ويفسر الدكتور عبد المجيد كمي أن العانس حين تلجأ للضريح تذهب إليه بثقة عمياء، وبانقياد تام وهو ما يسميه المغاربة "التسليم" أو "النية"، ويسميه أهل الاختصاص العلاج بالإيحاء، والثقة هنا لها دور في التخفيف عن الضغط النفسي على هذه العانس أو أي زائر للضريح من أجل غاية أخرى.
والمصابون بالنوبات الهستيرية ـ يردف الخبير النفسي ـ يستجيبون أيضا لخاصية الإيحاء وتفيدهم زيارة الأضرحة حيث يعتبر مكانا مناسبا لتفريغ شحناتهم النفسية الشديدة، فالمرأة التي تتخبط وتسقط بعنف على قبر الولي بالضريح أو في أرجائه والناس يحيطون بها وروادالضريح يهتمون بها.
ويضيف أن هذه الظروف التي تحف بمثل هذه الزائرة المريضة تخف من حدة مشكلتها، فضلا عن ما يمكن تسميته "الدراما النفسية"، حيث يجد زائرالضريح لغرض معين عينات بشرية ترنو لنفس الهدف أو أشخاص آخرين لها حوائج أخرى فيتحاكون مما يفضي إلى متنفس للعلاج، غير أن هذا لا يعني أن ارتياد الأضرحة كله إيجابيات بل إن سلبياته وعواقبه أعقد مما يمكن تصوره"..
ويعتبر الأخصائي الاجتماعي الدكتور عمر حمداش أن الأضرحةبالمغرب تعتبر مؤسسة اجتماعية قائمة الذات عبرت عن حكمة جماعية في تدبير العلاقاتوالأوضاع الاجتماعية العادية و في التعامل مع الأحوال الخاصة من أزمات وتوترات، وهوما ينبغي إيلاؤه التقدير عوض ذلك الموقف الانطباعي العام المستصغرلشأنها.
ويعزو حمداش سبب الإقبال على الأضرحة من المغاربة إلى كون الخياراتالعامة للناس غير محسومة بعد، فهي "خيارات تكون متوجهة حينا بقيم العلم والعصرالحديث ومتوجهة حينا آخر بقيم الإرث التراثي والثقافي المحلي أو الديني العام،ويمكن أن تكون بعض حالات الفشل أو تعثر مسارات التعامل مع ماهو جديد وحديث مناسبةلتجريب أو استعادة أو استعادة المنظومة الثقافية التقليدية برمتها بما في ذلكاللجوء إلى الأضرحة وممارسة ما يرتبط بها من طقوس ومسلكيات، ويصير وضع الزيارةوالضريح في مثل هذه الحالات المرتبكة محققا لمكاسب رمزية واجتماعيةهامة.
وتفشي الأضرحة في قرى المغرب ومدنه، ومكانتها الدينية والاجتماعية والثقافية والنفسية تعود إلى عوامل أخرى كثيرة معقدة، يذكر منها الصحفي الباحث مصطفى حيران أن "مغاربة القاع الاجتماعي والاقتصادي، كانوا دائما في حاجة إلى ذلك التفسير الخارق لبعض الظواهر التي استعصت على أذهانهم، من قبيل وجود شخصيات دينية، عبر الأجيال السالفة أتت أشياء " خارقة " كزهد في الدنيا والناس ( لسبب من الأسباب ) أو " كرامات " من قبيل " علاج " الناس...إلخ، وبطبيعة الحال فإن مستوى الوعي المتدني للناس، فضلا عن وجود مصلحة معينة في استمرار الظاهرة، يُفسِّراستمرارها .
ويعطي الباحث المغرب يتفسيرات سياسية لظاهرة إقبال المغاربة على الأضرحة طلبا للعلاج وقضاء الحاجات،ويقول إن أي مركز حكم في كل المجتمعات، يسعى إلى استثمار بعض عناصر المحافظة الاجتماعية والدينية والثقافية المتأصلة أو المكتسبة لدى المحكومين، غير أن مكونات المحافظة تختلف من مجتمع لآخر، وبالنسبة للمغرب فإنها تتخذ أشكالا غاية في الخرافة والشعوذة، مثل الأضرحة والمواسم وما يُحيط بها من طقوس وثنية جديرة بمتحف التاريخ،وسعي صلب الحكم – أي المخزن – إلى استثمار هذا التخلف الديني والثقافي، يؤكد أن استمرار شكل حكمه التقليدي رهين – في جزء كبير منه – ببقاء مثل هذه المظاهرالمتخلفة.
والإقبال على هذه الأضرحة والإدمان على زيارتها ووضع الثقة النفسية والاجتماعية فيها لحل مشكل ما أو علاج مرض معين تؤشر على وجود مواقف ومشاعروسلوكات دالة على تلك الحظوة التي مايزال الضريح يحتلها في وجدان ورؤى المغاربة.
ولا أدل على ذلك، يشرح الدكتور عمر حمداش، من اقتران بعض الأيام الأسبوعية والمناسبات الاجتماعية أو بعض الاحتياجات العائلية والشخصية بمثل هذه الزيارات المتواترة عند عدد لا يستهان به من المغاربة وخاصة النساء منهم بأجيالهم المختلفة، ويمكن أن تكون فترات مثل الصيف مناسبة لإنعاش ملموس وواضح لمثل هذه الحالات.
ويضيف الخبير الاجتماعي أن الإدمان على زيارة الأضرحة قد يكون مكلفا في ما يتعلق بالانعكاسات الاجتماعية السالبة المحتملة لعلاقات الزوج بزوجته أو علاقات الجيران ببعضهم، أو ما يمكن أن يصادف المرء أثناء الزيارة من متاعب صحية أو بدنية قد لا تجد الصدى والتفهم المطلوب على صعيد الأسرة بالأساس في ظل اتخاذ موقف رافض أحيانا من الرجال لزيارات تعتبر مشبوهة تقوم بها النساء، مما يجعل التوتر يجد أرضا خصبة له عبر الزيارة والتبرك بالضريح بعد أن كان الضريح مناسبة فيما سبق لتخفيض التوترات ومعالجة الأزمات وتسوية الخلافات والبحث عن حلول.
من جانبه، يطرح الأخصائي النفسي عبد المجيد كمي مشكلة خطيرة تحدث في بعض الأضرحة بالمغرب من قبيل ما يحدث مثلا في ضريح "بويا عمر" بنواحي مراكش، حيث يقوم بعض القيمين على الضريح المذكور باستغلال البسطاء بل وضرب المرضى النفسيين والمصابين ببعض الأمراض العصبية الذين يزورون الضريح باعتباره مكانا مشهورا في المغرب بمداواة هذه العينة من المصابين.
ويردف كمي أنهم أحيانا يتعرضون للتجويع والتخويف والتنكيل بدعوى أن ذلك سيفيدهم في العلاج، وتزداد حالتهم سوءا من قلة الأكل بل من التخدير أحيانا، ويجمع المرضى 10 إلى 15 فردا في حجرة واحدة في ظروف لا إنسانية، وهذا يحمل معه خطورة حيث لا يأتينا مثل هؤلاء المرضى إلابعد استشراء المرض النفسي فيهم مما يؤخر العلاج الحقيقي والفعال"..
رضا رسمي
أما الموقف الرسمي من الأضرحة وما يجري فيها فهو موقف مشجع، حيث يقول عبد العزيز سميح مسؤول وقيم عن ضريح معروف تؤمه النساء العاقرات طلبا للعلاج وللخصوبة: إن الضريح بالمغرب يؤدي دوره الاجتماعي والروحاني، والدولة تشجع الأضرحة التي يبلغ عددها زهاء 50 ضريحا بالمغرب، ولا تضع أية عراقيل على الذهاب إليها والتبرك بها لأن الضريح قد يلعب دور المستشفى ودور الطبيب المعالج، وإلا إذا لم تكن هناك أضرحة لطالب مرتادوها وزوارها ببناء مستشفيات ومستوصفات وتطوير البنية الصحية في المغرب.
وقد يتعذر هذا على الدولة أحيانا، لهذا تجد أن هناك رضا رسميا حول دور الضريح واستيعابه لكثير من المشاكل الفردية والأسرية، عدا احتوائه لبعض المطالب الاجتماعية المتنامية.
جدير بالذكر أن الأضرحة بالمغرب تعتبر مثل المساجد والزوايا والمدارس العتيقة فضاءات ومؤسسات تابعة للدولة، تخضع لوصاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وللتنظيم الداخلي لهيكلها ومصالحها، حيث تسهر مثلا مصلحة تسيير الأملاك الوقفية بالوزارة بمراقبة جميع الأضرحة الموجودة بالمغرب، وتهتم مصلحة الأعمال الاجتماعية بشؤونها وبالمواسيم والتظاهرات الدينية التي تقام في فضاءات هذه الأضرحة.