التنورة أكثر رقصات المصريين جمالا وتعقيدا
الجمعة 17 أغسطس 2007
التنورة أكثر رقصات المصريين جمالا وتعقيدا
سهى على رجب صحيفة القاهرة 24/7/2007
هذاالمقال يكشف حقيقة الرقص الصوفي وأنه تحايل على الشرع ! ويفلسف الرقص بأنه تعبير عن الإتصال بين السماء والأرض وذلك كبديل عن العبادات الشرعية كالصلاة والصيام ، كما أن هذا الرقص الصوفي يعبر عن عقائد الصوفية من الحلول والاتحاد ووحدة الوجود . الراصد  
يقول باحث الفنون ومؤرخها الانجليزي هافيلوك أليس: "إن الرقص بوصفه فنا لا يمكن أن يموت بل سيظل دائم التجدد، لا بوصفه فنا فحسب، بل باعتباره عادة اجتماعية يتجدد بعثها من روح الشعب". من حكمة الله في خلقه أنه جعل للإنسان الخيال والتخيل والقدرة على التأمل مضافا إلى عقله الذي يفكر ويميز ويبتكر ويديه التي تنفذ وعينيه التي ترى وهذا ما فعله الإنسان في اختراعه لأشكال الرقص المختلفة فلكل أمة رقصة اشتهرت بها، وأسلوب الرقص يختلف من سلالة إلى أخرى ومن بلد إلى بلد آخر والرقص يتكيف وفقا لعوامل عديدة، ولأن المصري له طبيعته الخاصة التي تميل إلى التراث فابتكر رقصة هي حقاً سفير له في كل البلدان العربية، رقصة تتقبل بالترحاب والتصفيق الحاد ينظر لها بعينين مبهورتين إنها رقصة (التنورة) الشعبية التي برزت في كل الاحتفالات العربية والعالمية في الفترة الماضية وقد اشتهرت بالأداء العالي المتميز. وداخل أنسجة التنورة تغلغلنا لنهدي قارئنا أسرار رقصة التنورة التي بهرت جمهور العالم...
الكل يرقص
يقول الأستاذ/ محمد أمين الباحث الفولكلوري بالمركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.. لقد حرم الفقه الإسلامي الرقص فما كان من الإنسان المسلم إلا أن يتحايل على الموقف ليجد شكلا ما للرقص وذلك لعدم وجود أمة لا ترقص، والرقص في ارتباطه الأول هو الممارسات الطقسية المرتكزة على أساس عقائدي مثل رقصات استجلاب المطر، ورقصات استجداء الآلهة عند الفراعنة والإغريق، فاخترع الإنسان المسلم (الذكر) رقصة مناسبة له فأصبحت حركات التمايل من خلال الثبات التي نراها في حلقات الذِكر وهي النوع الأول من الرقص الإسلامي وأكثر الطوائف التي استخدمت هذا النوع من الرقص هم الصوفيون، وتعتبر الطريقة المولوية هي أحد أشهر الطرق الصوفية في مصر والتي اعتمدت في حلقات ذكرها على رقصة التنورة بل إنها هي مخترعة رقصة التنورة، والقصة بدأت بـ (التكايا) حيث كان كل أمير وشيخ لطريقة من الطرق الصوفية ينشئ تكية وهي مكان يعتبر مضيفة لأبناء السبيل والفقراء والغرباء والدراويش والدراويش هم موردي أحد الشيوخ أو الأولياء فكان يقام في الليل حلقات الذكر داخل التكية وكانت تكية (جلال الدين الرومي) الذي ولد في 1207 وتوفي 1273هـ مؤسس الطريقة المولوية الذي لقب بمولانا كلقب تشريفي أعطاه له والده وكان موطنه (قونية) بتركيا فكان ما يميز هذه الطريقة هي حلقة الذكر التي اختلفت عن باقي حلقات الذكر فتميزت حلقتهم بالتعقيد والرمزية حيث يبدأ الذكر بعمل حلقة لا تقل عن أربعين درويشا بملابسهم المختلفة الألوان ما بين الأخضر والأحمر والأسود والأبيض ـ ولا ندري سببا لاختلاف ألوان ملابس الدراويش ـ في البداية يرددون لفظ الجلالة على التواتر، ويقومون مع كل ترديدة بإحناء رؤسهم وأجسامهم ويخطون في اتجاه اليمين فتلف الحلقة كلها بسرعة، وبعد فترة قصيرة يبدأ درويش منهم بالدوران حول نفسه وسط حلقة الذكر وهو يعمل برجليه معا ويداه ممدودتان، ويسرع في حركته فتنتشر ملابسه (تنورته) على شكل مظلة أو شمسية ويظل يدور هكذا حوالي عشر دقائق ثم ينحني أمام شيخه الجالس داخل الحلقة الكبيرة ثم ينضم إلى الدراويش الذين كانوا قد بدأوا يذكرون اسم الله بقوة متزايدة، ويقفزون إلى اليمين بدلا من الخطو دو أن يظهر أي تعب أو ترنح، بعد ذلك يقوم ستة دراويش بعمل حلقة داخل الحلقة الكبيرة وكل منهم قد وضع ذراعه على كتفي جاريه، ثم يأخذون في الذكر بسرعة أشد ويظلون هكذا عشر دقائق، ثم يجلسون للراحة وبعد ربع ساعة ينهضون للذكر ثانية ويضاف هذه المرة شخصان يرقصان وفي يديهما دفوف يدقون عليها في تواتر.
ومما هو جدير بالذكر أن طائفة المولوية لها طريقة خاصة في طريقة لبسها وفي طريقة توظيف حركاتها التعبيرية المصاحبة لآلات موسيقية بعينها، هذه التقاليد ثابتة ولم يحدث فيها أي تغيير ولم يمحها الزمن ولم يحدث فيها أي تطور لا في اللبس ولا في الرقص ولا في الغناء ولا في الآلات الموسيقية المصاحبة.
الحاناتي
هذا عن نشأة التنورة، وعن كيفية انتشار التنورة كنوع من الرقص الشعبي يقول الدكتور/ عصمت يحيى، رئيس أكاديمية الفنون والعميد السابق للمعهد العالي للفنون الشعبية، والعميد الأسبق لمعهد البالية ومسئول الفرق الفنية بأكاديمية الفنون... إن الرقصات الشعبية بكل أساليبها هي من إنتاج البيئة المحيطة وهي في الوقت نفسه ضرورة للتعبير العاطفي والنفسي العاطفي والنفسي والروحي لمجتمعاتها وممارستيها ولذا فنحن نجد (الحاناتي) وهو الراقص المؤدي لرقصة التنورة هو المعبر عما يجيش به من مشاعر عن طريق اللف والدوران حول الذات. ولقد كان أول انتشار رقصة التنورة كرقصة شعبية مصرية لها فرق محترفة ومعترف بها هو أشهر راقصية الراحل (بندق) والذي شاهده السيد فاروق حسني وأعجب برقصته فقرر أن تقوم الوزارة متمثلة في البيت المغني للفنون الشعبية ومسرح البالون برعاية هذا الراقص وفرقته، ثم اتضح للمسؤلين أن هناك بمصر العديد من راقصى التنورة الجيدين فقامت الدولة برعايتهم جميعاً واهتمت بهم وأقامت لهم الحفلات في مسارح الدولة حتى انتشرت الرقصة في كل أرجاء جمهورية مصر العربية وأصبحت مصر تشتهر بهذا الرقصة التي تشارك حاليا في كل مهرجانات الفنون الشعبية على مستوى العالم، كما يتم استضافتها لعمل تايلوهات راقصة في افتتاح المهرجانات السياحة والثقافية بالدول العربية، والحقيقة أن رقصة التنورة الآن اختلفت عن أصلها الحقيقي وهو ذلك الأصل العقائدي حيث اختلف شكل التنورة المستخدمة فدخل بها ألوان عديدة لتعطي تأثيرات بصرية تشكيلية على الجمهور أثناء دوران الحاناتي.... وأصبحت التنورة الآن أحد أهم مظاهر الأعراس في مصر مهما اختلفت الطبقة التي ينتمي إليها العروسان، وأحيانا تقدم في الجنوب ويكون الحاناتي فوق جواد مستعرضا مدى مهارته وقدرته على التحكم في تنورته.
وكانت زيارتنا التالية لذلك الشخص غريب الأطوار صاحب المواصفات الخاصة والبنيان الجسدي المميز (الحاناتي) أو راقص التنورة عواد الشعلة 36 سنة من منطقة السيدة زينب بالقاهرة، يقول عواد منذ أن كنت طفلا في السابعة وأنا أشارك والدي حضور الحضرة وحلقات الذكر وعندما بلغت الثانية عشرة من عمري اشتركت في إحدى فرق الإنشاد التي كانت تتميز بوجود اثنين من أمهر راقصي التنورة فعشقتها، وأتذكر يوما دخلت إلى غرفة الملابس وأمسكت بالتنورة وحاولت ارتدائها فشاهدني (عم سيد) الراقص الكبير فضحك وسألني هل تريد أن ترقص؟ فأجبت بنعم فقال لي حب التنورة أولا وتذكر الله في كل لحظة واعلم أنك تفعل ذلك جبا وتقربا إلى الله وزهدا في الدنيا فنحن لا نلف من أجل الرقص أو اللهو بل نلف من أجل أن نسمو ونرتفع، ظللت أفكر في هذا الكلام مما يقرب من سنة حتى قررت أن أفعلها وذهبت إلى (عم مجلي) وهو الترزي الذي يقوم بحياكة التنورة فأخذ مقاسي ليصنع لي واحدة وطلبت منه أن يبقى هذا سراً بيني وبينه وبالفعل أخذتها وأخذت أمرن نفسي وكنت أجهد كثيراً في بادئ الأمر حتى وصلت إلى مستوى معقول فذهبت إلى عم سيد لأخبره فاختبرني وقال لي بعد أن انتهيت أنت لازلت تفكر في التنورة فقط وليس فيما وراءها ولكن لا بأس، حتى عرفت طعم السمو بعد أن مارست الطقس كاملا بالإيقاع ونغمات الموسيقى وكلمة الله تتردد في أذني وعلى لساني.
ميلاد العالم
وعن أليات هذه الرقصة يقول عواد غالبا لا يكون الحاناتي مرتديا تنورة واحدة بل ثلاث أو أربع يتم صنعها من القماش الخشن الذي يصنع منه الخيام (قماش الخيامية) ليتحمل الاستخدام الشاق له وتيارات الهواء المتدفقة أثناء الدوران. أبدأ باللف حول نفسي من الشمال إلى اليمين ـ عكس اتجاه عقارب الساعة ـ ويكون ذراعي الأيمن متجها إلى السماء والأيسر إلى الأرض وكلما زاد صوت الايقاع ازيد من سرعة اللف فأشعر بأني ارتفعت عن الأرض فأبدأ بخلع سترتي العلوية (الصديري) وغالبا ما يكون أحمر أو أخضر من الستان ثم بعد ذلك أبدأ في فك التنورات وكل واحدة أقوم باللعب بها بكل الأشكال حول خصري وبكلتا يدي وإلى اليمين وإلى اليسار وأعلى وأسفل وهكذا حتى أتجرد من جميع التنورات ومع التنورة الأخيرة أقوم بتطبيقها على شكل مولود إشارة إلى ميلاد العالم وبداية الخليقة بانفصال الأرض عن السماء، ثم أتناول خمسة دفوف ألعب بها بين يدي وأشكلها تشكيلات مختلفة وأنا مستمر في الدوران دون توقف ولكن بسرعات مختلفة، ويمكن أن يكون بجواري اثنان من الحاناتية أصغر مني سنا وغالباً لا أكون شاعراً بما يدور حولي بل إنها أصبحت أشبه بالشكل الآلي لأني وقتها أكون بعيداً تماما عما يدور من حولي حتى لفظ الجلالة في نهاية الرقصة يكون قد تحول إلى (آآآه) من فرط الانتشاء والذوبان في حب الله.
ويضيف إن الحاناتي هو رمز الأرض مركز الكون وهي تدور حول نفسها بينما تدور الكواكب الأخرى حولها وتتمثل الكواكب في الحاناتيين اللذين يرقصان بجواري وهما (الشمس والقمر) ويكون الدراويش من خلفي والذين يقومون بنقر الدفوف بعدد الكواكب بالمجموعة الشمسية، وتصبح الحركة من اليسار إلى اليمين هي حركتي الشروق والغروب، أما عن الذراعين فأحدهما سماوي والآخر أرضي وهنا يكون الحاناتي هو (الإنسان) نقطة التقاء الأرض بالسماء قبل الخليقة وقبل انفصالهما عن بعضهما البعض، فالتنورة دائما تصنع من طبقتين أقوم بفصلهما أثناء اللف، والطبقتان هما الأرض والسماء، والتنورة في بداية الرقصة تعني العالم تعني العالم قبل انفصال الأرض عن السماء وقبل بداية الخيقة وبوصولي لمرحلة خلع التنورات فأنا بذلك ارتقي وأرتفع وكلما تخلصت من تنورة تخلصت من تعلقي بالأرض لأتخلص تماما من الشق الأرضوي لأرقى إلى الشق السماوي، لأصل إلى النقاء التام وصفاء الروح، ولذا فمن الصعب بل يكاد يكون من المستحيل أن يستطيع انسان عادي أن يمارس رقص التنورة.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: