خفايا حرب "التمساح والثعلب" على رئاسة مجلس الخبراء
الوطن العربي ـ 25/10/2006
هل هناك استراتيجية أميركية جديدة في العراق والمنطقة؟ مع دخول جيمس بيكر "وفريق دراسة العراق" المؤلف من الحزبين الديمقراطي والجمهوري على خط تقديم النصائح للبيت الأبيض حول الطريقة الفضلى للخروج من المستنقع العراقي تعززت قناعة المراقبين بأن نتائج الانتخابات النصفية الأميركية في السابع من نوفمبر "تشرين الثاني" ستظهر في العراق والشرق الأوسط قبل ظهورها في الداخل، والواقع أن هذه الانتخابات حملت قبل أسابيع من حصولها عنوانا واحدا هو العراق ومستقبل الاحتلال الأميركي لهذا البلد وبالتالي مستقبل مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يحرص بوش على التغني به منذ أكثر من ثلاث سنوات متفاديا الإشارة إلى حجم وفداحة المشكلة التي تورط بها أو بالأحرى ورط بلاده وجيشه فيها، وراحت تنعكس سلبا على مجمل السياسة الخارجية الأميركية وتحديدا كيفية مواجهة أزمة البرنامج النووي الإيراني وقدرات الدولة الكبرى الوحيدة في العالم على مواجهة التحدي الإيراني لها الذي ظهر حتى الآن في العراق وفلسطين ولبنان ومرشح للامتداد في الفترة المقبلة إلى أكثر من دولة خليجية!
منذ ما قبل انفجار حرب يوليو "تموز" في لبنان كانت التقارير الاستخبارية تشير إلى إعداد مخطط إيراني للتدخل في انتخابات الكونغرس واستغلال المناسبة لرفع حجم ومستوى المواجهة المعلنة بين البلدين لتحسين أوراق طهران في معادلة المفاوضات حول النووي وشروطها لاحتلال دور إقليمي مميز، وتكشف آخر المعلومات أن إيران نجحت بعد حرب لبنان في فرض موقعها الإقليمي كأمر واقع واستأنفت تنفيذ خطتها في العراق، واستنادا إلى غالبية التقارير يبدو أن واشنطن تحمل طهران وعملاءها في العراق مسؤولية الحصيلة الدموية جدا لشهر أكتوبر "تشرين الأول" وتعتبر أن مقتل سبعين جنديا أميركيا خلال ثلاثة أسابيع لا يعود إلى المقاومة العراقية "السنية" بقدر ما يعود إلى الميليشيات الشيعية العاملة بتمويل وتسليح إيراني وتحديدا قوات جيش المهدي.
واللافت أن التقارير تتوقع استمرار التصعيد في العمليات ضد الأميركيين في العراق وتحذر من توسع المواجهة غير المباشرة إلى ما بعد العراق وما بعد انتخابات الكونغرس.
ويبدو أن ثمة موعد انتخابات أخرى مرشحا ليكون مناسبة أخرى لـ "الحرب الأميركية ـ الإيرانية" وهو موعد انتخابات مجلس الخبراء في إيران المقررة في الخامس عشر من ديسمبر "كانون الأول".
فكما تراهن إيران وتخطط لهزيمة بوش في انتخابات الكونغرس، هناك في المقابل من يراهن ويخطط في كواليس الإدارة الأميركية وتيار المحافظين الجدد لاستغلال مناسبة انتخابات مجلس الخبراء لتمهيد الطريق لخطة تغيير النظام من الداخل والسعي لتفجير صراع الأجنحة بين الملالي واستهداف المرشد علي خامنئي إذا أمكن.
وفي معلومات "الوطن العربي" أن واشنطن تتعامل مع انتخابات مجلس الخبراء على أنها مؤهلة لتكون انتخابات مصيرية من شأن نتائجها أن تلعب دورا حاسما في الصراع على البرنامج النووي الإيراني وعلى النفوذ والهيمنة بين البلدين ويمكنها أن "تنقذ" البيت الأبيض من الخيار الصعب الذي قد لا يجد مفرا منه في النهاية وهو شن الحرب العسكرية ضد إيران واللجوء إلى الخيار النووي لحسمها.
وأهمية الانتخابات المنتظرة في طهران بموازاة انتخابات بلدية في منتصف ديسمبر "كانون الأول" هي في كون مجلس الخبراء هو المؤسسة أو السلطة الإيرانية الوحيدة القادرة شرعا على إطاحة مرشد الجمهورية الولي الفقيه عبر إقالته لأسباب مختلفة صحية أو أخلاقية أو سياسية وإعلان عدم كفاءته للاستمرار في قيادة الجمهورية الإسلامية، والمجلس الحالي الذي يرأسه آية الله مشكيني "ويقال إنه يعاني من مرض عضال" يسيطر عليه تيار المتشددين المؤيد لخامنئي وللرئيس أحمدي نجاد، ويبدو حسب التجارب الانتخابية الإيرانية السابقة أن قلب المعادلة وموازين القوى في مجلس الخبراء للإتيان بمجلس يسمح لنفسه بإقالة المرشد عملية صعبة جدا لسب بسيط وهو أن قبول المرشحين يتطلب موافقة مسبقة على ترشيحهم من مجلس الحرس الثوري الذي يهيمن عليه المتشددون والمرشد، إضافة إلى اشتراط أن يكون المرشح من الفقهاء وأن ينجح في الاختبار الفقهي، وعلى الرغم من ذلك تحولت انتخابات مجلس الخبراء فجأة إلى أهم حدث إيراني بحيث غطت على كل أخبار المفاوضات والعقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي، وفي آخر المعلومات أن عدد المرشحين وكلهم من رجال الدين وصل إلى أكثر من 500 شخص مما ينذر بمعركة لا سابق لها في انتخابات هذا المجلس الذي يضم 86 عضوا ولا يثير عادة انتخابهم أو اجتماعاتهم أي اهتمام شعبي، وفي قناعة المراقبين أن هذه الانتخابات ستشهد أكثر من حرب إذ ستكون فرصة لحرب انتقام يشنها الإصلاحيون والمعتدلون ضد المتشددين وهؤلاء سيستغلون المناسبة لفرض التيار الأكثر تشددا بين المحافظين.
التمساح والثعلب
أما العنوان الأبرز لهذه الحرب الانتخابية فقد بدأ يحمل منذ الآن شعار "الحرب بين التمساح والثعلب" وهو شعار طغى على الشعارات الأخرى التي تجعل من انتخابات مجلس الخبراء انتخابات شبه حاسمة بين الإصلاحيين البراجماتيين والتيار المتشدد عبر هذا الصراع بين "التمساح والثعلب".
والطرف الأول هو آية الله محمد تقي مصباح اليزدي الذي يعتبر زعيم التيار المتشدد وهو الأب الروحي والمرجع للرئيس أحمدي نجاد. وثمة من يطلق على اليزدي لقب "مرشد المرشد" نظرا لما يعرف عنه نفوذ لدى آية الله علي خامنئي.
ويرأس مصباح اليزدي معهد الإمام الخميني للبحوث والتربية في مدينة قم، كما يشرف على حوزة تحولت إلى مدرسة لتخريج أكثر رجال الدين وغير رجال الدين تشددا في إيران ويعتبر الزعيم الروحي لمجموعة "الحجتية".
وقد لعب اليزدي الملقب لدى مناوئيه بـ "التمساح يزدي" دورا مهما في وصول أحمدي نجاد إلى الرئاسة نظرا لتأثيره على المرشد إلى حد إقناعه برفع الدعم عن هاشمي رافسنجاني منافس نجاد في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ويقال إن حكومة نجاد تضم العديد من جماعة اليزدي والحجتية، إضافة إلى مجموعة الحرس الثوري.
وفي الجانب الآخر كان رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الحالي والرئيس السابق أكبر هاشمي رافسنجاني أول من أعلن ترشيحه لانتخابات المجلس في مواجهة اليزدي منافسه وعدوه اللدود. ويختلف خصوم رافسنجاني على وصفه بين "الثعلب" و"الموت" نظر لدهائه الساسي وإقباله على الأعمال والصفقات التجارية الواسعة، واللافت أن رفسنجاني المعروف ببراجماتيته يعتبر أيضا الشخص الثاني في النظام بعد خامنئي وهذا ما يضفي على المنافسة بينه وبين اليزدي المقرب جدا بدوره من المرشد طابع المعركة، والواقع أن ثمة حربا تنافسية مفتوحة بين الرجلين بحيث يحرص دائما أنصار اليزدي على اتهام رافسنجاني وجماعته بالخروج عن القيم الحقيقية للإسلام والابتعاد عن خط الإمام وبأنهم من الملالي ذوي الثروات الفادحة وأبطال الفساد ولا علاقة لهم بالشعب الذي يمثله الرئيس نجاد خير تمثيل.
أما رافسنجاني الذي يعرف أن اليزدي غريمه الأكبر في الانتخابات وفي مكتب المرشد فقد بدأ مؤخرا بتصعيد حملته ضد زعيم التيار المتشدد والمجموعة الحاكمة أو المسيطرة على السلطة من الرئيس نجاد إلى الحرس الثوري. ورد الرئيس السابق على اتهامه بالخروج عن خط الإمام الخميني والثورة بنفي أن يكون اليزدي من ملالي الثورة والقول إنه لا يذكر أبدا أن الرجل كان مع الثورة في بدايتها أو في دائرة الإمام الخميني الذي كان رافسنجاني مقربا منه وأضاف، بل أذكر أن مصباح اليزدي كان ضد الثورة... ملمحا إلى أن الخميني قد منع الحجتية وأن اليزدي كان في وقت من الأوقات يدعو إلى فصل الدين عن السياسة وإلى معارضة إقامة جمهورية إسلامية قبل عودة الإمام الغائب.
وكان لافتا أن رافسنجاني تجاوز اليزدي في معركته الانتخابية ليشن حربا غير معلنة على التيار المتشدد الحاكم وعلى الحرس الثوري، وقبل أيام تعمد الرئيس السابق تسريب رسالة الخميني حول قبوله بنهاية الحرب مع العراق وتجرع كأس السم. وفيما لم تتوقف الأوساط الخارجية في رسالة الخميني إلا عند المقطع الذي يتحدث عن الحاجة إلى قنبلة نووية لهزيمة صدام حسين أثارت الرسالة داخل إيران ضجة سياسية مختلفة تمحورت حول الكشف عن دور قيادة الحرس الثوري في الهزيمة مع العراق، وبالتالي تبرئة رفسنجاني من تهمة تلاحقه حتى الآن وهي دوره كقائد أعلى للقوات المسلحة في الهزيمة والاستسلام، فما سربه رافسنجاني كشف عن رسالة أبلغها قائد الحرس الثوري يومها محسن رضائي إلى الخميني يقول له فيها: "إن الانتصار على عراق صدام حسين مستحيل إذا لم تمتلك إيران 350 لواء مشاة إضافيا و 2500دبابة، و600 طائرة وطوافة والقدرة على صنع الأسلحة النووية، وبناء على هذا التحليل العسكري رد الإمام الخميني برسالة يقول فيها "إنه لا خيار أمامه سوى القبول بوقف النار وتجرع كأس السم".
وبات واضحا أن رافسنجاني لم يهدف من تسريب هذه الأسرار سوى تحميل عسكر الحرس الثوري المسؤولية عن الهزيمة أمام العراق وإثارة شبهات الإيرانيين تجاه هذا الجهاز وبالتالي تجاه حكم أحمدي نجاد والتيار المتشدد ملمحا في الوقت ذاته إلى أن هذا التيار يهدد إيران مرة أخرى بهزيمة جديدة مع الأميركيين ولا يستحق منحه الثقة العمياء في هذه المرحلة الحساسة جدا من تاريخ البلاد.
انقلاب على المرشد؟!
واعتبر المراقبون الإيرانيون أن انتقال رافسنجاني في معركة انتخابات مجلس الخبراء إلى هذا المستوى جاء ليعكس مدى الخلافات القائمة بين أجنحة نظام الملالي وليكشف للعالم أن موقف إيران من المفاوضات والبرنامج النووي لا يعبر عنه نجاد وفريقه بالضرورة وأن هناك احتمالا لقيام قيادة بديلة أكثر اعتدلا، لكن البعد الداخلي لهذه الرسالة يكشف عن إصرار فريق الإصلاحيين والبراجماتيين على عدم الانهزام أمام الفريق المتشدد وكذلك تشويه صورة نجاد ومجموعته قبيل انتخابات مهمة مرشحة لتكون أول وأبرز اختبار لاستمرار شعبية ومواقع نجاد والمحافظين الجدد في إيران منذ الانتخابات الرئاسية في العام 2005 خصوصا على ضوء التهديدات الأميركية والدولية وحالة الإحباط التي تسود عامة الإيرانيين لغياب أية ثمار اقتصادية أو اجتماعية لفوز نجاد، ولعل ما يزيد من سخونة المعركة هو وجود شكوك لدى الإصلاحيين بأن التيار المتشدد قرر استخدام كل طاقته وإمكاناته لتحويل معركة مجلس الخبراء إلى تكريس نهائي لهزيمة الإصلاحيين وللإمساك الكلي بالسلطة وكل القرارات في إيران، ولهذا اتخذ رافسنجاني قرار النيل من نجاد عبر محاولة سحب أكبر خزان قوة منه وهو الحرس الثوري الذي لعبت أصواته دورا مهما في هزيمة رافسنجاني أمام نجاد في الانتخابات الرئاسية.
وفي رأي مصادر إيرانية مطلعة أن قرار رافسنجاني بفتح معركة كسر عظم مع المتشددين جاء على خلفية قرار مشترك اتخذه مع حلفائه الآخرين من عدة تيارات معتدلة أبرز وجوهها الرئيس السابق محمد خاتمي والأمين العام السابق لمجلس الأمن القومي حسن روحاني وعدد كبير من رجال الدين والحوزات الذين إما تعرضوا للتهميش من قبل مجموعة المتشددين الحاكمة، وإما بدأوا يستشعرون بمخاطر المغامرة التي يقود نجاد إيران فيها في مواجهة الأميركيين، ويقال إن بعض المحافظين الجدد قد بدأوا بالابتعاد عن نجاد لهذا السبب ومنهم المفاوض الإيراني علي لاريجاني الذي يحمل في مجالسه الخاصة رئيس الجمهورية مسؤولية إفشال مساعيه الأخيرة للتوصل إلى حل تفاوضي حول البرنامج النووي مع العلم أن لاريجاني يعتبر مقربا جدا من المرشد.
والسؤال الأهم المطروح حاليا: ما هو موقف المرشد علي خامنئي من كل ما يجري وماذا سيكون خياره بالنسبة لتركيبة مجلس الخبراء الجديد وشخصية رئيسه؟!.
العارفون بكواليس الصراع على السلطة بين ملالي إيران يأكدون أن الكلمة الأخيرة في اختيار رئيس مجلس الخبراء ستكون للمرشد، كما كانت في اختيار رئيس الجمهورية، ويلفت هؤلاء إلى أن حملة رافسنجاني على اليزدي ونجاد تحظى بمباركة المرشد الحريص على إبقاء التناقضات الإيرانية واللعب عليهما داخليا وخارجيا، فعلى المستوى الداخلي يستبعد المراقبون أن يوافق المرشد على ترأس رفسنجاني أو خاتمي أو أي "إصلاحي" لمجلس الخبراء نظرا لانعكاساته المباشرة على مصير المرشد نفسه، ولكن في المقابل تشكل رئاسة مصباح اليزدي لمجلس الخبراء تهديداً أخطر على المرشد، وهي في حال حصولها ستعني نجاح فريق يزيدى ـ نجاد في السيطرة الكاملة على السلطة وحسم "الانقلاب" الذي يقال في كواليس حوزات إيران إن اليزدي يعده منذ سنوات على الولي الفقيه.
لكن مشكلة خامنئي الأخرى هي في أن نتائج انتخابات مجلس الخبراء ستوجه حتما رسالة إلى الخارج حول تركيبة السلطة وموازين القوى في إيران وهي بالتالي مرشحة لتلعب دورا كبيرا في حسم أي من الخيارات التي ستعتمدها واشنطن في تعاملها مع إيران من الآن حتى العام 2008.
ولهذا السبب تبدو انتخابات 15 ديسمبر "كانون الأول" فرصة مهمة بالنسبة للإدارة الأميركية وهي حسب آخر المعلومات قررت التدخل فيها على طريقة تدخل إيران في انتخابات الكونغرس الأميركي، وعلى ضوء ذلك يتوقع المراقبون أن تشهد مرحلة ما بعد 7 نوفمبر "تشرين الثاني" نشاطات أميركية تصعيدية تجاه إيران سواء على خط مسلسل العقوبات والحصار الاقتصادي والمالي أو على خط العودة إلى تسريب سيناريوهات ضربة عسكرية مدمرة مرفقة بتفاصيل عن آلاف الأهداف التي ستضرب أو الأسلحة النووية التي ستستخدم. ويبدو أن قرار بوش الشخصي بمنح تأشيرة دخول لأميركا إلى خاتمي كانت ضمن الرهان على التيار المعتدل.
ويقول العارفون بهذا الخطة إنها تهدف إلى دعم خط الإصلاح والتغيير والاعتدال في إيران وإقناع المرشد خامنئي وكبار المسؤولين الإيرانيين المتشددين بالمعادلة التي كشفت تسريبات رافسنجاني عن بعض منها وقادت إلى تجرع الخميني السم، ومفاد هذه المعادلة، إذا كانت حرب صدام حسين قد قادت إلى هزيمة إيران فكيف يمكن أن تكون عليه الحرب التي تهدد بها أكبر دول في العالم؟!.