إذا كان معدل التشيع في مختلف الطوائف الآن هو 2785 سورياً في السنة منهم 1005 سنَّياً، فإنه وعلى فرض استمرارهذا المعدل وثباته (والواقع أن انتشار الأديان كظواهر اجتماعية ينتقل عبر متواليات حسابية وليس عبر تزايد عددي تقليدي خصوصاً في ظل مجتمعات متماسكة اجتماعياً ما تزال الأسرة الممتدة تمثل أساس العلاقات الاجتماعية، وغالباً تتعداها إلى القبلية) فإنه خلال عشرين سنة سيكون عدد المتشيعين السوريين حوالي 550000 ألفاً ولكن عدد السكان في سورية سيكون وقتها قد تجاوز الثلاثين مليوناً. وحتى لو تضاعف هذا المعدل ثلاث مرات فإن عدد المتشيعة في سورية سيصل إلى مليونين خلال عشرين سنة، وخمسمائة ألف خلال خمس سنوات، وهذا يعني أن خطر التغيير الديموغرافي في سورية غير وارد بعدُ في المدى المنظور من الولاية الثانية لبشار الأسد على الأقل.
لكن الخطر الأمني وارد بقوة، فمن المهم ملاحظة أن تركيز التبشير الشيعي في رقعتين جغرافيتين أساسيتين: الساحل السوري ومنطقة الجزيرة، وهذا يدل على أن هاتين الشريحيتن مرشحتان للعب دور رئيس في حماية النظام والدفاع عنه، الشريحة الأولى في الساحل السوري لأسباب طائفية وامتيازات اجتماعية وخوف وجودي، والشريحة الثانية لانتشار الأمية والفقر فيها وسهولة إخضاع أفرادها للقوة وإجبارهم على ممارسات غير شرعية ضد الشعب ويضاف الآن إلى كل ذلك عنصر جديد هو التغلغل الشيعي في القبائل، وحيث يعتبر عهد الأسد الابن العهد الذهبي للتشيع في الجزيرة فإن مصالح المبشرين مرتبطة آلياً بوجودالنظام.
وتنبه الدراسة إلى أن المتشيعين الجدد يمكن أن يكونوا عناصر محتملين لحماية النظام والدفاع عنه مع المتشيعة الجدد المنتشرين في كل أنحاء سورية.
الأقلية الصغيرة جداً لا تملك بطبيعة الحال طموحات سياسية بقدر ما تملك طموحات اجتماعية،لكن عندما تكبر فإنها بالتأكيد سيكون لها طموحاتها، فإذا حصل ما سبق ـ وهو أمر واردـ فإن معدلات التشيع ستكون مخيفة؛ إذ من الممكن أن تنتقل إلى معدلات كبيرة جداً قد تصل إلى عشرة أضعاف وهذا يجعل السيناريو مختلفاً، إذ من الممكن حينها أن تصل أعداد المتشيعين إلى ما يزيد عن مليون متشيع! وهذا سيجعل الأقلية الشيعية بحجم الأقلية الكردية، وبما أن امتداد الشيعة الديموغرافي يتركز أساساً في العراق ولبنان،البلدان اللذان يمثلاً الجزء الأهم من الهلال الشيعي، فإن المتشيعة السوريين قد يقومون بتشكيل أحزاب مناضلة تأثراً بأشقائهم في العقيدة (حزب الله وفيلق بدر وجيش المهدي)، فإن حصل هذا فإنها ستكون بالتأكيد متأثرة بالميلشيات الشيعية المذكورة وكلها تعتبر أحزاب متشابهة من جهة نظرتها وولائها السياسي لإيران دون أوطانها.
الخطر قد لا يكمن هنا فحسب، فماذا لو تم تشكيل حزب مناضل بمعونة رسمية من النظام السوري وبالاستعانة بخبرات حزب الله، ثم موِّه شكلياً بأشخاص من المجتمع السني وتم إطلاق يده على حدود الجولان؟ هل من الممكن أن يتكرر سيناريو حزب الله فيصبح حزب الله السوري متحكماً في القرار السوري الداخلي على سورية، كما يستولي شقيقه حزب الله اللبناني على قرار لبنان ويعيق إرادة الأكثرية اللبنانية،ويصبح النفوذ الإيراني في سورية حقيقة أبدية؟
حتى لو كان هذا السيناريو غيرمحتمل، فهل يمكن أن نتوقع أن يتحول المتشيعون الجدد إلى عناصر أمنية عند تعرض النظام لاحتجاج داخلي كما تحول عناصر حزب البعث في الثمانينات إلى عناصر أمنية؟خصوصاً أن كثيراً من النخبة السياسية وضباط الأمن العلويين منحازون بشكل كبير أوينتمون للتيار الشيعي في الطائفة العلوية، حينها سيتحول هؤلاء إلى عناصر شغب تبث الفوضى في المجتمع السوري لصالح النظام.
لو بقيت معدلات التشيع على حالها،ولم تتضاعف أبداً ـ وهو أمر غير محتمل في ظل الظروف الراهنة ـ فإن دخول عنصر التشيع الإيراني والعراقي فضلاً عن الوجود الشيعي العراقي في سورية والذي يصل إلى قرابة 500 ألف شيعي وفي ظل دعم لوجستي إيراني وأمني سوري من المحتمل يتحول هؤلاء إلى اللعبة السياسية ويصبحوا إحدى الأدوات الجديدة للنظام في صراعه مع المعارضة الوطنية الديمقراطية، خصوصاً إذا أقر قانون الأحزاب.
أخيراً:
حتى الآن وفي إطارالمدى المنظور فإن خطر التغيير الديموغرافي في سورية بسبب التشيع غير وارد. لكن الخطر السياسي والأمني وارد بقوة. والخطر الأمني ليس على الشعب السوري فحسب بل على النظام نفسه، فالأقلية الشيعية موالية لإيران مولاة سياسية وعقدية، وعندما تتغيرالمصالح مع إيران وتتبدل العلاقات؛ عندها علينا السؤال: ما الدور السياسي والأمني الذي يمكن أن يلعبه جماعة إيران في سورية؟
كان أحرى بنظام يدعي البراءة والجهل التام بمجريات هذه القضية ذات الحساسية الخاصة أن يستجيب لدعوة بعض أعضاءحزب البعث البارزين في الثاني عشر من شباط/فبراير عام 2007 إلى "إجراء دراسة علمية من قبل مركز دراسات سوري مستقل، يقوم بزيارات ميدانية ويقدم تقريراً شفافاً مدعماً بالمعلومات والصور عما يثار، بحيث يمكن في النهاية التوصل إلى معرفة حقيقة ما يجري،ويتم عرضه على قيادة حزب البعث، بحيث يتم اتخاذ الإجراءات المناسبة والتصدي لمن يثير الفتنة سواء أكانت هذه الظاهرة موجودة أو يتم تضخيمها لأهداف معروفة".
لقد انتظرنا ريثما يتم إنجاز هذه الدراسة حتى نحدد موقفنا من القضية، وحتى يكون موقفنا مبنياً على أسس علمية لا أهواء سياسية، وبعد أن أعلنا نتائج هذه الدراسة العلمية فإننا نحذر النظام من المضي في الممارسات الطائفية وتفتيت الوحدة الوطنية للشعب السوري والدعم غير المحدود وغير المشروط للنفوذالإيراني في شؤوننا الداخلية، وندعو رجال الدين من مختلف الطوائف في سورية أن يقوموا بخطوات عملية على غرار بيان علماء الشام الشهير ولكن لمواجهة الخطر الإيراني والعدوان على عقائد الناس لأغراض سياسية، كما ندعوا الطائفة العلوية الكريمة إلى مواجهة هذه المحاولات المتكررة لتشييعها، خاصة وأننا نعلم أن القسم الأكبر من الطائفة غير راض عن هذا التوجه التبشيري. وندعوا الشعب السوري للضغط على قياداته وعلمائه وأصحاب الرأي فيه لصد هذه الهجمة وصون الوحدة الداخلية. كما أننا نذكر العلماء في سورية بواجبهم، وهم أعلم به منا. كما أننا ندعو القيادات السياسية المعتدلة في المنطقة والدول المعنية بخطر النفوذ الإيراني أن تبدأ باتخاذ خطوات عملية لمواجهة خطر المد الشيعي في سورية وجوارها. وتعلن الحركة ههنا أنها تعمل على بناء استراتيجية لمواجهة هذا الخطر بالاعتماد على خبرات علمية وسياسية سيتم الإعلان عنها قريباً.
**************
دراسة: تشييع عشرات الآلاف من السوريين
المصريون : بتاريخ 29 - 4 - 2008
كشفت دراسة وثائقية جديدة أعدتها حركة العدالة والبناء السورية المعارضة عن تطورات خطيرة في سياقات تشييع المجتمع السوري عن طريق الاختراق الإيراني والطائفي العراقي ، مؤكدة على أن هذا التوجه يحظى بتأييد وتسهيلات أمنية وسياسية من قبل نظام البعث السوري ، حيث تتحكم الأقلية العلوية في جميع مراكز القوة والنفوذ في المؤسسات العسكرية والاستخبارية والأمنية ، فضلا عن مراكز القوة في المؤسسات السياسية ، وتقول الدراسة التي حصلت المصريون على نسخة كاملة منها : لقد أفضت مجموعة المعلومات المتحصلة من المصادر إلى جملة من المعطيات الرقمية، وبعد عدد من عمليات المقارنة أمكن للدراسة أن تصل إلى وضع جدول يوضح الانتشار جغرافياً وديموغرافياً في إطار تحديدات زمنية تسهل فهم الانتشار وتفسيره.
وفي بيانها لنسب التشيع حسب التقسيم الطائفي تقول الدراسة : عدد المتشيعين الإجمالي في سورية في الوسط الاجتماعي السني وحده (ضمن المجال الزمني 1919-2007) هو 16000 شخصاً كحد أقصى، منهم 8040 تشيعوا في الفترة بين 1999-2007، أي بنسبة 50% من مجموع المتشيعين السنة السورين تشيعوا في عهد بشار الأسد.
ومجموع المتشيعين من كل الطوائف في الفترة (1919-2007) سورية هو 75878، يتوزعون كالتالي: نسبة المتشيعة من السنَّة هو 21%، ونسبة المتشيعة من الإسماعيلين هي 9% ونسبة المتشيعة من العلويين هي 70%.
وتكشف الدراسة عن معدلات انتشار الظاهرة حيث تقول : تعتبر الفترة الذهبية للتشيع هي الفترة الممتدة بين 1970-2007، فما قبلها لا يعتبر التشيع ظاهرة، ولم يتعد عدد الذين تشيعوا بضعة مئات، فإذا قدر عددهم بما دون الألف، فإن عدد السُّنة الذين تشيعوا في عهد حافظ الأسد (أي في الفترة 1970-1999) يقدر بـ 6960 كحد أقصى، بما نسبته 43%، وعدد السنَّة الذين تشيعوا في الفترة 1999- 2007 يقدر بـ 8040 كحد أقصى بما نسبته 50%.
وعلى هذ الأساس فإن المعدل السنوي للتشيع في الوسط السني حتى ما قبل عام 1970 كان 20 شخصاً في السنة، وفي عهد حافظ الأسد 1970-1999 كان المعدل 232 سنياً في السنة، أي أنه تضاعف قرابة 12 مرة عن الفترة التي سبقته، وفي عهد بشار الأسد ضمن الفترة 1999-2007 فإن معدل الانتشار كان 1005 سنياً سنوياً، أي أن المعدل السنوي تضاعف عن عهد أبيه بما يعادل 4.3 مرة، وتضاعف بـ51 مرة عن معدل ما قبل 1970.
وبالنظر إلى الطوائف الأخرى فإن إجمالي عدد المتشيعين في عهد حافظ الأسد هو 52596 شخصاً سورياً من مختلف الطوائف، وبالتالي فإن معدل الانتشار السنوي في عهد الأسد الأب كان 1753 شخصاً في السنة. أما في عهد بشار الأسد تشيع 22282 شخصاً سورياً من إجمالي الطوائف (السن والعلوية والإسماعيلية)، وبالتالي فإن المعدل السنوي لانتشار التشيع في مختلف الطوائف السورية هو 2785 سورياً في السنة، ووفقا لهذا الحساب فإنه يعني أن نسبة التشيع من مختلف الطوائف زادت في عهد حافظ الأسد عما قبله بـ 89 مرة! وفي عهد بشار الأسد تضاعفت النسبة 1.6 مرة عن عهد أبيه، و142 مرة عما كان في 1970 فما قبل!
وفي رصدها للخريطة الجغرافية لانتشار حركة التشييع في سوريا تقول الدراسة : إن تحول التشيع إلى ظاهرة يرجع إلى تشكُّل تيار شيعي في الطائفة العلوية بدعم من حافظ الأسد الذي كان قريباً من أنصار هذا التيار، وإلى تدخل الملالي الإيرانيين العراقيين واللبنانيين في عملية التشييع في سورية، وإلى تزايد اهتمامهم بالطائفة العلوية ودفعها إلى اعتناق التشيع والخروج من الأفكار العلوية المنشقة.
في حين يبدو أن ابتداء التشيع في الوسط الإسماعيلي بشكل قوي يوازي معدله في الوسط السني يعني أن تغييرات طرأت على الطائفة الاسماعيلية، بعضها يرجع إلى العمالة في لبنان، والبعض الآخر يرجع إلى عمليات حزب الله في مناوشاته ضد الإسرائيلين في منتصف التسعينيات. أما الوسط السني فيرجع أساساً إلى العمالة في لبنان ونشاط شبكة مبشرين مؤلفة من المتشيعة الجدد والشيعة السوريين، والملالي الإيرانيين ومؤسساتهم الثقافية، والمبشرين العراقيين الموفدين من المراجع الشيعية (وخصوصاً الشيرازية) ومؤسساتهم، والتسهيلات الحكومية التي بدأت تظهر شيئاً فشيئاً مع تزايد دور بشار الأسد وتقوية نفوذه في منتصف التسعينات.
في عهد بشار الأسد تحول التشيع إلى "تشييع" الأمر الذي يعكس تزايد انتشار التشيع وتضاعف معدله عن عهد أبيه، فقد منح بشار الأسد المؤسسات الشيعية ونشاطاتها تسهيلات غير معهودة من قبل، وهي تسهيلات تبدأ من المستوى الأمني وتنتهي بالمستوى السياسي والإداري، الأمر الذي أعطى التشييع دفعة لم تكن قط في السنوات السابقة.
غير أن الملاحظ هو أن تزايداً غير اعتيادي طرأ على نسب التشيع من السُنّة، ففي ثمان سنوات فقط تشيع ما يزيد على ضعف وثلث الضعف عن عدد الذين تشيعوا في ثلاثين سنة خلتها!
كما أن انتشار التشيع جغرافياً تركز في عهد الأسد الأب في الساحل السوري 55% بالدرجة الأولى، وفي إدلب بالدرجة الثانية 15%، وحلب بالدرجة الثالثة 10%، لكنه في عهد بشار الأسد انتقل بشكل دراماتيكي إلى الجزيرة السورية، التي قفز فيها نسبة انتشار التشيع إلى 55% بعد أن كان في عهد الأسد الأب لا يتجاوز 6%! يعود هذا التحول إلى عدد من المعطيات تتعلق بالعمالة في لبنان، وانتشار الأمية، والعامل السياسي المتمثل في الرغبة الإيرانية في توسيع ولائها الاجتماعي وتجذير هلالها الشيعي في سورية السنية، فالمنطقة تعتبر بادية سورية تنتشر فيها القبائل، ولهذه القبائل امتدادها في العراق والسعودية والأردن، وبعض هذه القبائل تشيع قسمها العراقي. وبالإجمال فإن البادية المحاذية لشيعة العراق تمثل امتداداً جغرافياً لها، وهذا ما يجعلها مغرية جداً للراغبين في بسط الهلال الشيعي عبر سورية.
كما أن الروابط القبلية تساعد على الانتشار بشكل واسع خصوصاً مع شيوع الأمية بنسب كبيرة في المجتمع البدوي، وهو أمر يجعل للقبيلة سلطاناً يفوق سلطان العقل وأحياناً الدين، لقد اتُّبعت استراتيجة واضحة في تشييع القبائل من خلال ربطها بأصولها من آل البيت، خصوصاً وأن كثيراً من القبائل تدعي نسبتها لآل البيت.
إن تصاعد المد الشيعي في عهد بشار الأسد يرجع أيضاً إلى معطيات جديدة في الاستراتيجية المتبعة للتشيع، فبالإضافة إلى استغلال الروابط القبلية والظروف الثقافية لمجتمع الجزيرة السورية فإن تدفق الدعم اللوجستي الإيراني (المالي والمعنوي) والحماية الأمنية لنظام الأسد كانا سنداً قوياً لهذا المد ليعتمد المال والسياسة كأساس لانتشاره بسرعة أكبر بكثير من تلك التي كانت في العهد السابق.
وتضيف الدراسة : لكن الخطر الأمني وارد بقوة، فمن المهم ملاحظة أن تركيز التبشير الشيعي في رقعتين جغرافيتين أساسيتين: الساحل السوري ومنطقة الجزيرة، وهذا يدل على أن هاتين الشريحيتن مرشحتان للعب دور رئيس في حماية النظام والدفاع عنه، الشريحة الأولى في الساحل السوري لأسباب طائفية وامتيازات اجتماعية وخوف وجودي، والشريحة الثانية لانتشار الأمية والفقر فيها وسهولة إخضاع أفرادها للقوة وإجبارهم على ممارسات غير شرعية ضد الشعب. ويضاف الآن إلى كل ذلك عنصر جديد هو التغلغل الشيعي في القبائل، وحيث يعتبر عهد الأسد الابن العهد الذهبي للتشيع في الجزيرة فإن مصالح المبشرين مرتبطة آلياً بوجود النظام. وتنبه الدراسة إلى أن المتشيعين الجدد يمكن أن يكونوا عناصر محتملين لحماية النظام والدفاع عنه مع المتشيعة الجدد المنتشرين في كل أنحاء سورية.
الأقلية الصغيرة جداً ـ تضيف الدراسة ـ لا تملك بطبيعة الحال طموحات سياسية بقدر ما تملك طموحات اجتماعية، لكن عندما تكبر فإنها بالتأكيد سيكون لها طموحاتها، فإذا حصل ما سبق ـ وهو أمر وارد ـ فإن معدلات التشيع ستكون مخيفة؛ إذ من الممكن أن تنتقل إلى معدلات كبيرة جداً قد تصل إلى عشرة أضعاف وهذا يجعل السيناريو مختلفاً، إذ من الممكن حينها أن تصل أعداد المتشيعين إلى ما يزيد عن مليون متشيع! وهذا سيجعل الأقلية الشيعية بحجم الأقلية الكردية، وبما أن امتداد الشيعة الديموغرافي يتركز أساساً في العراق ولبنان، البلدان اللذان يمثلاً الجزء الأهم من الهلال الشيعي، فإن المتشيعة السوريين قد يقومون بتشكيل أحزاب مناضلة تأثراً بأشقائهم في العقيدة (حزب الله وفيلق بدر وجيش المهدي)، فإن حصل هذا فإنها ستكون بالتأكيد متأثرة بالميلشيات الشيعية المذكورة وكلها تعتبر أحزاب متشابهة من جهة نظرتها وولائها السياسي لإيران دون أوطانها.
المد الشيعي في سوريا
(فصل من الدراسة )
المصريون : بتاريخ 30 - 4 - 2008
لم يتجاوز عدد المتشيعين في المجال الزمني 1919-1970 ألف شخص كحد أقصى، أي أنه طول نصف قرن لم يكن بالإمكان الحديث عن ظاهرة تشيُّع، بقدر ما يمكن فيه الحديث عن تشيُّع فردي متباعد الزمان والمكان، ولعل هذا يرجع إلى سببين: أولهما أن الأقلية الشيعية السورية أقلية صغيرة جداً، تميل للانطواء والحفاظ على النفس في ظروف عرفت بقوة التيار الديني السني وتأثيره الكبير في الحياة العامة. وثانيهما أن فكرة عودة الفرع العلوي النصيري إلى أصله الشيعي لم تكن قد جذبت اهتمام المراجع الدينية، فبقيت نخبويةً، وبقي هذا التيار على اتصال محدود بالمراجع الشيعية الإيرانية والعراقية، وصلته ضعيفة بالشيعة السوريين، فضلاً عن ضعف الأقلية الشيعية السورية وهذا جعله تياراً ضعيفاً، يضم بعض الأفراد "الإصلاحيين" الذين يرغبوب بإخراج الطائفة من عزلتها عبر تشييعها.
غير أن التشيُّع في المجال الزمني 1970-1999 ـ كما تشير الأرقام ـ يدل على انتشار بالغ للتشيع، فقد بلغ المعدل السنوي لانتشار التشيع 1704 شخصاً في السنة، ينقسمون كالتالي: 232 سنياً في السنة، 1350 علوياً في السنة، 68 إسماعيلياً في السنة. ويرتفع معدل هذا الانتشار بشكل بالغ في الطائفة العلوية النصيرية.
إن تحول التشيع إلى ظاهرة يرجع إلى تشكُّل تيار شيعي في الطائفة العلوية النصيرية بدعم من حافظ الأسد الذي كان قريباً من أنصار هذا التيار، وإلى تدخل الملالي الإيرانيين العراقيين واللبنانيين في عملية التشييع في سورية، وإلى تزايد اهتمامهم بالطائفة العلوية ودفعها إلى اعتناق التشيع والخروج من الأفكار النصيرية المنشقة.
في حين يبدو أن ابتداء التشيع في الوسط الإسماعيلي بشكل قوي يوازي معدله في الوسط السني يعني أن تغييرات طرأت على الطائفة الاسماعيلية، بعضها يرجع إلى العمالة في لبنان، والبعض الآخر يرجع إلى نجاحات حزب الله في معاركه ضد الإسرائيلين في منتصف التسعينيات. أما التشيع داخل الوسط السني فيرجع أساساً إلى العمالة في لبنان ونشاط شبكة مبشرين مؤلفة من المتشيعة الجدد والشيعة السوريين، والملالي الإيرانيين ومؤسساتهم الثقافية، والمبشرين الموفدين من المراجع الشيعية (وخصوصاً الشيرازية) ومؤسساتهم، والتسهيلات الحكومية التي بدأت تظهر شيئاً فشيئاً مع تزايد دور بشار الأسد وتقوية نفوذه في منتصف التسعينات.
في عهد بشار الأسد تحول التشيع إلى "تشييع" الأمر الذي يعكس تزايد انتشار التشيع وتضاعف معدله عن عهد أبيه، فقد منح بشار الأسد المؤسسات الشيعية ونشاطاتها تسهيلات غير معهودة من قبل، وهي تسهيلات تبدأ من المستوى الأمني وتنتهي بالمستوى السياسي والإداري، الأمر الذي أعطى التبشير دفعة لم تكن قط في السنوات السابقة.
غير أن الملاحظ هو أن تزايداً غير اعتيادي طرأ على نسب التشيع ضمن الوسط السُّني، فخلال ثمان سنوات فقط تشيع ما يزيد عن ضعف وثلث الضعف عن عدد الذين تشيعوا في ثلاثين سنة هي جملة عهد الأسد الأب! فقد بلغت معدلات التشيع في الوسط السني في عهد حافظ الأسد 1970-1999 حوالي 232 سنياً في السنة، وفي عهد بشار الأسد ضمن الفترة 1999-2007 كان معدل الانتشار 1005 سنياً سنوياً، أي أن المعدل السنوي تضاعف عن عهد الأسد الأب في 1970-1999 بما يعادل 4 مرات، وتضاعف بـ51 مرة عن معدل ما قبل 1970.
كما أن انتشار التشيع جغرافياً تركز في عهد الأسد الأب في الساحل السوري بالدرجة الأولى 55%، وفي إدلب بالدرجة الثانية 15%، وحلب بالدرجة الثالثة 10%، لكنه انتقل بشكل دراماتيكي إلى الجزيرة السورية، التي قفزت فيها نسبة انتشار التشيّع في عهد بشار الأسد إلى 55% بعد أن كان في عهد الأسد الأب لا يتجاوز 6%! يعود هذا التحول إلى عدد من المعطيات تتعلق بالعمالة في لبنان، وانتشار الأمية، والعامل السياسي المتمثل في الرغبة الإيرانية في توسيع ولائها الاجتماعي وتجذير هلالها الشيعي في سورية السنية، فالمنطقة تعتبر بادية سورية تنتشر فيها القبائل، ولهذه القبائل امتدادها في العراق والسعودية والأردن، وبعض هذه القبائل تشيع قسمها العراقي، وبالإجمال فإن البادية المحاذية لشيعة العراق تمثل امتداداً جغرافياً لها، وهذا ما يجعلها مغرية جداً للراغبين في بسط الهلال الشيعي عبر سورية.
كما أن الروابط القَبَلية تساعد على الانتشار بشكل واسع خصوصاً مع شيوع الأمية بشكل واسع في المجتمع البدوي، وهو أمر يجعل للقبيلة سلطاناً يفوق سلطان العقل وأحياناً الدين، لقد اتُّبِعَت استراتيجة واضحة في تشييع القبائل من خلال ربطها بأصولها من آل البيت، خصوصاً وأن كثير من القبائل تدعي نسبتها لآل البيت، وقد تعدّى الأمر في بعض القبائل مثلاً (كقبيلة البكارة)( ) إلى تأويل نسبها وربطه بالأئمة الاثني عشرية (الإمام الباقر مثلاً)( )، ومحاولة تجذير المسألة تاريخياً بزعم أنّ الجزيرة شيعية تاريخياً!( )
إن تصاعد المد الشيعي في عهد بشار الأسد يرجع أيضاً إلى معطيات جديدة في الاستراتيجية المتبعة للتّشيّع، فبالإضافة إلى استغلال الروابط القبلية والظروف الثقافية لمجتمع الجزيرة السورية فإن تدفق الدعم اللوجستي الإيراني (المالي والمعنوي) والحماية الأمنية لنظام الأسد كانا سنداً قوياً لهذا المد لِيُعتمد المال والسياسة كأساسين لانتشاره بسرعة أكبر بكثير من تلك التي كانت في العهد السابق.