حرب المجموعات الخاصة بين واشنطن وطهران
الخميس 8 مايو 2008
 حرب المجموعات الخاصة بين واشنطن وطهران
جهاد سالم -  الوطن العربي 30/ 4/ 2008
 
هل كان تفجير حسينية "سيد الشهداء" في شيراز، ليل الثاني عشر من إبريل "نيسان" الجاري، المؤشر الأول والأخير لانطلاق استراتيجية أميركية جديدة للتعامل مع إيران خلال الفترة المتبقية من عهد بوش؟! القنبلة التي انفجرت وسط ثمانمائة شخص جاءوا يتابعون محاضرات حجة الإسلام محمد أنجوينجاد المعروف بتهجمه الدائم على السنة والبهائيين والأقليات الدينية في إيران، وراح ضحيتها 12 قتيلا وأكثر من 200 جريح، حسب الرواية الرسمية أثارت قلقاً كبيراً لدى المسؤولين الإيرانيين وكان لها وقع المفاجأة التي انعكست ارتباكا واضحاً تجاه قراءتها وتفسيرها. وكان لافتا أن ملالي طهران لم يسارعوا كالعادة إلى اتهام "أعداء الثورة" أو "قوى الاستكبار العالمي" و "عملاء الشيطان الأكبر" بل اختاروا التراجع عن الحديث عن قنبلة لإلقاء المسؤولية على حادث عرضي تسبب به انفجار قذئف كانت معروضة في الحسينية وتعود إلى الحرب العراقية ـ الإيرانية!!
وعلى الرغم من أن شهود العيان وحجة الإسلام نفسه تحدثوا عن انفجار قنبلة وأعلنت إحدى الحركات السنية المعارضة مسؤوليتها أصر الإيرانيون على النفي الرسمي رغم صعوبة تصديقه وتسويقه. وبعد يوم واحد عندما احترقت طائرة سوخوى في مطار مهر أباد في طهران اعتبر الأمر أيضاً نتيجة "عطل فني".
التقارير التي أعدت تعليقاً على الحادثتين جاءت تحمل ربما ما يبرر حالة الارتباك الرسمية الإيرانية. فهذه التقارير ربطت بين هذين الحادثين والشهادتين اللتين قدمهما كل من الجنرال بترايوس والسفير كروكر أمام الكونجرس عن دور إيران في العراق واتهامهما طهران بممارسة حرب بالوكالة ضد الأميركيين في العراق عبر التنظيمات الشيعية المسلحة المؤيدة لها وتحت إشراف قيادة وضباط "فيلق القدس".
وفي معلومات "الوطن العربي" أن تقارير كانت قد وصلت إلى الإيرانيين وسبقت شهادتي المسؤولين الأميركيين في العراق والتقرير السري الذي رفعته المخابرات الأميركية عن الوضع في العراق ورفضت الإدارة تسريب أية تفاصيل عنه. وتحدثت هذه التقارير عن مشاورات سياسية وأمنية وعسكرية أميركية مكثفة عقدت في الأسابيع الماضية بين المسؤولين الأميركيين في واشنطن وبغداد بهدف إعداد استراتيجية جديدة للتعامل مع إيران إلى حين نهاية ولاية جورج بوش في العشرين من يناير "كانون الثاني" المقبل.
وكشف خبير أميركي مطلع على هذه المشاورات لـ "الوطن العربي" أن الإدارة الأميركية قد اختارت تفادي المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، ورغم الحرص على إبقاء الخيار العسكري على الطاولة والقوات الأميركية جاهزة لشن حرب واسعة ضد إيران في أية لحظة إلا أن إجماعاً تحقق ـ رغم اعتراض الصقور الذي يقودهم ديك تشيني ـ على وضع الحسم العسكري في أخر الاحتمالات، إلا إذا لجأ الإيرانيون إلى عملية استفزازية أو أكثر تدفع نحو الحرب، وعلى تفادي إثارة أزمة جيو سياسية قد تقود إلى الحرب.
ويبدو أن بوش اختار الحفاظ على الاستقرار في العراق وضمان الإنجازات المالية، ولكن في الوقت ذاته رفض أي تراجع أميركي أمام الهجمة الإيرانية سواء في العراق أم في لبنان أم على مستوى المنطقة. وأكد على ضرورة مواجهة نفوذ إيران في الشرق الأوسط والتصدي لمحاولاتها الهيمنة سواء في العراق أم خارجة.
ويؤكد هذا الخبير أن استراتيجية أميركية جديدة ولدت على ضوء هذه المشاورات تسعى إلى تفادي الحرب الواسعة والمواجهة العسكرية المباشرة ولكن تتصدى في الوقت نفسه الممارسات الإيرانيين في العراق، وفي لبنان وبتعاونهم مع سورية، وكذلك داخل أية دولة تعتبر حليفة وصديقة للأميركيين في المنطقة حيث ازدادت مؤخراً المشروع الأميركي". ولفت الخبير أن الرئيس الأميركي اختصر مؤخراً هذه الاستراتيجية عندما دعا إيران إلى الاختيار بين التعاون الإقليمي السلمي والرد الأميركي "لحماية مصالحها وقواتنا وحلفائنا".
السن بالسن..
معلومات "الوطن العربي" تشير إلى أن هذا الرد الأميركي هو محور الاستراتيجية الجديدة التي ظهر مؤشرها الأخير في شيراز، وهي استراتيجية يصفها المطلعون عليها بأن ركيزتها الأساسية هي أسلوب المعاملة بالمثل والسن بالسن والعين وتبني الحرب بالوكالة والعمليات السرية.
وبكلام آخر الرد على تدخل إيران ـ وسورية ـ لزعزعة استقرار العراق ولبنان عبر زعزعة استقرار كل من إيران وسورية ومواجهة العمليات التي تنفذها تنظيمات مسلحة وممولة من طهران ودمشق بعمليات مماثلة ضدهما تنفذها جماعات وتنظيمات مسلحة وممولة مدربة من قبل المخابرات الأميركية.. أي تبني حرب المجموعات الخاصة واستخدام الأقليات ضد إيران وسورية والدخول في مواجهات بالوكالة مع التنظيمات التابعة لهذين ونقل الحرب إلى داخلها عبر تأليب الأقليات وتسليح المعارضة وإنشاء ما يمكن تسميته مجموعات خاصة أميركية تتصدى للمجموعات الخاصة الإيرانية والسورية.
وفي معلومات "الوطن العربي" أن إيران كانت قد تابعت باهتمام بالغ لقاءات نظمت في الكونجرس في شهر مارس "آذار" الماضي وجمعت ممثلين عن كل الأقليات في إيران تحت عنوان "حقوق الإنسان والأقليات الأمنية والدينية في إيران".
وتولت تنظيم هذه اللقاءات "مجموعة عمل إيران" في الكونجرس التي استمعت لشهادات من أذريين وبلوش وأكراد وعرب وبهائيين عما تتعرض له الأقليات من قمع وحرمان في إيران. وتزامنت لقاءات الكونجرس هذه مع حملة منظمة للدفاع عن الأقليات في إيران وأخرى تدعو الإدارة الأميركية إلى دعم هذه الأقليات ومساندتها على إطاحته عبر إثارة اضطرابات داخلية.
وعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية لم تعلن تبنيها لهذه الدعوات واكتفت بالإعلان عن رصد ميزانية لتوجيه برامج إذاعية باللغة الأذرية إلى داخل إيران إلا أن بعض التقارير السرية عن استراتيجية أميركية جديدة تجاه طهران أسهمت في إثارة قلق الإيرانيين واهتمامهم بمؤشرات العودة إلى أسلوب تحريك الداخل دعم الأقليات بل وإعداد تنظيمات مسلحة جديدة مهمتها خوض الحرب بالوكالة مع إيران ومواجهتها بأسلوبها.
وفي معلومات "الوطن العربي" أن واشنطن لجأت سراً إلى إعادة تفعيل مجموعة العمل الخاصة بسورية وإيران التي سبق أن أقٌفلتها قبل عدة أشهر لكن المجموعة الجديدة ليست تابعة لا للخارجية ولا للبنتاجون بل لوحدة العمليات السرية في لـ "سى. أي. إية" التي أنشأت مقراً لهذه المجموعة في مدينة السليمانية في كردستان العراق حيث بدأت بالعمل بالتعاون مع المخابرات العسكرية الأميركية في العراق وأفغانستان.
وتؤكد التقارير أن هذه المجموعة تتولى منذ أكثر من شهرين إعادة تحريك الأقليات الإيرانية وتسليح وتمويل جماعات انفصالية مسلحة من العرب والأكراد والبلوش والأذريين وتعتمد على شكل خاص على فصائل سبق أن أثبتت قدرتها على تنفيذ عمليات داخل إيران ومواجهة قوات الحرس الثوري وأبرزها جماعة "مجاهدين خلق" التي مازالت المخابرات الأميركية تضمن لها الحماية في معسكر أشرف في العراق، ومجموعة "حزب الحياة الحرة" الكردية المعروف باسم "بيجاك" والتي تعتبر الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني، وبدأت تحظى مؤخراً بدعم كبير من المخابرات الأميركية التي يقال إن خبراء من الـ "سى. آي. إيه" كلفت بتأهيل عناصر هذه الجماعة وتدريبهم في معسكر خاص يقع في أربيل.
وتشير المعلومات أيضاً إلى أن المخابرات الأميركية قد فتحت خطوط اتصال ودعم مع المتمردين البلوش وتحديداً تنظيم جند الله الناشط جنوب غرب إيران في إقليم بلوشستان في الوقت الذي تتولى المخابرات البريطانية مساعدة الأميركيين على إعادة تأهيل فصائل مسلحة تنشط في الأهواز.
دعم الأكراد
وتشير أخر التقارير إلى أن المخابرات الأميركية بدأت تولي اهتماماً خاصاً بدعم الجماعات المسلحة الكردية بهدف استخدام هؤلاء الأكراد كورقة حفظ أساسية ليست فقط ضد إيران بل أيضاً ضد سورية. وفي معلومات هذه التقارير أن فصيلين كرديين ـ سوريين على الأقل يتعاونان حالياً في شكل مكثف مع وحدة العمليات السرية في الـ "سى. أي. إيه" التي افتتحت لهما معسكراً في كردستان العراق في منطقة محاذية للحدود مع سورية ويجري الحديث عن رصد مبالغ مالية ضخمة لتعبئة الأكراد السوريين وإعداد مجموعات مسلحة قادرة على تنفيذ عمليات داخل سورية.
وتضيف التقارير المخصصة لاستراتيجية الحرب بالوكالة التي قررت واشنطن خوضها أن تربية "المجموعات الخاصة" والفصائل المسلحة المتحالفة مع الأميركيين لا تقتصر فقط على إيران والعراق وسورية بل تصل على لبنان وفلسطين إذ تلفت إلى أن الاستراتيجية الأميركية للمعاملة بالمثل تنسحب على كل الساحات والمناطق التي لجأت فيها إيران إلى نشر وإنشاء "مجموعات خاصة" وتنظيمات مسلحة تعمل لحساب المشروع الإيراني ويشرف على تسليحها وتمويلها "فيلق القدس".
والمطلعون على هذه الخطة الأميركية يؤكدون أن ما حصل في حسينية شيراز ليس سوى الفصل الأول من خطة تشمل غالبية منطقة الشرق الأوسط، وتقضى بالانتقال من الدفاع إلى الهجوم بدون خوض مواجهة مباشرة وعبر حرب بالوكالة بحيث لا تظل الساحة مفتوحة فقط أمام الفصائل المسلحة التابعة لإيران وسورية، وعلى ضوء ذلك تؤكد هذه المصادر أن استراتيجية المعاملة بالمثل مرشحة لتشهد في الأشهر المقبلة تصعيداً كبيراً على أكثر من جبهة سواء في الاغتيالات أو عمليات التفجير وهي عمليات يتوقع العارفون أن تترجم ميدانياً بنقل الحرب إلى داخل الدول والتنظيمات المتهمة بالعمل ضد المشروع الأميركي.
مجموعات الانتقام
وإذا كانت واشنطن قد اختارت عدم التصعيد في المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران حتى من خلال مطاردة ضباط الحرس الثوري العاملين في العراق، إلا أن الاستراتيجية الجديدة ستعتمد على فصائل مسلحة معارضة مدعومة وممولة ومسلحة أميركيا على غرار "المجموعات الخاصة" التي أنشأتها إيران في العراق من أجل تنفيذ عمليات داخل إيران سورية للانتقام من استمرار التدخل السوري في العراق ولبنان. وتلفت جهات استخبارية مطلعة إلى أن بعض التقارير السرية قد اعتبرت عملية اغتيال عماد مغنية في دمشق ترجمة للاستراتيجية الأميركية الجديدة، إذ أن هؤلاء الخبراء وضعوا عملية اغتيال مسؤول حزب الله في إطار الانتقام من العمليات التي ينفذها عملاء إيران وسورية في عدة دول في المنطقة. وفي معلومات "الوطن العربي" أن تقريراً استخبارياً أوروباً اعتبر أن عملية اغتيال مغنية في دمشق جاءت رداً انتقامياً على محاولة اغتيال مسؤول أمني أميركي كبير في بيروت يوم الخامس عشر من يناير "كانون الثاني" الماضي وهي العملية التي قيل إنها استهدفت سيارة تابعة للسفارة الأميركية.
وفي أي حال تؤكد المصادر المطلعة على تفاصيل استراتيجية واشنطن على المدى القصير وإلى حين انتهاء عهد بوش أن اتصالات مكثفة بدأت منذ أشهر بين المخابرات الأميركية وفصائل مسلحة وحركات معارضة لكل من إيران وسورية وأن عمليات تسليح وتمويل وتعاون قادت إلى نجاح واشنطن في إنشاء "مجموعات خاصة" ووحدات مسلحة معادية للمجموعات والفصائل المسلحة التي ترعاها وتمولها تسلحها كل من طهران ودمشق، وأن هذه المجموعات باتت قادرة على خوض الحروب بالوكالة وتنفيذ عمليات تفجير واغتيالات من شأنها نقل الحرب إلى الطرف الأخر وهو ما يعني عملياً أن مسلسل الاغتيالات الذي استهدف الأغلبية في لبنان مرشح للانتقال إلى صفوف المعارضة، وأن مرحلة تصفية حسابات مقبلة على أكثر من جبهة مرشحة لخوض هذه الحرب الإيرانية والسورية من جهة والأميركية من جهة أخرى بالوكالة وعلى مستوى منخفض، أي بدون الوصول إلى مواجهة مباشرة وحرب مفتوحة ولكن مع خطر تفجير أكثر من حرب أهلية.
ويبدو واضحاً أن طهران استشعرت هذا الخطر مع عملية حسينية شيراز التي شكلت تهديداً بنقل نوعية في الحرب التي تخوضها "بالوكالة" مع الأميركيين في العراق ولبنان في شكل خاص عبر التلويح بالانتقام من "مجالس الصحوة" في العراق إلى الجماعات المسلحة المعارضة داخل إيران.
وتشير المعلومات إلى أن هذه العملية دفعت الإيرانيين إلى العمل على تسريع صفقات المساومة والتفاوض مع الأميركيين حيث يقال إن العرض الإيراني بالتخلي عن جيش المهدي استهدف تحديداً مساومة الأميركيين على التخلي عن "مجالس الصحوة" و "مجاهدين خلق" والتوقف عن خطة دعم أكراد إيران والبلوش والعرب والأذريين. ون الواضح بالنسبة للعديد من الخبراء المطلعين أن استراتيجية الحرب بالوكالة المرشحة للتوسع في ميادين المواجهة بين طهران وواشنطن تخفى رغبة كل طرف برفض المواجهة المباشرة وفي الوقت ذاته عدم الاستسلام و... تحسين أوراق التفاوض برسم الرئيس الأميركي الجديد. وفي الانتظار تتزايد المخاوف من أن تخرج حرب "المجموعات الخاصة" بكل طرف عن السيطرة فتكون الحروب الأهلية البديل لتفادي الحرب المباشرة، وهو ما ينذر بانعكاسات خطيرة في دول مثل لبنان والعراق تهدد عدواها دول الجواد وفي مقدمتها سورية وإيران!
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: