متغيرات المنطقة والصراع على لبنان
د.رضوان السيِّد -المستقبل - 8 /12/ 2006
عندما كان متظاهرو ساحة رياض الصلح، يتهددون أميركا بالهزيمة في بيروت، كان السيد عبد العزيز الحكيم، رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق، يزور واشنطن والرئيس جورج بوش، ويطلب من الرئيس بوش وجيوشه البقاء بالعراق، لدعم الحكومة الديمقراطية المنتخبة هناك! وكان السيد الحكيم، زعيم المجلس الأعلى، وإبراهيم الجعفري رئيس حزب الدعوة، ومعارضون آخرون لنظام صدام حسين، قد تفاوضوا مع الأميركيين ابتداء بالعام 2002، وعادوا إلى العراق من طهران بعدما غزا الأميركيون البلاد، وهم يحكمون منذ ذلك الحين، بمشاركة "ضئيلة" من جماعة مقتدى الصدر ومن الأحزاب السنية. والمعروف انه فيما بين (2000 و2005) جرت مهادنة بين إيران والولايات المتحدة ولصالح الطرفين: الولايات المتحدة تشن حربها على الإرهاب في أفغانستان (ضد القاعدة وطالبان)، وعلى لا ندري ماذا في العراق، وإيران تدعم ذلك تارة وتسكت عليه طورا، باعتبار أن النظامين في البلدين آنذاك معاديان لها. وهناك من يقول أن الأمر لم يقتصر على المهادنة أو عدم التعرض؛ بل كانت هناك مساعدة فعالة: في أفغانستان بمشاركة الهزارة الشيعة وتنظيمهم مع "تحالف الشمال" المقاتل مع الأميركيين، وبالتسهيلات التي قدمتها إيران على حدودها مع أفغانستان. وفي العراق بالميليشيات المسلحة العراقية التي دخلت من إيران مع الأميركيين، وما تزال على العهد والوعد، إذ ما أطلقت رصاصة واحدة ضد المحتلين حتى الآن على أن السيد الحكيم زعم قبل ذهابه إلى واشنطن أن الحكومة العراقية الديمقراطية الحالية، هي أفضل الحكومات في الشرق الأوسط! والطريف أن الرجل حمل منذ البداية مشروع الفيدرالية، التي تعني بالنسبة له كيانا في الجنوب يضم الأماكن المقدسة عند الشيعة، وبعض آبار البترول، ولا شيء غير! الطرافة هنا أن شيعة العراق هم الأكثرية الشعبية في قولهم، وفي قول الأميركيين والإيرانيين، فلماذا تتخلى تلك الأكثرية عن وحدة العراق، ما دامت تستطيع حكمه وبديمقراطية الأكثرية؟! يقال أن ذلك كان لإرضاء الأكراد. بيد أن الأكراد انفصلوا عملياً وبمعونة الولايات المتحدة، فلماذا يريد المجلس الأعلى فصل الجنوب أيضا وبخاصة أن قسما كبيرا من الشيعة العراقيين بقيادة مقتدى الصدر أو مستقلين يفضلون وحدة العراق؟!
لا يستطيع عبد العزيز الحكيم أن يحسم أمره لصالح الفيدرالية، ولصالح بقاء الجيوش الأميركية، دون إذن من طهران. وهو يعني أن الجمهورية الإسلامية التي تريد مصارعة الولايات المتحدة في بيروت ودمشق وغزة؛ لا تريد مصارعتها في العراق. أي أنها تعتبر أن المهادنة بينهما مستمرة في هذا الملف على الأقل كما كانت في السنوات الخمس الماضية، وعلى أي حال فان الولايات المتحدة قررت العودة للحديث مع طهران ودمشق بشأن العراق؛ وهذا يعني أيضاً أن شقة الخلاف ستضيق، وفي العراق على الأقل، إن لم يكن في أماكن أخرى أيضا باستثناء النووي.
وهكذا فالجيوش الأميركية موجودة بأفغانستان على الحدود مع إيران، وما تغير موقف طهران منها. وهي موجودة أيضا بالعراق، وما تغير الموقف الإيراني منها: فلماذا تسكت طهران ويسكت أنصارها عن المحتلين الأميركيين بالعراق وأفغانستان، وتريد الانتصار عليهم حيث لا يوجدون، أي في لبنان؟! إن من حق إيران أن تفهم مصالحها كما تشاء، وكذلك سوريا، لكن ليس من حقهم أن يحددوا لنا سياساتنا الداخلية أو الخارجية، أياً يكن العلم الذي يرفعونه، والهدف الذي يسعون إليه.
لقد حفلت الشهور الأخيرة بتطورات ومتغيرات بالمنطقة؛ الأول الفشل الأميركي بالعراق، واتجاه الولايات المتحدة لمراجعة سياساتها هناك على عدة مستويات. والثاني اتجاه إيران مستفيدة من الارتباك الأميركي، لتثبيت مواقع النفوذ التي كسبتها في فلسطين وسوريا ولبنان. ولذلك في حين تتحدث عن "المستنقع" بالعراق والذي غرقت فيه الولايات المتحدة، كما يقول السيد خامنئي، تحدث السيد خامنئي عن "الانتصار" في لبنان والانتصار هنا يعني استعصاء حزب الله بدولته وتعطيل أو شلّ الدولة الأخرى. ولست أدري كيف ستتضرر الولايات المتحدة من جراء ذلك، ولا كيف ستتضرر الولايات المتحدة من وراء اضطراب الأمور بين الفلسطينيين في فلسطين! إذا كان المقصود الإضرار بالهيمنة الأميركية، فالأقرب إلى الذهن أن يبادر الإيرانيون لذلك بالعراق؛ لكنهم هناك يفعلون العكس، والمتغير الثالث التحرك العربي والأوروبي لإيقاف التردي في فلسطين، ولدعم الشرعية في لبنان والتفكير في مؤتمر دولي للسلام. والموقف العربي بالذات، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، يملك أفقاً واسعاً للنجاح لأنه يؤسس للاستقرار وإخماد التوتر ولأنه يصون المصالح، وفكرة الدولة، ويحول دون الفوضى المسلحة والأخرى الطائفية، واللتين تنتشران بالعراق والصومال وأفغانستان، بسبب التدخل الأجنبي هناك.
إن المطلوب الآن زيادة الضغط العربي على السوريين لكي يكفوا عن الإعانة على الفتنة في لبنان وفلسطين.. والعراق والمطلوب الآن حديث استراتيجي مع طهران، بشأن "الفوائد" المجنية من جراء الاضطراب في لبنان وفلسطين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.