المؤيدين لهذا البرنامج الإيراني للحكم في لبنان عبر حزب الله وحركة أمل هو النائب ميشال عون الذي سارع للقول انه هو الرئيس التوافقي.. وهو يعلم أن من المستحيل القبول به رئيساً من قوى الاستقلال ومن قوى التبعية لسوريا وإيران نفسها.
لماذا؟
لأن عون وضع نفسه في خانة التحدي لقوى الاستقلال، وهو كرّس نفسه منذ مجيئه إلى لبنان للتهجم والتطاول على رموزها ومثلما وضع نفسه في خدمة النظام السوري والمشروع الإيراني وأدواتهما في لبنان.
وبالمقابل طالما أن عون يعتبر نفسه قوياً ووحيداً ومنفرداً للسلطة في لبنان، فإن إيران ودمشق لن تقبلا به لأنهما تريدان رئيساً مارونياً طرطوراً كي ينفذا مشروعهما الآنف الذكر..
وعندما يدعي عون انه قادم لحماية المسيحيين فإن هذا يعني أن عليه مواجهة المشروع الإيراني لوراثة الموارنة في لبنان.. وهذا لم ولن يحصل وبالتالي فإن تأييد عون للمشروع وزعمه انه الرئيس التوافقي أصبحا بلا أي قيمة.
 
بكركي
أما بكركي التي وصلتها تفاصيل المشروع الإيراني فإنها أول الأمر حملت هذا المشروع إلى الفاتيكان ليعرضه غبطة البطريرك على الحاضرة الرسولية، ليستمع إلى رأيها، وفي ذهن طهران أن الحاضرة حالياً ليست حاضرة بعد سلسلة الأخطاء التي ارتكبها البابا بنيديكتوس بحق المسلمين في إحدى محاضراته، فضلاً عن أن البابا الجديد نسبياً لم يستطع حتى الآن ملء كرسي البابا الراحل الذي رسم للبنان مكانة مميزة حيث اعتبره رسالة وشد جميع اللبنانيين إلى مفهومه الكبير.
ويرى البطريرك الماروني أن المشكلة الأساسية ليست فقط في الطمع الإيراني وفي الطموح الشيعي أمامه، بل في التشتت الماروني الذي كشفته الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي يوم 5/8/2007 بأفظع صوره.. فضلاً عن خوفه من إمكانية عقد الصفقات الخارجية التي إن لم تتم عموماً على حساب لبنان.. فإنها ستتم حتماً على حساب الموارنة.. علماً بأنه من المؤمنين بأن الموارنة ولبنان توأمان.
وبدل أن يتوحد الموارنة لمواجهة هذا المصير القاتم فإنهم يتشتتون ويعددون الولاءات لمطامع شخصية على حساب الحضور والمواقع المسيحية والمارونية منها.
والبطريرك الماروني الذي حمى سابقاً إميل لحود ومنعه من السقوط بعد ثورة الأرز في 14 آذار 2005، واجه من لحود نكراناً للجميل وعناداً عندما دعاه مرتين للتنحي لحفظ الموقع الماروني.. دون جدوى حتى وصلت الأمور إلى تجاوز شخصية الرئيس الماروني إلى موقع الرئاسة نفسه بما أصابه من فقدان هيبة وإهمال وتجاهل وجود مثلما حصل حين جرت انتخابات المتن الفرعية على مقعد ماروني شاغر باغتيال الوزير والنائب الشهيد بيار أمين الجميل دون الحاجة إلى توقيع الرئيس على مرسوم الحكومة بإجراء الانتخابات.. ومثلما حصل في تسلم السفراء اللبنانيين المعتمدين المرسلين مواقعهم في عواصم العالم وفق مرسوم لم يوقعه أيضاً رئيس الجمهورية.
هذا التجاهل لموقع الرئاسة يحمِّله البطريرك لإميل لحود وهو يخشى أن يصبح هذا التجاهل عرفاً وهذه السوابق ومثلها هي التي تحكم لبنان في ظل التوازنات والظروف غير الطبيعية التي يمر بها لبنان بين فترة وأخرى.
 
وأميركا؟
إيران تعتقد أن أميركا لن تستطيع تعيين الرئيس في لبنان، لأن طهران تمسك بورقة المعتصمين في ساحة رياض الصلح، وتمسك بمقاليد المطرقة من على منصة رئاسة مجلس النواب، والمسافة بينهما وبين السرايا والوزارات خاصة المالية والداخلية ومصرف لبنان.. ليست بعيدة.. هذا فضلاً عن أن طهران تملك ورقة التعطيل.. فإذا احتاجت مزيداً من التعطيل فإن فرق الاغتيالات السورية جاهزة للاستمرار في لعبة سحب الكراسي كي تفقد الأكثرية أكثريتها داخل مجلس النواب وداخل مجلس الوزراء.
وسيظل التعطيل الإيراني ساريا وبالقوة المباشرة لحزب الله، والقوة العمياء للاستخبارات السورية حتى تقبل أميركا أن تعطي لإيران الحصة التي تريدها.
وحيث أن حصة إيران هي من حساب الموارنة فإن واشنطن لن تكون محرجة بالتنازل من حساب المسلمين حتى لا يغضب هؤلاء ويغضب العرب (من السعودية إلى مصر والأردن..).
المحرج الوحيد سيكون رئيس فرنسا الجديد نيكولا ساركوزي الذي يبذل جهداً كبيراً مع إيران ومع سوريا كي لا يصل إلى طريق مسدود أو تصعيد بالتحالف مع واشنطن ضد طهران ودمشق. ليظل مقبولاً من رعايا الأمس الموارنة الذين كانوا وجدوا فيه الأم الحنون.
وإيران تعتقد أن أميركا بوش تحتاج نجاحاً للتجربة الديموقراطية في لبنان، وهي من أجل هذا النجاح مستعدة للتنازل لإيران في لبنان لاستمرار التجربة، مثلما احتاجت إيران لإبقاء تجربة الحكم في العراق التي تعتبرها أميركا ناجحة وفق مقاييسها.
أما سوريا فإن إيران تعتقد أن بشار الأسد يعرف انه غير حافظ الأسد، فوالده حكم لبنان وهو طرد منه، وحافظ الأسد أقام علاقة ندية مع طهران، وهو الآن تابع لها، وبشار يعرف انه غير مؤثر بورقة حزب الله إلا إذا اختلف مع إيران، وهو يعرف أن إيران الآن هي التي تشكل الحماية له وهو ليس في موقع المنافسة أو المواجهة.
النظام السوري أصبح الآن عجلة في عربة القاطرة الإيرانية المعززة بالوقود.. وبأسرع قوة قد يستطيع الخروج من الخط للحظة، لكن طهران قادرة على تأمين عجلة أخرى، أما العجلة إذا خرجت عن العربة فإنها عاجزة عن إيجاد عربة أخرى.. إلا إسرائيل.
وهذه المعادلة التي كثيراً ما استخدمتها سوريا ضد اللبنانيين الوطنيين بتخييرهم بين استمرار وصايتها أو الخضوع لإسرائيل، تنطبق الآن على نظام عائلة الأسد.. إما الاستمرار عجلة في العربة الإيرانية، أو الانفكاك للحاق بالعربة الإسرائيلية!!
 
والسعودية؟
تعتقد إيران أن إمكانية الاتفاق مع المملكة العربية السعودية في لبنان، واردة لأن ما يهم المملكة هو استقرار لبنان وحماية المسلمين فيه، وإيران لن تقدم على ما يمس حقوق المسلمين السنّة في لبنان.
وتعتقد إيران أن المملكة العربية السعودية لا تقبل عقد أي صفقة على حساب لبنان، وان الصفقات المطروحة هي بين أميركا وسوريا وبين سوريا وإسرائيل، ولقد حسمت المملكة موقفها بأن لا قبول بأي صفقة بين أي من هؤلاء على حساب لبنان. وان كانت الرياض تخشى دائماً من صفقات أميركية وقحة كما حصل في صفقة إيران غيت عام 1986، حين باعت واشنطن أسلحة لإيران في حربها ضد العراق في وقت كانت اعتبرت إيران عدواً لها.
وتعتقد إيران أن السعودية تؤمن أن لبنان هو غير العراق، وان الفرز الطائفي في العراق غير ممكن في لبنان، وان الحضور اللبناني في الخارج مؤثر بما يسمح بتحرك عربي ودولي من أجل لبنان لمنع الحرب المذهبية فيه، وان إيران ستكون أكبر الخاسرين في أي حرب مذهبية، لذا فإيران لن تشجع الحرب المذهبية بل وستمنعها بالاتفاق مع السعودية.
إذن تتقدم إيران بطموحها، وقد اعتبرت أن الطبخة اللبنانية استوت خاصة مع استحقاق الرئاسة وقد وضعت له الشروط: رئيس ماروني توافقي + انتخابات وفق معادلة الثلثين في كل عمليات الاقتراع وليس فقط النصاب فإذا تعذر.. فإن التهويل بإرعاب المسلمين السنّة تحديداً للتخلي عن الموارنة والقبول برئيس ماروني طرطور يتحول إلى وقائع من ساحة رياض الصلح إلى ساحة النجمة إلى السرايا والوزارات ومصرف لبنان..
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: