مشروع أركون في جنوب شرق آسيا!
الأثنين 11 فبراير 2008
مشروع أركون في جنوب شرق آسيا!
تحديث الإسلام ولبرلته:
عبد الرحمن الحاج الغد 26/1/2008
التجربة النقدية للمفكر الجزائري محمد أركون، كما تصفها كتاباته، تمثل أحد مشروعات "تحديث" الإسلام الجديدة، غير أنها ظهرت نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، أي في وقت كان الفكر اليساري الاشتراكي والماركسي سائداً، وكل المشروعات النقدية وإعادة القراءة للإسلام والتراث الديني الإسلامي كانت تتم في إطار رؤية أيديولوجية مستحكمة، وهي - في العموم- تقوم على نقض الإسلام وتراثه، وليس على بناء مشروع لتحديثه وأنسنته، حتى ولو زعمت ذلك، ثم هي تستند على منهج ماركسي يقرأ التاريخ والتراث على طريقة قص الرؤوس لتلائم العمائم التي يلبسونها، في حين أن دراسة أركون تقوم على فكر ليبرالي قادم من أوروبا الغربية، الفكر الذي فارق العالم العربي منذ بدء المد اليساري الماركسي الثورجي في الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم.
مشروع محمد أركون بهذا المنظور يمثل مشروعاً مهماً، كونه يستأنف البحث على أرضية المعرفة الغربية الليبرالية المتنوعة والدراسة الإستشراقية الأوروبية، ومن الطبيعي أن يحظى هذا المشروع باهتمام كبير نسبياً في الأوساط العلمية الأكاديمية والثقافية العربية، وقد كتب عنه عدد من الرسائل والأطروحات الجامعية يتجاوز العشرة؛ فضلاً عن المؤلفات الفردية والمقالات النقدية، غير أن هذا الاهتمام في العالم العربي كان اهتماماً عابراً، يتسم بالنخبوية، ولا يضرب بجذوره في أوساط أكثر عمومية وجماهيرية، ربما بسبب لغته المتعالية وأدواته المنهجية المعقدة.
المثير في الأمر أنه في الوقت الذي بقي مشروع أركون "قولاً بين الأقوال" المتكاثرة في العالم العربي التي تلوكها النخبة المثقفة، فإنه حظي باهتمام استثنائي في جنوب شرق آسيا، لاسيما في أندونيسيا، وفي الجامعات والكليات الإسلامية بالتحديد، وربما كان السبب في ذلك الحاجز اللغوي بين النصوص الدينية والتراث الإسلامي المكتوب في جله بالعربية وبين لسان أهل المنطقة الناطق بالمالايوية، إضافة إلى ذلك الحكومة العلمانية ساعدت على نشر أنماط في الفكر التحديثي في سياق مكافحتها للأصولية الدينية المتشددة، في حين كانت دول أخرى في جنوب شرق آسيا (مثل ماليزيا) قائمة على حماية الإسلام وتراثه وليس محاربة الفكر الديني، الأمر الذي حال دون تمكن الفكر الأركوني وأضرابه من اقتحام النخبة العالمة والمثقفة فيها.
لاحظ أركون وهو يعدّ لتسجيل أطروحته للدكتوراه في السوربون أن حصول نزعةٍ أنسية (عقلانية) في التاريخ الإسلامي واقع لا يمكن أن ينفيه أحد، إلاّ أن المشكلة تكمن في اعتبارها نزعات عابرة غير قابلة للدراسة التاريخية والسيسيولوجية على النحو الذي حصل في أوساط البحث الاستشراقي؛ ذلك لأن الاستشراق وخصوصاً الفرنسي استمّر خاضعاً إلى "الموضوعاتية التاريخية المتعالية" (على حد تعبير ميشيل فوكو) التي يولدها المفهوم الحظي والتراكمي للتاريخ، حيث لا يبدو الحاضر إلاّ استمراراً للماضي.
وإذا كان أركون قد لاحظ ذلك، فإن اهتمامه بالأنسنة العربية يعود إلى رغبته في تثبيت تاريخٍ آخر «للحداثة» - كما سيدعو إلى ذلك لاحقاً في سياق نقده للمركزية الأوروبية- يمر عبر الحضارة العربية الإسلامية، ويتكثَّف في ثقافة متوسطية، وبالتالي حدَّد هدف دراسته الأولى في إثبات النزعة الأنسية العربية الإسلامية (من خلال كتاب مسكويه والتوحيدي).
وجد أركون في مدرسة الحوليات الفرنسية -التي كان قد عرف أحد مؤسسيها (لوسيان فيفر) في مطلع الخمسينيات في الجزائر- نظرة جديدة للتاريخ مكنته من "إعادة قراءة النزعة الأنسية على أنها لحظة تاريخ أصيلة وليست عابرة على مسار تاريخ خطي"، فالتاريخ أصبح ينظر إليه من منظور كلي، وكما يؤكد أركون فإن تأثره بالحوليات الفرنسية كان "لأسباب نفسية وعلمية محددة".
وإذا كانت مهمة إثبات نزعة الأنسنة العربية كنزعة أصيلة مهمة أولية في بحث أركون، فإن تفسير توقف هذه النزعة كان المهمة اللازمة لذلك، ذلك أن الإجابات الاستشراقية السهلة وليدة علل المنهج الاستشراقي التاريخوي نفسه، مما وضع أركون أمام ضرورة استخدام مناهج جديدة للقيام بتحرياتٍ عميقةٍ مقنعةٍ في تفسير الفشل الذي انتهى إليه التيار الإنسانوي العربي في وقت كانت منهجية الاستشراق لا تسمح بإدخال المنهجيات أو الإشكاليات الجديدة التي كان يُسمع صداها خارج جدران الأقسام المحافظة والتقليدية في السوربون. وكان مفكرون ثوريون كباراً قد شغلوا بها الساحة الثقافية الفرنسية، والمفارقة أنه في الوقت الذي نظَّرت فيه البنيوية لموت الإنسان وانحلال الذات الإنسانية (فوكو) استخدمها أركون لإنجاز بحثٍ عن النزعة الإنسانية!
وبالإضافة إلى نزعة أركون المتمردة (كما يؤكدها في عدد من حواراته وكتبه) فإن ضيق المنهج الاستشراقي وحصاره العلمي جعلاه يجد في فتوحات المعرفة في أواسط الخمسينيات ما يساعده في إنجاز دراسته، التي وبسبب ذلك حالت دون إمكانية إقامته مناقشات أكاديمية حول موضوع الفلسفة الإنسانية إلاّ مع فئة نادرة من الباحثين.
في الواقع إن بحث الأنسنة في الفكر العربي عند أركون سرعان تحول إلى مشروع فكري؛ فهو من جهةٍ يسمح بالتفكير في استعادة "نزعة الأنسنة" وإيقاظ الوعي الإسلامي بذاته، ومن جهةٍ أخرى أسس هذا البحث لعلاقة متوترة بالمستشرقين ومناهجهم الكلاسيكية، مما وضع أركون أمام تطورات محتملة لم يتوقف أركون عن الدخول فيها.
تأكد أركون في تجربته ببحث الأنسية العربية عدم كفاية "القواعد الأكاديمية المعترف بها في البيئات العلمية" الاستشراقية الكلاسيكية، والتي يجد أن إصرار "الإسلاميات" ـ بما هي "خطاب غربي حول الإسلام" يهدف إلى "العقلانية" في دراسة الإسلام ـ عليها يرجع إلى أن معظم ممارسيها بقوا متضامنين مع الرؤية التاريخية والعرقية ـ المركزية، التي تمثل استمراراً لحضور الممارسة في عهد الاستعمار التي كانت قد خضعت للنموذج الديكارتي الذي يدعو للمعادلة التالية: "أن تفهم أو أن تعرف = أن تتأهب للشيء من أجل السيطرة عليه"، ولهذا السبب يعزو أركون عدم خضوعها لأي تأمل منهجي.
في إطار الإسلاميات التطبيقية يتحدث أركون عن "سوسيولوجيا للإسلام"، و"عصر جديد للثيولوجيا"، و"مقاربة تاريخية للتراث"، و"الأنثربولوجيا الدينية"، و"إعادة قراءة القرآن"، و"الأنثربولوجيا التطبيقية"؛ لتدشين "تأصيلٍ وتجذير للإسلام في أرض المعرفة الوضعيّة". وهكذا وجد أركون نفسه مشرعاً على الدخول في دراسات كبرى للعقل الإسلامي تمتد من لحظته المعاصرة إلى لحظة انبثاقه؛ فالإسلاميات التطبيقية ـ إذ تقوم بدراسة الفكر الإسلامي المعاصر تمسُّ المشاكل الحارقة للمجتمعات الإسلامية، وحاجاتها الراهنة وتناقش مفاهيم الحداثة الغربية ذاتها لإغناء الإشكالية المتعلقة بالحداثة.
لقد حاول أركون من خلال نقده للاستشراق ودعوته لمشروع «الإسلاميات التطبيقية» فتح طريق جديدة، وميادين مهملة أو منسيّة في البحث عن الفكر العربي الإسلامي، لكنه لم يلبث أن وجد نفسه أمام النتيجة المنطقية للإسلاميات التطبيقية وهي "نقد العقل الإسلامي"، مستفيداً من مصطلحات الفيلسوف الفرنسي فرانسوا فورييه في كتابه "إعادة التفكير في الثورة الفرنسية" 1978، الذي كان أول من استخدام مصطلح "نقد العقل" من أجل هدف تاريخي.
وكما وجد نفسه أمام مشروع جديد، وجد نفسه وقد تحوّل من مجرد مؤرخ للفكر الإسلامي إلى دور الـ"مثقف المفكر" (كما يصف نفسه) الحداثي الذي ينظر إلى الإسلام على أنه "لم يعد النظام المرجع الذي لا يمكن تجاوزه، بل هو حاجز يمنع اكتساح حركة عصرية مكروهة ومرغوبة بآنٍ واحد"، ويناضل - حسب تعبيره - من أجل فتح العقليات المغلقة وتحريرها من "السياج الدوغمائي".
كانت "إعادة قراءة القرآن" قبل مشروع "نقد العقل الإسلامي" مجرد استكشاف لقدرة القرآن "في إطار العصرنة والتحديث [على] إكمال مهمته كمرجع تشريعي عالٍ" لكنها تتحول في نقد العقل إلى "نقد تاريخي" على شاكلة النقد التاريخي الأوروبي للأناجيل، والطريف في الأمر ألا يحيل أركون هذا التحول الجديد إلى نضوج فكرة نقد العقل الإسلامي، وإنما إلى محض الصدفة التي بين يديه كتابات دانييل روس عن الأناجيل!
إن مشروع نقد العقل الإسلامي يرتكز - كما يقول أركون نفسه - على "روح الحداثة" أو "القول الفلسفي للحداثة" كما أوضحها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماز، هذه الحداثة يراها أركون وحدها القادرة على زحزحة الموضوعات التقليدية نحو إشكاليات جديدة، وعلى زحزحة العقائد الراسخة والمسلَّم بها في التنظيرات التقليدية والأرثوذكسية، تصبُّ في النهاية في العلمنة التي يعتنقها أركون كعقيدة  "بالمعنى الإيماني لكلمة عقيدة" على حد تعبيره، والتي تصبح هدفاً بحد ذاتها في مشروعه كله، وإن كانت تتجلى في "مجابهة السلطات الدينية التي تخنق حرية التفكير في الإنسان، ووسائل تحقيق هذه الحرية"، أي بحيث لا تكون العلمنة بدورها سلطة عليا جديدة وتحدد لنا ما ينبغي التفكير فيه وما لا ينبغي التفكير فيه، إنها تتركز فقط في حاجة الفهم والنقد داخل توتر عام في الإنسان.
المشكلة أن مشروع أركون قائم على "ممارسة علمانية للإسلام" بمعنى إعادة قراءة الإسلام من منظور علماني مادي قائم على وضعنة كل التراث الثقافي والديني من أجل أن تدخل الإسلام في الحداثة، والتحول - على غرار المسيحية- إلى "دين الخروج من الدين" لا إلى "الخروج من الدين" على حد تعبير مارسيل غوشييه!
لا شك بأن النزعة الوضعية التي يستند إليها أركون في مشروعه تتحول بشكل واضح إلى أيديولوجيا "تحديث" تنمط التراث الإسلام وفق عمامة جديدة مرة أخرى لكنها هذه المرة ليبرالية، ولأن العرب أتخموا بالأيديولوجيا فإنه ما عاد ممكناً للمشاريع الأيديولوجية أن تأخذ مدى واسعاً كما كان الحال في الخمسينيات والستينيات، في حين أن مسلمي جنوب شرق آسيا لم يستطيعوا أن يلمسوا جيداً الأيديولوجيا الملساء في مشروع أركون، فأخذوا بسحرها رغم إنهم اكتووا بنار الدكتاتوريات اليسارية.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: