الطريقة التيجانية بالمغرب.. صوت مكتوم ومشيخةغائبة
مجلة مدارك فبراير 2007 - عمر العمري
سلطت وسائل الإعلام في الأيام الأخيرة الضوء على الطريقة التيجانية،وذلك بسبب الجدل الذي أحدثه عقد الجزائر لمؤتمر دولي ما بين 23 و25 من شهر نوفمبرالماضي، جمعت فيه «الإخوان التيجانيين» من كل أنحاء العالم، ولم يحضره التيجانيون المغاربة.وقد طرح أكثر من تساؤل حول الأسباب الكامنة وراء تراجع الأدوار المختلفة للتيجانيين المغاربة على الصعيدين المحلي والدولي.
حسب بعض العارفين بخبايا التصوف بالمغرب، فإن الجزائر، باستضافتها لمؤتمرالإخوان التيجانيين لأول مرة، تريد أن توجه رسائل عديدة إلى المغرب، أولها أن الطريقة التيجانية طريقة جزائرية، متذرعة في ذلك بأن أحمد التيجاني مؤسس الطريقة،ولد بقرية «عين ماضي»، وهي منطقة تقع الآن تحت السيادة الجزائرية
أما الرسالة الثانية المبطنة، فهي منازعة المغرب نفوذه الديني والروحي الذي يحظى به من قبل أقطاب الصوفية في العالم، خاصة الولاء المعنوي والتاريخي الذي يقدمه أهل الطريقة التيجانية، الموجودون بكثرة في البلدان الإفريقية، لإمارة المؤمنين بالمغرب.
التيجانية بالمغرب تترك الفراغ
وتذكر تلك المصادر أن الجزائر ما كانت لتقدم على مزاحمة المغرب في هذا المجال، الذي احتكره عبر التاريخ، لولا الفراغ الذي تركه التيجانيون المغاربة، لعدم أخذهم المبادرة في تنظيم المؤتمرات واللقاءات التواصلية مع تيجانيي العالم، تأكيدا للدور القيادي الذي لعبوه طيلة قرون من الزمن، وتكريسا لنفوذهم الروحي الذي امتد خارج المغرب.
فكان آخر مؤتمر جمع أقطاب الصوفية في العالم هوذاك الذي نظمه الحسن الثاني بالمغرب سنة 1985، وقد خصص للطريقة التيجانية، ومنذ ذلك التاريخ فشل التيجانيون في عقد لقاء ثان يجمع أعلام طريقتهم المنتشرين في العالم.
فما هي الأسباب الحقيقية وراء هذا «الغياب» الذي اعتبره البعض سلبيا؟
صوت مكتوم
إن ما تلاحظه المصادرالمذكورة هو أن الطريقة التيجانية بالمغرب بدأ «إشعاعها» يخفت تدريجيا داخل الوطن،ولم تستطع أن تطور من أدائها التربوي والروحي بما يتماشى مع متطلبات العصر.
ويمكن رصد هذا التراجع على مستويين اثنين: النشاط الإعلامي والنشاط العلمي.
يشير أكثر من مصدر - من داخل الطريقة - إلى أنه لا يكاد يوجد لها حضور إعلامي على الساحة الوطنية، إلا نادرا. هذا، مقارنة مع بعض الزوايا الأخرى، التي سجلت حضورا إعلاميا متميزا في السنوات الأخيرة، ونفوذا متزايدا داخل دواليب السلطة والإدارة.
وفسرت مصادر أخرى أن أهل الطريقة لا يحبون الظهور ويفضلون أداء دورهم التربوي دون «بهرجة إعلامية»، إلا أن آخرين يردون على ذلك بكون الطريقة لا تستغل أطرها في مجال وسائل التواصل الحديثة، مثل الانترنيت والفضاء السمعي ـ البصري، ولم تعمل على خلق منابر إعلامية تليق بمستوى وحجم الطريقة التي يفوق عدد أتباعها 350 مليون نسمة في العالم. فلماذا لا تتوفر على الأقل على منبر مكتوب تتواصل به مع أتباعها عبر العالم. وعلى مستوى الإنترنيت، هناك موقع للطريقة، لكنه يخص التيجانيين الجزائريين.
ومن جهة أخرى، يلاحظ بعض المتتبعين أن الطريقة التيجانية كانت طريقة العلماء بامتياز، في لحظات تاريخية معينة، بل لقد تربع على رئاسة القرويين علماء من التيجانية ذاع صيتهم في العالم.
وكان هؤلاء العلماء بمثابة المنارة التي توجه الأتباع والمريدين، انطلاقا من الزاوية الأم بمدينة فاس العريقة في العلم. هذا الأمر -حسب المصادر- لم يعد حاصلا الآن، وتوارى هؤلاء إلى الوراء تاركين المجال لغيرهم ليحتل الصفوف الأمامية، بالرغم من عدم توفر شروط العلم فيهم وانعدام المؤهلات الكافية لقيادة الطريقة في هذه المرحلة التي تعتمد على التواصل التقني المتطور.
مشيخة غائبة
لم تتردد تلك المصادر، التي فضلت عدم الكشف عن اسمها، في التأكيد على أن المشاكل «الداخلية» التي تعاني منها الطريقة التيجانية تتجلى بالخصوص في غياب «مشيخة» كاريزمية تتوفر فيها شروط إخراج الطريقة من منطقة الفتور التي دخلت إليها منذ مدة.
ويرجعون هذاالغياب إلى المعطيات التالية:
1.يوجد في المغرب مقدم يتصدر الطريقة يتخذ مقرا له مدينة فاس، ويسمى مقدم الزاوية الكبرى. وكان آخر مقدم شرعي لها هو «سيدي إدريس بن محمد بن عابد العراقي»، وما زال على قيد الحياة، وهو رجل علم وأستاذ في القرويين،إلا أنه بسبب كبر السن والمرض لم يعد قادرا على حمل أتعاب «التقديم». وبعده، لم ينصب أي مقدم للطريقة بالكيفية المطلوبة، فوقع فراغ ملحوظ ودخلت الطريقة في شيء من الخلل.
لأن الأصل في تنصيب مقدم الزاوية الكبرى - حسب مصادر من داخل الطريقة - هو أن الشيوخ الكبار يجتمعون فيما بينهم ويرشحون «مقدما» لهم، وهذه المسألة لم تتم مراعاتها في تنصيب المقدم الحالي.
2.يوجد الآن على رأس الطريقة التيجانية أحد أحفاد الشيخ الأكبر أحمد التيجاني، مؤسس الطريقة.
وحسب المصادرنفسها، فإن المقدم الحالي يدير أمور الزاوية بصفته مقدما لها، استنادا إلى نسبه الشريف، الذي يرجع إلى الحسن بن علي، حيث يلتقي مع الشرفاء العلويين في محمد النفس الزكية.
وتؤكد المصادر ذاتها أن هناك فصلا واضحا داخل الطريقة بين المشيخة والنسب، وأن المقدم لا يشترط فيه أن يكون نسبه شريفا، أو أن يكون من أولاد الشيخ،ولكن المطلوب هو أن يكون ذا علم وأن يحصل الإجماع حوله. هذا الفراغ كان له تأثيربالغ على نشاط الطريقة، حيث يعطى الإذن بالتقديم، في بعض الحالات، لمقدمين في أنحاءالمغرب لم يكونوا بالمستوى المطلوب، مما أدى إلى ظهور بعد الاختلالات التنظيمية،وبعض التراجعات على مستوى الأدوار الاجتماعية التي كانت تلعبها الطريقة في السابق.
3.لقد عرف تاريخيا أن السلاطين العلويين كانوا يعطون ظهائر التوقير والاحترام لبعض الزوايا الصوفية ومن بينها الزاوية التيجانية. هذا الظهير كان يعطى لنقيب الشرفاء التيجانيين.
وآخر ظهيرحصل عليه شريف تيجاني هو لفائدة «سيدي البشير بن سيدي محمد الكبير التيجاني»، الذي توفي قبل ثلاث سنوات، وقد منحه له الملك الحسن الثاني. ومنذ وفاته لم يعط أي ظهيرللتيجانيين كما جرت عليه العادة التاريخية من عهد السلطان مولاي سليمان، الذي احتضن الشيخ الأكبر للطريقة وفتح له مدينة فاس وسمح له بتأسيس زاويته الكبرى، بل هناك من يقول إن هذا السلطان اعتنق بدوره الطريقة التيجانية، مثلما حصل أيضا مع السلطان مولاي حفيظ ومحمد الخامس.
كان لهذه المعطيات مجتمعة تأثير على نشاط الطريقة التيجانية داخل المغرب وامتد ذلك إلى خارجه، مما ولد فراغا استثمره الجزائريون أخيرا بدعوتهم إلى مؤتمر دولي، حاولوا من خلاله جمع صفوف التيجانيين عبر العالم،وتقديم نفسها كوريث شرعي لطريقتهم وكراع أول لمصالحهم.
الدور الإفريقي للتيجانيين المغاربة
تشير بعض المصادر إلى أن تحرك الجزائر المفاجئ على مستوىتنظيم ملتقى الإخوان الجزائريين على أراضيها، يخفي مناورة دبلوماسية مبطنة،وهي محاولة الاستفادة من «اللون الأسمر للطريقة». وتشير المصادر إلى أن حضورالسنغاليين لمؤتمر الجزائر ربما أخاف المغاربة، أمام غياب الأدوار التي كان من الممكن أن تقوم بها الزاوية التيجانية بالمغرب في إفريقيا، وأمام تزايد النشاط الدبلوماسي الجزائري بالسينغال، فحاولت الدبلوماسية المغربية الرسمية أن تملأ هذا الفراغ. ولوحظ ذلك في الزيارة الأخيرة التي قام بها الملك محمد السادس لهذا البلد الإفريقي، وهو تحرك دبلوماسي استباقي، يعمل على إبطال مفعول الدبلوماسية الجزائرية بالمنطقة. وتبعت زيارة الملك للسينغال زيارة أخرى قام بها الوزير الأول إدريس جطوو وزير الداخلية شكيب بن موسى.
وعُزز ذلك بتكفل الملك محمد السادس بالحفل الديني الذي أقيم يناير الماضي بدكار، ترحما على الخليفة العام السابق للأسرة العمرية،وجاء في برقية التعزية الملكية: «إننا نؤكد لكم، ولجميع مريدي الطريقة التيجانية،التي يشكل المغرب موطئها المرجعي الأبرز، نظرا لكونه يحتضن بفاس قبر العلم الإسلامي الكبير، سيدي أحمد التيجاني".
إن الاستنتاج الذي أثاره المتتبعون لشؤون التصوف بالمغرب هو أن ما حدث في الجزائر هو دعوة صريحة إلى أهل الطريقة التيجانية بالمغرب لمراجعة شؤونهم الداخلية ورص صفوفهم وتمكين علمائهم من أخذ المبادرة والزعامة الروحية التي كانت لأهل المغرب وبات الآن يحوم حولها الجيران