الهدوء الخليجي والتهديد الإيراني... إلى متى؟
الثلاثاء 2 سبتمبر 2008
الهدوء الخليجي والتهديد الإيراني... إلى متى؟
محمد الحمادي   الاتحاد الإماراتية 12/8/2008
 
لم يجد مساعد وزير الخارجية الإيراني منوشهر محمدي في اجتماع لأساتذة الجامعات التعبويين في "مشهد" الإيرانية، طريقة للتبرير المسبق لأي حرب قد تقع في المنطقة، إلا بالقول إن "الشرق الأوسط سيبقى مركزاً للتطورات والأزمات طالما ظلت الأنظمة الملكية في الخليج قائمة، وإن النزاعات لن تحل إلا بزوال هذه الأنظمة التقليدية". ومن الواضح أن رجال النظام الإيراني لا يكتفون بجر الحرب إلى المنطقة وتعريض دول الخليج إلى هذا الخطر، بل يتجرؤون بإلقاء اللوم على دول المنطقة التي تعمل منذ أزمة البرنامج النووي الإيراني على إبعاد شبح الحرب عن المنطقة، وتصر على أن يكون الحل السلمي هو الوحيد لإنهاء هذه الأزمة مع جارتهم إيران.
 منذ أيام برر نفس المسؤول تصريحاته قائلاً إن السياسة الخارجية لبلاده قائمة على احترام سيادة الدول وترسيخ العلاقات مع دول الجوار، مضيفاً أن "بعض وسائل الإعلام لم تنتبه بشكل صحيح لتصريحاتي". وفي مناسبة أخرى قال رئيس مجلس الشورى الإيراني في كلمة أمام مسؤولي الحرس الثوري إن بلاده "أكبر قوة في المنطقة وهي الأكثر تأثيراً"، إلا أنه أضاف أن "إيران لا تحمل أية نظرة عدوانية تجاه الآخرين"!
 بالطبع جاءت تلك الردود بعد أن طالب أمين عام دول مجلس التعاون الخليجي بتوضيح فوري من طهران لما جاء على لسان مساعد وزير خارجيتها. وهذا الرد الإيراني متوقع، وهو مكرر مع كل التجاوزات والأخطاء التي يرتكبها رجال النظام هناك، والتي تمر دون موقف حقيقي واضح من الحكومة الإيرانية، وكان يفترض في مثل هذا التجاوز الكبير من مساعد وزير الخارجية أن تتم إقالته على الأقل؛ لأنه لا يعرض فقط علاقة إيران بدول الجوار للخطر وإنما يعرض أمن المنطقة بأسرها للخطر... لكن للأسف قد تعودنا على مثل هذه التصريحات ولا نتوقع أن تكون الأخيرة، وهذا ما يجعلنا نطالب دول الخليج بأن يكون لها موقف واضح وحازم تجاه هذه التجاوزات الإيرانية المتكررة.
السياسة المسالمة والهادئة التي تتبعها دول الخليج العربي بشكل عام، هي التي جعلت إيران تتجرأ على التطاول المستمر عليها، وكذلك تهاون دولنا مع الأخطاء الإيرانية المتكررة في حقها هو الذي شجع المسؤولين الإيرانيين على إطلاق تصريحات لا مسؤولة أحياناً والتبجح بأكاذيب ملفقة أحياناً أخرى.
 من المهم أن يكون لدول الخليج موقف واضح من جميع قضايا المنطقة، سواء في سوريا أو لبنان أو اليمن أو دارفور أو "حماس" و"حزب الله"، بل وحتى القضايا الداخلية في إيران، حتى لا تترك لطهران مجالاً للعبث في المنطقة وتعريض أمنها للخطر بشكل مستمر... فإذا كانت طهران لا هم لها إلا تصدير الثورة واستغلال الدين لتوسيع نفوذها وتحقيق حلمها الفارسي القديم الغابر بالتوسع، فيجب أن يكون لدول المنطقة رأي وموقف واضح وصريح في هذا الشأن وفي قضايا المنطقة.
مشكلة النظام الإيراني "الإسلامي" الحالي لا تختلف كثيراً عن مشكلة النظام الذي انقلب عليه إلا في الشكل، فهذا النظام كسابقه لا يريد أن يقتنع بالتاريخ، ولا يريد أن يستوعب الجغرافيا، ويعتقد أنه قادر على تغييرهما، وهذا لا يمكن أن يحدث أبداً، فالتاريخ لا يمكن تزويره أو إعادة كتابته في هذه المنطقة، وهو تاريخ معروف ومحفوظ لدى الجميع، أما الجغرافيا فإن امتلاك إيران لبرنامج نووي أو سلاح نووي أو غيره لن يغير جغرافية المنطقة أيضاً والتي سيحافظ عليها أبناؤها بكل ما يملكون وبدون تردد.
وكان من الأفضل لإيران أن تقتنع بالجغرافيا والتاريخ وهي غارقة في أحلامها التوسعية، وأن تستخدم السياسة والاقتصاد بدلاً من السلاح والعداء لتكسب احترام دول المنطقة، فالأرض تتسع للجميع، والمنطقة لا يمكن أن يحتكرها نظام أو قومية واحدة، وليقرأ الفرس التاريخ وسيتأكدون من هذا الكلام.
والأهم من كل ذلك أن تستفيد الجمهورية الإيرانية من حكمة وسماحة جيرانها الخليجيين العرب، وأن تستفيد من التجارب الناجحة في هذه الدول التي صارت أرض الأحلام بالنسبة لكثير من رجال الأعمال الإيرانيين الذين ضاقت عليهم بلادهم فانتشروا في الأرض... وكان يمكن لإيران أن تكون قوة إقليمية محترمة لها كيانها وقيمتها وكلمتها من خلال إنجازاتها الداخلية وتعديل أنظمتها وقوانينها واحترام حقوق شعبها... ومن خلال علاقات خارجية طيبة مع العالم وليس من خلال القوة والتهديد والبرامج والقنابل النووية.
 إيران تحلم بأن تكون شرطي المنطقة والقوة الإقليمية الرئيسية فيها، وتعتقد أنها لا يمكن أن تصبح كذلك إلا بالسلاح النووي وبمعادة الجيران، وهي بذلك اختارت الطريق الصعب، في حين كان أمامها طريق أسهل وأقصر وهو طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فهي الدولة التي لا ينقصها شيء، فالثروات المعدنية والطبيعية تملأها، والثروة البشرية لديها بل تصدرها للخارج وكل شيء موجود فيها، لكن كل الأحداث السابقة أكدت أن ما ينقص إيران منذ عقود هو حكومة تعرف مصلحة شعبها ووطنها وتعرف كيف تستثمر مواردها في صالح الشعب... حكومة لا تحمل أيديولوجيات عفا عليها الزمن، حكومة تعيش الواقع والحاضر بكل تفاصيله بدل العيش في الماضي وتحت أوهام التاريخ الغابر.
 أنانية النظام الإيراني صارت واضحة تجاه شعبه أولاً وتجاه الشعوب المجاورة ثانياً، وهذا سلوك يجب أن يكون محل نظر من دول المنطقة والمجتمع الدولي، ففي سبيل تحقيق أهدافه الأيديولوجية وبسط نفوذه على المنطقة، لا يتردد هذا النظام في إشعال حرب بل حروب متتالية في المنطقة... وهذا النظام يؤكد بأفعاله يوماً بعد يوم أنه لم يكن عنصر استقرار في المنطقة، بل سيبقى عنصر قلق وإثارة للمشاكل مع جيرانه والعالم على الدوام!
 السياسة الإيرانية المعلنة تجاه دول الخليج العربي لا تدل إلا على عداء وغرور، وهذا يؤكد أن إيران بحاجة إلى موقف خليجي موحد حازم وواضح بعيد عن كل الحسابات القطرية، فالوضع الحالي غير طبيعي وليس منطقياً، فليس طبيعياً أن نستمر في سياسة حسن النية والاحترام لهذا الجار وهو يقابل السلوك الخليجي العربي المتحضر بسلوك عدواني لا يكف عن التهديد والإساءة وإطلاق الأكاذيب. الحكومات الخليجية مطالبة بموقف حازم إزاء من لا يلتزم تجاهها بالأخلاق الحميدة، ويجب أن تكون المعاملة بالمثل في كل شيء، فمن يحترمنا نحترمه، ومن لا يعرف الاحترام لا يجب أن نحترمه.
 إيران تقول دائما إن عدوتها إسرائيل و"الشيطان الأكبر"، أي أميركا، لكن كل عدائياتها وتهديداتها موجهة لدول الخليج العربية فقط! وهي لا تتطاول إلا على جيرانها المسالمين، لكنها في المقابل تتودد إلى إسرائيل وتغازل الولايات المتحدة، فيقول نائب الرئيس الإيراني "اسفنديار رحيم مشائي"، وهو والد زوجة نجل الرئيس أحمدي نجاد، إن "إيران اليوم هي صديقة الشعب الأميركي والشعب الإسرائيلي، ما من أمة في العالم هي عدوتنا وهذا فخر لنا"! في المقابل، يهدد مسؤول إيراني بحرق المنطقة وإشعال آبار النفط في الخليج إذا تعرضت إيران لأي هجوم، بل ها هي إيران تحول الخليج العربي إلى موقع للمناورات العسكرية ولتجارب الصواريخ والأسلحة!
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: