رشيد الخيُّون - "الاتحاد" الإماراتية 2/6/2010
أجد نفسي محرجاً في الكتابة عن حزب الدعوة الإسلامية بما لا يرتضيه، ومطالبته بالتنحي عن السلطة، بعد ست سنوات على سدتها، ذلك لأن جمهرة من أصدقائي هم من المنتسبين لهذا الحزب، قبل السلطة، ناهيك عن شقيق أُعدم (1980) بجريرة الانتساب نفسه، وأشقاء تركتهم صغاراً، ولما كبروا تلمسوا طريق شقيقهم، بعد أن سمعوا من الحزب أن الإسلام سينتهي بلا حاميه "الدعوة"!
سيفهم الطلب على أنه الإلحاد، إنما أراها على هدى "أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ" (صحيح مسلم)، وعلى هدى فكرة الانتظار،فالدَّين لا يدير الدولة بعدالة إلا بإشراف معصوم، أما فكرة التمهيد لتلك الدولةفأراها تحايلاً على الفكرة نفسها.
على أية حال، عند المأساة يبحث المبتلونعن اجتماع، وعلى حدِّ ما يُنسب إلى الإمام موسى الكاظم (ت 182): "نواصلُ مَنْ لايستحق وصالنا... مخافة أن نبقى بغير صديقِ" (أعيان الشيعة)، فسقف التباعد عنديسارنا ويميننا مرتفع جداً، ومازال حتى بعد شلل العقائد السياسية مع تبدل الدُّنيا. تعلمنا أن الأحزاب عشائر، والخروج منها خيانة، ومرَّ زمن على بلادنا يبرأ الأخ منأخيه إذا ما خالف هواه الحزبي!
مَنْ يقرأ ما كُتب ويسمع ما قيل عن تاريخ "الدعوة" يصعب عليه أمران: معرفة المؤسس، وتاريخ التأسيس المضبوط، مع أن أهل الحزبيرفعون السيد محمد باقر الصدر (أُعدم 1980) مؤسساً وملهماً، ولم يبق من تقشفهوأمانته في ظل سلطتهم إلا الصورة. يذهبون بتاريخ الـتأسيس إلى ما قبل (1958)، بعداًلما قيل أن النشأة كانت ردة فعل لطغيان اليسار.
لكن، مهما أراد الحزب الهروب منمذكرات المبادرين إلى التأسيس لا يمكنه تجاوز لحظة ظهور "جماعة العلماء"، تلك التيأُستل اسمها من رسالة آية الله محسن الحكيم (ت 1970) إلى حكومة بغداد الجمهورية بعد 14 تموز (مذكرات مهدي الحكيم)، وفيها شكوى من اليسار. لا ينفي أن "الدعوة" كبقيةالأحزاب هدفها السلطة، فأخذ يتصاعد طموحه إليها مع تصاعد الثورة الإيرانية، بلاعتقدَ آنذاك أنها قاب قوسين أو أدنى. وعلى أساس طلب الدولة الإسلامية أنضم السيدالصدر للحزب، لكن الرَّجل كان فقيهاً، لا يأخذ الأمور بلا دليل شرعي، لذا راجعموقفه، ووجد الدليل ليس كافياً في تجاوز ظهور الإمام المهدي، فعاد وانسحب، بل حرمانتماء طلبة الحوزة الدينية للحزب، لهذا السبب أو لآخر.
أغرت الثورةالإيرانية الحزب والصدر معاً، فالحزب وجد الولي، وهو وجد الجماهير، لكنها كانتمجازفة، حيث أسفر الوهم عن مجازر بالحزب، ورواد الجوامع والحسينيات، فالحكم عقيم! لكن طلب السلطة تواصل وأسس الحزب ميليشيا قاتلت مع الجيش الإيراني، حتى بعد إرجاعالإيرانيين للأرض، وكان الأمل بالتغيير عبر الحرب، فقيل إنه كان للحزب معسكر تدريب "الشهيد الصدر"، وميليشيا "جيش الغضب".
صعد الحزب إلى السلطة، وهي هاجسهوهاجس الأحزاب كافة، عبر الائتلاف الشيعي، مقابل ذلك تكور الحزب الإسلامي (الإخوانالمسلمون) داخل أهل السُنَّة، وهذا هو الإسلام السياسي، ببلد مثل العراق، لا يعيشخارج مياه الطائفة. استلم رئاسة الوزراء (2005)، وبعد عدم تمكن الجعفري من إدارةدفة العراق، اختلفت الأطراف، ومع شدَّة تمسكه- إنها رئاسة وزراء العراق- شرط الحزبأن يكون المالكي البديل، وإلا سيتناثر الائتلاف الشيعي.
وحتى هذه اللحظةيصرُّ الحزب على الرئاسة، لكن هذه المرة تحت عنوان "دولة القانون"، بينما صُلب هذاالائتلاف هو "الدعوة"، وما هو موجود من أفراد للصورة فحسب، وحتى الأسماء التيقدمتها "دولة القانون" إلى لجنة الحكماء، للتوحد مع "الوطني"، كانوا ستة دعويين منسبعة!
حاول الحزب، خلال الست سنوات، غزو مؤسسات الدولة بأعضائه، ذلك يبدوواضحاً من مجلس الوزراء إلى بقية دوائر الدولة، مع ضم ميليشياه إلى الجيش، ومنحَرتباً لمجاهديه، وتعاظم الفساد إلى درجة مخيفة، فتراجعت التربية والتعليم لأنوزيرها القائل: "لي الفضل في بناء العقل العراقي"، أخذ يهدمه، لأنه غير مؤهل لهذهالمهمة الكبرى، والتجارة أخبارها معروفة. صحيح أن جميع الأطراف لديها فساد، وأنالمحاصصة تعيق المحاسبة، لكن لا يبدو لدى الحزب الترياق، فهو يعتمد الحزبية فيالوظائف، وصفقات المقاولات، وقد أخذ يبني قاعدة لنفسه، وكان واضحاً استعمالإمكانيات السلطة في الانتخابات، من مؤتمرات العشائر ومكاتب الإسناد، إلى تسخيرالدوائر، والحد من المنافسين بآلة السلطة. وأهم من هذا لم يتقدم خطوةً لتنقيةالأجواء مع الجوار، وهذا هو باب الاستقرار والعُمران.
لكي لا يتراكم ما هوموجود لابد أن يُقال لـ"لدعوة": كفاية، وليأت شخص آخر من قائمة فازت بأكثر الأصوات،أو حسب تخريجة أحد القضاة، "الكتلة الأكبر". لقد وعد المالكي أن يكون (2008) حاسماًمع الإرهاب، و(2009) لتصفية الفساد، وأنه ضد التمترس الطائفي، لكن الفساد تعاظم،والإرهاب مازال خطراً، وعاد وأَتلف طائفياً، بشرط الرئاسة، واللقاء الأسبوعيبالجماهير بمسقط رأس رئيس الحزب والحكومة، وما يفيض على السائلين من هبات، يُذكرأنه لا جديد لدى "الدعوة" على ما كان.
يرى الدعويون أن الجماهير التي ذبحتالخراف تحت أقدام رئيسهم من مال الدولة، والعشائر التي جُندت، تُرقيهم إلى رئاسةالحكومة، فالمهرجانات كانت بيعةً، لذا لم يصدقوا ما فُرز من نتائج. فلو عاد رؤساءالحزب إلى الماضي قليلاً، وأطلوا من على مشارف أسيجة السلطة العالية، لوجدوا الكثيرمما يتحملونه في هذه السنوات، يوم كانوا يعدون للسلطة السابقة ذنوبها!
نعم،السلطة مغرية لا تُري صاحبها إلا أنه على صواب وسواه على باطل، هو الديمقراطي وسواهالدكتاتوري، وهذا ما يوصل إلى الجنون. يُنقل عن الحسن البصري (ت 110 هـ) قوله: "لوكان الرَّجل كلما قال أصاب، وكلما عملَ أحسن، لأوشك أن يجن من العُجب" (الجاحظ،كتاب الحيوان).
ست سنوات كفاية! أجمل لـ"لدعوة" وللبلاد، فبعدها يتمكن منتمييز أهل المبادئ من أهل المصالح، وسيزيد مقامه بين النَّاس لا عبر مؤتمر عشيرة أومكتب إسناد، أو إسداء منصب لمَنْ لا يستحقه، أو توزيع ريع المقاولات بمظاهر التدينالفارقة، إلا أنه ما جدوى تلك المظاهر "ويشكوك جارٌ بائسٌ وخدينُ" (اللزوميات). أراها ست سنوات كفاية..!