إيران تعلن مشروعها للخليج..السؤال: أينَ وصلَ؟
الإسلام اليوم - مهنا الحبيل 24 / 7 / 2007
لم تكنْ تصريحات السيد شريعة مداريْ والمتضمنة ضمن مقاله الرئيس في صحيفة (كيهان) الإيرانية جديدةً على المراقب السياسي العربي، وخاصةً المنتمي للعمق الإسلامي والقومي للشعب العربي في الخليج، بل على العكس من ذلك فالراصد لمراحل المخطط الإستراتيجي للثورة الإيرانية الذي تطوَّرَ جموحه وطموحه بعد شراكته في احتلال العراق، وما كشفَ عنه برنامجه السياسي المكثف للتوغل الاستراتيجي والسياسي والثقافي في منطقة الخليج يعزز رسمَ الصورة والمشهد المتوقع لآمالِ الإيرانيين، والذيْ عبَّر عنه القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني شريعة مداري، وهو رئيس تحرير الصحيفة المذكورة.
وإن ما يحتاجه المراقب السياسي العربي إعادة ترتيب مقدمات المشهد السياسي الذي يصنعه الإيرانيون وتوقيت هذا التصريح في سياق المشهد الكامل للقيادة المركزية للثورة الإيرانية، وتحركات فصائلها في منطقة الخليج العربي، وخاصةً بعدَ سقوط بغداد ومهمَّة المحلل السياسي المنتمي للهوية التاريخية للخليج العربي أن يُؤسس تحليله بصورةٍ هادئة تتضمَّن المقدمات والوسائط والنتائج التي قفزتْ بالإيرانيين للتصريح بهذا المشروع.
والحقيقة أنَّ أصلَ المشروع الإيرانيْ وأطماعه في الخليج لم تكن تقف مطلقاً عندَ البحرين الدولة، والتي تقوم على أرخبيل البحرين الذي يُشكل الكيان السياسي لمملكة البحرين، وإنما كانَ يُركِّز على الساحل الغربي للخليج، وهوَ ما تضمنته تصريحات لاريجاني في مفاوضاته الأخيرة مع سولانا، إضافةً إلى مواضع ومواقف متعددة تنصّ على هذا المفهوم إضافةً إلى التعبئة الأيدلوجية لإيران الثورة نحوَ الخليج، وإنما خُصصت مملكة البحرين بهذا الاستهداف لاعتبارين رئيسين:
الأول: محاولة اقتطاع وعزلِ البحرين عن عمقها الديموغرافي والجغرافي والتاريخي والعقدي والقومي ليسهلَ تحقيق المشروع مرحلياً، وتجنب رفع مستوى الاستفزاز لباقي دول الخليج، وإن كانَ استهدافها سيكون تحصيلاً حاصلاً لو وقعَ للبحرين مكروه لا سمحَ الله.
والاعتبار الثاني: حجم المتابعة والثقة لدى أوساط السيد خامنئي لمستوى الحركة الثقافية الإيرانية في الخليج، خاصةً بعدَ مشروع الاستفتاء ووضع البحرين تحتَ الوصاية الدولية بموجب الخطاب الذي تقدَّمتْ به طلائع هذه الحركة إلى الأمين العام للأمم المتحدة.
المشروع الإيراني في أصــوله الأيدلوجية
إنَّ العودة لأصول المشروع وموقف الثورة الإيرانية من عروبة الخليج حينَ إعادة قراءة تاريخ الثورة منذ 1979 يرتكزُ على العقيدة السياسية للثورة الإيرانية بهذا الشأن، وهيَ تقوم على محورين:
الأول: قوميْ لإيران الإمبراطورية العظمى عبر أطوار التاريخ وحتى عهد الشاه الذي كانَ له موقفٌ مماثل امتدَّ بجموحٍ أشد عبر حكومات الثورة الإيرانية.
والمحور الثاني: عقدي طائفي موجهٌ في الأصل لمواجهة المجتمع العربي وفقاً لمبدأ أساسي في الصراع لدى الثورة الإيرانية بينَ معسكر كربلاء وبينَ معسكر السقيفة بقيادة الخليفة الراشد أبي بكر الصديق، ومن يليه من الخلفاء حتى المجتمع العربي الحالي.
هذا الفكر الذي كانَ يُعتقد سابقاً بأنه للتعبئة الأيدلوجية المجردة أصبحَ لاحقاً وقوداً لمشاريع سياسية فُعّلت بعنف في العراق و أفغانستان، معَ الأخذ بالاعتبار أن كلا النظامين كانا من أشد الخصوم للولايات المتحدة الأمريكية أي "للــشيطان الأكبر" .
وإنَّ ما يُعزز دور هذه التعبئة الأيدلوجية للثورة الإيرانية في تفعيل المشاريع السياسية ذلك السيل من التصريحات للأطراف ذات الثقافة الإيرانية في المنطقة، وعلى رأسها نوري المالكي، وإبراهيم الجعفري، وعبد العزيز الحكيم، و حديث القنوات الطائفية في العراق والخليج كقناة (الفرات) تُؤكد دائماً أن المعركة منذ 1400 عام وليست وليدة الأحداث الراهنة بالنسبة لهمْ.
وهكذا بنتْ إيران الثورة أيدلوجيا و ثقافة لمحازبيها سواء كانوا منَ العراق أو باقيْ دول الخليج العربي، وكانَ كل ذلك يُفصَح عنه جهاراً في المهرجانات الخطابية الحاشدة التي تنظمها الثورة في أعوامها الثلاثة الأولى وخلال الحرب العراقية الإيرانية، وسُجّل ذلك في مواضع عدة تواترت في الخليج خلالَ صعود خط الإمام "أي الزعيم الراحل الخميني" كانت تُوجَّه مباشرة إلى مناطق الخليج المستهدفة إيرانياً أو عبرَ تصريحات مناضليْ ومحازبي الثورة من أبناء الخليج.
التقاطع الأمريكي الإيرانيْ.. كيفَ التقيا؟
ثمَّ بدأت الثورة الإيرانية دوراً جديداً مختلفاً في أسلوبه للتعاطي معَ هذه القضية خاصةً بعدَ تفجير الخبر 95 حيثُ وجد الساسة الإيرانيون وفصائلهمْ أنَّ خطاب الثورة يترتب عليه تكاليف وخسائر سياسية وإعلامية، وبالتاليْ من غير المناسب الاستمرار فيه، خاصةً أنَّ هذا التغير في التكتيك تزامنَ معَ تأمين قاعدة فكرية من الانتماء أصبحتْ فروعاً للثورة معَ تشكلها في أنشطة وتيارات وجمعيات بعدَ سلسلة من المواجهات مع السلطات المحلية، سواء كانَ ذلك عبرَ مطالب حقوقية مستحقة أو تصعيدٍ سياسي ميداني وإعلامي على الأرض يُسجل ميلاداً وحضوراً متزايداً لهذا الانتماء للثقافة الإيرانية عندَ هذه المرحلة الحساسة دشنتْ حركات الثقافة الإيرانية في الخليج ما اعتبر العهد الأمريكي الإيراني المزدوج لها، وذلكَ عبرَ مدّ الجسور بينَ هذه الفروع الثقافية للثورة الإيرانية في الخليج وبين مؤسسات واشنطن العديدة، بدءاً من الكونجرسْ حتى باقي الفعاليات الإعلامية والحقوقية، وذلكَ تحتَ خطاب موحد لكلا القوتين هو المحاصصة الطائفية إعلامياً وحقوقياً وسياسياً، هذه التغطية التي تتابعت عليها وسائل الإعلام الأمريكية والإيرانية في المنطقة، والتركيز على التلاعب بالأرقام الديموغرافبة للخليج بحيث تتناغم مع خريطة مجلة البنتاغون التي نشرت للخليج الجديد قبل عدة أشهر.
وعُزّز هذا العهد معَ التقدم الإستراتيجي النوعي بين القوتين في الحالة العراقية كما جاء في تصريح بيكر – هاملتون ومصادر عديدة أخرى هذه الشراكة التي حظيت بتأييد جارف وحماس منقطع النظير من فروع الثقافة الإيرانية في الخليج العربي لمشروع احتلال العراق.
لقد كانت الإستراتيجية الأمريكية تقوم على الاستفادة من هذه الحركات التي تحمست لاحتلال العراق واستباحته بحكم عدائها المتطرف للوجود العربي، ليسَ في مواجهة نظام الحكم السابق في بغداد وحسب بل إلى تاريخ الوجود العربي وارتباطه بفلسفة إسلامية موحدة يعتبرها الإيرانيون مناوئة لمفاهيمهم الطائفية، هذا الاستخدام الأمريكي كانَ يتبلور بوساطة تسخير نظرية العميل المزدوج باستخدام هذه الحركات في مناطقها عبرَ خطاب المحاصصة الطائفية لتسويغ مشاريع التدخل الأمريكي.
الموقف الإيراني
في المقابل أدرك الإيرانيون إمكانية استثمار هذه المحاولة الأمريكية، وشجعوا فصائلهم الفكرية بقوة على الانخراط فيها واللجوء إلى كل مؤسسات واشنطن السياسية والإستراتيجية والإعلامية، معَ تفاوت بين حالة العراق والدول الأخرى بحسب مصالح واشنطن الإستراتيجية وعلاقاتها مع حكومات المنطقة.
ومن ثمَّ كانتْ طهران في حالة تحفُّز لاستثمار تعثر البغل الأمريكي ومحاصرته بعدَ أن يكون في موضع الرجم من قبل قوى مقاومة أخرى، ثم يبدأ الإيرانيون برجمه وتوسعة دائرة سقوطه حتى يتمكنوا من تحقيق أكبر فرصة استثمارية لهم وإن كانتْ هذه المعركة بين الطرفين لا تزال محتدمة، ولا يمكن الجزم بالشكل النهائي للطرف المتغلب تماماً في ميدان المواجهة.
إن وصولنا إلى هذه النقطة في التحليل يُدخلنا إلى الموضوع مباشرة، وهو تطور هذه الفصائل الثقافية الإيرانية عبرَ هذا التقاطع الأمريكي الإيراني ووصولها إلى مستويات متقدمة تجعل من إعادة طرح هوية الخليج "الفارسي" -حسبَ اعتقاد الثورة- أمرٌ مناسب جداً، وهو الأمر الذي لم تغفل عنه الثورة، ولم تتراجع عنه، وإن هدأت من خطابها السياسي حوله. من هنا نستطيع تأطير تصريح شريعة مداري بأبعاده الثلاثة:
البعد الأول: أنه لأجل إعادة التذكير بثوابت الثورة الإيرانية في الخليج العربي وبالتاليْ إرسال رسائل إلى الخلايا النائمة والنشطة عن ضرورة تفعيل هذا المشروع، والذي في الأصل تمَّ التأسيس له مبدئياً عبر مطالبة الاستفتاء والهجوم المنظم على الهوية العربية للخليج خلال فترات طويلة وصلت إلى مرحلة متقدمة قبلَ تصريح شريعة مداري، والذي لا يمكن فصله مطلقاً عن المطالبة بالاستفتاء على هوية البحرين الذي تقدمت له حركة الوصاية الدولية البحرينية والتابعة ثقافياً لإيران منذ قرابة العام إلى مجلس الأمن بحكم أنه الجهة المختصة من خلال مكتب الأمين العام لتجعلها تاريخاً وورقة تبني عليها الدبلوماسية الإيرانية لاحقاً مشروعها الإستراتيجي.
إن تصريح شريعة مداري يأخذ المنحى القانوني والسياسي معاً لهذا الخطاب بحكم ارتباطه بالرجل الأول في نظام الثورة الإيرانية؛ أي السيد الخامنئي، والذي يُحدد مساراتها والمرتبطة به أصلاً رئاسة تحرير هذه الصحيفة في طهران.
ومن هنا يكون البعد الثاني للتصريح: هو بالون اختبار لجس نبض المجتمع العربي في الخليج الموالي والمعادي للثورة الإيرانية، ومدى مناسبة الوقت للتقدم به إلى الأمام.
أما البعد الثالث للتصريح: فهو رسالة إنذار للخليج في حال استخدام أراضيها للهجوم الأمريكي الذي يُتحدث عنه بين آونة وأخرى ارتفاعاً وانخفاضاً مع فاعلية متكتم عليها في المفاوضات بين الطرفين، وهو ما لا يتناسب معَ قرع طبول الحرب المزمعة بينَ واشنطن وطهران.. في كل الأحوال يتبين أن حجم وفاعلية هذا المشروع مرتبط بالمخطط، وبرنامجه على الأرض، ومدى نجاح فصائل الثورة الإيرانية في المنطقة بالتقدم في مضماره، وهو ما بلغ مستويات عالية للبنية التحتية لهذا المشروع.
المواجهة بين المشروع الإيراني والعمق القومي الإسلامي للخليج كيف يكون؟
وهنا بطبيعة الحال يبرز السؤال المركزي: أينَ الدور الخليجي العربي بعمقه القومي الإسلامي لمواجهة هذا المشروع؟ إن سياق الموقف الفوري للدبلوماسية البحرينية -كما تقتضيه الأعراف الدبلوماسية المعروفة- أمرٌ متفهم للغاية، وقد قامتْ بما تستوجبه هذه الحالة بناءً على هذا العرف الدولي، خاصةً مع حرصها على عدم التجاذب العميق الذي قد يُؤدي إلى سلبيات للمجتمع المحتقن أصلاً، بسبب مواقف وأعمال طهران في العراق والخليج، وإن كانَ ما أظهرته الأطياف المتعددة في المجتمع من رفض هذا التصريح أمرٌ إيجابي للغاية، ولكنه لا يُلغي ضرورة البناء السياسي المقاوم لهذا المشروع خليجياً، خاصة وأن تصريح "متقي" كانَ ذكياً وتجنَّبَ إثبات العكس لمضمون مقالة شريعة مداري، وهوَ أن البحرين بلد عربي ينتمي إلى عمقه القومي الإسلامي، المرتبط قطعاً بجغرافيا الخليج والجزيرة، إضافة إلى جانب السيادة، هذا هو المعاكس والمصحح لمقال شريعة مداري، ومن هنا يجب أن يكون المدخل الصريح والواضح بأن إيماننا بهوية البحرين لا يقوم على استفتاءات، إنما الاستفتاء يكون على صياغة العلاقة السياسية بين الحاكم والمحكوم ونظامه الدستوري، وإن الإجراءات الديموقراطية في الأصل لا تجعل سيادة الدولة المرتبطة بهويتها مبنية على استفتاء، فضلاً على أن هوية البحرين العربية محسومةٌ أصلاً على أساسين:
الأساس الأول: التاريخ القومي العربي وعلاقة بالبحرين الكبرى، وعلاقة الأخيرة بجغرافيا الجزيرة العربية التي تشكلها جغرافية دول مجلس التعاون الخليجي والعراق واليمن.
والأساس الثاني: الشرعية الإسلامية المرتبطة بدخول البحرين قديماً منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم للإسلام وارتباطها التام بعهده وعهد خلفائه، والأدوار العربية الإسلامية المتتابعة بعد ذلك، بغض النظر عن الانحرافات السياسية الكبرى التي تخللت مسيرة التاريخ الإسلامي؛ فهذا لا يغير شيئاً في أصل الهوية، ولذا أعتقد بأن ردود الأفعال لم تكن بحجم دلالات التصريح؛ خاصة من الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي ثانياً تكثيف الحراك الوطني الملتزم بالهوية وثقافتها العربية الإسلامية لتفعيل كل أوجه الارتباط والوحدة الاندماجية بين الشعب العربي في منطقة الخليج والمبادرة من البحرين ونحو البحرين بكل ما يُعزز هذا الحراك.
ثالثاً: تعزيز الإيمان بمبدأ الحقوق والمساواة لأبناء الطائفتين وعزل حركة الثقافة الإيرانية في المجتمع المرتبطة بهذا المشروع ومخططاتها، معَ الحفاظ على وحدة النسيج الوطني، وإني أعتقد بأن المشروع الإصلاحي لعاهل البحرين كانَ له دورٌ إيجابي بسبب أجواء الحريات السياسية والحقوق المدنية التي كفلها هذا المشروع، وخاصة إلغاء مؤسسة أمن الدولة والخضوع للقانون الدستوري، فأصبحت لديه قدرةٌ ومناعة لامتصاص مثل هذه الصدمات القوية.
وإن مما ينبغي تبيينه بجلاء في هذا الصدد أن مواجهة هذا المشروع ومقاومته لا تستهدف شعوب إيران المسلمة سواء ذات الأصول العربية أو الأخرى، والتي كانت ولا تزال جماعات منهم جزءاً من النسيج الوطني للشعب العربي في الخليج، وليست أيضاً موجهة على أساس مذهبي، إنما هي مشرعة لمواجهة كارثة توحد التعصب الفارسي المقيت المندمج مع عقيدة الشاه إسماعيل الصفوي وامتداداته التاريخية، وصولاً لانحراف الثورة الإيرانية نحو هذا المنهج بتطرف شديد.
رابعاً: إعادة طرح مشروع الوحدة الخليجية، والذي سبق أن تحدثنا عنه، وكذلك الاتحاد الكونفدرالي مع السعودية وتكريسه كمادة دستورية في البرلمان البحريني.
ختاماً: إن مراهنة أهل الخليج على الأمريكيين خيار خطير لا يُوثق به أبداً، وحين يتراجع فجأة مع قوة المشروع الإيراني تكونُ الخسائر فادحة وغير قابلة للتعويض، وتذهب بالمصلحة والهوية والسيادة الوطنية، وحينئذٍ لا يُجدي القولُ ولا العملُ وقد سبق السيف العذل.