التوابون ... دراسة في عملية غسيل المخ
طالب الشطري موقع المجلس 9/8/2007
سميت الحرب العراقية الإيرانية 1980_1988 عالميا بالحرب المنسية وحينما تكون الحرب ذاتها نسيا فان صفحاتها تكون نسيا منسيا وما كاد دوي تلك الحرب يتوقف حتى شهدت المنطقة انفجارات ضخمة متلاحقة شغلت الناس بما سواها فقد ضم العراق الكويت لتقع حرب الخليج الثانية عام 1991 وظلت هذه الحرب متواصلة حتى عام 2003 ليتعرض العراق إلى غزو أميركي بريطاني ويدخل البلد بعدها في دوامة من الدم وهكذا مسيرة تاريخية عرضت العراق للضياع كبلد واحد قد يكون من المستحيل معها آن تأخذ الحرب العراقية الإيرانية نصيبها من البحث لاستخلاص الدروس والعبر مثلما يحصل مع بقية الشعوب التي تخوض غمار الحروب مختارة أو مجبرة.
لقد اخترنا أن نحفظ صفحة واحدة من صفحات الحرب العراقية الإيرانية من الضياع لما لها من أهمية لاحقة امتدت خارج نهاية تلك الحرب وظلت تؤثر في العراق أيما تأثير حتى التحمت بصفحات حرب عام 2003 وهي ظاهرة التوابين التي ظلت خارج التوثيق والبحث خلا جهد الباحث طالب الأحمد الذي كتب عن مجتمع التوابين في إيران دون الغوص بنشأة هذا المجتمع الذي نفترض انه نتاج أوسع عملية غسيل مخ في تاريخ البشرية وتاريخ الحروب على الإطلاق وما كان لذلك الحائز على شهادة في علم الاجتماع من جامعة بغداد أن يقترب من هذه الافتراضات أو يتناول أصل الظاهرة لأنه محكوم بظروف قاهرة تمنعه من ذلك فالرجل ذاته كان توابا ويكتب من داخل إيران التي أسرته والتي يمكن أن تعيده للآسر إلا أن جهده التوثيقي وإن كان حول طبيعة حياة التوابين الاجتماعية فان له قصب السبق في الكتابة عن الموضوع وعليه استحق جهده التنويه حفظا للموضوعية.
غسيل المخ
مع ظهور علم النفس كعلم له مصطلحاته المستقلة تفرع عنه مصطلح الحرب النفسية وهو وصف جديد لنشاط قديم عرفته البشرية كثيرا ما يترافق مع الحروب من قبيل استخدام الحرير والأفيال لتخويف الأعداء وخيولهم واستخدام المؤثرات الصورية والصوتية ومع تطور فن الحرب ظهر مصطلح آخر مستمدا من الحرب النفسية إلا وهو غسيل المخ والتعريف الأبسط له هو عملية تحويل الأفكار بوسائل ضغط خارجية أول ظهور للمصطلح كان مقترنا بأساليب الحكم الشيوعي في الصين للتخلص من البرجوازية ومنها إيجاد معسكرات مورست فيها عملية غسيل المخ على أن المصطلح اشتهر أبان الحرب الكورية 1950_ 1953 اذ تم استخدام الأسرى الأميركيين في دعاية عقائدية تظهرهم بمظهر من اعتنق الشيوعية بعدها أصبح المصطلح من أدوات الإعلام والسياسة وشاع شعبيا كذلك حتى وقوع الحرب العراقية الإيرانية ليعود إلى ذروة استخدامه كأداة في الحرب.
وصف الظاهرة
لم يحدث في تاريخ البشرية على هذا النطاق الواسع أن تم تحويل عقيدة الأسرى ومن ثم استخدامهم بالقتال ضد المعسكر الذي كانوا فيه والى جانب القوة الآسرة مثلما حدث مع أسرى الجيش العراقي من قبل إيران بين عامي 1980 _1988 فقد تم تحويل قناعات الأسرى عبر ما نراه اكبر عملية غسيل مخ في التاريخ أسس بهم آسرهم جيشا لمقاتلة بلدهم وانتهى بعضهم إلى البقاء نهائيا في بلد عدوهم الأول بعد آن تبنى عقيدته السياسية.
التوابون...تاريخية التسمية
التوبة التوب التائب التواب التوابون كلها تسميات قرآنية تكررت كثيرا للإشارة إلى الإقلاع عن الذنوب والعودة إلى الالتزام بالأوامر الدينية والانتهاء بنواهيها وظلت المصطلحات هذه محافظة على صبغتها العبادية المحايدة حتى ظهور حركة التوابين في التاريخ الإسلامي والتي أسسها خمسة هم سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبه الفزاري وعبد الله بن سعد بن نفيل الازدي وعبد الله بن وال التميمي ورفاعة بن شداد البجلي في محاولة للأخذ بثار الحسين بن علي بن أبى طالب حفيد النبي الذي جاء مقتله كامتداد للصراع الإسلامي الداخلي على السلطة وقد تأسست الحركة عام 65هجرية في النخيلة وانتهت بمقتل التوابين في معركة عين الوردة الشهيرة.
ظاهرة التوابين الحديثة...ظروف النشأة
ليس غرضنا هنا الحكم على صحة الأمور أو على شرعية المواقف من عدم شرعيتها كما أن أي بحث لكي يقترب من الموضوعية عليه أن يصف الأشياء لا أن يطلق الأحكام عليها وتصنيف الناس وفقا لوجودهم في الجنة أو في النار ليست أبدا ضمن اهتمام هذه السطور.
كان العراق وإيران في معركة إعلامية متبادلة منذ ظهور وسائل الاتصال الجماهيري ومعلوم أن البلدين مشتبكان في حرب منذ آلاف السنين تأخذ مسميات شتى وعناوين مختلفة وبعد نجاح الحكم الديني في إيران عام 1979 في الوصول إلى السلطة اتسعت رقعة الدعاية السياسية بين البلدين حكم ديني في إيران يريد له أشباه في المنطقة وحكم علماني في العراق يحاول الحفاظ على استمراره في بلد يشكل الدين المذهبي فيه مزاج الناس حيث كربلاء تربط ألامس البعيد باليوم القريب وكأن الناس تعيش بالفعل عصر صراع علي ومعاوية وصراع الحسين ويزيد وقد كانت الدعاية الإيرانية أنجح في إخراج هذا الصراع وفقا لهذه الصورة مستندة إلى مقولات الثورة الإيرانية في بعث الحكم الإسلامي العلوي الذي تميل إليه عواطف الناس في العراق وبعد دعاية مكثفة اندلعت الحرب بين البلدين ليكون الأسر كما هو في كل الحروب أحد مشاهدها.
منذ الأيام الأولى للحرب اخترق البلدان معاهدة جنيف الدولية حول الأسرى وتبادلا إظهار الأسرى على شاشة التلفاز كما تخلل ذلك زج الأسرى في الدعاية السياسية وبما أننا على الجانب الإيراني لدراسة الظاهرة فقد أصبحت المقابلات مع الأسرى نشاطا إعلاميا إيرانيا يمارس على مدار الساعة وهو ما نعده بواكير عملية غسيل المخ ابتداء من أول خطوة للأسير على الأراضي الإيرانية أما فعل الدعاية السياسية قبل ذلك فمع أن إهماله غير صحيح إلا انه لا يدخل ضمن الوسائل القهرية في عملية التحول الفكري.
استعان الإيرانيون بتسميات تصلح كأرضية للبناء الذي أرادوا تشييده بأحجار الأسرى فهم استخدموا تسمية ضيوف الجمهورية الإسلامية بديلا عن تسمية أسرى وحاولوا إيجاد منفذ ذهني حينما اعتبروا الأسرى العراقيين ضحايا نظام سياسي قمعي ساقهم مجبرين للحرب.
توزع الأسرى العراقيون في إيران على معسكرات اسر عديدة منها معسكر أراك ومعسكر بروجند ومعسكر الحشمتيه وبرندك ومعسكر تختي ودزبان مركز بالزاي المعجمة وثقلهم كان عموما في منطقتي طهران ومشهد .
لا يمكن تحديد لحظة زمنية بعينها لبداية عملية غسيل المخ إلا انه لابد من الإشارة إلى الظروف المساعدة على إتمامها كأكبر وانجح عملية غسيل مخ في تاريخ الحروب النظامية.
كانت الحرب مسبوقة بنوعين من التحركات السكانية من العراق باتجاه إيران الأولى موجات التسفير للإيرانيين المقيمين بالعراق منذ عشرات السنين وفقا لحسابات أمنية وسياسية لا تعنينا هنا والثانية عملية الهروب الجماعي لقيادات وقواعد الأحزاب الدينية العراقية إلى إيران وتحقق بذلك وجودين تحت اسمين منفصلين هما المهجرين والمهاجرين ليكونا خميرة العجين للمجتمع الثالث الذي نتحدث عنه وهو مجتمع التوابين والذي كما قلنا أوفاه حقه بحثا السيد طالب الأحمد كاتبا عنه خارج الأسوار بينما نحن نكتب عنه من داخلها.
البداية
الأصح أن نقول بدايات لأن الدعاية السياسية المتبادلة بين البلدين هي بداية والبداية الأخرى التماثل المذهبي بين الآسر والمأسور وهناك من يذهب إلى تفسير ظاهرة التوابين وفقا لتأثير التماثل المذهبي إلا أننا لا نعطيه تلك الأهمية الكبيرة ذلك أن عملية غسيل المخ جرت وفق أصول تنم عن إتقان في الصنعة وفهم لأساليب الحرب النفسية وجاءت تطبيقا لقواعد لا تقبل العشوائية أو الافتراضات المبنية على تضخيم العطف المذهبي ونحن نفترض أن عملية غسيل المخ نفسها ستتم بنفس النجاح حتى بغياب العطف المذهبي بل وحتى بغياب التماثل الديني ومن المسلم به أن تلك العملية شملت الأسرى بمختلف الأديان ومختلف الطوائف ولقيت مقاومة كذلك من الشبيه النوعي.
والبداية الأخرى وجود مجتمعين عراقيين في إيران أما بداية البداية فهي البرنامج الإيراني المنظم لأجراء عملية تاريخية بكل المقاييس لغسيل المخ.
في التطبيق
يشير اغلب من التقيناهم من الأسرى إلى أن عملية الفرز تتم حتى قبل وصول الأسرى إلى أقفاص الأسر والمقصود بالفرز تصنيف الأسرى وفقا لاتجاهاتهم الفكرية ومواقفهم من الحرب ومن النظام السياسي الإيراني ونعتقد أن هذه العملية حتى بفرض صحة وقوعها ليست هي الحلقة الأولى وقد لا تتعلق بالبرنامج الأساسي الذي بدا في معسكرات الأسر وبعد مضي أشهر عدة على الحرب التي اتجهت لتكون حرب طويلة الأمد بما يكفي لتطبيق برنامج نفسي متكامل الأركان.
في داخل معسكرات الأسر أنيطت مهام محددة بالأسرى أنفسهم كواجبات حفظ النظام داخل القاعات والمساعدة في توزيع الطعام وإدارة المكتبات وإدارة شؤون الصلاة وقتا ومكانا ومستلزمات فصار هناك الأرشد والارشد كل والدزبان بالزاي المعجمة وكل هؤلاء من بين الأسرى أنفسهم ومع الوقت أعطيت لهم صلاحيات الآسر على المأسور وصاروا القوة الأساسية داخل المعسكر أما من خارج المعسكرات فيأتي المبشرون أو حسب التسمية نصا المبلغون وهم رجال دين إيرانيون وعراقيون ثم اقتصر على العراقيين فقط وعملهم الأساسي بث الدعاية السياسية لصالح النظام السياسي لإيران وتخطئة النظام السياسي في العراق.
تتبنى إيران نظام ولاية الفقيه أي حكم الفقيه الجامع للشرائط وهو نظام كتب فيه علماء دين شيعة وأنضجه تأليفا آية الله منتظري فيما فرض تطبيقه آية الله الخميني الذي كتب فيه هو الآخر وقد فرض هذا النظام على معسكرات الأسر كعقيدة سياسية يثاب من اخذ بها وتصعب حياة من تركها ويعاقب اشد العقاب من عابها ويقتل من قاومها وقد سجلت هكذا حوادث في كل معسكرات الأسر دون استثناء.
أصبحت زيارة المبشرين إلى معسكرات الأسر نشاطا منظما له هدف محدد وهو حمل الأسرى على اعتناق ولاية الفقيه كعقيدة سياسية وزرع العداوة في أذهانهم وأنفسهم للمعسكر الذي جاءوا منه فتم اعتماد تقسيم ابتدائي للأسرى يضعهم في ثنائية المؤمنين والبعثيين حيث يعتبر مؤمنا كل من يأخذ برؤية آسره وان كان غير ملتزما بشرائط الدين ويعد بعثيا كل من قاوم فكرة التحول العقائدي وان صام وصلى ومعلوم أن الحرب بين البلدين هي حرب بين أهل القبلة.
مع زيادة البرنامج المنظم للمبشرين وبينهم شخصيات معروفة صار للمبشر داخل معسكرات الأسر أتباع ومقربون شكلوا نواة التنظيم الذي سيرى النور كنتاج لعملية غسيل المخ في طورها الابتدائي.
كانت عملية الفرز تجري داخل المعسكرات دون اسم محدد ثم جاءت تسمية المؤمن والبعثى ويمكن القول أن الذي يسمي خصمه بالبعثي لم يكن له اسم محدد في بداية الأمر انه مجرد مناصر للجهة التي أسرته والتي تطرقت عقائدها إليه بفعل ما أشرنا إليه من بدايات حتى جاءت تسمية التوابين.
قلنا أن إيران أخذت بتسمية ضيوف الجمهورية الإسلامية مكان تسمية أسرى ويشاع أن أول من استخدم مصطلح التوابين هو آية الله الخميني عندما قابل مجموعة أسرى عراقيين جلبوا إلى مقر إقامته في شمال طهران حيث يقال انه سأل عن الحاضرين فقالوا إنهم أسرى عراقيون فقال بل هم التوابون والذي نعتقد أن التسمية كانت حاضرة في ذهن القائمين على الحرب النفسية في إيران أكثر من حضورها في ذهن الخميني ذلك أن المصطلح يستدعي إلى الذهن عدة معان أولها أنه يدين بصراحة الفعل السابق للأسير ويرفعه إلى مرتبة الجرم الذي يستدعي التوبة وثانيا يذكر بمجموعة تعاهدت على الموت للأخذ بثار الحسين وأيضا يشير إلى قرب التواب من الله وهذه المعاني حققت للمسمي ما أراد لكن كان لها أثرا مستقبليا مدمرا على المسمى.
العزل الإعلامي واحد من مبادئ عملية غسيل المخ لذا تم قطع الأسرى عن العالم واغرقوا في المقابل بالكتب الدينية التي تحمل عقيدة الأسر والمبدأ الأخر مبدأ الإذلال والإخضاع فاجبر الأسرى على برنامج ديني على قائمته المبشر وأداء فروض الصلاة وهو برنامج قسري لا يمكن لأي أحد مقاومته أسوة بعمليات التعداد الروتيني التي تجري فجرا وتستمر عدة مرات على مدار اليوم.
يعتبر الحرمان من النوم والماء والطعام أساليب جدا تقليدية في سياق عملية غسيل المخ وقد استخدمت هذه الأساليب في كل المعسكرات ضد الذين يقاومون عملية اعتناق عقيدة آسريهم بينما ينال أولئك الذين انضموا إلى معسكر آسرهم نصيبا أوفى من الطعام والشراب ويحصل على معاملة تفضيلية.
استخدمت العقوبات الجسدية ضمن البرنامج الإيراني لعملية غسيل المخ ضد الأسرى العراقيين وتتراوح العقوبات بين الوقوف في العراء تحت الثلج في ليل إيران البارد وبين الإغراق بالماء البارد والضرب بالعصي وحينما تشكلت أولى أفواج التوابين تحت التسمية الجديدة استحالت حياة بقية الأسرى إلى جحيم ليس له مثيل ودخلت أساليب جديدة على الصعيد النفسي تتناسب وطبيعة المجتمع العراقي المدموغة بالقسوة.
قسم معسكر الأسر إلى توابين وبعثيين فمن تبنى العقيدة السياسية للدولة الآسرة سمي توابا بينما سمي بعثيا كل من رفض ذلك وان كان ليس له علاقة بحزب البعث وقد اخبرنا الأسرى أن هذه التسمية كان لها وقع مؤلم على من تطلق عليه خاصة من أولئك الناس الذين ليس لهم علاقة بحزب البعث وكانوا مجرد جنود فرض عليهم واجبا حربيا نفذوه من منطلق عسكري وليس من منطلق حزبي.
مالت الأساليب المهمة في عملية غسيل المخ إلى جانب الترغيب أكثر من الترهيب مع أن هناك ضحايا سقطوا قتلى في أماكن عدة حينما تحولت المعسكرات إلى ساحة حرب وقد تفنن المبشرون بأساليب الترغيب أين منها الأساليب المفترضة للحسن بن الصباح صاحب قلعة الموت وقائد ما عرف بحركة الحشاشين فقد تعرض الأسرى لسيل جارف من الدعاية حول نقاوة وطهارة وطوباوية المجتمع الإيراني وتم تصويره على انه مجتمع حلم الأنبياء وكانت المقارنة تعقد بين أسر طويل الأمد لا نهاية محددة له تحوطه أسلاك شائكة يقع في جبال وعرة يومياته الحرمان من النوم والاستماع الجبري وجوع وعطش وضغوط جسدية ونفسية وبين حياة وسط مجتمع المدينة الفاضلة التي تزوج الغريب وتحنو عليه وتوفر له كل أسباب الراحة وقبل كل شيء نيل الحرية علما أن الوعد بالحرية والخلاص من الأسر يكفي وحده لإنجاح التحول العقائدي لأنه يتحول إلى ضغط رهيب تصعب مقاومته من قبل الأسير بما في كل كلمة الأسر من معنى.
تفيد شهادات الأسرى أن الضغوط الجسدية التي تحولت إلى عنف مباشر إنما وقعت ضدهم من قبل أقرانهم حيث ارتأى القائم على عملية غسيل المخ آن يدخل الأسرى في صراع بيني لذا أطلقت يد الأسرى المتحولين إلى جانب ولاية الفقيه أي من سموا بالتوابين ضد الفريق الأخر أي البعثيين وقد سبق وان عرفنا المعني بهذه التسمية ومن الأساليب الناجحة التي اعتمدها الإيرانيون أسلوب نقل الأسرى من معسكر إلى آخر فمع أن عملية غسيل المخ بدأت في كل المعسكرات إلا إنها نجحت في معسكر وتأخر نجاحها في آخر فعمد الإيرانيون إلى نقل التوابين إلى المعسكرات الأخيرة في إطار عملية تسمى الفتح فيقوم هؤلاء بفتح المعسكرات التي تشهد استعصاء على عملية التحول العقائدي حيث تسحق بالقوة أي مقاومة أمام أساليب غسيل المخ التي جئنا على ذكرها ومن بينها برامج الاستماع والمشاركة الجبرية في فعاليات مختلفة والى المعسكرات التي شهدت تقدما يجلب أسرى المعسكرات المستعصية.
طالت أساليب عملية غسيل المخ الحقوق التي ترتبها المعاهدات الدولية حول حقوق الأسرى كحق المراسلات ولا نعني هنا أن التوابين حصلوا على هذا الحق مقابل حرمان الفريق الأخر منه ذلك أن عملية غسيل المخ طالت علاقة التوابين بذويهم ونحتت كثيرا من جرف عواطفهم سيما أن عملية غسيل المخ لم تترك مجالا على صعيد بث مشاعر الكره في نفس التواب ضد ماضيه بالكامل وقد انحصر أسلوب استغلال المراسلات في الضغط على نفسية الفريق غير المستسلم بقطع المراسلات عنه من خلال عدم تمكين الصليب الأحمر من الوصول إليه وكانت هذه من السياقات المعروفة في تبادل الاتهامات بين البلدين وقد ظل مصير عشرات الآلاف من الأسرى مجهولا إلى وقت متأخر واستمر مع البعض حتى نهاية الحرب ووقوع عملية تبادل الأسرى.
إن العناصر الأساسية في عملية غسيل المخ التي قامت بها إيران ضد الأسرى العراقيين تراوحت بين
1-العقوبات الجسدية والنفسية .
2-برامج إجبارية تحمل دعاية سياسية مباشرة .
3-العزل عن العالم ومن ثم الهجوم على عقل الأسير الذي يصبح أكثر قابلية للتصديق كلما اشتدت عزلته عن العالم .
4-الترغيب بمباهج الحياة .
5-العنف المباشر .
6-الإذلال وكسر الإرادة .
7-استغلال الدين مباشرة .
8-الحرمان من الحقوق الأساسية .
9-إظهار العواطف الزائفة من قبيل احترام الأسير والحنو عليه .
عند النقطة الأخيرة تكون إيران قد سجلت سابقة في تاريخ الحروب فيما يخص مسالة التحرك على الأسرى لكسبهم ذلك أن الزعماء الإيرانيون لم يسبقهم أحد في كثرة اللقاء بالأسرى (المتحولين) أو( نصف المتحولين) في معسكراتهم أو استقبالهم في احتفالات عامة وسارت الأمور على وتيرة غير معهودة ولا مسبوقة في إشراك الأسرى بنشاطات تهم الدولة الآسرة فقد كانت أفواج منهم تجلب لحضور صلاة الجمعة في جامعة طهران وأخرى تأتى لمقابلة الخميني وترسل أخرى لزيارة أماكن دينية بعينها كمشهد الإمام علي بن موسى الرضا في خراسان أو ضريح أخته في مدينة قم ومثل هذا النشاط يعد اختراقا مباشرا لمعاهدة جنيف حول الأسرى لان العملية برمتها مفردة في برنامج شامل لعملية غسيل المخ.
10-الترهيب بسلب حق الحياة وقد أزهقت أرواح أسرى قاوموا عملية غسيل المخ.
إن الذين قاوموا هذه العملية قتلوا أو أرسلوا إلى سجن قلعة مخصوص في قمم جبال خراسان وأرجح وجود عدد منهم إلى الآن ومنهم بعثيون من الكوادر الوسطية.
الشق الثاني
لم يبق خبر العملية سرا لان نطاقها واسع وعدد الأسرى بعشرات الآلاف يتوزعون على عدد غير قليل من معسكرات الأسر لذا شاع خبرها وما لم يكن غير متوقع أن يكون لهذه العملية توظيف خارج الحرب النفسية بل يصل إلى استغلال الأسرى مباشرة في الحرب ضد الخندق الذي جاءوا منه ونحن هنا نوثق أول عملية من نوعها في التاريخ لأن الأسرى في كل الحروب خضعوا لعمليات غسيل مخ يختلف مستواها ومحتواها إلا انه لم يحصل أن تم تحويل الأسرى إلى جنود مقاتلين في حرب نظامية لأسباب عسكرية قبل أن تكون أسباب أخلاقية لكن إيران سجلت هذه السابقة التي يراد لها أن تدفن تحت ركام الحروب المتلاحقة وعلى حد علمنا لم تأخذ نصيبها من التوثيق فضلا عن الدرس عدا محاولات متفرقة انصبت في متابعات صحفية منها ما كتبته مجلة الوطن العربي حول تجنيد الأسرى العراقيين من قبل إيران.
بموازاة عملية غسيل المخ التي جرت لعشرات الآلاف من الأسرى العراقيين كانت هناك جهود تبذل لإيجاد اطر تستوعب نجاح العملية وتستثمرها ففي عام 1986 أسست إيران ائتلافا ضم الشخصيات السياسية الهاربة من العراق أوجدت له جناحا عسكريا جنوده الأسرى العراقيين المتحولين عقائديا ممن تعرضوا إلى عملية غسيل مخ منظمة وفق أسس علمية وبدأت عندها ما سميت بالدورات وتعني الدورة مجموعة الأسرى التوابين الذين يخرجون من الأسر إلى معسكر التدريب ليلتحقوا بالجبهة في إطار تنظيم عسكري بدا كوحدة صغيرة بمرتبة كردان أي فصيل ثم تيب أي فوج ثم لشكر أي فيلق سمي بفيلق بدر.
كان التدريب العسكري للأسرى يتم في معسكر ورامين أسفل العاصمة الإيرانية طهران يشرف عليه ضابط متحول هو احمد الامارة وبعد دورة مكثفة يراقب خلالها سلوك الأسير أيضا ويتم التحقق من نجاح عملية غسيل المخ يرسل إلى جبهة القتال.
بانتقال الأسرى من معسكرات الأسر إلى جبهة القتال على الجانب الإيراني ضد الجانب العراقي دخلت التاريخ الحربي صفحة مختلفة عما سواها ليس لها من سابق وقد كانت عملية غسيل المخ في بدايتها من القوة بحيث أن الأسرى فاقوا الإيرانيين أنفسهم في عمليات القتال مندفعين إلى الموت بأفكار جديدة حول طبيعة المواجهة بين البلدين هي خلاصة الرؤية الإيرانية الدعائية التي تصنف الحرب على إنها صراع بين الحق والباطل وبين فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر.
اشترك الأسرى في عمليات حاج عمران وعمليات حلبجة وعمليات الفاو والمرصاد والأخيرة تعد من قبلهم الإنجاز المبرز وكانت ضد تنظيم مجاهدي الشعب (خلق) الذين اندفعوا إلى العمق الإيراني بعد وقف إطلاق النار من منطقة سربول زهاب علما آن هناك من شارك في معارك كربلاء .
تميز مجتمع التوابين بالانغلاق الفكري على ولاية الفقيه وبزوا الإيرانيين في التعصب لها وحملوا الكره لماضيهم والتنصل منه خاصة ماضيهم العسكري والاجتماعي واوجدوا فيما بينهم وبين أنفسهم تاريخا تتناسب نقاوته مع الأفكار التي أمدتهم بها عملية غسيل المخ وتشبعوا بروح الحقد على النظام السياسي لبلدهم فأنت ترى أحدهم يسمي بيت الخلاء على اسم رئيس بلاده وكذا النعال وكان تعصبهم لإيران ظاهرا في أدق الأمور وشاع بينهم التعصب حتى لذباب إيران وبعوضها وقططها وما كنت اذكر هذا لولا أنني شهدته عبر حوادث شخصية.
كانت الدورات الأولى تضم زبدة الذين نجحت معهم عمليات غسيل المخ نجاحا باهرا فكان إخلاصهم لإيران لا يمكن مقارنته بأي إخلاص آخر أما الدورات المتأخرة والتي جاءت حتى بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية فضمت في صفوفها جنود تظاهروا بالتحول للخلاص من الأسر.
المصير
تعني عملية التفكيك خروج الأسرى من معسكرات الأسر إلى معسكرات التدريب ثم جبهات القتال وكانت قبل ذلك تعني تفكيك كتلة الأسرى إلى موالين لإيران وغير موالين لها أي الفرز وبعد خروج الدفعات الأولى من التوابين انقسموا إلى قسمين الأول خرج إلى الحياة والآخر بقي مسجلا على قوائم الخروج داخل المعسكرات نفسها وبعد عملية تبادل الأسرى بين البلدين رفض التوابون الذين في الخارج فكرة العودة إلى العراق وندر من عاد منهم وهو يعد على الأصابع ومنهم المتحول الذي عرف بتعصبه بادئا للعملية ثم طلب العودة إلى الأسر ومن ثم العودة إلى العراق ليقتل هناك بظروف غامضة وهو محسن جرن أما المتحولين الذين داخل المعسكرات فعاد منهم من عاد وكانت ظروف تبادل الأسرى قد دهمتها قضية الكويت فتوقف تبادل الأسرى مما شجع إيران على الإسراع بإخراج دورات جديدة كي تلتحق بفيلق بدر وهي تعد الدورات الأكبر عددا والإسراع وقتا.
ارتفع تعداد فيلق بدر بعد اجتياح الكويت إلى 15 آلف أسير أو تواب أو متحول أيا كانت التسمية بينهم مقاتلين غير أسرى من مجتمعي المهجرين والمهاجرين لكن ثقل فيلق بدر وقيادته كانت بأيدي التوابين.
كانت الفترة الفاصلة بين توقف الحرب العراقية الإيرانية وبداية اجتياح الكويت ومقدمات حرب الخليج الثانية سنة خرج خلالها عدد من التوابين ليختلطوا بالحياة الإيرانية وكان الكثير منهم قد فعل ذلك وهو في صفوف فيلق بدر مقاتلا فنزلوا إلى الريف الإيراني ليتزوجوا من القرويات وترك بعضهم فيلق بدر ليجد لنفسه عملا سيما أنهم منحوا الغرين كارت كلاجئين وهي عملية غريبة لأناس مسجلين كأسرى على قوائم الصليب الأحمر الدولي.
كان مصير التوابين ليس واحدا فمنهم من قتل في جبهات الحرب ودفن في بهشت زهراء ومقبرتي قم ومشهد ومنهم من تزوج وأنجب واستقر في إيران منسلخا إلى الأبد من ماضيه ومنهم من بقي ضمن صفوف فيلق بدر خائضا كل المعامع التي دخلها ضد بلده ومنها الاندفاع في العمق العراقي عام 1991 أبان أحداث آذار المعروفة وفي السنوات اللاحقة لذلك التاريخ اتصل قسم من التوابين بالأمم المتحدة مستعينين بأرقامهم عند الصليب الأحمر فوفرت لهم الأمم المتحدة بلدا ثالثا ومنهم من أراد التخلص من ارث التوبة فهرب بقدراته الذاتية إلى بلدان العالم المختلفة وقدم هناك طلبا للجوء كعراقي فار من الحكم في بلاده أما الكتلة المتبقية على صلابتها فظلت تبعا لأثار عملية غسيل المخ تخدم ضمن صفوف فيلق بدر وصولا إلى عام 2003 ليتم غزو العراق ويعود التوابون كعماد للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ومن ثم يتم تحويلهم اسميا إلى منظمة بدر.
كانت عملية غسيل مخ الأنجح من نوعها في تاريخ الحروب وكان الذي تحقق منها خارج كل تصور فالذي أفادته كوريا ومن ورائها الصين من تلك العملية دعاية سياسية وقتية التأثير محدودة الأثر نفذت على عدد قليل من الأسرى أما مع هذه العملية فقد حققت إيران ما لم يسبق أن حققه أحد قبلها لقد استطاعت آن تحقق بالحرب النفسية ما عجزت عن تحقيقه بالحرب النظامية.
لم يحدث أن قاتل أسرى بهذا العدد بلدهم ولم يحدث آن اثر أسرى في مجريات الأمور ببلدهم مثل الأثر الذي أحدثته قضية التوابين في العراق ولم يحدث عبر التاريخ آن وقعت عملية غسيل مخ بهذه الشكل وبهذا الحجم وبهذا النجاح.
مثل كل العمليات الجراحية تركت عملية غسيل المخ أثرا جانبيا على التوابين فقد اخذوا ينفرون من تسمية التوابين واستشعروا ثقلها وتحولت في داخل المجتمع العراقي بإيران إلى ما يشبه العار أو السبة وانعزل التوابون مثلما يثبت طالب الأحمد منكفئين على أنفسهم فهم غير مقبولين أيضا من المجتمع الإيراني وخاصة مجتمع المدينة لا مجتمع الريف المعبأ لصالح ولاية الفقيه.
لم يكن مجتمع المهجرين والمهاجرين ومن ثم مجتمع الانتفاضة وهو مجتمع لاحق ليحب التوابين فرفض تزويجهم وتجنب التعامل معهم واخذ ينظر إليهم بنظرة عدم ارتياح وكانت التسميات داخل فيلق بدر تدل على عمق الانقسام فقد كان كل قوم ينادون باسمهم هذا تواب وهذا منتفض ولولا الفروقات لما أوجدت التسميات.
هذا الجهد بين الضعف قليل الأرقام ظاهر المعايب سميناه دراسة تجاوزا بينما هو ليس إلا محاولة لتوثيق ابتدائي لعلمنا أن هناك من يملك أرقاما تستحق التسجيل وخاصة من نفس التوابين ومن شخصيات برزت في مجال السياسة والإعلام قل عليها تأثير تلك العملية وبدأت تزن الأمور بمقاييس العلم لا مقاييس العواطف.
إن الكتابة عن هذا الموضوع من داخل العراق تبدو شبه مستحيلة لان أسرى الأمس هم حكام اليوم متصدرين المشهد السياسي والأمني والمالي فضلا عن الإعلام وهم سيستبسلون لمنع ظهور أي جهد من هذا النوع لما له من علاقة بالأمن القومي العراقي وله وثيق الصلة بما كرت عليه الأحداث في العراق من عام 1991 إلى اليوم وله أيما ارتباط بالتأثير الإيراني داخل العراق.