صحيفة المحرر العربي – 16/4/2010
أدى تنامي دور تركيا الإقليمي في ظل حكم حزب العدالة والتنمية الإسلامي، وحدوث صدام قوي بين الحكومة والمؤسسة العسكرية، في فصل جديد من معارك العلمانية، في هذه الفترة الحرجة التي تسعى فيها القوى الخارجية لمنع أنقرة من التأثير في قضايا العالم الإسلامي، والقوى الداخلية من أجل عودة العلمانية إلى موقعها المؤثر في سدة الحكم، وترافق ذلك مع محاولات إيرانية لتحريك الأقليات الشيعية ضد الحكومة التركية في محاولة للضغط عليها وللحد من تأثيرها على الساحتين العراقية والإسلامية.
وفي هذا السياق كان لافتاً في الفترة الأخيرة ارتفاع صوت الأقليات »الشيعية« بشقيها »العلوي« و»الجعفري« مطالبة بدور لها على ساحة الأحداث بعد أن اختطفت المشكلة »الكردية« الشأن الداخلي لسنواتٍ طويلة قضاها النظام التركي تحت ظل العلمانية »الأتاتوركية« في حربٍ طاحنة مع »حزب العمال الكردستاني« الانفصالي.
فبعد مطالبة »العلويين« في الفترة الأخيرة بحقوقهم الدينية عبر نشاطات ووسائل ضغط أجبرت رئيس الجمهورية التركية عبد الله غول على زيارة أحد مراكزهم المسماة بـ»بيت الجمع« والذي يطالب العلويون بمنحها وضعية المساجد وترفض الحكومة التركية ذلك بشدة، عقدت الطائفة الأشد خطورة وهي الطائفة »الجعفرية« مؤتمراً كبيراً لها في أكبر فنادق مدينة أسطنبول الشهر الماضي، شارك في جلساته التي وصفت بالسرية عدد من المهتمين بـ»الشأن الشيعي« في تركيا من المثقفين والعلماء الشيعة، كما حضرت الجلسات شخصيات شيعية من خارج تركيا منهم رئيس الوزراء العراقي السابق إبراهيم الجعفري، وهو شخصية طائفية خطيرة كان لها أبعد الأثر في إذكاء نار الطائفية بالعراق، ما يوحي بدلالات كثيرة على رأسها أنه مؤتمر لتأجيج الطائفية في بلد لم يعرف الطائفية منذ مئات السنين.
ولم يأتِ حضور الجعفري الذي يحمل الجنسيتين الأفغانية والإيرانية، لمؤتمر يخص شيعة تركيا، بالصدفة، بل بتوجيه من طهران التي طلبت من الجعفري استغلال تواجده في أنقرة لحض الحكومة التركية على الضغط على أكراد »التحالف الكردستاني« بغية التحالف معه لتشكيل حكومة العراق الجديدة، نكايةً برئيس الحكومة المنصرف نوري المالكي الذي اصطدم بالرفض التركي حيال منح مدينة كركوك للأكراد مقابل تشكيلهم ائتلافاً حكومياً معه يمنحه شرعية تشكيل الحكومة العراقية الجديدة.
وقد أعلن زعيم الشيعة الأتراك الشيخ صلاح الدين أوزغوندوز وثيقة موجهة للحكومة التركية تشتمل مطالب عدة وصفها كثير من المراقبين بأنها استفزازية ولا تتناسب مع حجم "الأقلية" الشيعية في تركيا كثيفة السكان (2 مليون شيعي من إجمالي 70 مليون مسلم سني)، إذ طالب بعدم المساس أو التعرض ولو بالمراقبة الإدارية لـ»المؤسسات الدينية الجعفرية« من حوزات وحسينيات ومدارس، وعدم التعرض للدورات »الدينية« التي تُدرس فيها، وإدخال المواد الدينية الجعفرية في المناهج الدراسية، على أن يقوم علماء الجعفرية أنفسهم بوضع المنهج، وإضافة المذهب الجعفري في الجامعات الشرعية، والسماح بنشر الفكر الشيعي الجعفري في وسائل الإعلام.
كما صرح أوزغوندوز أنه يرفض دمج العلماء الشيعة في الرئاسة الدينية القائمة والتي يتزعمها السنة الأحناف، بدعوى أن هذا يتعارض مع تعاليم المذهب الجعفري، وغيرها من المطالب الجريئة التي أحدثت حراكاً سياسياً واسع النطاق في تركيا.
شيعة تركيا في ظل العلمانية وهي المرة الأولى التي يُسمع فيها صوت الأقلية الشيعية في تركيا، كونها كانت دوماً تسير في ركاب حكم »العسكر«ومن يولونه من أزلام العلمانية في تركيا، إذ كان الشيعة دائماً يؤيدون العلمانية ويتخوفون من أي ثورة إسلامية أو نظام إسلامي يستهدف خصوصيتهم الدينية المخالفة بنسبة كبيرة للأغلبية السنية، خصوصاً وأن تركيا خلال الحكم العلماني كانت دائماً ما تتجه شمالاً ناحية أوروبا، ولا تبالي بقضايا العالم الإسلامي من قريبٍ أو بعيد.
وحين أفرزت حرب العراق بُعداً طائفياً دينياً جديداً في صراع المنطقة وفي العالم الإسلامي نتيجة للتدخل الإيراني وتمدده تحت غطاء نشر المذهب الشيعي، استمرت طهران في اللعب على أوتار هذا الصراع لتتمكن من خلاله من السيطرة على المنطقة بأسرها بورقة »الأقليات« الشيعية المنتشرة فيها مثل القنابل الموقوتة، والتي يتحكم في توقيت انفجارها »ملالي« إيران وقادة الحرس الثوري، مستثمرةً وضع أُمةً إسلامية »سُنية« يسودها التفرق والاختلاف، لا يجمعها رأي ولا تحكمها مرجعية، مما سهل لإيران تنفيذ خططها الرامية إلى بناء تحالف »الهلال الشيعي« واستعادة أمجاد الامبراطورية الفارسية التي كانت تحكم العرب قديماً قبل الإسلام.
فمنذ حرب العراق وما تلاها من تداعيات طائفية رهيبة، أصبحت لإيران الكلمة الفصل في مصير العراق بالتعاون مع الاحتلال الأميركي، ولم تكن من دول المنطقة دولة مرشحة للتصدي للهيمنة الإيرانية المتنامية، فالمملكة العربية السعودية رأس العالم السني انشغلت بـ»محاربة الإرهاب«, كما أخرجت لها إيران خطراً جديداً على الحدود هو خطر »الحوثيين الشيعة« في حين تم تحييد »باكستان« بواسطة مشاكلها الداخلية الكثيرة، ومن ثم خلت الساحة لإيران.
في ظل هذا الوضع الملائم جداً لبزوغ النجم الإيراني بلا منافس، ظهرت »القوة« التركية الجديدة تحت حكم حزب »العدالة والتنمية الإسلامي« ودخلت بكل ثقلها في ملفات العالم الإسلامي عموماً والعربي خصوصاً، وارتفعت أسهمها في مواجهة إيران، خصوصاً أنها انتهجت سياسة تتعارض مع سياسة طهران الرامية إلى تمزيق العالم السني العربي، ونشر التشيع فيه، وإيقاظ دعاوى الفتن الطائفية. وقامت تركيا ببناء سياسة ترمي إلى كسب ود الدول العربية والإسلامية، شعوباً وحكومات، ومواجهة مشاريع التفتيت الإيراني والأميركي للدول العربية الكبرى مثل مصر، السعودية، العراق، السودان، اليمن، الجزائر، والمغرب. وكذلك العمل على تصفية أي خلافات عالقة مع دول المنطقة، ومخالفة النهج الإيراني شديد العدائية في التعامل معها، بل حاولت تركيا استقطاب سورية وحركة »حماس« الفلسطينية للخروج من فلك النفوذ الإيراني للتأثير الشديد الذي سيتركه هذا التحالف لو بقي على مستقبل »القضية« الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.
وعلى الرغم من أن إيران وتركيا تجمعهما بعض الملفات مثل ملف »الأكراد« وتحاول الحكومة التركية ألا تقف موقف العداء الظاهر لإيران حتى الآن لمصالح استراتيجية تراها، ولكن الذي يفرقهما أكثر بكثير مما يجمعهما.
لكل ذلك، وبعدما لمست طهران خطراً من السياسة التركية المعتدلة، بدأت بتحريك »طابورها الخامس« داخل تركيا ومحاولة استغلال ورقة الأقليات الشيعية، فبدأت المطالب الشيعية والمؤتمرات، بل وصل الأمر لتحريك »مظاهرات« شيعية صاخبة منددةً بـ»الهجوم السعودي« على معاقل الحوثيين المتسللين للسعودية من جهة اليمن، وقد سجلت هذه المظاهرات بعداً طائفياً خطيراً لم تكن تعرفه تركيا من قبل، في إشارة صريحة لحكومة رجب طيب أردوغان والرئيس التركي عبد الله غول من أن أيدي الأخطبوط الإيراني طويلة وموجودة في كل مكان، وعلى أتم الاستعداد لتفجير الوضع الداخلي في أي بلد في المنطقة مهما كان حجمه وقوته.