صادق الجميلي – جريدة المدى 12/5/2010
عرف المتتبعون لشؤون هذه الطائفة انها من النحل الباطنية ذات المظهر الاسلامي على غرار نحلة القاديانية والبهائية، لبست هذه الطائفة لبوس الاسلام حتى عدها بعض باحثي الغرب فرقة اسلامية، وحتى قيل ان مؤسسها "بابا نانك" 1469 -1539 كان مسلما وحاول ان يأتي بالديانة السيخية حلا وسطا بين الاسلام والهندوسية... وكما ورد في دائرة المعارف البستانية:
" إنه كان يعتقد بوجود الله وينكر الوحي وامر بعبادة الله عبادة مطلقة لا تتقيد بالطقوس.. وجعل دينه مزيجاً من دين الاسلام والدين البوذي، اساسه التوحيد الخالص لله والاخاء بين البشر.. وبعد موته خلفه ابنه "غورو انفاد" ومن ثم ابنه "امرداس" الذي جمع تعاليم السيخ في كتاب دعاه باسم (ادي غرنته" ومعناه الكتاب الاول....".
وكانت تعاليم السيخ هذه على الاغلب مغايرة لتعاليم الاسلام والمعتقدات الاخرى في الهند لانها جاءت مزيجا من معتقدات مختلفة صبت في قالب جديد لتضيف الى النحل المتصارعة نحلة اخرى اشد عنفا وتطرفا لذلك كان الصراع مستمرا والصدام محتدما على مر التاريخ والى يومنا هذا..
ولنلقي بعض الضوء على طائفة السيخ وروابطها التاريخية مع المسلمين والعرب بالذات، ففي مرحلة تجوال "بابا نانك" في بلاد العرب كان قد زار خلالها مكة وبغداد واقام في بغداد ردحا من الزمن واتخذ من ربط الصوفية واضرحة الاولياء مقاما له يجمع الانصار ويجتمع بهم، واتخذ من قبر الصوفي الزاهد، بهلول دانا" بقرب ضريح الجنيد البغدادي في مقبرة "الشونيزي" قديما مأوى له، وبعد رحيله عن بغداد كان هذا المكان مقدسا عند اتباعه السيخ الى يومنا هذا..
وبزيارة لهذه المقبرة "مقبرة الجنيد البغدادي" في منطقة الشالجية وقبالة مطار المثنى القديم وتفحص ما في بناية المقام من الداخل نجد لوحاً من المرمر ثبتت عليه كتابة بارزة ..انها عبارة عن اربعة اشطر موزونة مقفاة وباللغة التركية وبخط الثلث العربي.. تتفق الاشطر الاول والثاني والرابع في قافية موحدة هي الدال.. في حين ان الشطر الثالث سائب.. وبترجمتها الى العربية تعطي العبارة التالية:"ههنا حقق الامنية الرب المجيد للشيخ الولي بابا نانك ، اذ ما ان تم البنيان الجديد في سنة المصيبة التي جاء فيها لائذا.. حتى صار في هذا المكان المتواضع النزيل السعيد 927 هـ /1520م.
كما نجد لوحا اخر من معدن البرونز على جدار الطارمة الغربية سجلت عليه اسماء الذين تبرعوا لتجديد المقام من منتسبي الجيش البريطاني في بغداد عام 1942 خلال فترة الحرب العالمية الثانية من طائفة السيخ باللغة الانكليزية والمبالغ المتبرع بها، وبجانبه لوح من المرمر يؤرخ تجديد المقام وقد كتب عليه باللغة العربية (هنا مقام بابا نانك عليه الرحمة جدد من قبل السيد شريف حسين الرضوي الباكستاني عام 1957).
وعلى احد الجدران لوح من المرمر بطول المتر وعرض نصف المتر وقد كتب عليه تاريخ بثلاث لغات، في الاعلى باللغة السنسكريتية (الهندية القديمة) وفي الوسط باللغة العربية وفي الجهة السفلى بالغة الانكليزية.. وهذا نص القسم العربي من الكتابة (الى بغداد قصد بابا (نانك) مسافرا وعند ابوابها اتخذ لنفسه مسكنا (مقتبسة مما كتب بهائي كوروداس) 1551-1639، وصادف وصول بابا نانك، الى هنا عام 927 هجرية 1520 ميلادي، وعند قبر الشيخ بهلول دانا قابل اتباعه وتباحث معهم ثم وضع هذا النصب التذكاري بمناسبة الذكرى الخمسمئة لعيد ميلاد كورونانك يوم 23/11/1969 والمصادف لـ 14رمضان 1389 هجرية.
وفي حجرة المقام كتب مقدسة لدى السيخ باللغة السنسكريتية ذات تجليد واغلفة من النوع الجيد الثمين وبجانبها صور مؤطرة رائعة تمثل "بابا نانك" وبالالوان الزاهية وتصاوير اخرى تمثل ضريحه الذي هو اليوم محج لطوائف السيخ في البنجاب... ومن الكتب المودعة في المقام كتاب السيخ المقدس "الغرانته" ويقع في مجلد واحد من قطع الربع وباللغة السنسكريتية وتبلغ صفحاته حوالي (1200) صفحة. ويستخدم السيخ بعض فصوله في صلواتهم ومناجاتهم ويرددونه في اذكارهم ومجالسهم فيما بينهم وبين انفسهم في الصباح والمساء وعند النوم كما يتعبدون في تلاوتها..
واخيرا لي وقفة قصيرة متأملة على موضوع الدكتور صفاء خلوصي الذي نشر على صفحات جريدة الجمهورية البغدادية العدد 171 بتاريخ 1 تموز 1968 والذي حاول فيه ان يربط طائفة السيخ باكثر من رباط تاريخي مع العالم الاسلامي والعربي من خلال زيارات بابا نانك لبلدانه داعيا لدينه الجديد... وقع الدكتور في وهم مبين حين اكد انه مسلم وزار بغداد عند عودته من حج بيت الله الحرام.. وقال: (انني قد توصلت الى حقيقة قد تجعل ارض العراق ارضا مقدسة بالنسبة لطائفة السيخ، حيث زعم السيخ ان "بابا نانك ، توفي في العراق، وفي بغداد بالذات في الطاعون الذي اجتاح المدينة يومذاك ودفن في مقبرة الشيخ جنيد...) وهكذا قال الدكتور عن السيخ ما لم تزعمه والصحيح ما ورد في دائرة المعارف الاسلاامية ودائرة معارف البستاني: فقد زعم السيخ انه رجع الى الهند بعد تطوافه في بلدان الشرق ومات فيها –أي في الهند- لا في بغداد ، فتنازعوا في أمر دفنه مع المسلمين، حتى قرروا في النهاية تقسيم جثته ليدفن شطر منها في مقابر المسلمين من اتباعه وشطر في مقابر السيخ، غير انه في اليوم التالي عندما جاءوا لتنفيذ هذا القرار، وجدوا ان جثته قد اختفت، فادعى السيخ انها رفعت الى السماء !!وسيظهر في اخر الزمان، فهو مهديهم المنتظر.. لذا ليس له قبر ثابت عندهم معلوم وما وجد من قبور ونصب تذكارية ما هي الا مقامات ومنها هذا الذي في بغداد عند قبر الجنيد.
ثم اوقع الدكتور خلوصي نفسه في وهم تاريخي اخر حيت اكد اسلامية "بابا نانك" الوافد الى بغداد وانه مات ببغداد بمرض الطاعون الذي حل بها ودفن بها في مقابر المتصوفة حيث كان شديد الاعجاب بهم.. ويدلل على اسلاميته بقوله: (ان الرجل كان مسلما بدليل ان الوالي العثماني المسلم المتعصب سمح له بالاعتكاف عند قبور الاولياء والمتصوفة والا لطرد شر طردة او قتل لجرأته على التقرب من قبور المسلمين الصالحين).
ولا ادري كيف يجهل الدكتور تاريخ العراق ومن حكم بغداد في تلك الفترة الزمنية وهو اكثر الناس ارتباطاً بالتاريخ كما عهدناه !!؟ ..فاي وال عثماني هذا المسلم (المتعصب) الذي سمح له بالمقام في هذا المكان؟! علما ان هذا الرجل حين وفد الى بغداد كان في عام 927 هـ /1520 م وفي عهد الشاه اسماعيل الصفوي، أي كان قدومه في فترة النفوذ الصفوي على العراق الذي حكموه في الفترة (1508-1523) ولم يكن للدولة العثمانية سلطة في بغداد ولم تعين عليها والياً (متعصباً) بعد!!
كما انه في هذه الفترة بالذات لم يحل ببغداد مرض الطاعون وانما الذي حل بها حقيقة هو طاعون الصفويين!!
وهناك التحريف الذي طرأ على تاريخ الوفاة الذي اورده الدكتور مغايرا للحقيقة ولما دون على شواهد المقام ولما ورد في المصادر التي تكلمت عن هذه الطائفة من كتب دوائر المعارف التي ذكرناها...فدون تاريخ الوفاة عام 1511م والصحيح هو 1539 وقد بلغ السبعين عاما.. كان ذلك ليجعل موته في بغداد ويستغفل فترة الثمانية والعشرين عاماً والتي قضاها في الهند بعد عودته اليها.. ودون تاريخ وصوله الى بغداد عام 917هـ -1511م والصحيح هو 927هـ - 1520 وتشويه التاريخ بالقلم واضح على صورة الشاهد.