إيران.. هل تصلح الشعارات ما أفسدته السياسات
صباح الموسوي – مجلة المجلة 29/10/2006
المأساة التي يحاول قادة نظام الجمهورية ـ الإسلامية ـ التغطية عليها بشعارات الموت لأمريكا والموت لإسرائيل وغيرها من الشعارات التي لا هدف لا سوى التغطية على عمق الأزمة التي تمر بها الشعوب الإيرانية. ولكن هل تصلح هذه الشعارات ما أفسده الدهر؟
في جمهورية إيران ـ الإسلامية ـ الحياة قائمة فيها على الشعارات، ومن يصح أكثر يعيش أفضل، هذا هو المبدأ. فتحت ظل هذه الصياح استطاعت طهران أن تبقى الاعتقاد سائد لدى الكثير أن إيران هي أم القرى كما سماها الخميني يوما (مقارنة بمكة المكرمة) والسبب في ذلك اعتقاد هؤلاء أن الأوضاع والشعارات التي رافقت بداية انتصار الثورة وقيام نظام الحكم الحالي لا تزال كما هي، غير مدركين حجم المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها خلال السبعة والعشرين عاما الماضية والتي جعلتها تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد المدمنين على المخدرات.
فحسب التقرير الأخير للأمم المتحدة. فإن من بين 220 مليون مدمن في العالم بينهم تسعة إلى اثني عشر مليون مدمن على الأفيون والهروين، أكثر من مليوني شخص منهم في إيران وحدها. كما أن إيران هي الأولى من بين الدول التي تمتلك العديد من الأجهزة المخابراتية والشرطة السرية والمليشيات القمعية التي لا تخضع لقانون المحاسبة والرقابة الحكومية.
ويجهل المدافعون عن إيران أن عدد الأطفال المشردين الذين يعيشون بدون مأوى في شوارع طهران وحدها يعادل عدد أطفال الشوارع في دول أمريكا اللاتينية الأشد فقرا، كما يجهل هؤلاء المؤيدون أيضا أن أكبر عدد من الصحافيين السجناء في العالم هم في إيران. هذا ناهيك عن سياسات الاضطهاد القومي والمذهبي التي تمارس ضد أبناء القوميات والشعوب غير الفارسية والتي من الممكن أن تجعل هؤلاء المضطهدين قنبلة موقوتة لا يعلم أحد متى تنفجر بوجه النظام الإيراني محولة إيران إلى إيرانستان.
هذا فضلا عن العديد من الحقائق الأخرى التي تغيب عن أذهان أنصار النظام الإيراني بسبب الشعارات الصياحية التي يرددها قادة النظام.
الكثير من هؤلاء المدافعين عن إيران بدعوى أنها جمهورية إسلامية، لا علم لهم بوقائع الحياة السياسة والاجتماعية في هذا البلد. تلك الوقائع المخزية التي تحدثت عنها شخصيات دينية ووثقتها مراكز دراسات إيرانية عديدة خلال السنوات العشرة الأخيرة ومن بينها أوضاع المساجد التي أصبحت مهجورة في ظل نظام الجمهورية الإسلامية بعد ما كانت إبان الثورة عبارة عن مراكز ومنتديات تدور فيها حلقات النقاش وتوضع فيها الخطط لرسم سياسات الثوار ومنها تنطلق المظاهرات، حيث كان المسجد أشبه بخلية نحل وكانت أبوابها مفتوحة على مدار الساعة لا تخلو من الرواد والعباد أبدا.
وهذه الصورة لا تزال محفورة بذاكرة الجيل الذي عاش تلك المرحلة غير أنه وبعد سبعة وعشرين عام من قيام الجمهورية ـ الإسلامية ـ فإن 70 في المائة من المساجد في إيران لا تقام فيها صلاة الصبح.
وهذا ما أكده الشيخ محسن كديور،أحد أبرز رجال الدين المثقفين في إيران، خلال خطبة صلاة عيد الفطر العام الماضي التي ألقاها في إحدى الثانويات الصناعية في طهران بعد أن عجز هو وأنصاره من تيار الوطني ـ الإسلامي في الحصول على مسجد واحد تفتح أبوابه لإقامة صلاة العيد، الأمر الذي جعل كديور يكرس خطبة العيد عن أوضاع المساجد في إيران وموضوع الشعارات السياسة التي مازال قادة النظام يطلقونها ومنها تلك الداعية إلى (محو إسرائيل) وغيرها من الشعارات الاستهلاكية الأخرى، متسائلا في ذات الوقت عما إذا كان الفلسطينيون موافقين على هذا الشعارات الإيرانية أم لا؟.
وقد تحدث الشيخ محسن كديور وهو المجتهد والمثقف الإصلاحي البارز، بحرقة عن هذه الحالة حيث أكد أن الأرقام الرسمية أظهرت أن 70 في المائة من المساجد لا تفتح أبوابها لصلاة الصبح، وأن الكثير من المساجد أيضاً لا قام فيها الصلوات الأخرى بشكل منتظم، مضيفا أن المساجد تخضع لسلطة مكتب مرشد الثورة علي خامنئي بحيث أصبح من العسير على من هو ليس في الخط الرسمي لتوجهات هذا المكتب أن يحصل على مسجد لإقامة صلاة الجماعة أو العيد. مذكرا بعهد ما قبل الثورة حيث إنه وعلى الرغم من الاضطهاد والاختناق الديني والسياسي الذي كان ساندا آنذاك فقد كان من السهل الحصول على جامع مستقل عن سياسة وهيمنة الحكومة، أم اليوم فإن ذلك من المستحيل حيث لا يمكن العثور على مسجد واحد يقع خارج هيمنة السلطات الحكومية.
ومضى كديور متسائلا: هل زادت الحرية الدينية في عهد الجمهورية الإسلامية أم نقصت عما كانت عليه؟. ويخاطب قادة النظام قائلا: لكوننا لا نفكر مثلكم فهل هذا يحرمنا من حقنا القول إننا إيرانيون ومسلمون شيعة وواحدة من حقوقنا الدينية أن يكون لنا مسجد بعيد عن هيمنة الحكومة؟. أليس من شريعة حقوق الإنسان حرية العبادة التي تستلزم حرية المعبد، بمعنى أن يكون المسجد خارجا عن سلطة مكتب مرشد الثورة، فهل الصلاة توجب الإخلال في نظام الدولة حتى تغلق الجوامع في وجه المصلين ولا يتم فتحها إلا بأمر من مكتب المرشد؟.
وتعليقا على شعارات (محو إسرائيل) التي أطلقها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قال الشيخ كديور: إننا بالإضافة إلى إدانة الإرهاب وعلى رأسه إرهاب الدولة الذي تماسه إسرائيل، فإننا من جانب آخر نتساءل، هل باستطاعتنا من خلال الشعارات الراديكالية والتصريحات المتطرفة وحدها الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني؟. إن هذا الأمر يحتاج إلى الحنكة الدبلوماسية والعمل الثقافي فلو كانت صحافتنا حرة وإمكانية النقد للمواقف الراديكالية متوافرة لتبين لنا إن كانت هذه الشعارات في صالح الشعب الفلسطيني أم بضرره؟. كما أنه علينا عندما نقول كلاما أن يكون متوافقا مع مطالب الشعب الفلسطيني والمنظمات الفلسطينية.
طبيعي أن كلام الشيخ كديور لا يشكل كامل حقيقة الحالة في إيران اليوم، على الأقل من الناحية الاجتماعية والدينية، حيث إن هذه الأمور بلغت في عهد الجمهورية ـ الإسلامية ـ مرحلة من الانحطاط لدرجة باتت أغلب مراكز الدراسات مهتمة بالحالة الاجتماعية واضعة جملة من الحقائق بين يدي القراء والمشاهدين من خلال الأفلام والدراسات الوثائقية التي تقدمها.
وكان آخر ما قدم من هذه الدراسات فيلمين وثائقيين أحدهما بعنوان (كركدن) المتعة أم اللواط أيهما يسبق الأخر في إيران؟. هذا الفيلم مدته 107 دقائق وهو من إخراج (هوتن شيرازي) ويتحدث عن حالة الأطفال المشردين في إيران وكيف يتم استغلالهم بصورة بشعة من قبل عصابات المافيا التي يديرها مسؤولين كبار في نظام طهران. وقد عرض هذا الفيلم مؤخرا في مهرجان أقيم في مدينة غوتنبرغ السويدية، أما الفيلم الأخر والذي عرض على شاشة أحد التلفزيونات السويدية في الشهر المنصرم وكانت مدته 57 دقيقة يسلط الضوء على عمليات بيع (الكلى) التي قوم بها الفقراء الإيرانيون.
وهذا هو واحد من عشرات أو ربما مئات الدراسات الوثائقية التي تصدر سنويا والتي تتحدث عن عمق المأساة الاجتماعية في إيران. هذه المأساة التي يحاول قادة نظام الجمهورية ـ الإسلامية ـ التغطية عليها بشعارات الموت لأمريكا والموت لإسرائيل وغيرها من الشعارات التي لا هدف لها سوى التغطية على عمق الأزمة التي تمر بها الشعوب الإيرانية. ولكن هل تصلح هذه الشعارات ما أفسده الدهر؟.